النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ کتاب الإيمان وبيننا وبينَكَ هذا الحيَّ من كُفَّارِ مُضَرَ؛ فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نُخْبِرْ به مَن وراءنا وندخل به الجنة ، الحجة ومحرم متوالية ورجب فرد، قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة - ٣٦] وإنما قالوا ذلك اعتذاراً عن عدم الإِتيان إليه عليه الصلاة والسلام في غير هذا الوقت، لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضاً، ويكفون في الأشهر الحرم تعظيماً لها وتسهيلاً على زوّار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها فلا يأمن بعضهم بعضاً في المسالك والمراحل إلا فيها، ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه عليه الصلاة والسلام فيها دون ما عداها لأمنهم فيها من كفار مضر الحاجزين بين منازلهم وبين المدينة، وكان هذا التعظيم في أول الإِسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (وبيننا وبينك هذا الحي) الجملة حال من فاعل نأتيك، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة. وأصل الحي منزل القبيلة، سميت به اتساعاً لأن بعضهم يحيا ببعض، أو يحيي بعضهم بعضاً (من كفار مضر) تبعيضية، أو بيانية وهو الأظهر، ومضر غير منصرف على الأصح، وهو ابن نزار بن [معد بن] عدنان فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس (فمرنا بأمر) الأظهر أن الأمر بمعنى الشأن واحد الأمور، والباء صلة والتنكير للتعظيم، والمراد به معنى اللفظ ومورده، وقيل: الأمر واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل، والتنكير للتقليل والباء للاستعانة والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف أي مرنا نعمل بقولك آمنوا، أو قولوا آمنا. وأغرب ابن حجر في قوله: ((ومن ثم قال الراوي أمرهم بالإِيمان)) ١ هـ، فإنه يدل على أن الأمر بمعنى الشأن، لأنه لو كان كما قال لقال الراوي: قال عليه الصلاة والسلام لهم: [آمنوا، أو قولوا آمنا]. (فصل) بمعنى فاصل بين الحق والباطل، وهو صفة لأمر أي أمر قاطع، أو بمعنى مفصل لتفصيله و هو الإيمان بأركانه الخمسة، أو مفصول أي مبين واضح يفصل به المراد من غيره وحكى الإِضافة (نخبر) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر، أو استئناف وبالجزم على جواب الأمر (به) أي بسببه كذا قيل، والظاهر أنها للتعدية (من وراءنا) بفتح الميم والهمزة أي من خلفنا من قومنا، أو من بعدنا ممن يدركنا، قال ابن حجر: ((وفي رواية أخرى بكسرهما)) اهـ. وهو غير موجود في النسخ المصححة ويحتاج إلى تقدير المفعول (وندخل) عطف على نخبر بصيغة الفاعل، وفي نسخة بصيغة المفعول (به) أي بسبب قبول أمرك والعمل به، أو بالإخبار به المفهوم من نخبر (الجنة) [أي مع الفائزين، وقال ابن حجر: ((مع الناجين)) اهـ، وفيه مناقشة لا تخفى]، ودخول الجنة إنما هو بفضل الله، لكن العمل الصالح سببه، كما أن الأكل سبب الشبع والمشبع هو الله تعالى بفضله إذ لا يجب على الله سبحانه، أو المضاف مقدر أي درجاتها [فإنها] في مقابلة الأعمال ودخول الجنة بالإفضال، قال ابن حجر: ((وهذا على حد: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢])) أي بعملكم، ولا ينافيه خبر: ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله))(١) لأن المراد نفي كون العمل سبباً مستقلاً في (١) البخاري ٢٩٤/١١ حديث ٦٤٦٤ ومسلم ٢١٧٠/٤ حديث (٢٨١٦.٧٥). ٠٨٧٤ ١٦٢ كتاب الإيمان وسألوهُ عن الأشربةِ. فَأَمرُهم بأربعٍ، ونهاهُم عن أربع: أمرهم بالإِيمان باللّهِ وحدَه، قال: ((أتدرون ما الإيمانُ بالله وحدَه؟)) قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال: ((شهادةُ أن لا إِله إِلا اللَّهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإِقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصیامُ رمضانَ، الدخول بدليل قالوا: ((ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته))، وهذا أولى من الجواب بأن الباء في الآية للملابسة أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم أي لثوابها، أو للمقابلة كبعته بدرهم، أو المراد الجنة العالية، أو بأن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل، وقال النووي: ((الدخول بسبب العمل، والعمل من رحمته تعالى أي فلم يقع الدخول إلا برحمة الله، واعترض بأن المقدمة الأولى خلاف صريح الحديث، ويدفع بأن المراد به ما تقرر من انتفاء كونه سبباً مستقلاً مع قطع النظر عن كونه من الرحمة إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلاً بدخولها من غير ملاحظة لكونه من جملة رحمة الله)) اهـ. والتحقيق أن المراد بالحديث انتفاء دخولها بالعمل على وجه العدل وإثباته على طريق الفضل فما بينهما تناف يقبل الفصل (وسألوه) أي الوفد (عن الأشربة) جمع شراب وهو ما يشرب، أي عن حكم ظروفها بحذف المضاف، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة بحذف الصفة والمراد عن حكمها (فأمرهم بأربع) أي بأربع خصال تنبيهاً على أنها الأهم بالسؤال والأتم في تحصيل الكمال (ونهاهم عن أربع) أي أربع خصال، وهي أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية (أمرهم بالإيمان بالله وحده) نصب على الحال أي واحداً في الذات منفرداً في الصفات لا شريك له في الأفعال، وهذا الأمر توطئة فإن الأمر والنهي من فروع التكاليف، وهي موقوفة على الإِيمان فإنه شرط صحتها ومبدأ ثبوتها (قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) ذكره تنبيهاً لهم على تفريغ(١) أذهانهم لضبط ما يلقى إليهم فيكون أوقع في نفوسهم (قالوا: الله ورسوله أعلم) تأدباً وطلباً للسماع منه وَّر، لأن القوم كانوا مؤمنين فلا وجه لقول ابن حجر: هو بمعنى عالم على حد: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام - ١٢٤]، ثم أغرب في قوله: ((ويؤخذ منه الرد على من نازع في قول الفقهاء عقب نحو فتاويهم وأبحاثهم والله أعلم، وعلى من فصل فقال: يقول المجيب في العقائد وبالله التوفيق وفي الفروع والله أعلم)) ١ هـ. فإنه تناقض بين تأويله وأخذه (قال) [قيل] أي الإِيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإِسلام، إذ كلٌ يطلق بمعنى الآخر، ومن ثم فسره عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث بما فسر به الإِيمان هنا كذا قاله ابن حجر، وهو تأويل حسن لولا قوله: ((بالله وحده)) قال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) برفع شهادة [لا غير] على أنها خبر مبتدأ محذوف هو هو (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان) بجر الثلاثة، وهو الأظهر، أو برفعها على ما سيأتي بيانها، قال القاضي عياض: وإنما لم يذكر الحج لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على (١) في المخطوطة تفريع. - مدينة =١٩٠٠ ١٦٣ كتاب الإيمان وأن تُعطوا من المغنم الخُمسَ)). ونهاهُمْ عن أربعٍ: عن الحَثْتَم، والدُّبَّاءِ، والنَّقيرِ، الأشهر (وأن تعطوا من المغنم) بفتح الميم والنون أي الغنيمة (الخمس) بضم الميم وسكونها، قال ابن الصلاح: ((وأن تعطوا عطف على قوله: ((بأربع)) فلا يكون واحداً منها، وإن كان واحداً من مطلق شعب الإِيمان)) اهـ. فيكون هذا من باب زيادة الإفادة، قال الطيبي: في الحديث إشكالان: أولهما أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله: «أتدرون ما الإيمان))، وثانيهما أن الأركان [أي المذكورة] خمسة وقد ذكر أربعة أي أوّلاً، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعاً نظراً إلى أجزائه المفصلة، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وكأن ما سواه مطروح، فههنا ذكر الشهادتين ليس مقصوداً لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة [بدليل] قولهم: ((الله ورسوله أعلم)) اهـ. ويدل عليه ما جاء في رواية للبخاري: ((أمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا خمس ما غنمتم، ولا تشربوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت))(١) اهـ. وبهذه الرواية تندفع الإشكالات، ويرجع إليها التأويلات، لكني ما أقول ما قاله الطيبي من أن ذكر الشهادتين ليس مقصوداً بل أقول: هو المقصود بالذات، وإنما المذكورات بيان شعبها المعظمة وأركانها المفخمة، ومحمل كلام الطيبي أنه ليس مقصوداً من الأربع بل هو جملة معترضة بين الأربع وبين مبينها [و] قال السيد جمال الدين: ((قيل هذا الحديث لا يخلو عن إشكال لأنه إن قرىء: ((وإقام الصلاة» الخ بالرفع على أنها معطوفة على شهادة ليكون المجموع من الإيمان فأين الثلاثة الباقية؟، وإن قرئت بالجر على أنها معطوفة على قوله بالإِيمان يكون المذكور خمسة لا أربعة، وأجيب على التقدير الأول بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصاراً، أو نسياناً، وعلى التقدير الثاني بأنه عد الأربع التي وعدهم، ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم)) اهـ. والأظهر اختيار الجر والمجرورات الأربعة بالعطف هي المأمورات، ويكون ذكر الإِيمان لشرفه وفضله وبيان أساسه وأصله، سواء كانوا مؤمنين أو مرتدين، ويكون قوله: ((أمرهم بالإِيمان إلى آخر الشهادتين)) كجملة معترضة، ويكون التقدير أمرهم بالإِيمان أيضاً بدليل اتفاق أهل السنة على أن الأركان(٢) ليست من أجزاء الإِيمان، وللرواية السابقة عن البخاري. (ونهاهم عن أربع) أي خصال وهي الانتباذ في الظروف الأربعة والشرب منها (عن الحتتم) بدل بإعادة الجار، وهو بفتح الحاء الجرة مطلقاً، أو خضراء، أو حمراء أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر [من مضر، أو أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر] من الطائف، أو جرار تعمل من طين وأدم وشعر أقوال للصحابة وغيرهم، ولعلهم كانوا ينتبذون في ذلك كله (والدباء) بضم الدال وتشديد الباء ويمد ويقصر وعاء القرع، وهو اليقطين اليابس (والنقير) بفتح فكسر جذع ينقر وسطه وينبذ (١) البخاري ١٢٩/١ حديث ٥٣. (٢) في المخطوطة من أنها. ١٦٤ كتاب الإيمان والمزقَّتِ وقال: ((احفظوهنَّ وأخبروا بهنَّ مَن وراءَكم)). متفق عليه. ولفظه للبخاري. ١٨. (١٧) وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، قالَ: قال رسول الله بصّه، وحوله عِصابةٌ فيه (والمزفت) بتشديد الفاء المفتوحة المطلي بالزفت، ويقال له القار والقير وربما قال(١) ابن عباس: المقير بدل المزفت، والمراد بالنهي ليس استعمالها مطلقاً بل النقيع فيها والشرب منها ما يسكر، وإضافة الحكم إليها خصوصاً إما لاعتيادهم استعمالها في المسكرات، أو لأنها أوعية تسرع بالاشتداد فيما يستنقع لأنها غليظة لا يترشح منها الماء ولا ينفذ فيه الهواء، فلعلها تغير النقيع في زمان قليل ويتناوله صاحبه على غفلة بخلاف السقاء فإن التغير فيه يحدث على مهل، والدليل على ذلك ما رُوي أنه قال: ((نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً»(٢)، وقيل: هذه الظروف كانت مختصة بالخمر فلما حرمت الخمر حرم النبي ◌َّ﴿ استعمال هذه الظروف؛ إما لأن في استعمالها تشبيهاً بشرب الخمر، وإما لأن هذه الظروف كانت فيها أثر الخمر فلما مضت مدة أباح النبي ◌َّطهر استعمال هذه الظروف، فإن أثر الخمر زال عنها. وأيضاً في ابتداء تحريم شيء يبالغ ويشدد ليتركه الناس مرة، فإذا تركه الناس واستقر الأمر يزول التشديد بعد حصول المقصود. هذا وذهب مالك وأحمد إلى أن تحريم الإِنتباذ في هذه الظروف باق لم ينسخ لأن ابن عباس استفتى عن الانتباذ فذكره، فلو نسخ لم يذكره، ويرد بأنه لم يبلغه النسخ فلا يكون إيراده له حجة على من بلغه (وقال) أي النبي وَله (احفظوهن) أي الكلمات المذكورات من المأمورات والمنهيات واعملوا بهن (وأخبروا بهن) أي أعلموهن (من وراءكم) أي الذين خلفكم من القوم لتكونوا عالمين معلمين وكاملين مكملين، وفي بعض النسخ بكسر الميم وجر ما بعده، وهو غير ظاهر لاحتياجه إلى تقدير المفعول (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (ولفظه) أي لفظ الحديث (البخاري) يعني ولمسلم معناه، فبهذا المعنى صار الحديث متفقاً عليه. ١٨ - (وعن عبادة بن الصامت ) [رضي الله عنه] بضم العين وتخفيف الموحدة، يكنى أبا الوليد الأنصاري، كان نقيباً وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدراً والمشاهد كلها، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَ لفيه: وحوله) نصبه على الظرف وهو خبر لقوله (عصابة) بالكسر اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد، كأن بعضهم يشد بعضاً، أو من العصب لأنه يشد الأعضاء، والجملة حالية (من (١) في المخطوطة قاله: - (٢) مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٨٤ حديث ٩٧٧. الحديث رقم ١٨: أخرجه البخاري ٦٤/١ حديث رقم ١٨. ومسلم ١٣٣٣/٣ حديث (٤١) والترمذي ٣٦/٤ حديث ١٤٣٩ والنسائي ١٦٠/٧ حديث ٤٢٠٥. وأحمد في المسند ٣١٤/٥. ١٠ / ١٠٢٠/ ٠٣٠ كتاب الإيمان ١٦٥ من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تُشركوا باللَّهِ شيئاً، ولا تسَرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقتُلوا أولادَكم، ولا تأتوا بيُهتانِ تفترونَهُ بين أيديكم وأَرجُلِكم، ولا تَعْصَوا في مَعْروف. فمنْ وَفَی منكم فأجرُهُ على اللَّهِ، ومن أصابَ مِن ذلك شيئاً فعُوقِبَ به في الدُّنيا؛ [ فهو كَفَّارَةٌ له، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثم سَتَرَهُ اللَّهُ عليه في الدنيا] أصحابه) صفة لعصابة (بايعوني) [أي عاقدوني وعاهدوني تشبيهاً لنيل الثواب في مقابلة الطاعة بعقد البيع الذي هو مقابلة مال بمال، ووجه المفاعلة أن كلاً من المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، قال الله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ الآية [التوبة - ١١١] (على أن لا تشركوا بالله شيئاً) مفعول به، أو مفعول مطلق، قيل: الصحيح أن المراد به الرياء (ولا تسرقوا) وهو أخذ مال الغير محرزاً بخفية (ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم) بدفنهم أحياء؛ فصبيانكم خشية إملاق وافتقار، وبناتكم خوف لحوق عار وعيب (ولا تأتوا ببهتان) الباء للتعدية وهو الكذب الذي يبهت سامعه، قيل: المراد به القذف (تفترونه) أي تختلقونه وتخترعونه صفة بهتان (بين أيديكم وأرجلكم) أي من عند أنفسكم، وعبر بهما عن الذات والنفس لأن معظم الأفعال تزاول وتعالج باليد والرجل، وقيل: معناه لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحاً وشفاهاً كيلا يشاجر بعضكم بعضاً كما يقال: فعلت هذا بين يديك أي بحضرتك، وهذا النوع أشد البهت، أو لا تنسبوه مبنياً على ظن [فاسد] وغش مبطن من ضمائركم وقلوبكم التي هي بين أيديكم وأرجلكم، وقيل: معناه ولا تلحقوا بالرجال الأولاد من غير أصلابهم فإن إحداهن في الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها: هو ولدي منك، فعبر بالبهتان المفتري بين يديها ورجلها عن الولد الذي تلحقه بزوجها كذباً، لأن بطنها الذي يحمله بين يديها وفرجها الذي تلد منه بين رجليها (ولا تعصوا) بضم الصاد تعميم بعد تخصيص (في معروف) ما عرف في الشرع حسنه أو قبحه (فمن وفى منكم) بالتخفيف ويشدد (فأجره على الله) قال الطيبي: ((لفظ ((وفى)) دل على أن الأجر إنما ينال بالوفاء بالجميع، لأن الوفاء هو الإِتيان بجميع ما التزمه من العهود والحقوق، وأما العقاب فإنه ينال بترك أي واحد كان)) اهـ. وفيه أنه إن كان المراد بالأجر كماله فالأمر كذلك، وإلا فلا يتوقف أجر امتثال طاعة أو اجتناب معصية على الآخر، ويدل عليه المذهب الصحيح أن التوبة عن بعض الذنوب صحيحة خلافاً للخوارج (ومن أصاب من ذلك) أي المذكور (شيئاً فعوقب) أي (به) كما في نسخة صحيحة يعني أقيم عليه الحد (في الدنيا فهو) أي الحد أو العقاب (كفارة له) وزاد في نسخة: ((وطهور) بفتح الطاء أي يكفر إثم ذلك ولم يعاقب به في الآخرة، وهذا خاص بغير الشرك. وأخذ أكثر العلماء من هذا أن الحدود كفارات وخبر: ((لا أدري الحدود كفارات أم لا)) أجابوا عنه بأنه قبل هذا الحديث لأنه فيه نفى العلم، وفى هذا إثباته، والمعنى: لا يعاقب عليه في الآخرة بل على عدم التوبة منه إن مات قبلها، لأن تركها ذنب آخر غير ما وقع العقاب عليه لقوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ [الحجرات - ١١] ويمكن أن يجعل الخلاف لفظياً والله أعلم. (ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله) أي ذلك الشيء المصاب أي (عليه) كما في نسخة، وعلى غيرها أي ستر الله ذلك المصيب أي ذنبه بأن لم يقم الحد عليه . جوز ٠٠١*2 ١ ـريود ١٦٦ کتاب الإيمان فَهُوَ إِلى اللَّهِ: إِن شاءَ عَفَا عنه، وإِنْ شاءَ عاقَبَهُ)) فبايعناهُ على ذلك. متفق عليه. ١٩. (١٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله بَّل في أضحى. أو فِطر. إِلى المصلى، فمرّ على النِّسَاءِ، فقال: ((يا معشرَ النِّساءِ! تصدَّقْنَ، فإني أُريتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النار)) فقلن: وَبِمَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((تُكثِرْنَ اللعنَ، (فهو) أي المستور (إلى الله) أي أمره وحكمه من العفو والعقاب مفوّض إليه، فلا يجب عليه سبحانه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب مطيع على المذهب الحق (إن شاء عفا عنه) قدم لسبق رحمته (وإن شاء عاقبة) رد على المعتزلة (فبايعناه على ذلك) وتسمى بيعة النساء كما في سورة الممتحنة، ولذا قيل: ((عليكم بدين العجائز)) (متفق عليه) ورواه الترمذي والنسائي. ١٩ - (وعن أبي سعيد الخدري) منسوب إلى خُذْرة بضم الخاء وسكون الدال المهملة حي من الأنصار. هو سعد بن مالك الأنصاري اشتهر بكنيته، كان من الحفاظ المكثرين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات سنة أربع وستين ودفن بالبقيع وله أربع وثمانون سنة [رضي الله عنه] (قال: خرج رسول الله وَل﴿ في أضحى) بفتح الهمزة والتنوين واحده أضحاة لغة في الأضحية أي في عيد أضحى على حذف المضاف، بل غلب على عيد النحر فحينئذ مغنٍ عن التقدير كالفطر، وفي بعض النسخ بترك التنوين سُمِّي بذلك لأنه يفعل وقت الضحى وهو ارتفاع النهار (أو فطر) شك من الراوي (إلى المصلى) أي المسجد الذي يصلي فيه صلاة العيد، وهو الموجود إلى اليوم خارج السور في المدينة المشرفة (فمر على النساء) مر يتعدى بعلى كالباء، ويحتمل أنه قصدهن للوعظ، أو لما مر بهن وعظهن (فقال: يا معشر النساء) أي جماعتهن، والخطاب عام غلبت الحاضرات على الغيب (تصدقن) أمر لهن أي اعطين الصدقة (فإني أريتكن) على طريق الكشف، أو على سبيل الوحي (أكثر أهل النار) على صيغة المجهول من أرى إذا أعلم وله ثلاثة مفاعيل، أحدها التاء القائمة مقام الفاعل، والثاني كن، والثالث أكثر أي أعلمت [بأنكن أكثر دخولاً في النار من الرجال، والصدقة تقي منها كل امرىء في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولأن علة كونهن أكثر أهل النار محبتهن للدنيا وبالتصدق يزول، أو ينقص رذيلة البخل الناشىء عن محبتها المذمومة، ولهذه النكتة ورد: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)»(١)] (فقلن: وبم يا رسول الله) أصله بما حذفت ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجر عليها تخفيفاً، والباء للسببية متعلقة بمقدر بعدها، والواو إما للعطف على مقدر قبله، والتقدير فقلن: كيف يكون ذلك؟ وبأي شيء نكن أكثر أهل النار؟، أو زائدة ليدل على أنه متصل بما قبله لا سؤال مستقل بنفسه منقطع عما قبله (قال: تكثرن اللعن) أصله إبعاد الله تعالى العبد من رحمته بسخطه، ومن الإنسان الدعاء بالسخط الحديث رقم ١٩ : أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٥/١ حديث رقم ٣٠٤. ومسلم ٨٦/١ حديث (٧٩.١٣٢) والترمذي عن أبي هريرة ١١/٥ حديث رقم ٢٦١٣ وابن ماجة عن ابن عمر ١٣٢٦/٢ حديث ٤٠٠٣. (١) البخاري ٢٩٤/٣ حديث ١٤٢٩. ومسلم ٧١٧/٢ حديث ١٠٣٤. ١٦٧ كتاب الإيمان وتكفُرْنَ العشيرَ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذْهَبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازمِ من إِحداكُنَّ)). قلن: وما نُقصانُ دينِنا وعقلِنا؟ يا رسولَ اللَّه! والإبعاد على نفسه أو غيره. وفيه مصادرة لسعة رحمته التي سبقت غضبه؛ ومن ثم اتفق العلماء على تحريمه لمعين ولو كافراً لم يعلم موته على الكفر يقيناً، إذ كيف يبعد من رحمة الله من لا يعرف خاتمة أمره وإن كان كافراً في الحالة الراهنة لاحتمال أن يموت مسلماً بخلاف من علم من الشارع موته كافراً كأبي جهل، أو أنه سيموت كذلك كإبليس فإنه لا حرج في لعنه، وبخلاف اللعن لا لمعين بل يوصف كلعن الله الواصلة وآكل الربا والكاذب، لأنه ينصرف إلى الجنس، ولعل وجه التقييد بالإكثار أن اللعن يجري على ألسنتهن لاعتيادهن من غير قصد لمعناه السابق فخفف الشارع عنهن ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره، ونظيره ما قاله بعض الأئمة: إن الغيبة صغيرة، ووجهوه بأن الناس ابتلوا بها فلو كانت كبيرة على الإطلاق كما جرى عليه كثيرون، بل حُكي عليه الإجماع للزم تفسيق الناس كلهم أو غالبهم، وفي ذلك حرج أي حرج، وقد يستعمل في الشتم والكلام القبيح يعني: عادتكن إكثار اللعن والشتم والإيذاء باللسان (وتكفرن) بضم الفاء (العشير) أي المعاشر الملازم وهو الزوج ههنا، وكفرانه جحد نعمته وإنكارها، أو سترها بترك شكرها، و [في الحديث]: ((ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله))(١) يعني شكراً كاملاً فإنه شكر المسبب ولم يشكر السبب، واستعمال الكفران في النعمة والكفر في الدين أكثر (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) من مزيدة للاستغراق صفة لمفعوله المحذوف أي ما رأيت أحداً من ناقصات، وقيل: يحتمل أن يكون بياناً لإحداكن على المبالغة، أو بالعكس وقوله (أذهب) صفة لمحذوف أي أحداً، وعلى الأوّل صفة أخرى له إن كان بمعنى أبصرت، ومفعول ثانٍ لرأيت إن كان بمعنى علمت، والمفضل عليه مفروض مقدر وهو أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في قوله (للب الرجل) فمعناه أكثر إذهاباً للب، وهذا جائز على رأي سيبويه كهو أعطاهم للدرهم، ثم العقل غريزة يدرك بها المعنى ويمنع عن القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن، واللب العقل الخالص من شوب الهوى (الحازم) صفة الرجل أي الضابط أمره، وفي ذكره مع ذكر اللب إشعارٌ بأن فتنتهن عظيمة تذهب بعقول الحازمين فما ظنك بغيرهم (من إحداكن) متعلق بأذهب، وإنما لم يقل منكن لأن الواحدة إذا كانت على هذه الصفة الذميمة فكونهن عليها أولى من غير عكس. وما أحسن قول جرير في وصف عیوبهن : يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به * وهن أضعف خلق الله أركانا (قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟) مع أن ديننا ودين الرجل واحد، وكلنا معدودون من ذوي العقول؛ ولعلهن خالفن الترتيب السابق الموافق للاحق إشارة إلى الاهتمام بأمر الدين ليتداركن إن كان مما يمكنه التدارك، أو إيماء إلى نقصان عقلهن حيث ما راعين (١) أخرجه الترمذي ٢٩٩/٤ حديث ١٩٥٥ وقال حسن صحيح. ٥١٠٧٠١ "HRAITYH' ١٦٨ / كتاب الإيمان قال: ((أليس شهادةُ المرأةِ [ مثل ] نصفِ شهادةِ الرجل؟)). قلن: بلى قال: ((فذلك من نُقصانِ عقلِها. قال: أليسَ إِذا حاضَتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟)). قلن: بلى. قال: ((فذلك من نُقصانٍ دینها». متفق عليه. ٢٠. (١٩) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَ له: ((قال الله تعالى: كذّبني ابنُ آدَمَ ولم يكنْ له ذلك، كلام النبوّة وما فهمن وجه الترتيب من أن نقصان العقل أمر جبلي مقدم في الوجود، ونقصان الدين أمر حادث، أو لأن الغالب إنما ينشأ نقصان الدين من نقصان العقل. ثم هذا السؤال من حذاقة أولئك الحاضرات، ومن ثمة مدحهن ولو بقوله: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)) (١)، وفي هذا وما قبله حث للمتعلم على مراجعة العالم فيما لم يظهر له معناه (قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة - ٢٨٢] (قلن: بلى، قال: فذلك) إشارة إلى الحكم السابق، والكاف الخطاب العام، ويحتمل الكسر ولذا لم يقل ذلكن مع كون الخطاب للنساء، وقال العسقلاني بكسر الكاف خطاب للواحدة التي تولت الخطاب، ويجوز فتحها على أنه خطاب للعام (من نقصان عقلها) ولذا قال تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة - ٢٨٢] (قال) لعل إعادة قال ليدل على أنه قول مستقل راجع إلى نظيره السابق وليس من تتمة هذا القول [القريب]، وهو موجود في أكثر النسخ وأما في (٢) أصل السيد جمال الدين ومتن صحيح البخاري فغير موجود والله أعلم (أليس) اسمها ضمير الشأن وخبرها قوله (إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك) أي كونها غير مصلية ولا صائمة (من نقصان دينها) يعني في الجملة لأنها حرمت من ثواب الصلاة، فإنها لا تقضي ومن كمال ثواب الصوم حيث لم يقع في وقت الفضيلة مع مشاركة المؤمنين في الطاعة، ولعل هذا وجه إيراده في هذا الباب والله أعلم بالصواب (متفق عليه) ورواه النسائي وابن ماجة. ٢٠ - (وعن أبي هريرة) مر ذكره [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلّه: قال الله تعالى:) هذا حديث قدسي، والفرق بينه وبين القرآن أن الأوّل يكون بالهام أو منام أو بواسطة ملك بالمعنى؛ فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه، والثاني لا يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ المعين، وهو أيضاً متواتر بخلاف الأوّل فلا يكون حكمه حكمه في الفروع (كذبني) بسكون الياء ويجوز فتحها أي نسبني إلى الكذب (ابن آدم)(٣) أي هذا الجنس، والتكذيب هو الأخبار عن كون خبر متكلم غير مطابق للواقع (ولم يكن له ذلك) أي ما صح وما استقام وما كان ينبغي التكذيب له (١) ابن ماجة ٢١٠/١ حديث ٦٤٢. (٢) في المخطوطة ما. الحديث رقم ٢٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٧٣٩/٨ حديث رقم ٤٩٧٤، والنسائي في سننه ٤/ ١٢ حديث رقم ٢٠٧٨ وأحمد في مسنده. (٣) ذكر في المخطوطة ((عبدي)) بدل ابن آدم. . .*. ١٦٩ كتاب الإيمان وشَتمني ولم يكنْ له ذلك؛ فأما تكذيبُهُ إِيَّايَ فقولُهُ: لن يُعيِدَني كما بَدَأني، ولَيسَ أَولُ الخلقِ بأَهوَن عليَّ من إِعادتِهِ. وأما شتمُهُ إِيَّايَ: فقولُهُ: اتخذَ اللَّهُ ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمدُ (وشتمني) الشتم توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص فيه، وإثبات الولد له كذلك لأنه قول بمماثلة الولد في تمام حقيقته، وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث (ولم يكن) لائقاً وحقاً (له ذلك) الشتم (فأما تكذيبه إياي) تفصيل لما أجمله (فقوله: لن يعيدني) الإعادة هي الإِيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود، فالمعنى لن يحييني بعد موتي (كما بدأني) أي أوجدني عن عدم وخلقني ابتداء أي كالحالة التي كنت عليها حين بدأني، أو إعادة مثل بدئه إياي، أو لن يعيدني مماثلاً لما بدأني عليه، أو لبدئه لي من تراب أي لا يقدر على ذلك، أو لا يريد الإعادة من أصلها، أو إعادة الأجسام. وكل ذلك كفر وتكذيب بالآيات القرآنية الدالة على الإِعادة الجسمانية خلافاً لما ذهب(١) إليه حمقى كالأنعام بل هم أضل ولذا رد عليهم بقوله (وليس أول الخلق) يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي ليس الخلق الأوّل للمخلوقات، أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي ليس أوّل خلق الخلق والخلق بمعنى المخلوق، أو اللام عوض عن المضاف إليه أي أول خلق الشيء (بأهون) الباء زائدة للتأكيد من هان الأمر يهون إذا سهل أي ليس أسهل (عليّ من إعادته) أي المخلوق، أو الشيء بل هما يستويان في قدرتي بل الإِعادة أسهل عادة لوجود أصل البنية وأثرها، أو أهون على زعمكم وبالنسبة إليكم، أو أسهل على المخلوق فإن العود يكون آنياً بخلاف الإيجاد فإنه يكون تدريجياً، وفيه اقتباس من الآية (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم - ٢٧]، وقيل: فيه تنبيه على مثال يرشد النبيه إلى فهم الحق، وتقريره عنده وهو ما يشاهده إن من اخترع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها أصلاً ولا عدداً صعبت عليه وتعب فيها غاية التعب، وافتقر إلى مكابدة أعمال ومعاونة أعوان ومرور أزمان ومع ذلك فكثيراً لا يتم له مقصوده ولا يظفر منه بطائل، وشاهد ذلك ما وقع واستقرىء لأكثر طالبي صنعة الكيمياء حتى أن بعضهم لما توهم بعد فناء عمره وماله في معرفتها أنها صحت معه أزعجه الفرح بها إلى أن وقع من علو كان فيه فاندقت عنقه، وأما من أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم وعنده عدد ذلك وأصوله فيهون عليه ذلك، ويتم له مقصوده في أسرع وقت. فمن تدبر ذلك علم أن الإعادة أسهل من البداءة بالنسبة إلينا، والحاصل أن إنكارهم الإعادة بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم له تعالى، والجملة حالية وعاملها قوله في ((فقوله))، وصاحبها الضمير المضاف إليه في قوله (وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً) أي اختاره سبحانه، قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت: العرب: الملائكة بنات الله (وأنا الأحد الصمد) الذي غير محتاج إلى والد وولد، والجملة حالية كما مر، واتخاذ الولد نقص لاستدعائه محالين أحدهما مماثلته للولد وتمام حقيقته فيلزم إمكانه وحدوثه، وثانيهما استخلافه لخلف يقوم بأمره من بعده، إذ الغرض من التوالد بقاء النوع فيلزم زواله وفناؤه سبحانه، ولذا قال تعالى: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه﴾ ١ (١) في المخطوطة لمن. ١٧٠ كتاب الإيمان الذي لم أَلِذْ ولم أولَذْ، ولم يكن لي كُفواً أحد)». ٢١ . (٢٠) وفي رواية عن ابن عباس: ((وأما شتمُهُ إِيَّايَ فقولُه: لي ولدٌ، وسبحاني أن أتخِذَ صاحبةً أو ولداً)). رواه البخاري. الآية [مريم - ٩٠]، والأحد المنفرد المطلق ذاتاً وصفاتاً، وفرق بين الأحد والواحد بأن الواحد لنفي مفتتح العدد، والأحد لنفي كل عدد، فالواحد ينبىء عن تفرد الذات عن المثل والنظير، والأحد ينبىء عن تفردها عن كل نقص وإتصافها بكل كمال، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الولد، والصمد هو الذي يحتاج إليه كل أحد وهو غني عنهم (الذي لم ألد) من قبيل * أنا الذي سمتني أمي حيدرة * أي لم أكن والداً لأحد لأن القديم لا يكون محل الحادث (ولم أولد) أي ولم أكن ولداً الأحد، لأنه أوّل قديم بلا ابتداء كما أنه آخر بلا انتهاء (ولم يكن لي كفؤاً) بضم الكاف والفاء، وسكونها مع الهمزة، وبضمهما مع الواو ثلاث لغات متواترات، يعني مثلاً وهو خبر كان وقوله (أحد) اسمها ونفي الكفء يعم الوالدية والولدية والزوجية وغيرها. ٢١ - (وفي رواية ابن عباس) أي في هذا الحديث بعد قوله: ((اتخذ الله ولداً)) (وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد) وهو اسم جنس يشمل الذكر والأنثى (وسبحاني) وفي نسخة صحيحة بالفاء أي نزهت ذاتي (أن أتخذ) أي من أن أتخذ (صاحبة) أي زوجة لعدم الاحتياج ونفي الجنسية (أو ولداً) قال ابن الملك: شك من الراوي والظاهر أن أو للنوع ويدل عليه ما في جامع الحميدي ولا ولداً، قال الطيبي: زيد لا لما في ((سبحاني)) من معنى التنزيه أي المرادف للنفي المقتضي للعطف في خبره بلا، وفي الحديث من سعة حلمه تعالى ما يبهر العقل، إذ لو وقع مثل ذلك لأدنى خلقه من غيره لحمله غضبه فيه على استئصاله من أصله مع ضعفه وعجزه ولم يفعل تعالی شأنه بمن قال ذلك شيئاً بل أرشده للحق ودل عليه بأبلغ دليل وأوضحه (رواه البخاري) اعلم أن رواية البخاري عن أبي هريرة بلفظ: ((قال الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إن لي ولداً وأنا الله الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته)) وكذا رواه أحمد والنسائي، وأما رواية البخاري عن ابن عباس فلفظه: قال الله تعالى: ((كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً) كذا في الجامع الصغير(١) فتأمل يظهر لك حقيقة الروايتين. ٢٠٠ الحديث رقم ٢١: البخاري ١٦٨/٨ حديث رقم ٤٤٨٢. (١) الجامع الصغير ٢/ ٣٧٣ حديث رقم ٦٠١٤. مجم كتاب الإيمان ١٧١ ٢٢. (٢١) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((قال الله تعالى: يُؤذيني ابنُ آدَمَ يَسُبُ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهرُ، بيدي الأمرُ، أُقَلبُ اللَّيلَ والنَّهارَ)). متفق عليه. ٢٣. (٢٢) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله وَالقول: ((ما أحدٌ أصبرَ ٢٢ - (وعن أبي هريرة) [وإنما] لم يقل وعنه لئلا يتوهم مرجعه إلى ابن عباس فإنه أقرب مذكور، وإن كان أبو هريرة هو المعنون في العنوان (قال: قال رسول الله وي ليه: قال الله تعالى: يؤذيني) بالهمز ويبدل أي يقول في حقي (ابن آدم) ما أكره وينسب إليّ ما لا يليق بي، أو ما يتأذى به من يصح في حقه التأذي، ولذا قيل هذا الحديث من المتشابه، لأن تأذي الله تعالى محال فإما أن يفوّض وإما أن يؤوّل كما تقدم. وقد يطلق الإيذاء على إيصال المكروه للغير بقول أو فعل وإن لم يتأثر به، فإيذاء الله تعالى فعل ما يكرهه وكذا إيذاء رسول الله وقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ [الأحزاب - ٥٧] (يسب الدهر) بصيغة المضارع استئناف بيان، ورُوى بحرف الجر وفتح السين وجر الدهر يعني ظناً منه أن الدهر يعطي ويمنع ويضر وينفع (وأنا الدهر) يُروى برفع الراء، قيل هو الصواب وهو مضاف إليه أقيم مقام المضاف أي أنا خالق الدهر، أو مصرف الدهر [أو مقلبه، أو مدبر الأمور التي نسبوها إليه؛ فمن سبه بكونه فاعلها عاد سبه إليّ لأني الفاعل لها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفاً لمواقع الأمور]، وأتى بأداة الدهر مبالغة في الرد على من يسبه، وهم صنفان: دهرية لا يعرفون للدهر خالقاً. ويقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، أو معترفون بالله تعالى لكنهم ينزهونه عن نسبة المكاره إليه، فيقولون تباً له وبؤساً وخيبةً ونحو ذلك، وقد يقع من بعض عوام المؤمنين جهالة وغفلة. ويُروى بنصب الدهر على الظرفية أي أنا الفاعل، أو المتصرف [في الدهر، وقيل الدهر: الثاني غير الأوّل فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض، أو الزمن الطويل المشتمل على تعاقب الليالي والأيام، بل هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر المتصرف] المدبر المفيض لما يحدث، وقال الراغب: الأظهر أن معناه أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموني (بيدي الأمر) بالإِفراد وفتح الياء وقد تسكن، وجوّز التثنية وفتح الياء المشددة للتأكيد والمبالغة، أي الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها تحت تصرفي (أقلب الليل والنهار) كما أشاء بأن أنقص فيهما، أو أزيد وأقلب قلوب أهلهما كما أريد (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود، ورواه مسلم عنه أيضاً بلفظ: قال الله تعالى: ((يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما)). ٢٣ - (وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَلاغير: ما أحد أصبر) أي ليس أحد الحديث رقم ٢٢: أخرجه البخاري ٥٧٤/٨ حديث رقم ٤٨٢٦ ومسلم ١٧٦٢/٤ حديث (٢٢٤٦.٢) وأبو داود ٥٢٣/٥ حديث رقم ٥٢٧٤ وأحمد في المسند ٢/ ٢٧٢. الحديث رقم ٢٣: أخرجه البخاري ٥١١/١ حديث ٦٠٩٩. ومسلم في صحيحه ٢١٦٠/٤ حديث (٤٩. ٢٨٠٤) وأحمد فى المسند ٤٠١/٤. ٢٫٣٠ کتاب الإيمان ١٠٠ ١٧٢ على أذىّ يَسمعه مِنَ اللَّهِ تعالى يَذْعونَ له الولد، ثمُ يعافيهم ويرزقُهم)). متفق عليه. ٢٤. (٢٣) وعن معاذ رضي الله عنه قال: كنتُ رِذْفَ النبي ◌ِِّ على حمارٍ، ليس بيني وبينه إِلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: ((يا معاذُ! هل تدري ما حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ؟ وما حقُّ العبادِ على اللَّهِ؟)» أشد صبراً، والصبر حبس النفس عما تشتهيه، أو على ما تكره؛ وهو في صفة الباري تأخير العذاب عن مستحقة (على أذى) قيل: إنه اسم مصدر آذى يؤذي بمعنى المؤذي صفة محذوف أي كلام مؤذ قبيح صادر من الكفار وقوله (يسمعه) صفة أذى وهو تتميم لأن المؤذي إذا كان بمسمع من المؤذى كان تأثير الأذى أشد، وهذا بالنسبة إلينا وإلا فالمسموع وغيره معلوم عنده تعالى (من الله) متعلق بقوله: ((أصبر))، لا ((بيسمعه)) (يدعون) بسكون الدال، وقيل بتشديدها (له الولد)(١) والجملة استئناف بيان للأذى (ثم يعافيهم) بدفع المضرة عنهم (ويرزقهم) بإيصال المنفعة إليهم؛ انظر فضله وإنعامه في معاملته مع من يؤذيه فما ظنك بمن يحتمل الأذى عمن يعصيه، ويمتثل ارتكاب طاعاته واجتناب مناهيه. وفيه إرشاد لنا إلى تحمل الأذى، وعدم المكافأة والتخلق بأخلاق الله تعالى (متفق عليه) ورواه النسائي. ٢٤ - (وعن معاذ) أي ابن جبل [يكنى أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وبعثه إلى اليمن قاضياً ومعلماً. روى عنه عمر وابن عمر وابن عباس وخلق سواهم، مات وله ثمان وثلاثون سنة]. (قال: كنت ردف النبي (وَل#) وهو بكسر الراء وسكون الدال الذي يركب خلف الراكب من الردف وهو العجز، أي كنت رديفه (على حمار)(٢) إشارة إلى كمال التذكر بالقصة، وإشعار بتواضعه عليه الصلاة والسلام (ليس بيني وبينه) أراد شدة القرب فيكون الضبط أكثر (إلا مؤخرة الرحل) استثناء مفرغ، وهو العود الذي يكون خلف الراكب بضم الميم بعدها همزة ساكنة وقد تبدل ثم خاء مكسورة هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والخاء المشددة المكسورة وقد تفتح (فقال: يا معاذ هل تدري) أي أتعرف (ما حق الله على عباده) قال الزمخشري: الدراية معرفة تحصل بضرب من الخداع ولذا لا يوصف الباري بها، أي ولا بالمعرفة لاستدعائها سبق جهل بخلاف العلم، أو لتعلق المعرفة بالجزئيات والله تعالى يعلم الجزئيات والكليات (وما حق العباد على الله؟) حق الله بمعنى الواجب واللازم، وحق العباد بمعنى الجدير واللائق؛ لأن الإِحسان إلى من لا يتخذ رباً سواه جدير في الحكمة أن يفعله، ولا يجب على الله شيء خلافاً للمعتزلة، وقيل: حق العباد ما وعدهم به. ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز فهو حق (١) في المخطوطة الوالد. الحديث رقم ٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٨/٦ حديث ٢٨٥٦ ومسلم في صحيحه ٥٨/١ حديث (٤٨. ٣٠) والترمذي ٢٦/٥ حديث رقم ٢٦٤٣. وابن ماجة في سننه ١٤٣٥/٢ حديث ٤٢٩٦. (٢) جاء في الصحيحين أن الحمار اسمه عفير. ١١٠٠ کتاب الإيمان ١٧٣ قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أعلم. قال: ((فإِنْ حَقَّ اللَّهِ على العبادِ أن يعبُدُوه ولا يُشرِكُوا به شيئاً، وحقُّ العبادِ على اللَّهِ أن لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشرِكُ به شيئاً)) فقلت: يا رسولَ اللَّهِ! أفلا أُبَشِّرُ به الناسَ؟ قال: ((لا تُبشرْهُم فيتَكِلُوا)). بوعده الحق وقال النووي: حق العباد على جهة المشاكلة والمقابلة لحقه عليهم، ويجوز أن يكون من قول الرجل حقك وأجب عليّ أي قيامي به متأكد، ومنه قول النبي بَالقر: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام))(١) (قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن) أي إذا فوّضت فاعلم أن (حق الله على العباد أن يعبدوه) أي يوحدوه، أو يقوموا بعبادته وعبوديته بمقتضى إلهيته وربوبيته (ولا يشركوا به شيئاً) الواو لمطلق الجمع، وهو تأكيد أو تخصيص (وحق العباد) بالنصب ويجوز رفعه (على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) من الأشياء، أو الإشراك أي عذاباً مخلداً فلا ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة، كما ثبت به الأحاديث الصحيحة بل المتواترة، ومن ثمة أوجبوا الإِيمان به. فإن قلت: كيف هذا مع قول البيضاوي: وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحد من الأمة بل العفو عن الجميع بموجب وعده ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء - ٤٨] ﴿يغفر الذنوب جميعاً﴾ [الزمر - ٥٣] مرجو؟ قلت: البيضاوي لم ينف الدخول، وإنما نفى تحتمه، وجوّز العفو عن الجميع من حيث عموم الوعد، وأما من حيث إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه لا بد من دخول جمع من العصاة النار فلم يتعرض له البيضاوي على أنه قال: اللازم على الوعد المذكور عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم الدخول لجواز العفو عن البعض بعد الدخول وقبل استيفاء العقاب. اهـ. وفيه مع ذلك نظر لأن النصوص دلت على دخول جمع النار وتعذيبهم بها وقد أسودت أبدانهم حتى صارت كالفحم فيجب الإِيمان بذلك (فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟) أي عمومهم، والفاء في جواب الشرط المقدر أي إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما ذكرت من حق العباد؛ والبشارة إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته، وأما قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران - ٢١] فتهكم أو تجريد(٢) (قال: لا تبشرهم) قال: بعض النهي مخصوص ببعض الناس، وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوماً دون قوم كراهة أن لا يفهموا، وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى (فيتكلوا) منصوب في جواب النهي بتقدير أن بعد الفاء، أي يعتمدوا ويتركوا الاجتهاد في حق الله تعالى، فالنهي منصب على السبب والمسبب معاً أي لا يكن منك تبشير فاتكال منهم، وإنما رواه معاذ مع كونه منهياً عنه لأنه علم منه أن هذا الأخبار يتغير بتغير الزمان والأحوال، والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإِسلام لم يعتادوا بتكاليفه فلما تثبتوا واستقاموا أخبرهم، أو رواه بعد ورود الأمر بالتبليغ والوعید علی الکتمان. ثم إن معاذاً مع جلالة قدره لا یخفی علیه ثواب نشر العلم ووبال کتمه، (١) البخاري ٣٨٢/٢ حديث ٨٩٧ ومسلم ٥٨٢/٢ حديث ٨٤٩. (٢) في المخطوطة تحرير. ٠ ٠٠٠ هوے مود i ١٧٤ .-. كتاب الإيمان متفق عليه . ٢٥. (٢٤) وعن أنسٍ رضي الله عنه: أن النبيِّ وََّ، ومعاذٌ رديفُه على الرحلِ، قالَ: (يا معاذ!)) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: ((يا معاذ!)) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: ((يا معاذ!)) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك،. ثلاثاً. قال: قال: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، صِدْقاً من قلبه إِلا حَرَّمه الله على النار)). قال: يا رسول الله! أفلا أخبرُ به الناسَ فيستبشروا؟ فرأى التحدث واجباً في الجملة، ويؤيده ما رُوي في الحديث الذي يتلوه: ((فأخبر معاذ عند موته تأثماً))، وقيل: إنما نهى النبي ◌َّلهو معاذاً عن التبشير، وأخبر به معاذ بعد تبشير النبي وَلّ المؤمنين فلا يلزم ارتكاب المنهي لأن النهي عن التبشير لا عن الإخبار (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. ٢٥ - (وعن أنس) مر ذكره (أن النبي وَليزر ومعاذ رديفه على الرحل) الجملة حالية معترضة بين اسم إن وخبرها (قال: يا معاذ، قال:) أي معاذ (لبيك) مثنى مضاف بُني للتكرير من غير حصر من لَبَّ أجاب، أو أقام أي أجبت لك إجابة بعد إجابة، أو أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة (رسول الله) بحذف حرف النداء لكمال القرب (وسعديك) عطف على لبيك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة (قال: يا معاذ، قال: لبيك رسول الله وسعديك) تكرير النداء لتأكيد الاهتمام بما يخبر وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه فيكون أوقع في النفس وأشدّ في الضبط والحفظ (قال: يا معاذ، قال: لبيك رسول الله وسعديك ثلاثاً) أي وقع هذا النداء والجواب ثلاث مرات وفي النسخ المصححة كلها بحذف حرف النداء في رسول الله، ووقع في نسخة ابن حجر وجودها في الثالثة فأطنب في توجيهه (قال:) وفي نسخة ((قال)) مكرراً أي قال أنس (قال) النبي وَّر: (ما من أحد) من زائدة لاستغراق النفي واحد مبتدأ وصفته (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً) مصدر فعل محذوف أي يصدق صدقاً وقوله (من قلبه) صفة صدقاً لأن الصدق قد لا يكون من قلب أي اعتقاد كقول المنافق إنك لرسول الله، أو يكون بمعنى صادقاً حال من فاعل يشهد وخبر المبتدأ قوله (إلا حرمه الله على النار) وهو استثناء مفرغ أي ما من أحد يشهد محرم على شيء إلا محرماً على النار، والتحريم بمعنى المنع حُكي عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وقال بعضهم: معناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها فيكون الامتثال والانتهاء مندرجين تحت الشهادتين وهذا قول الحسن البصري، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك قبل أن يتمكن من الاتيان بفرض آخر وهذا قول البخاري، والأقرب أن يراد تحريم الخلود. (قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس) في وضع ((أخبر)) موضع ((أبشر)) تجريد، أو رجوع إلى أصل اللغة، أو اكتفاء بقوله (فيستبشروا؟) أي يفرحوا بحيث يظهر أثر السرور على الحديث رقم ٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٦/١ حديث ١٢٨ ومسلم ٦١/١ حديث (٣٢.٥٣). ١٧٥ كتاب الإيمان قال: ((إذاً يتكلوا)). فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. متفق عليه . ٢٦. (٢٥) وعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي ◌ََّ، وعليه ثوبٌ أبيضُ، وهو نائمٌ، ثم أتَيتُه وقد استيقظ، فقال: ((ما مِن عبدٍ قال: لا إِله إِلا اللَّهُ، ثم ماتَ على ذلك؛ إِلا دخلَ الجنَّةَ» بشرتهم لما فيه من عظيم العفو إذ لم يسمعوا به قبل ذلك (قال: إذاً يتكلوا) إذن حرف جواب وجزاء، وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا أي لا تخبرهم بذلك لأنك إن أخبرتهم وبهذه البشارة بشرتهم يعتمدوا على ألطاف الربوبية ويتركوا حق العبودية، فينجروا(١) إلى نقصان درجاتهم وتنزل حالاتهم، وهذا حكم الأغلب من العوام وإلا فالخواص كلما بشروا زادوا في العبادة كما وقع للعشرة المبشرة وغيرهم، ولذا قال ◌َله في جواب من قال له: أتقوم في الليل حتى تتوزّم قدماك وقد (٢) غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ أفلا أكون عبداً شكوراً؟ (٣) (فأخبر بها) أي بهذه الجملة أو القصة أو البشارة (معاذ عند موته) لبعض أصحابه، والظاهر أن ضمير موته إلى معاذ. وقال الكرماني: يحتمل أن يعود إلى النبي وَلتر (تأثماً) مفعول له أي تجنباً وتحرزاً عن إثم كتم العلم، إذ في الحديث ((من كتم علماً ألجم بلجام من نار))(٤) (متفق عليه). ٢٦ - (وعن أبي ذر) هو جندب بن جنادة الغفاري، وهو من أعلام الصحابة وزهادهم، أسلم قديماً بمكة، يقال: كان خامساً في الإِسلام، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي ◌َّر بعد الخندق، ثم سكن ربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وكان يتعبد قبل أن يبعث النبي وَّ ر. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين (قال: أتيت النبي وَليزر وعليه ثوب أبيض) حال من النبي ◌َّ؛ قال الشراح هذا ليس من الزوائد التي لا طائل تحتها، بل قصد الراوي بذلك أن يقرر التثبت والإتقان فيما يرويه ليتمكن في قلوب السامعين، قلت: أو أراد التذكر بإحضار طلعته الشريفة واستحضار خلعته اللطيفة فيكون كأنه حاضر لديه وواقف بين يديه (وهو نائم) عطف على الحال، وهو بضم الهاء ويسكن أي فرجعت (ثم أتيته) بعد زمان (وقد استيقظ) حال من الضمير المنصوب، والمعنى فوجدته منتبهاً من النوم (فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله) وإنما لم يذكر محمد رسول الله لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع (ثم مات على ذلك) أي الاعتقاد، وثم للتراخي في الرتبة لأن العبرة بالخواتيم (إلا دخل الجنة) استثناء مفرغ أي لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة، ففيه بشارة إلى أن عاقبته دخول الجنة وإن كان له ذنوب جمة، لكن أمره إلى الله إن شاء عفا (١) في المخطوطة فينجر. (٢) في المخطوطة فقد وما أثبت الصواب. (٣) البخاري ١٤/٣ حديث ١١٣٠ ومسلم ٢١٧١/٤ حديث ٢٨١٩. (٤) أخرجه أبو داود في السنن ٦٧/٤ حديث ٣٦٥٨. الحديث رقم ٢٦: البخاري في صحيحه ٢٨٣/١٠ حديث رقم ٥٨٢٧. ومسلم في صحيحه ٩٥/١ حديث رقم (٩٤٠١٥٤) وأحمد في المسند ١٦٦/٥. ٦٧١٠ ٠٩١٦ ١٧٦ كتاب الإيمان ١٣٠ قلت: وإِنْ زَنى وإِن سَرَق؟ قال: ((وإِن زَنى وإِن سَرق)). قلت: وإِنْ زنى وإِنْ سَرقَ؟ قال: (وإن زنى وإِن سَرَق)) قلتُ: وإِنْ زنى وإِنْ سَرق؟! قال: ((وإِن زنى وإن سرق على رَغْمٍ أَنفِ أبي ذرّ)). وكان أبو ذر إِذا حَدَّثَ بهذا قال: وإِن رَغِمَ أنفُ أبي ذرَ. متفق عليه. ٢٧. (٢٦) وعن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((من شَهِدَ أنْ لا إِله إِلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأَنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه وابنُ أمَتِهِ و کلمتُه [عنه] وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة (قلت: وإن زنى) قال ابن مالك: حرف الاستفهام في قوله ((وإن زنى)) مقدر، ولا بد من تقديره أي ادخل الجنة وإن زنى (وإن سرق) أو التقدير أو إن زنى وإن سرق دخل الجنة، وتسمى هذه الواو واو المبالغة وإن بعدها تسمى وصلية وجزاؤها محذوف لدلالة ما قبلها عليه (قال: وإن زنى وإن سرق) وتخصيصهما لأن الذنب إما حق الله وهو الزنا، أو حق العباد وهو أخذ مالهم بغير حق، وفي ذكرهما معنى الاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشية﴾ [مريم - ٦٢] أي دائماً (قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق) أما تكرير أبي ذر فلاستعظام شأن دخول الجنة مع مباشرة الكبائر، وقيل: لظنه أنه لو كرر لأجابه بجواب آخر فيجد فائدة أخرى، وأما تكرير رسول الله وهو فإنكار لاستعظامه أي أتبخل برحمة الله؟ فرحمة الله واسعة على خلقه وأن كرهت ذلك (قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق) فيه دلالة على أن أهل الكبائر لا يسلب عنهم اسم الإِيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقاً، وعلى أنها لا تحبط الطاعات لتعميمه عليه الصلاة والسلام الحكم وعدم تفصيله (على رغم أنف أبي ذر) الرغم بالفتح أشهر من الضم وحُكي الكسر أي الكره ففرح بذلك أبو ذر (وكان أبو ذر إذا حدث) أي بهذا كما في نسخة صحيحة (قال) تفاخراً (وإن رغم) بكسر الغين، وقيل: بالضم والفتح (أنف أبي ذر) أي لصق بالرغام بالفتح، وهو التراب ويستعمل مجازاً بمعنى كره أو ذل إطلاقاً لاسم السبب على المسبب (متفق عليه). ٣/١١٣/١ ٢٧ - (وعن عبادة بن الصامت) مر ذكره (قال: قال رسول الله وَله: من شهد أن لا إله إلا الله وحده) حال أي ينفرد منفرداً (لا شريك له) تأكيد بعد تأكيد (وإن محمداً عبده) الأجل (ورسوله) الأكمل (وإن عيسى عبد الله) لم يضمر ليكون أصرح في المقصود، وهو تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته، وإشعار إلى إبطال ما يقولون له من اتخاذ أمة صاحبة (ورسوله) تعريض باليهود(١) (وابن أمته) كذا في نسخة صحيحة، والإضافة في أمته للتشريف رداً على اليهود في القذف (وكلمته) سُمي عيسى بالكلمة لأنه حجة الله على عباده؛ أبدعه من غير أب ١٣٠ الحديث رقم ٢٧: أخرجه البخاري ٤٧٤/٦ حديث رقم ٣٤٣٥. ومسلم ١/ ٥٧ حديث (٢٨.٤٦) وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣١٤. وأخرجه النسائي ((في اليوم والليلة)) ص ٦٠٣ حديث ١١٣٠. (١) في المخطوطة بالنصارى. ١٩٠. رجوع 2%٢ كتاب الإيمان ١٧٧ ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، والجنةَ حق والنارَ حق؛ أدخلَه اللَّهُ الجنةَ على ما كان من العمل)). متفق عليه. وأنطقه في غير أوانه، فالإضافة للتشريف، وقيل: لكونه موجداً بكن، وقيل: لما انتفع بكلامه سُمي به كما يقال: فلان سيف الله وأسد الله، وقيل: لما خصه به في صغره حيث قال: ﴿إني عبد الله﴾ (ألقاها إلى مريم) استئناف بيان أي أوصلها الله (تعالى] إليها (١) وحصلها فيها (وروح منه) أي مبتدأ من محض إرادته فإن سائر الأرواح البشرية هي كالمتولدة عن أرواح آبائهم لا سيما على مذهب من زعم أن الأرواح أجسام سارية في البدن سريان ماء الورد، وقيل: سُمي بالروح لما کان له من إحياء الموتى بإذن الله فکان کالروح، أو لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة عن حي، وإنما اختُرع اختراعاً من عند الله تعالى، أو لأنه أحدث في نفخ الروح بإرساله جبريل إلى أمه فنفخ في درعها مشقوقاً إلى قدامها فوصل النفخ إليها فحملت به مقدساً عن لوث النطفة والتقلب في أطوار الخلقة من العلقة والمضغة، ووصفه بقوله: ((منه)) إشارة إلى أنه مقرّبه وحبيبه تعريضاً باليهود. روي أن عظيماً من النصارى سمع قارئاً یقرأ ﴿وروح منه﴾ قال: أفغیر هذا دين النصارى، يعني أن هذا دين النصارى، يعني أن هذا يدل على أن عيسى بعض منه، فأجاب علي بن الحسين بن واقد: إن الله تعالى قال: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه﴾ [الجاثية - ١٣] فلو أريد بقوله وروح منه أنه بعضه أو جزء منه لكان معنى جميعاً منه أن الجميع بعض منه، أو جزء منه فأسلم النصراني. ومعنى الآية أن تسخير هذه الأشياء كائن منه وحاصل من عنده يعني أنه مكونها وموجدها (والجنة) منصوب ويرفع (والنار حق) مبالغة كزيد عدل أو صفة مشبهة أي ثابت وأفرد لأنه مصدر، أو لإرادة كل واحدة منهما. وفي كلام أهل التحقيق أن الجنة جنة الوصول إلى معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله، والملائكة الكروبية والروحانية وطبقات الأرواح وعالم السموات بحيث يصير روح السالك كالمرآة المحاذية لعالم القدس، وأشجارها الملكات الحميدة والأخلاق السعيدة ونحوها من المكاسب، وأثمارها المكاشفات والمشاهدات والإشارات وغيرها من المواهب، ومن رضي بالجنة الحسية فهو أبله، ومن أعرض عن الحق وانتقل من روح المحبة والقرب إلى سياسة القهر (٢) والبعد وانحط عن الجهة العلوية إلى عالم النار يعذب بنار روحانية نشأت من استيلاء صفة القهر الإلهي، فيكون أشد وأدوم إيلاماً من النار الجسمانية لأن حرارتها تابعة لنار روحانية ملكوتية هي شرر من نار غضب الله بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في مرتبة النفس بصورة الغضب وهي غير متناهية، وهذا معنى ما يقال إن نار جهنم غسلت بالماء سبعين مرة ثم أنزلت إلى الدنيا ليمكن الانتفاع بها (أدخله الله الجنة) ابتداء وانتهاء والجملة جواب الشرط، أو خبر المبتدأ (على ما كان) حال من ضمير المفعول من قوله: ((أدخله الله)) أي كائناً على ما كان عليه موصوفاً به (من العمل) حسناً أو شيئاً قليلاً أو كثيراً صغيراً أو كبيراً، وفيه رد على المعتزلة والخوارج (متفق عليه) ورواه النسائي. i تجدد (١) في المخطوطة إليه. ـةفود (٢) في المخطوطة القرب. - بوا» جون جوة ١٧٨ كتاب الإيمان ٢٨. (٢٧) وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: أَتَيتُ النبيَّ وَّر، فقلت: ابْسُط يمينَك فَلأبايعْكَ، فبسطَ يمينَهُ، فقبضتُ يدي، فقال: ((ما لكَ يا عمرو؟)) قلت: أردتُ أن أشترطَ. فقال: ((تشترطُ ماذا؟)) قلت: أن يُغْفر لي. قال: ((أمَا علمتَ يا عمرو أن الإِسلامَ يهدِمُ ٠٢٢٠ ٢٨ - (وعن عمرو بن العاص) الأصح عدم ثبوت الياء، إما تخفيفاً أو بناء على أنه أجوف، ويدل عليه ما في القاموس الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس [الأكبر وهم] العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص، فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفاً ولا وصلاً فإنه معتل العين بخلاف ما يتوهم بعض الناس أنه اسم فاعل من عصى فحينئذ يجوز إثبات الياء وحذفه وقفاً ووصلاً بناء على أنه معتل اللام (رضي الله عنه قال: أتيت النبي ◌َّل، فقلت:) أي له كما في نسخة (أبسط يمينك) أي افتحها ومدها لأضع يميني عليها كما هو العادة في البيعة (فلأبايعك) بكسر اللام وفتح العين على الصحيح والتقدير لأبايعك تعليلاً للأمر والفاء مقحمة، وقيل: بضم العين والتقدير: ((فأنا أبايعك)»، وأقحم اللام توكيداً، ويحتمل أن تكون(١) لام الأمر فيجزم، ويحتمل أن تكون اللام مفتوحة والعين مضمومة والتقدير: ((فإني لأبايعك)) والفاء للجزاء كقولك ائتني فإني أكرمك، أو اللام للقسم، وقيل: التقدير فلأجل أن أبايعك طلبت بسط يمينك (فبسط يمينه) أي الكريمة (فقبضت يدي) بسكون الياء وتفتح أي إلى جهتي، وقال ابن ملك: أي نفسي وهو غير ظاهر (فقال:) أي عليه الصلاة والسلام (ما لك يا عمرو؟) أي أي شيء خطر لك حتى امتنعت من البيعة (قلت: أردت أن أشترط) مفعوله محذوف أي شرطاً أو شيئاً، والمعنى أردت بذلك الامتناع أن أشترط لنفسي ما يحصل لها من الانتفاع (قال: تشترط ماذا؟) قيل: حق ماذا أن يكون مقدماً على تشترط لأنه يتضمن معنى الاستفهام وهو يقتضي الصدارة فحذف ماذا وأعيد بعد تشترط تفسيراً للمحذوف، وقيل: كأنه عليه الصلاة والسلام لم يستحسن منه الاشتراط في الإِيمان، فقال: أتشترط إنكاراً فحذف الهمزة، ثم ابتدأ فقال: ماذا؟ أي ما الذي تشترط؟ أو أي شيء تشترط؟ وقال المالكي في قول عائشة: ((أقول ماذا؟)) شاهد أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير فيعمل فيها ما قبلها رفعاً ونصباً؛ فالرفع كقولك: كان ماذا، والنصب كما في الحديث ويؤيده قول بعض العلماء: يجوز وقوعها تمييزاً كقولك لمن قال: عندي [عشرون] عشرون، ماذا؟ (قلت: أن يغفر) بالبناء للمفعول، وقيل للفاعل أي الله كما في نسخة (لي) أي اشترط غفران ذنوبي إن أسلمت (قال: أما علمت يا عمرو) أي من حقك مع رزانة عقلك وجودة رأيك وكمال حذقك الذي لم يلحقك فيه أحد من العرب أن لا يكون خفي عن علمك (أن الإسلام) أي إسلام الحربي لأن إسلام الذمي لا يسقط عنه شيئاً من حقوق العباد (يهدم) بكسر الدال أي م:١١٢٠ الحديث رقم ٢٨: أخرجه مسلم ١١٢/١ حديث رقم (١٢١.١٩٢) وأخرجه أحمد في المسند ٢٠٥/٤. (١) في المخطوطة يكون. .. 1-5-222 ١٠ ba ٦٦٦٦٦٧١ - ١٧٩ کتاب الإیمان ما كانَ قبلَهُ، وأَن الهِجرةَ تهدِمُ ما كانَ قبلَها، وأن الحجَّ يَهدِمُ ما كانَ قبلَهُ؟!)). رواه مسلم. والحديثان المرويان عن أبى هريرة، قال: ((قال الله تعالى: أنا أغنى يمحو (ما كان قبله) أي من السيئات (وأن الهجرة) أي إليّ في حياتي وبعد وفاتي من دار الحرب إلى دار الإِسلام، وأما خبر: ((لا هجرة بعد الفتح)) (١) فمعناه لا هجرة من مكة لأن أهلها صاروا مسلمين (تهدم ما كان قبلها) أي مما وقع قبلها وبعد الإِسلام ما عدا المظالم أي من الخطيئات (وأن الحج يهدم ما كان قبله) أي من التقصيرات، سقط لفظ ((كان)) من أصل ابن حجر فتكلف له وجهاً وهو موجود في جميع النسخ الحاضرة المصححة المقروءة على المشايخ؛ قال الشيخ التوربشتي من أئمتنا [رحمهم الله] ((الإِسلام يهدم ما كان قبله مطلقاً مظلمة كانت أو غيرها صغيرة أو كبيرة، وأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بغفران الكبائر التي بين العبد ومولاه، فيحمل الحديث على هدمهما الصغيرة المتقدمة، ويحتمل هدمهما الكبائر التي تتعلق بحقوق العباد بشرط التوبة، عرفنا ذلك من أصول الدين فرددنا المجمل إلى المفصل وعليه اتفاق الشارحين)). وقال بعض علمائنا: ((يمحو الإِسلام ما كان قبله من كفر وعصيان وما ترتب عليهما من العقوبات التي هي حقوق الله، وأما حقوق العباد فلا تسقط بالحج والهجرة إجماعاً ولا بالإِسلام لو كان المسلم ذمياً سواء كان الحق عليه مالياً أو غير مالي كالقصاص، أو كان المسلم حربياً وكان الحق مالياً بالاستقراض أو الشراء وكان المال غير الخمر))، وقال ابن حجر: ((الحج يهدم ما قبله مما وقع قبله، وبعد الإِسلام ما عدا المظالم لكن بشرط ما ذكر في حديث: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، مع ذلك فالذي عليه أهل السنة كما نقله غير واحد من الأئمة كالنووي وعياض أن محل ذلك في غير التبعات بل الكبائر إذ لا يكفرها إلا التوبة، وعبارة بعض الشارحين حقوق المالية لا تنهدم بالهجرة والحج، وفي الإِسلام خلاف، وأما حقوق العباد فلا تسقط بالهجرة والحج إجماعاً) اهـ. نعم يجوز بل يقع كما دل عليه بعض الأحاديث: ((إن الله تعالى إذا أراد لعاصٍ أن يعفو عنه وعليه تبعات عوّض صاحبها من جزيل ثوابه ما يكون سبباً لعفوه ورضاه)، وأما قول جماعة من الشافعية وغيرهم أن الحج يكفر التبعات واستدلوا بخبر ابن ماجة أنه عليه الصلاة والسلام دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فاستجيب له ما خلا المظالم فلم يجب لمغفرتها فدعا صبيحة مزدلفة بذلك، فضحك عليه الصلاة والسلام لما رأى من جزع إبليس لما شاهده من عموم تلك المغفرة (٢)، فيردّه أن الحديث سنده ضعيف. اهـ. وعلى تقدير صحته يمكن حمل المظالم على ما لا يمكن تداركه، أو يقيد بالتوبة، أو التخصيص بمن كان معه عليه الصلاة والسلام من أمته في حجته فإنه لا يعرف أحد منهم أن يكون مصراً على معصية ولذا قال الجمهور: ((إن الصحابة كلهم عدول)) والله [تعالى] أعلم (رواه مسلم والحديثان المرويان) أي المذكوران هنا في المصابيح (عن أبي هريرة) أولهما (قال الله تعالى: أنا أغنى (١) البخاري ١٨٩/٦ حديث ٣٠٧٨. (٢) أخرجه ابن ماجة ١٠٠٢/١ حديث رقم ٣٠١٣. ١/٠ كتاب الإيمان ١٨٠ الشركاء عن الشرك)) والآخر: ((الكبرياءُ ردائي)) سنذكرهما في باب الرياء والكبر إِن شاء الله تعالی. الفصل الثاني ٢٩. (٢٨) عن معاذ رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسولَ الله! أخبرِني بعملٍ يُدخِلُني الجنّة ، الشركاء عن الشرك) الخ (والآخر الكبرياء ردائي) الخ (سنذكرهما في باب الرياء والكبر إن شاء الله تعالى) لف ونشر مرتب، يعني الحديث الأوّل نذكره في باب الرياء، والثاني نذكره في باب الكبر؛ فإن الحديثين أنسب بالبابين من هذا الباب والله أعلم بالصواب. (الفصل الثاني) أي المعبر به عن قوله من الحسان في المصابيح. ٢٩ - (عن معاذ) أي ابن جبل (رضي الله عنه قال: قلت:) وفي رواية قال: ((بينما نحن نخرج مع رسول الله ﴿ ﴿ في غزوة تبوك وقد أصابنا الحرّ، فتفرق القوم فإذا رسول الله وَلتر أقربهم مني فدنوت منه وقلت)): (يا رسول الله أخبرني بعمل) التنوين للتعظيم، أو للنوع أي عمل عظيم، أو معتبر في الشرع فلا يرد ما ذكره المظهر من أنه إذا جعل ((يدخلني)) جواب الأمر يبقى ((بعمل)) نكرة غير موصوفة وهي لا تفيد (يدخلني الجنة) بالرفع على أنه صفة عمل إما مخصصة أو مادحة أو كاشفة، فإن العمل إذا لم يكن بهذه الحيثية كأنه لا عمل، وبالجزم جزاء شرط محذوف هو صفته أي أخبرني بعمل إن أعمله يدخلني [الجنة]، وقيل جزم باعتبار أنه جواب الأمر أي أخبرني بعمل إن تخبرني يدخلني الجنة يعني أن الخبر وسيلة إلى العمل والعمل إلى الإِدخال، وإسناد الإدخال إلى العمل إسناد إلى السبب، أو شبه العمل لكونه سبباً للمطلوب بالفاعل الحقيقي، أو المعنى يدخلني لا لذاته بل لفضل [الله](١) بجعله سبباً لدخولها، وقيل: الجزم غير صحيح رواية ودراية. أقول فكأنه نظر في عدم صحته دراية أن الإِخبار ليس سبباً لدخول الجنة بل العمل وفيه نظر لأن أخباره عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل ذلك العمل الذي هو ذريعة إلى دخول الجنة، فالإِخبار سبب بوجهما (٢) لادخال الجنة ومن ثم جعل ابن الحاجب ﴿يقيموا﴾ في ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم - ٣١] وغيره ﴿يغفر لكم﴾ في ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم﴾ الآية [الصف - ١٠ - ١٢] هو الحديث رقم ٢٩: أخرجه الترمذي ١٣/٥ حديث رقم ٢٦١٦. وابن ماجة في سننه ١٣١٤/٢ حديث رقم ٣٩٧٣ وأحمد في مسنده ٢٣١/٥. (١) في المخطوطة ((لفضله)). (٢) هكذا وردت في المخطوطة والأصح بوجه ما.