النص المفهرس

صفحات 141-160

٤ ٣طا ..
١٤١
کتاب الإيمان
٨. (٧) وعنه، قال: قال رسول الله وَلَه: ((ثلاث من كنَّ فيهِ وجدَ [ بهنَّ ] حلاوةَ
الإيمان: من كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إِليه مما سِوَاهُما،
٨ - (وعنه) أي عن أنس (قال: قال رسول الله وَّير: ثلاث من كن فيه) مبتدأ والشرطية
خبر وجاز مع أنه نكرة لأن التقدير: خصال ثلاث، قال ابن مالك: مثال الابتداء بنكرة هي
وصف قول العرب ضعيف عاذ بحرملة أي إنسان ضعيف التجأ إلى ضعيف، والحرملة شجرة
ضعيفة، أو ثلاث خصال والتنوين عوض عن المضاف إليه على ما قاله ابن حجر، وفيه أنه لم
يعرف هذا في غير كل وبعض، أو تنوينه للتعظيم فساغ الابتداء به، ويجوز أن تكون الشرطية
صفة لثلاث ويكون الخبر من كان والمعنى: ثلاث من وجدن واجتمعن فيه (وجد) أي أدرك
وصادف وذاق (بهن) أي بسبب وجودهن في نفسه (حلاوة الإيمان) أي لذته ورغبته، زاد
النسائي: ((وطعمه)) وأوثرت الحلاوة لأنها أظهر اللذات الحسية، وقد ورد: ((إن حلاوة الإيمان
إذا دخلت قلباً لا تخرج منه أبداً) ففيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة له، وقيل: معنى حلاوة
الإِيمان استلذاذاً الطاعات وإيثارها على جميع الشهوات والمستلذات، وتحمل المشاق في
مرضاة الله ورسوله، وتجرّع المرارات في المصيبات، والرضا بالقضاء في جميع الحالات،
وفيه تلميح إلى قصة الصحيح الذي يدرك الطعوم على ما هي عليه، والمريض الصفراوي الذي
بضده إذ يجد طعم العسل من نقص ذوقه بقدر نقص صحته، فالقلب السليم من أمراض الغفلة
والهوى يذوق طعمه ويتلذذ منه، ويتنعم به كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من لذيذ الأطعمة
ويتنعم بها، بل تلك اللذة الإِيمانية أعلى فإن في جنبها يترك لذات الدنيا بل جميع نعيم
الأخرى.
(من كان) لا بد من تقدير مضاف قبله لأنه على الوجه الأوّل أما بدل، أو بيان، أو خبر
لمبتدأ محذوف هو هي، أو هن، أو إحداها، وعلى الثاني خبر أي محبة من كان (الله ورسوله
أحب إليه) بالنصب على أنه خبر وإفراده لأنه وصل بمن، والمراد الحب الاختياري المذكور
(مما سواهما) يعم ذوي العقول وغيرهم من المال والجاه وسائر الشهوات والمرادات، وقد
جمع النبي وَّر بين الله ونفسه بلفظ الضمير في ما سواهما مع نهيه عنه قائلاً: ((ومن عصاهما
فقد غوى)) لأنه قد يجوز له ما لا يجوز لغيره، ولذا قال عليه الصلاة والسلام في خطبة النكاح:
((من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلاَّ نفسه))، ووجه التخصيص أنه لا
يتطرق إليه إيهام التسوية بخلاف غيره لو جمع، وإليه مال ابن عبد السلام، ولذا قيل: العمل
بخبر المنع أولى لأن الخبر الآخر يحتمل الخصوص، ولأنه قول والثاني فعل، وقيل: تثنية
الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فإنها
وحدها ضائعة لاغية، وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم
الحديث رقم ٨: أخرجه البخاري ١/ ٦٠ حديث رقم ١٦. ومسلم في صحيحه ٦٦/١ حديث (٤٣.٦٧).
والنسائي ٩٦/٨ حديث رقم ٤٩٨٨ والترمذي ١٦/٥ حديث رقم ٢٦٤٤. وابن ماجة ١٣٣٨/٢
حديث رقم ٤٠٣٣ وأحمد في مسنده ١٧٢/٣.
ـيد جميع

١٤٢
....:.
كتاب الإيمان
ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحبُّهُ إِلا للَّهِ، ومن يكرهُ أن يعودَ في الكُفْرِ بعد أن أنقذَهُ اللَّهُ منه كما
يكرهُ أن يُلقى في النارِ)).
الله﴾ [آل عمران - ٣١]، والأمر بالإفراد هنالك للإشعار بأن كلاً من العصيانين مستقل باستلزام
الغواية، فإن العطف يفيد تكرير العامل واستقلاله بالحكم، فهو في قوّة التكرار فكأنه قال: من
عصى الله فقد غوى، ومن عصى رسوله فقد غوى، لا يقال: عصيان أحدهما عصيان للآخر
فلا يتصوّر الانفراد لأنا نقول كذلك، لكن المراد تفظيع المعصية بأنه لو فرض وجودها من
رسوله وحده لكانت مستقلة بالإغواء فكيف وهي لا توجد إلا (١) منهما وهو معنى دقيق في غاية
التحقيق، وفيه إيماء لطيف وإنهاء شريف إلى أن المحبة مادة الاجتماع على وجه الكمال بحيث
إنه لا يحتمل المغايرة ولذا قيل:
* أنا من أهوى ومن أهوى أنا *
والمخالفة موجبة للافتراق ولذا قال: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ [الكهف - ٧٨] ولتلك
المحبة علامات من أظهرها ما أشار إليه يحيى بن معاذ الرازي بقوله: حقيقة المحبة أن لا تزيد
بالعطاء، ولا تنقص بالجفاء، ولا يتم هذا إلا لصديق جذبته أزمة العناية حتى أوقفته على عتبة
الولاية، وأحلته في رياض الشهود المطلق، فرأى أن محبوبه هو الحق وما سواه باطل محقق.
(ومن أحب) أي وثانيتهما محبة من أحب (عبدأ) أي موسوماً بالعبودية لله حراً كان أم
مملوكاً (لا يحبه) أي لشيء (إلا الله) والاستثناء مفرغ، أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض،
ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشري، بل محبته تكون خالصة لله تعالى، فيكون متصفاً
بالحب في الله وداخلاً في المتحابين لله. والجملة حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما.
(ومن يكره) أي وثالثتهما كراهة من يكره (أن يعود) أي يرجع، أو يتحوّل (في الكفر)
وقيل أن يصير بدليل تعديته بفي على حد ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف - ٨٨] فيشمل من
لم يسبق له كفر أيضاً ولا ينافيه قوله (بعد أن أنقذه الله منه) أي أخلصه ونجاه من الكفر لأن أنقذ
بمعنى حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على الإِسلام، ويستمر بهذا الوصف على الدوام، أو
بالإِخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، أو لا يشمله ولكنه مفهوم من طريق المساواة بل
الأولى. وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾
[البقرة - ٢٥٧] أي بهدايته وتوفيقه، فهو يعم الابتداء والانتهاء (كما يكره أن يلقى في النار) أي
وكراهة من يكره الصيرورة في الكفر مثل كراهة الرمي والطرح في النار، وفي رواية البخاري:
((حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه))(٢)، وفي أخرى
لهما: ((من كان يكره أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إليه يهودياً أو نصرانياً»(٣)، وفي
رواية النسائي: ((وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً) يعني أن
(١) في المخطوطة إلى.
(٢) البخاري في صحيحه ١٠/ ٤٦٣ حديث رقم ٦٠٤١.
(٣) مسلم ٦٦/١ حديث (٤٣.٦٨).
بسر سبب,"

١٤٣
كتاب الإيمان
متفق عليه .
٩. (٨) وعن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله وَلّ: ((ذاقَ طعْمَ الإِيمان
من رضي بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً»
الوقوع في نار الدنيا أولى بالإِيثار من العود في الكفر. وفيه إيماء إلى قول السادة الصوفية:
الحجاب أشد العذاب.
ثم اعلم أن الخصلتين الأوليين من أبواب التحلي بالفواضل والفضائل، والخصلة الأخيرة
من أنواع التخلي من الرذائل؛ ففيها تحثيث وتحريض، وترغيب وتحريص على تحصيل بقية
الشمائل، وإيماء إلى أن المذكورات أمهات لغير المسطورات. (متفق عليه) ورواه أحمد
والنسائي والترمذي وابن ماجة بلفط: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر
بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) كذا في الجامع الصغير للسيوطي.
٩ - (وعن العباس بن عبد المطلب) أي عم النبي ◌ّ، وكان أسن من النبي ◌َّه بسنتين.
ومن لطافة فهمه ومتانة علمه أنه لما سئل: أنت أكبر أم النبي وَّ؟ قال: هو أكبر وأنا أسن.
وأمه أول امرأة كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة؛ وذلك أن العباس ضل وهو
صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ذلك. وكان العباس رئيساً في
الجاهلية، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية؛ أما السقاية فهي معروفة بسقاية الحاج،
وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشاً على عمارته وبالخير وترك السباب فيه وقول الهجر. قال
مجاهد: ((عتق العباس عند موته سبعين مملوكاً)).
ولد قبل سنة الفيل، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين،
وهو ابن ثمان وثمانين، ودفن بالبقيع. وكان أسلم قديماً وكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم
بدر مكرهاً، فقال النبي ويلر: ((من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرهاً))، فأسره أبو اليسر
كعب بن عمر، ففادى نفسه ورجع إلى مكة، ثم أقبل إلى المدينة مهاجراً وروى عنه جماعة.
(قال: قال رسول الله وَلجر: ذاق طعم الإيمان) أي نال وأدرك وأصاب ووجد حلاوته
ولذته؛ وأصل الذوق وجود أدنى طعم في الفم، والمراد به الذوق المعنوي، وأغرب ابن
حجر حيث قال: ذوقاً حسياً، أو معنوياً (من رضي) أي قنع نفسه وطاب قلبه وانشرح صدره
واكتفى (بالله رباً) أي مالكاً وسيداً ومتصرفاً، ونصبه على التمييز وكذا أخواته (وبالإِسلام) أي
الشامل للإيمان (ديناً) عطف عام على خاص (وبمحمد نَّه) والظاهر أنه ملحق وليس لفظ
النبوّة (رسولاً) عطف خاص على عام، والمقصود من الرضا الانقياد الباطني والظاهري،
والكمال أن يكون صابراً على بلائه وشاكراً على نعمائه، وراضياً بقدره وقضائه ومنعه
الحديث رقم ٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٢/١ حديث رقم (٣٤.٥٦). والترمذي ١٦/٥ حديث
٢٦٢٣ وأحمد في مسنده ٢٠٨/١.

١٤٤
:١٣٧٧ / ٢٠٢٢
كتاب الإيمان
رواه مسلم.
١٠. (٩) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((والذي نفسُ
محمدٍ بیدِهِ، لا يسمعُ بي
وإعطائه(١)، وأن يعمل بجميع شرائع الإسلام بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر، وأن يتبع
الحبيب حق متابعته في سنته وآدابه وأخلاقه ومعاشرته، والزهد في الدنيا والتوجه الكلي إلى
العقبى (رواه مسلم) وكذا أحمد والترمذي، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر
مرفوعاً: ((ألظوا ألسنتكم قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن الله ربنا والإِسلام ديننا
ومحمداً نبينا، فإنكم تسئلون عنها في قبوركم))، قال السيوطي في سنده عثمان بن مطر.
١٠ - (وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]) مر ذكره (قال: قال رسول الله (وَليقول: والذي) أي
والله الذي (نفس محمد) أي روحه وذاته وصفاته وحالاته وإرادته وحركاته وسكناته (بيده) أي
كائنة بنعمته وحاصلة بقدرته وثابتة بإرادته؛ ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها
في أيدينا، وهي من المتشابهات ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى مع التنزيه عن
ظاهره، وهو أسلم حذراً من أن يعين له غير مراد له تعالى، ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة
في قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران - ٧] وعدوه وقفاً لازماً وهو ما في وصله
إيهام معنى فاسد، ومن ثم قال أبو حنيفة رحمه الله: ((تأويل اليد بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما
أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده،
ولا يشتغل بتأويله فنقول له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين، ومذهب الخلف فيها تأويله بما
يليق بجلال الله تعالى، وتنزيهه عن الجسم والجهة ولوازمها بناء على أن الوقف على الراسخون
في العلم، وكان ابن عباس يقول: ((أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في العلم)) (٢). قيل:
وهذا أعلم وأحكم، أي يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص،
وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علماً؛ فالمذهبان متفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في
أن الأولى ماذا؟ أهو التفويض أم التأويل؟ ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان، فكان
التفويض في زمان السلف أولى لسلامة صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في
زمان الخلف أولى لكثرة العوام وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلو المبتدعة بين الأنام، والله
أعلم بالمرام. ثم هو قسم جوابه (لا يسمع بي) وكان الأصل أن يقول والذي نفسي، لكنه جرد
من نفسه النفيسة من اسمه محمد، وهو هو ليكون أبلغ وأوقع في النفس، ثم التفت من الغيبة
إلى التكلم تنزيلاً من(٣) مقام الجمع إلى التفرقة، ومن الكون مع الحق إلى الاشتغال بدعوة
الخلق، والانتقال من خزانة الكمال إلى منصة التكميل. قال العارف السهروردي: ((الجمع
(١) في المخطوطة وعطائه.
الحديث رقم ١٠: أخرجه مسلم ١٣٤/١ حديث رقم (١٥٣.٢٤٠).
(٣) في المخطوطة في.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣٤٧/١.
* طعارار

١٤٥
كتاب الإيمان
أحدٌ من هذه الأمَّة، يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ، ثم يموتُ ولم يُؤمِنْ بالذي أُرسِلْتَ به؛ إِلا كان
مِنْ أَصحابِ النَّارِ)). رواه مسلم.
١١. (١٠) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّى:
(ثلاثةٌ لهم أجرانِ :
اتصال لا يشاهد صاحبه إلا الحق، فمتى شاهد غيره فما ثَمَّ جمع، فقوله: ﴿آمنا بالله﴾ جمع
﴿وما أنزل إلينا﴾ [المائدة - ٥٩] تفرقة)). وقال الجنيدي قدس [الله] سره ويُسمى سيد الطائفة
لأنه لم ينطق قط بما لا يطابق الكتاب والسنة: ((القرب بالوجد جمع، وغيبته في البشرية تفرقة،
وكل جمع بلا تفرقة زندقة، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل)).
٦هوى
ثم قيل: الباء زائدة، أو بمعنى من، والأظهر أنها لتأكيد التعدية كما في قوله تعالى: ﴿ما
سمعنا بهذا﴾ [المؤمنون - ٢٤] أو ضمن معنى الأخبار أي ما يسمع مخبراً ببعثي. وحاصل
المعنى: لا يعلم رسالتي (أحد) أي [ممن هو] موجود، أو سيوجد (من هذه الأمة) أي أمة
الدعوة ومن تبعيضية، وقيل: بيانية (يهودي ولا نصراني) صفتان لأحد، وحكم المعطلة وعبدة
الأوثان وثان يعلم بالطريق الأولى، أو بدلان عنه بدل البعض من الكل، وخُصَّاً لأن كفرهما
أقبح وعلى كل لا زائدة لتأكيد الحكم (ثم يموت) فيه إشارة إلى أنه ولو تراخى إيمانه ووقع قبل
الغرغرة نفعه (ولم يؤمن بالذي أرسلت به) أي من الدين المرضي، والجملة حال، أو عطف
(إلا كان) أي في علم الله، أو بمعنى يكون، وتعبيره بالمضي لتحقق وقوعه، وهو استثناء مفرغ
من أعم الأحوال (من أصحاب النار) أي ملازميها بالخلود فيها وأما الذي سمع وآمن فحكمه
على العكس، وأما الذي لم يسمع ولم يؤمن فهو خارج عن هذا الوعيد.
ثم اعلم أن ((لا)) في ((لا يسمع)) بمعنى ليس، ((وثم يموت)) عطف على يسمع المثبت،
((ولم يؤمن)) عطف على يموت، أو حال من فاعله وليس لنفي هذا المجموع، وتقديره: ليس
أحد يسمع بي ثم يموت ولم يؤمن، أو غير مؤمن كائناً من أصحاب شيء إلا من أصحاب النار
(رواه مسلم) .
١١ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه) أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم
قدم مع أهل السفينة ورسول الله وَله بخيبر. ولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة عشرين؛ فافتتح
أبو موسى الأهواز ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان، ثم عزل عنها، فانتقل إلى
الكوفة، فأقام بها. وكان والياً على أهل الكوفة إلى أن قتل عثمان، ثم انتقل أبو موسى إلى مكة
بعد التحكيم، فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنين وخمسين.
(قال: قال رسول الله وَلاير: ثلاثة) أي أشخاص ثلاثة مبتدأ خبره (لهم أجران) أي لكل
الحديث رقم ١١: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٩٠ حديث ٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه ١٣٤/١
حديث (١٥٤.٢٤١) والترمذي ٤٢٤/٣ حديث رقم ١١١٦. والدارمي في سننه ٢٠٦/٢ حديث
رقم ٢٢٤٤. وأحمد في المسند ٤٠٢/٤.
١ ٥٩٤٤
2499
٢٧٧٠٠
...<<- 772.27"

١٤٦
,٣٧٧
كتاب الإيمان
رجلٌ من أهلِ الكتابِ آمَنَ بنِيِّهِ
واحد أجران عظيمان مختصان به لا مشاركة لغيره فيهما .
٦٫٫٣٠
(رجل) بدل من المبتدأ بدل بعض والعطف بعد الربط، أو بدل كل والربط بعد العطف،
أو خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم، أو مبتدأ موصوف محذوف الخبر أي منهم، أو هو خبر
المبتدأ ولهم أجران صفته - والمرأة في حكم الرجل - (من أهل الكتاب آمن بنبيه) خبر بعد
خبر، واختلف الشراح أن المراد هو النصراني أو اليهودي أيضاً، وإلى الأول جنح صاحب
الأزهار وأيده بالدلائل العقلية والنقلية، ومال غيره إلى الثاني وأيده بمؤيدات نقلية، والخلاف
مبني على أن النصرانية هل هي ناسخة لليهودية أم لا، وعلى كل فمن كذبه منهم واستمر على
يهوديته لم يكن مؤمناً بنبيه؛ فإن قلت يؤيد إرادة الإنجيل وحده رواية البخاري: ((فإذا آمن
بعيسى ثم آمن بي فله أجران))(١)، قلت لا يؤيده لأن النص على عيسى إنما هو لحكمة هي بعد
بقاء مؤمن بموسى دون عيسى مع صحة إيمانه بأن لم يبلغه دعوة عيسى إلى بعثة نبينا فآمن به،
وهذا وإن استبعد وجوده لكن في حمل أهل الكتاب على ما يشمله فائدة هي أن اليهود من بني
إسرائيل ومن دخل في اليهودية من غيرهم ولم يبلغه دعوة عيسى يصدق عليه أنه يهودي مؤمن
بنبيه موسى ولم يكذب نبياً آخر بعده؛ فإذا أدرك بعثة نبينا وآمن به تناوله الخبر المذكور،
والأجر المسطور، ومن هؤلاء عرب نحو اليمن متهوّدون ولم تبلغهم دعوة عيسى لاختصاص
رسالته ببني إسرائيل إجماعاً دون غيرهم، فاتضح بهذا أن المراد التوراة والإنجيل كما هو
المعهود ذهناً في نصوص الكتاب والسنة، ومما يصرح بالعموم الآية النازلة في عبد الله بن
سلام وأشباهه وهي: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص - ٥٢] إلى
قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص - ٥٤]. روى الطبراني من حديث رفاعة
القرظي قال: ((نزلت هذه الآية فيّ وفيمن آمن بي))، وروى الطبراني أنها نزلت في سلمان وابن
سلام، ولا تنافي لأن الأول كان نصرانياً والثاني كان يهودياً، فإن قلت يهود المدينة لم يؤمنوا
بعيسى فكيف استحقوا الأجرين؟ قلت: لا نسلم عدم إيمانهم به، وحاشا مثل ابن سلام
وأضرابه مع سعة علومهم وكمال عقولهم أن يكفروا بعيسى، كذا حققه ابن حجر.
والمراد من آمن بنبيه إيماناً صحيحاً بأن يؤمن اليهودي بموسى عليه الصلاة والسلام قبل
العلم بنسخ شرعه بالإِنجيل بناء على أنه ناسخ وإلا فقبل نسخه بشريعتنا، واليهودي والنصراني
بعيسى عليه الصلاة والسلام بالنسبة لمن علم رسالته إليه قبل نسخ شرعه بشريعتنا، وإنما قيدوا
بما قبل النسخ لأن المؤمن بنبي بعد أن بلغته دعوة غيره الناسخة له لا أجر له على إيمانه به،
لأنه لا يصدق عليه حينئذ أنه آمن بنبيه. قيل: ((ويحتمل أنه لا يحتاج إلى هذا التقييد، إذ لا
يبعد أن يكون طرق الإِيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام سبباً لثوابه على الإِيمان السابق، كما أن
الكافر إذا أسلم يثاب على حسناته السابقة في الكفر)) اهـ. ويؤيده عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها
(١) البخاري ٤٧٨/٦ حدیث ٣٤٤٦.
٤٠٠/.

١٤٧
كتاب الإيمان
وآَمنَ بمحمدٍ، والعبدُ المملوكُ إِذا أَدَّى حقَّ اللَّهِ وحقَّ مواليهِ، ورجلٌ كانت عندهُ أَمَةٌ
يطؤها، فأدَّبها فأحسنَ تأدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فأحسنَ تعليمَها، ثم أعتَقَها فتزوَّجَها؛ فلهُ أجرانٍ)).
الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد - ٢٨] وكذا كتابه عليه
الصلاة والسلام إلى هرقل: ((أسلم يؤتك الله أجرك مرتين))(١)، وقومه لم يكونوا من بني
إسرائيل، وإنما دخلوا في النصرانية بعد التبديل كما صرح به شيخ الإِسلام البلقيني وغيره،
وهذا هو الظاهر، وقيل: يحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن
يكون إسلامه سبباً لإسلام أتباعه (وآمن بمحمد) أي إيماناً صحيحاً أيضاً، وإنما لم يقل وبمحمد
مع أنه أخصر للإشعار بتخصيص كل من النبيين بالإِيمان على سبيل الاستقلال دون التبعية. ثم
الإِيمان به متضمن للإيمان بجميع الأنبياء، فالمقصود أن إيمانه السابق مثاب علیه فإنه كان
حقاً.
(والعبد المملوك) وصف به لأنه المراد لا مطلق العبد إذا جميع الناس عباد الله (إذا أدى
حق الله) من صلاة وصوم ونحوهما (وحق مواليه) أي أسياده وملاكه ومتولي أمره من خدمتهم
الجائزة جهده وطاقته، وجمع الموالي لأن أل في العبد للجنس، فلكل عبد مولى عند التوزيع،
أو للإشارة إلى أنه لو كان مشتركاً بين جماعة فلا بد أن يؤدي حقوق جميعهم فيعلم المنفرد
بالأولى، أو للإيماء إلى أنه إذا تعدد مواليه بالمناوبة على جري العادة الغالبة فيقوم بحق كل
منهم .
(ورجل كانت عنده أمة يطؤها) أي يجامعها، وفائدة هذا القيد أنه مع هذا أيضاً يحصل له
الثواب في تربيتها، وقيل: ليس المراد وقوع الوطء بالفعل بل بالقوّة، ويؤيده إسقاطه من رواية
البخاري وهي: ((إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران)) (فأدبها)
أي علمها الخصال الحميدة مما يتعلق بآداب الخدمة، إذ الأدب: هو حسن الأحوال من القيام
والقعود وحسن الأخلاق. (فأحسن تأديبها) بأن يكون بلطف من غير عنف (وعلمها) ما لا بد
من أحكام الشريعة لها، (فأحسن تعليمها) بتقديم الأهم فالأهم (ثم أعتقها) أي بعد ذلك كله
ابتغاءً لمرضاة الله (فتزوّجها) تحصيناً لها ورحمة عليها (فله) أي فللرجل الأخير (أجران) أجر
على عتقه وأجر على تزوّجه كذا قالوه، وقيل: أجر على تأديبه وما بعده وأجر على عتقه وما
بعده؛ ويكون هذا هو فائدة العطف بثُمَّ إشارة إلى بعد ما بين المرتبتين، قيل: وفي تكرير
الحكم اهتمام بشأن الأمة وتزوّجها، وقيل: يجوز أن يعود الضمير في ((فله)) إلى كل واحد من
الثلاثة فيكون التكرير للتأكيد، أو لطول الكلام فيكون كالفذلكة، كقوله تعالى: ﴿ولما جاءهم
كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ [البقرة - ٨٩] الآية، ويمكن أن يكون من باب اختصار
الراوي، أو نسيانه، وقيل: إنما ذكر في الأمة ((فله أجران)) دون ما سبق تأكيداً لحالها، فإن ما
يوجب الأجرين فيها مستحب جائز الترك وهو الإعتاق والتزوج، فاحتيج إلى التأكيد لئلا يترك
(١) البخاري ٣١/١ حديث رقم ٧ ومسلم ١٣٩٣/٣ حديث ١٧٧٣.
جبن:

١٤٨
كتاب الإيمان
متفق عليه .
بخلاف ما سبق فإنه واجب لا يجوز تركه، أو إشعاراً بأن ما يوجب الأجرين مختصاً بالأمة من
جملة ما ذكر فيها من الأمور الأربعة هو الإِعتاق والتزوّج، فلذا ذكر عقيبهما ((فله أجران))
بخلاف التأديب والتعليم فإنهما موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلا يكون
مختصاً بالإِماء، ومن ثمة اتجه سياق الشعبي لهذا الحديث رداً على من قال: ((إن المتزوّج
لعتيقته كالراكب لبدنته)) أي فلا أجر له وكان هذا هو الحامل لهم على ما مر من تفسيرهم
الأجرين بواحد على العتق وآخر على التزوّج لأنه يصير محسناً إليها إحساناً أعظم بعد إحسان
أعظم بالعتق لأن الأول فيه تخليص من قهر الرق وأسره، والثاني فيه الترقي إلى إلحاق المقهور
بقاهره، قال تعالى في الزوجات: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة - ٢٢٨] قال
الكرماني: ((فإن قلت ما العلة في تخصيص هؤلاء الثلاثة والحال أن غيرهم أيضاً كذلك مثل من
صلى وصام فإن للصلاة أجراً وللصوم أجراً وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والده؟ قلت:
الفرق بين هذه الثلاثة وغيرهم أن الفاعل من كل منهم جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة
كان الفاعل لهما فاعل للضدين)) اهـ.
وفيه أن هذه الضدية بعينها موجودة فى حق الله تعالى وحق الوالد، فالأحسن أن يقال
[المراد] هذه الأشياء وأمثالها [و] ليس المقصود بذكرها نفي ما عداها على ما عليه الجمهور،
ولذا قال المهلب: ((في الحديث دليل على أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال
البركان له أجره مرتين))، وقال السيد جمال الدين: ((يمكن أن يقال إن هذه الطوائف الثلاثة لكل
منها أجران بسبب عمل واحد بشرط مقارنة عمل آخر، فالذي آمن من أهل الكتاب وآمن
بمحمد له أجران بسبب الإيمان بنبينا، لكن بشرط الإيمان بنبيه، والعبد المملوك له أجران
بسبب أداء حق الله لكن بشرط أداء حق مولاه تأمل)) اهـ. وأنت إذا تأملت ظهر لك أن المقارنة
ليست بشرط أصلاً، وأن الأجرين إنما هو في مقابلة الإيمانين وأداء الحقين، فالوجه ما قدمناه.
ويمكن أن يقال: لما كان يتوهم من نسخ الأديان المتقدمة أن لا ثواب لأصحابها مطلقاً دفعه
بهذا القول، وكذا المشهور عند العامة أن ثواب عبادة المملوك للمالك فلذا خصه بالذكر،
وربما كان يقال: إن إعتاق الجارية وتزوّجها لغرض نفسه وهو طبعه فلا يكون فيهما أجر فرفعه
وبالغ فيه وقال: له أجران، أو يقال: لما كان كل واحد من هؤلاء المذكورين في زمان الجاهلية
ممتنعاً من العمل الثاني فخصهم بالذكر وحضهم على الفعل بقوله: ((لهم أجران» والله أعلم.
قيل: وإنما لم يضم مع هؤلاء الثلاث أمهات المؤمنين مع أن لهن الأجر مرتين لأن ذلك خاص
بهن وما هنا عام. (متفق عليه) قال السيوطي في الجامع الصغير: رواه الشيخان وأحمد
والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن
بنبيه وأدرك النبي ◌َ * فآمن به وأتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده
فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها
فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوّجها فله أجران)).

١٤٩
کتاب الإيمان
١٢. (١١) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((أُمِزْتُ أن
أقاتلَ الناسَ حتَّى يشهدوا أن لا إِله إِلا اللّهَ وأَنَّ محمداً رسولُ اللَّهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا
الزَّكَاةَ .
١٢ - (وعن ابن عمر [رضي الله عنهما]) مر ذكره (قال: قال رسول الله وَ لاته: ((أمرت) لم
يذكر الآمر للعلم به أي أمرني ربي بالوحي الجلي، أو الخفي (أن أقاتل الناس) أي بأن
أجاهدهم وأحاربهم؛ فأن مصدرية، أو مفسرة لما في الأمر من معنى القول (حتى يشهدوا)
[وفي رواية: ((حتى يقولوا)] (١) (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) أكثر الشراح على أن
المراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ولا يرفع عنهم
السيف إلا بالإقرار بنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، أو إعطاء الجزية، ويؤيده رواية النسائي:
((أمرت أن أقاتل المشركين))(٢)، ولا يتم هذا إلا على رواية لم يوجد فيها: ((وأن محمداً رسول
الله))، وقال الطيبي: المراد الأعم لكن خص منه أهل الكتاب بالآية، قيل: وهو الأولى لأن
الأمر بالقتال نزل بالمدينة مع كل من يخالف الإِسلام، قال ابن الصباغ في الشامل(٣) لما بعث
النبي ◌َّ فرض عليه التوحيد والتبليغ وقراءة القرآن بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق
- ١] ثم فرض الصلاة بمكة، وفرض الصوم بعد سنتين من الهجرة، والحج في السنة السادسة
أو الخامسة، وأما الزكاة فقيل: بعد الصيام، وقيل: قبله، وأما الجهاد فلم يؤذن له بمكة وأذن
له بالمدينة لمن ابتدأ به، ثم ابتدأهم به دون الحرم والأشهر الحرم، ثم نسخ ذلك وأبيح
ابتداؤهم في الأشهر الحرم والحرم. وقال ابن حجر: ((حتى غاية لأمرت، أو أقاتل وهو أولى
أي إلى أن يأتوا بأربعة أشياء؛ ما لم يعطوا الجزية إن كانوا من أهلها، أو يعقد لهم أمان، أو
هدنة إن كانوا من غير أهلها كما استفيد من أدلة أخرى)) اهـ. وقوله: وهو أولى خلاف الأولى
لأن الغاية تتعين للمقاتلة القابلة للاستمرار ولا يصح أن يكون غاية للأمر لعدم الاستقرار
(ويقيموا الصلاة) أي المفروضة بأن يأتوا بشرائطها وأركانها المجمع عليها، قيل: فيه دليل
لمذهب الشافعي أن تارك الصلاة يقتل بشرطه المقرر في الفقه، وفيه أن الكلام في المقاتلة لا
في القتل، ومقاتلة الإِمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق مع أنه منقوض بترك
الزكاة، فإنه لم يقل به أحد. (ويؤتوا الزكاة) وهي لا تكون إلا مفروضة وفيه دليل لقتال مانعيها
ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق وأجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، وقيل: معناه حتى
الحديث رقم ١٢ : أخرجه البخاري في صحيحه ٧٥/١ حديث ٢٥. ومسلم ٥٣/١ حديث (٢٢.٣٦) وأبو
داود في سننه ١٠١/٣ حديث ٢٦٤١ والترمذي حديث رقم ٢٦٤١ والنسائي ٧٨/٧ حديث ٣٩٧٣
وابن ماجة حديث رقم (٧١) والدارمي ٢٨٧/٢ حديث ٢٤٤٦ وأحمد ٣٤٥/٢ إلا أن الأربعة لم
یرووه عن ابن عمر بل عن أبي هريرة وأنس.
(١) راجع التخريج.
(٢) راجع التخريج.
(٣) الشامل في فروع الشافعية لأبي نصر عبد السيد ابن الصباغ يليه شرح لأبي بكر محمد بن أحمد
البغدادي الشاشي يعرف بالشافي.

١٥٠
٠٠.57.
كتاب الإيمان
فإِذا فَعَلُوا ذلك عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأموالَهُم إِلاَّ بحقُ الإِسلام، وحِسَابُهم على اللَّهِ)).
يقبلوا فرضيتهما، ثم قيل: أراد الخمسة التي بني الإِسلام عليها وإنما خصتا بالذكر لأنهما أم
العبادات البدنية والمالية وأساسهما والعنوان على غيرهما، ولذا سمى ((الصلاة عماد الدين))(١)
((والزكاة قنطرة الإِسلام)»(٢) وقرن بينهما في القرآن كثيراً، أو لكبر شأنهما على النفوس
لتكررهما، أو لم يكن الصوم والحج مفروضين حينئذ، والمراد حتى يسلموا ويدل عليه رواية
البخاري: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به)) ولهذا حذفتا في رواية
استغناء عنهما بالشهادتين لأنهما الأصل، والتحقيق أن يقال: الشهادة إشارة إلى تخلية لوح
القلب عن الشرك الجلي والخفي وسائر النقوش الفاسدة الردية، ثم تحليته بالمعارف اليقينية
والحكم الإلهية والاعتقادات الحقية، وأحوال المعاد وما يتعلق بالأمور الغيبية والأحوال
الأخروية، لأن من أثبت ذات الله بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها اسم الله، ونفي غيره
وصدق رسالة النبي بنعت الصدق والأمانة فقد وفى بعهدة عهده، وبذل نهاية جهده في بداية
جهده، وآمن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد، ولذا لم يتعرض لإعداد سائر
الأعداد، وإقامة الصلاة إرشاد إلى ترك الراحات البدنية وإتعاب الآلات الجسدية وهي أم
العبادات التي إذا وجدت لم يتأخر عنها البواقي، ولذا استغنى عن عدها وترك السيئات، فإن
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإيتاء الزكاة هو الإعراض عن الفضول المالية بل عن كل
موجود وهمي بالموجود الحقيقي، وبذل المال الذي هو شقيق الروح لاستفتاح أبواب الفتوح
واللام فيهما للعهد، أو للجنس فينصرف إلى الكامل كقولهم: هو الرجل كأن ما عدا صلاة
المسلمين وزكاتهم ليس صلاة ولا زكاة. (فإذا فعلوا ذلك) أي المذكور من الشهادتين والصلاة
والزكاة، ويسمى القول فعلاً لأنه عمل اللسان، أو تغليباً. (عصموا) بفتح الصاد أي حفظوا أو
منعوا (مني) أي من أتباعي، أو من قبلي وجهة ديني (دماءهم وأموالهم) أي استباحتهم بالسفك
والنهب المفهوم من المقاتلة (إلا بحق الإِسلام) أي دينه، والإِضافة لامية، والاستثناء مفرغ من
أعم عام الجار والمجرور أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من
الأسباب إلا بحق الإِسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع ومن أخذ مال إذا
غصب إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية؛ كقتل لنحو زنا محصن وقطع لنحو سرقة وتغريم
مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم. وقال ابن مالك: الاستثناء من الدماء والأموال بحذف
موصوف أي إلا دماء أو أموالاً ملتبسة بحق (وحسابهم) أي فيما يسترون من الكفر والمعاصي
بعد ذلك (على الله) والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جزاء الشرط، والمعنى: أنّا نحكم
بظاهر الحال والإيمان القولي ونرفع عنهم ما على الكفار، ونؤاخذهم بحقوق الإِسلام بحسب
ما يقتضيه ظاهر حالهم لا أنهم مخلصون، والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب
المنافق، ويجازي المصرَّ بفسقه أو يعفو عنه، وفيه دليل على أن من أظهر الإِسلام وأبطن الكفر
٥٢٠٠
(١) البيهقي في شعب الإيمان.
(٢) الطبراني في الكبير ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢٨١/١ حديث ٤٥٨٩.

١٥١
:حبي -
كتاب الإيمان
متفق عليه. إلا أن مسلماً لم يذكر: ((إِلا بحق الإِسلام)).
يقبل إسلامه في الظاهر، وذهب مالك إلى أنه لا تقبل توبة الزنديق، وهو من يظهر الإسلام
ويخفي الكفر ويعلم ذلك بأن يقرّ أو يُطلّع منه على كفر كان يخفيه، فقيل: لا تقبل ويتحتم
قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة، وقيل: يقبل منه مرة فقط، وقيل: ما لم يكن
تحت السيف، وقيل: ما لم يكن داعية للضلال، وقيل: ((معنى الحديث أن القتال والعصمة
إنما هما في الأحكام الدنيوية، وأما الأمور الأخروية من الثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها فهو
مفوّض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيه)) اهـ. وقد يرجع إلى المعنى الأوّل فتأمل، وقيل: معناه
أن الحساب كالواجب في تحقق الوقوع، وقيل: هو واجب شرعاً بحسب وعدة تعالى به فيجب
أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء فلا حجة فيه للمعتزلة في زعمهم وجوبه على الله تعالى
عقلاً. ثم الحساب مصدر كالمحاسبة وهو العد، قيل: ومعنى حسابهم على الله أن يعلمهم
مالهم وما عليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وبمالهم من الثواب
والعقاب، عن ابن عباس أنه قال: ((لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله ويُعطَّوْن
كتبهم بأيمانهم، فيقال: قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم. فيقال: قد ضعفتها لكم)).
فيكون مجازاً من باب إطلاق السبب على المسبب لأن الحساب سبب لحصول علم الإنسان
بماله أو عليه، أو أنه يجازيهم إذ الحساب سبب للأخذ والإِعطاء، قال تعالى: ﴿والله سريع
الحساب﴾ [النور - ٣٩] ومعنى سرعته أن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن
يفتقر في إحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذا ورد أنه: ((يحاسب الخلق في مقدار
حلبة شاة، أو في لمحة)) (متفق عليه) أي اتفق البخاري ومسلم على رواية جميع الحديث
المذكور (إلا أن مسلماً لم يذكر إلا بحق الإِسلام) لكنه مراد ورواه النسائي وابن ماجة من
حديث جابر، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا﴾ أي عن الكفر بإتيان الشهادتين
﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة - ٥] وفي الجامع الصغير رواه الجماعة عن
أبي هريرة، وهو متواتر أي معنوي بلفظ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله، وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على
الله))(١). وفي الجامع الكبير روى ابن جرير والطبراني في الأوسط عن أنس وحسنه بلفظ:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحقها))، قيل: وما حقها، قال: ((زنا بعد إحصان أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس فيقتل
بها)» اهـ.
-.-. "
ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن الإقرار شرط لصحة الإسلام وترتب الأحكام،
ورد بليغ على المرجئة في قولهم: إن الإِيمان غير مفتقر إلى الأعمال، ودليل على عدم تكفير
أهل البدع من أهل القبلة المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع.
(١) الجامع الصغير ١٠٢/١ حديث ١٦٣٠.
สมาชิ

١٥٢
۔۔۔۔
کتاب الإيمان
/٧٫٫١٣٧٠
١٣. (١٢) وعن أنس، أنه قال: قال رسول الله وَلِّ: ((من صَلَّى صلاتَنا، واستقبلَ
قِبلتَنا، وأَكَلَ ذبيحتنا؛ فذلك المسلمُ الذي لهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رسولِهِ، فلا تُخفِرُوا الله في
ذِمَّتِهِ». رواه البخاري.
٢٢/١٣٣/١
١٤. (١٣) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى أعرابيٍّ النبيِّ وَّ، فقال: دُلَّني
على عملٍ إِذا عملتُهُ دخلتُ الجنَّةَ. قال: ((تعبدُ اللَّهَ
١٣ - (وعن أنس) مر ذكره (أنه) هو ثابت في النسخ المصححة (قال: قال رسول الله
: من صلى صلاتنا) أي كما نصلي، ولا توجد إلا من موحّد معترف بنبوّته، ومن اعترف
به فقد اعترف بجميع ما جاء به فلذا جعل الصلاة علماً لإسلامه ولم يذكر الشهادتين
لدخولهما في الصلاة حقيقة أو حكماً (واستقبل قبلتنا) إنما ذكره مع اندراجه في الصلاة لأن
القبلة أعرف، إذ كل أحد يعرف قبلته وإن لم يعرف صلاته، ولأن في صلاتنا ما يوجد في
صلاة غيرنا، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا، ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان اكتفاء
بالصلاة التي هي عماد الدين، أو لتأخر وجوب تلك الفرائض عن زمن صدور هذا القول.
ثم لما ميز المسلم عن غيره عبادة ذكر ما يميزه عبادة وعادة بقوله (وأكل ذبيحتنا) فإن التوقف
عن أكل الذبائح كما هو من العبادات فكذلك من العادات الثابتة في الملل المتقدمات،
والذبيحة فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء للجنس كما في الشاة (فذلك) أي من جمع هذه
الأوصاف الثلاثة مبتدأ خبره (المسلم) أو هو صفته وخبره (الذي له ذمة الله وذمة رسوله) أي
أمانهما وعهدهما من وبال الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما، أي يرتفع عنه؛
هذا وكرر لفظة ذمة إشعاراً بأن كلا منهما مقصود، وأن الأصل هو الأول، وأنهما متلازمان
ولذا اقتصر عليه في قوله (فلا تخفروا الله في ذمته) من الإِخفار أي لا تخونوا الله في عهده،
ولا تتعرضوا في حقه من ماله ودمه وعرضه، أو الضمير للمسلم أي فلا تنقضوا عهد الله
بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في ذمته أي ما دام هو في أمانة (رواه البخاري)
وأبو داود والترمذي والنسائي بمعناه.
١٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) مر ذكره (قال أتى أعرابي) أي بدوي منسوب إلى
الأعراب وهم سكان البادية، كما أن العرب سكان البلد (النبي) أي جاءه وفي نسخة إلى النبي
(َّه فقال: دلني) بضم الدال وفتح اللام المشدّة أي أرشدني بالدلالة (على عمل) صفته أنه (إذا
عملته دخلت الجنة) أي دخولا أولياً غير مسبوق بنوع من العذاب (قال تعبد الله) خبر بمعنى
الأمر، أو في تأويل المصدر بتقدير أن، ولما حذفت رفع الفعل، وقيل: مع بقاء أثره من
الحديث رقم ١٣ : أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٦/١ حديث رقم ٣٩١. ورواه النسائي ١٠٥/٨ حديث
٤٩٩٧ لقوله فذلكم المسلم.
الحديث رقم ١٤: البخاري في صحيحه ٢٦١/٣ حديث رقم ١٣٩٧ ومسلم في صحيحه ٤٤/١ حديث
(١٥ . ١٤).
٠٫٣٠

١٥٣
کتاب الإيمان
ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتُوبةَ، وتؤدّي الزكاةَ المفروضَةَ، وتصومُ رمضانَ)).
قال: والذي نفسي بيدهِ لا أزيدُ على هذا شيئاً ولا أنقُصُ منه.
النصب، أو تنزيلاً منزلة المصدر بذكر الفعل وإرادة الحدث، كما في ((تسمع بالمعيدي خير من
أن تراه»، وكقوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [الروم - ٢٤] وهو في الحديث مرفوع
المحل بالخبرية لمبتدأ محذوف أي هو يعني العمل الذي إذا عملته دخلت الجنة هو عبادة الله
الخ، ثم قيل: المراد بالعبادة التوحيد للعطف والأصل المغايرة، وهو شامل للنبوّة لأنه لا يعتبر
بدونها، فذكره مُغْنٍ عن ذكرها، وقيل: السائل كان مؤمناً فذكره لشرفه وكونه أصلاً، وقيل: إنه
من باب عطف الخاص على العام (ولا تشرك به شيئاً) أي من الأشياء، أو من الشرك جلياً أو
خفياً، والجملة حالية أي غير مشرك، وهو يؤيد أن المراد بالعبادة التوحيد، وهذه الجملة تفيد
التأكيد وعلى الثاني قيل: إنما ذكره رداً على الكفار حيث قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى
الله زلفى﴾ [الزمر - ٣] وبياناً لأن العبادة لا تكمل إلا إذا سلمت من طرق الرياء، قال تعالى:
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف - ١١٠]
قال العارفون: التعبد إما لنيل الثواب، أو التخلص من العقاب وهي أنزل الدرجات، وتسمى
عبادة لأن معبوده في الحقيقة ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازي إجماع المتكلمين على عدم
صحة عبادته، أو للتشرف بخدمته تعالى والانتساب إليه وتسمى عبودية، وهي أرفع من الأولى
ولكنها ليست خالصةً له، أو لوجهه تعالى وحده من غير ملاحظة شيء آخر وتسمى عبودة وهي
أعلى المقامات وأرفع الحالات. (وتقيم الصلاة المكتوبة) أي المفروضة على الأعيان بشرائطها
وأركانها المعلومة (وتؤدي) أي تعطي (الزكاة المفروضة) والتغاير بينهما للتفنن، وهي هنا
للتأكيد لئلا يتوهم المعنى اللغوي وهو مطلق الصدقة بخلاف الأولى فإنها احترازية، والمعنى
أداء مقدارها المعينة لمصارفها المقررة (وتصوم رمضان) ولا يكون إلا مفروضاً، ولذا لم يقيده
ومن ثم صح صومه بنية مطلقة (قال:) أي الأعرابي (والذي نفسي بيده) فيه جواز اليمين لغير
ضرورة (لا أزيد على هذا) أي ما ذكر (شيئاً) أي من عندي (ولا أنقص منه) وقيل: لا أزيد على
هذا السؤال ولا أنقص في العمل مما سمعته، أو كان الرجل وفداً فالمعنى لا أزيد على ما
سمعت في تبليغه ولا أنقص منه، ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات، أو
أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر صح إثبات النجاة له بمجرد ذلك، ويؤيده رواية
البخاري: فأخبره رسول الله وَله بشرائع الإِسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: ((والله لا أزيد ولا
أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئاً)، وقيل: قصد به المبالغة في التصديق والقبول أي قبلت
قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقص فيه من طريق القبول،
قيل: وهذا قبل مشروعية النوافل، ولا حاجة إلى هذا فإنها متممات ومكملات للفرائض لا
زيادة عليها مع أنه قد يقال مراده أنه لا يزيد على الأجناس المذكورة، ولم يذكر هنا الحج ولا
الصوم في رواية - ولا الزكاة - في أخرى، ولا الإِيمان في أخرى، وذكر في بعضها صلة
الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، وأجاب ابن الصلاح كالقاضي عياض بأن سبب ذلك تفاوت
الرواة حفظاً وإتقاناً .
٠٫٠٠٠٠

١٥٤
و(2)
كتاب الإيمان
فلما وَلّى، قال النبيُّ وَّهِ: ((من سَرَّهُ أن ينظُرَ إِلى رجلٍ من أهل الجنة فَلينظُرْ إِلى هذا)).
مُتفقٌ عليه .
١٥ . (١٤) وعن سفيان بن عبد الله الثقفيّ، قال: قلتُ: يا رسول الله! قلْ لي في
الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدَك. وفي رواية: غيرَك. قال: ((قُلْ: آمنتُ بالله ثُمَّ
استقِمْ)).
(فلما ولى) أي أدبر الأعرابي وذهب (قال النبي ◌َّيقر: من سره) أي أوقعه في السرور
وأعجبه والفاعل هو (أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر) جواب الشرط أو خبر متضمنة
(إلى هذا) أي هذا الرجل لعزمه على فعل المأمورات وترك المحظورات؛ فعلى من أراد اللحوق
به في ذلك أن يصمم على ما صمم عليه [ليكون] من الناجين وليحشر مع السابقين، فيحتمل أن
تكون الإشارة إلى الفرد الجنسي وهو ظاهر، أو إلى الفرد الشخصي وهو الأظهر، ويكون العلم
أما بالوحي، أو بغلبة الظن (متفق عليه) .
للفي
١٥ - (وعن سفيان) بتثليث السين والضم هو المشهور (ابن عبد الله) أي ابن ربيعة
(الثقفي) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف، يكنى أبا عمرو، وقيل أبا عمرة، يعد في أهل الطائف
له صحبة. وكان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطائف، مرویاته خمسة أحاديث (قال: قلت: يا
رسول الله قل لي في الإِسلام) أي فيما يكمل به الإِسلام ويراعى به حقوقه ويستدل به على
توابعه، وقيل: التقدير في مبادىء الإسلام وغاياته (قولاً لا أسأل عنه أحداً أبعدك) أي قولاً
جامعاً لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤالك هذا، كقوله تعالى: ﴿وما يُمْسك فلا مرسل له
من بعده﴾ [فاطر - ٢] [أي] من بعد إمساكه (وفي رواية: ((غيرك))) أي لا أسأل عنه أحداً
غيرك، والأول مستلزم لهذا لأنه إذا لم يسأل أحداً بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر وجه
أولوية الأول بجعله أصلاً، والثاني رواية خلافاً لما فعل النووي في أربعينه (قال: قل: آمنت
بالله) أي بجميع ما يجب الإِيمان به (ثم استقم) هذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا
ربنا الله ثم استقاموا﴾ يعني على امتثال الأوامر واجتناب الزواجر ﴿فلا خوف عليهم ولا هم
يحزنون﴾ [الأحقاف - ١٣]، وفي آية أخرى: ﴿تتنزّل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا
وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ الآيات [فصلت - ٣٠]. رُوي عن علي رضي الله عنه أنه
قال: ((قلت: يا رسول الله أوصني، فقال: قل: ربي الله ثم استقم، قال: قلت: ربي الله وما
توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فقال: ليهنك العلم أبا الحسن))(١) .
وهذا الحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإِسلام التي هي التوحيد والطاعة؛
فالتوحيد حاصل بقوله: ((آمنت بالله))، والطاعة بأنواعها مندرجة تحت قوله: ((ثم استقم))، لأن
الحديث رقم ١٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٥/١ حديث (٣٨.٦٢). والترمذي بلفظ آخر ٤/ ٥٢٤
حديث ٢٤١٠. وابن ماجة ١٣١٤/٢ حديث ٣٩٧٢ وأحمد في المسند ٤١٣/٣.
(١) أبو نعيم في الحلية ٦٥/١.

١٥٥
كتاب الإيمان
الاستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل محذور فيدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان
والإِسلام والإِحسان، إذ لا تحصل الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، ولذا قالت الصوفية:
((الاستقامة خير من ألف كرامة))، أو تقول: ((آمنت بالله)) شامل للإتيان بكل الطاعات والاجتناب
عن كل المنهيات، وقوله: ((ثم استقم)) محمول على الثبات فيهما.
ولعظمة أمر الاستقامة قال عليه السلام: ((شيبتني سورة هود»، لأنه نزل فيها: ﴿فاستقم
كما أمرت﴾(١)، وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف. وقالت الصوفية: ((لأن الدعوة إلى الله مع
كون المدعوّ على الصراط المستقيم أمر صعب لا يمكن إلا إذا كان الداعي على بصيرة يرى أنه
يدعوه من اسم إلى اسم))، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود -
١١٢]: ((ما نزل على رسول الله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه
الآية))(٢)، ولذا قال عليه الصلاة والسلام لما قالوا له: قد أسرع إليك الشيب: ((شيبتني هود
وأخواتها))(٣)، وقال الفخر الرازي: ((الاستقامة أمر صعب شديد لشمولها العقائد بأن يجتنب
التشبيه والتعطيل، والأعمال بأن يحترز عن التغيير والتبديل، والأخلاق بأن يبعد عن طرفي
الإفراط والتفريط»، وقال الغزالي: ((الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على
صراط جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف)) اهـ. ومما يؤيد صعوبة هذا
المرقى خبر: ((استقيموا ولن تحصوا)) أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة، ولكن
اجتهدوا في الطاعة حق الإِطاعة، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وفيه تنبيه نبيه على أن أحداً
لا يظن بنفسه الاستقامة، ولا يتوهم أنه خرج بالكلية من صفة النفس اللّامة فيقع في العجب
والغرور اللذين هما أقبح من كل ما يترتب عليه الملامة، نسأل الله السلامة. وقد يقال: السين
لطلب القيام والثبات على الحالات والمقامات في جميع الساعات إلى الممات، ثم قد يقال:
الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة أن تراب الإِنسان عجن بماء النسيان الناشىء عنه
العصيان، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون)» (٤)؛ فجنس
الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج، فلا يتصوّر منهن الاستقامة على صفة
الإِدامة، ((وكلّ ميسر لما خلق له))(٥)، ولا يزول طبع عما جبل عليه كما ورد في حديث
الإشارة إليه هذا.
ولفظة ثم مستعارة للتراخي الرتبي؛ لأن الاستقامة أفضل من قوله: ((آمنت بالله)) لشمولها
العقائد والأعمال والأخلاق ذكره الزمخشري والإمام، وهي لغة ضد الإعوجاج أي الاستواء في
(١) القرطبي ١٠٧/٩ (الجامع لأحكام القرآن).
(٢) الفخر الرازي في تفسيره ١٨/ ٧٢.
(٣) أخرجه الترمذي ٣٧٥/٥ حديث ٣٢٩٧.
(٤) أخرجه الترمذي ٥٦٨/٤ حديث ٢٤٩٩ وأخرجه ابن ماجة أيضاً.
(٥) البخاري ٥٩٧/١٠ حديث ٦٢١٧. ومسلم ٤/ ٢٠٤٠ حديث ٢٦٤٧.
......

١٥٦
كتاب الإيمان
رواه مسلم.
١٦. (١٥) وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه،
جهة الانتصاب، وتنقسم إلى استقامة العمل وهو الاقتصاد فيه غير متعد من منهج السنة ولا
متجاوز عن حد الإِخلاص إلى الرياء والسمعة، أو رجاء العوض، أو طلب الغرض، واستقامة
القلب وهي الثبات على الصواب وعند المحققين هي استواء القصد في السير إلى الله، وثبات
القوى على حدودها بالأمر والنهي، وهي دون الاستقامة في السير في الله؛ لأن هذه في الطريق
والسلوك إليه بأحدية الطريق المستقيم، وأما السير في الله فهو الإِتصاف بصفاته، والاستقامة في
الله دون الاستقامة في السير في الله المأمور بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في قوله:
﴿فاستقم كما أمرت﴾ لأن تلك في مقام جمع الجمع والبقاء بعد الفناء، والأولى للمريدين
والثانية للمتوسطين، واستقامة الروح وهي الثبات على الحق والسر وهي الثبات على الحقيقة.
قال القشيري: الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها،
ومن لم يكن مستقيماً ضاع سعيه وخاب جهده وأنشد:
إذا أفشيت سرك ضيق صدر * أصابتك الملامة والندامة
وإن أخلصت يوماً في فعال * تنال جزاءه بالاستقامة
وقال بعض العارفين: معنى الحديث أنه إذا وفقت بالتوحيد ورؤية جلال قدمه فدر مع
الحق حيث دار أما قضاء وأما رضاء، ولا تنزل عن مقام الرضا إلى فترة النفس والهوى. وقال
الغزالي: ((لعزة الاستقامة والاحتياج إليها في كل حالة أمر الله تعالى عباده بقراءة الفاتحة
المتضمنة للدعاء بالاستقامة أمر وجوب في الأوقات الخمسة)). نسأل الله تعالى الاستقامة
الشاملة بحسن الخاتمة (رواه مسلم) ورواه النسائي والترمذي وابن ماجة وزاد: ((قلت: يا رسول
الله، ما أخوف ما أخاف عليّ، فأخذ بلسانه ثم قال: هذا». وقال الترمذي حسن صحیح،
وزاد(١) في الإحياء قلت: ((ما أتقي)) فأومأ بيده إلى لسانه.
١٦ - (وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه) يكنى أبا محمد القرشي، أحد العشرة
المبشرة بالجنة، أسلم قديماً وشهد المشاهد كلها غير بدر، وضرب له وَ الر سهمه لأن النبي ◌َّ-
كان بعثه مع سعيد بن زيد يتعرّفان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان بن حرب فعادا
يوم اللقاء ببدر، ووقى النبي ◌َّله يوم أحد بيده فشلت أصبعه وجرح يومئذ أربعة وعشرين
جراحة، وقيل: كانت فيه خمس وسبعون [بين] طعنة وضربة ورمية، وسماه النبي وَّر طلحة
الخير وطلحة الجود، قتل في وقعة الجمل سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة وله أربع وستون
(١) أي الترمذي.
الحديث رقم ١٦: أخرجه البخاري ١٠٦/١ حديث رقم ٤٦. ومسلم في صحيحه ١/ ٤٠ حديث (١١٠٨).
ورواه أبو داود ١/ ٣٧٢ حديث رقم ٣٩١ والنسائي في سننه ٢٢٦/١ حديث ٤٥٨. ومالك في
الموطأ ١٧٥/١ حديث رقم ٩٤ ورواه الدارمي ٤٤٧/١ حديث ١٥٧٨ وأحمد في مسنده ١/ ١٦٢.
٠٫٠٠

١٥٧
كتاب الإيمان
قال: جاء رجلٌ إِلى رسولِ اللَّهِ وَلَّ، من أهل نجدٍ، ثائرُ الرأس، نسمعُ دَوِيَّ صوتِهِ ولا
نَفْقَهُ ما يقولُ، حتى دنا من رسول الله وَ ◌َّ، فإِذا هو يسألُ عن الإِسلام. فقالَ رسولُ الله
وَلَّه: ((خمسُ صلواتٍ في اليوم والليلة)). فقال: هل عَلَيَّ غيرُهُنَّ؟ فقال: ((لا،
سنة، روى عنه جماعة. (قال: جاء رجل) قيل: هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر (إلى
رسول الله ( 18) متعلق بجاء (من أهل نجد) صفة رجل، والنجد في الأصل ما ارتفع من الأرض
ضد التهامة، وهو الغور سميت به الأرض الواقعة بين تهامة أي مكة وبين العراق (ثائر الرأس)
بالثاء المثلثة من ثار الغبار إذا ارتفع وانتشر أي منتشر شعر الرأس غير مرجلة بحذف المضاف،
أو سمي الشعر رأساً مجازاً تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر،
وهو مرفوع على أنه صفة عند الأكثر، وقيل: إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه،
وقيل: إنه الرواية (نسمع دويّ صوته) أي شدته وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي
النحل والذباب، وهو بفتح الدال وضمه رواية ضعيفة، وبكسر الواو وتشديد الياء، وهو
منصوب على المفعولية، ونسمع بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح، وفي بعض النسخ
بالياء مجهولاً، ورفع دويُّ على النيابة، وكذا الوجهان في قوله (ولا نفقة) أي لا نفهم من جهة
البعد (ما يقول) لضعف صوته (حتى دنا) أي (من رسول الله وَ *) كما في نسخة صحيحة، أي
إلى أن قرب ففهمنا (فإذا) للمفاجأة (هو) أي الرجل (يسأل عن الإِسلام) أي عن فرائضه التي
فرضت على من وحد الله وصدق رسوله لا عن حقيقته، ولذا لم يذكر الشهادتين ولكون السائل
متصفاً به فلا حاجة إلى ذكره، ويؤيده رواية البخاري أيضاً: ((أخبرني ماذا فرض الله عليّ))
ويمكن أنه سأل عن ماهية الإِسلام وقد ذكر الشهادة ولم يسمعها الراوي، أو نسيها، أو
اختصرها لكونها معلومة عند كل أحد، وقيل: لم يذكر الحج لأن الحديث حكاية حال الرجل
خاصة لقوله عليّ: ((فأجابه عليه الصلاة والسلام بما عرف من حاله))، ولعله لم يكن ممن يجب
الحج عليه، أو لأنه لم يفرض حينئذ، أو أسقط من(١) بعض الرواة، ويؤيده رواية البخاري:
((فأخبره النبي وَّه بشرائع الإِسلام)) (فقال: رسول الله وَّر: خمس صلوات في اليوم والليلة)
بالرفع على الصحيح، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الإِسلام، والمراد فرضه إقامة خمس
صلوات، أو مبتدأ محذوف الخبر أي من شرائعه أداء خمس صلوات، ويجوز نصبه بتقدير خذ
أو اعمل أو صل، وهو أحسن، وأغرب ابن حجر فأعرب بقوله: ((بالجر بدلاً من الإِسلام أو
بقسيميه أي هو أو خذ)) اهـ. والذي اختاره من الجر لا يصح رواية ودراية؛ أما الأوّل فيظهر
لك من تتبع النسخ المصححة، وأما الثاني فلأن البدل والمبدل لا يكونان إلا في كلام شخص
واحد، وأن المقول لا يكون إلا جملة، فأحد جزأيه الموجود يتعين أن يكون مرفوعاً، وأنه إذا
جعل بدلاً لا يبقى للسؤال جواباً فلا يتفرع عليه قوله (فقال:) أي الرجل (هل عليّ) أي يجب
من الصلاة (غيرهن) أي في اليوم والليلة، أو الجاز خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر (فقال) وَلير:
(لا) أي لا لشيء عليك غيرها، وهذا قبل وجوب الوتر، أو أنه تابع للعشاء، وصلاة العيد
شعرك
٠٠٠ ***** ٠٫٫٠٠
1
(١) في المخطوطة عن.
٩٨٧٧٢
مة
r anGf
ريمو و
١٦٠٤/ ٥

١٥٨
كتاب الإيمان
إِلاَّ أن تطَوَّعَ. قال رسولُ اللهِ وَّهِ: وصيامُ شهرِ رمضان)). قال: هل عليَّ غيرُهُ؟ قال: ((لا،
إِلا أن تطوَّعَ)). قال: وذكر له رسولُ اللَّهِ وَّرِ الزَّكَاةَ، فقال: هل عليّ غيرُها؟ قال: ((لا! إِلا
أن تطَوَّعَ)). قال: فأدبرَ الرجُلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه.
ليست من الفرائض اليومية بل هي من الواجبات السنوية (إلا أن) بفتح الهمزة (تطوّع) بتشديد
الطاء والواو، وأصله تتطوّع بتاءين فأبدلت وأدغمت، ورُوي بحذف إحداهما وتخفيف الطاء،
والمعنى إلا أن تشرع في التطوّع فإنه يجب عليك إتمامه لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم)
[محمد - ٣٣] ولإجماع الصحابة على وجوب الإِتمام.
وقول ابن حجر: ((هذا مجرد دعوى بلا سند)) مردود لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة
الإجماع، مع أن الآية المذكورة سند معتمد لصحة الإجماع المسطور. وقول ابن حجر: ((إن
النهي فيه للتنزيه)) مخالف للأصل الذي عليه الجمهور، وقوله: ((على أنه يلزم الحنفية حيث
استدلوا به أن يقولوا إن الإتمام فرض، وهم إنما يقولون بوجوبه)) مدفوع بأن الآية قطعية
والدلالة ظنية، وقوله: ((واستثناء الواجب من الفرض منقطع)) ممنوع، فإن الواجب عندنا فرض
عملي لا اعتقادي، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض، فالمراد بالفرض في الحديث المعنى
الأعم والله أعلم؛ مع أنه لا محذور في جعل الاستثناء منقطعاً لصحة الكلام كما اختاره في هذا
المقام، وقوله: ((على أنه من النفي لا يفيد الإثبات، بل الحكم مسكوت عنه عندهم)) مدخول،
فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث، وتقدم أن دليلهم الآية والإِجماع، وإنما
حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما. ثم هذا مطرد في جميع العبادات عندنا حيث
يلزم النفل بالشروع، ووافقنا الشافعي في الحج والعمرة فعليه الفرق، وإلا فيكفينا قياس سائر
العبادات عليهما أيضاً أو المعنى إلا أن توجب على نفسك بالنذر، والأصل في الاستثناء أن
يكون متصلاً وعدل عنه ابن حجر فقال: «لكن التطوّع مستحب فهو استثناء من مدخول لا
منقطع، وحينئذ فلا يدل على إيجاب إتمام التطوّع بالشروع فيه))، أقول: يحتمل أن يكون
الاستثناء منقطعاً، والمعنى لكن التطوّع باختيارك أي ابتداء كما هو مذهبنا، أو انتهاء أيضاً كما
هو مذهب الشافعي. وفيه حث على الخيرات وترك الوقوف على مجرد الواجبات (قال رسول
الله وَّر: وصيام شهر رمضان) عطف على خمس، وجملة السؤال والجواب معترضة (قال: هل
عليّ غيره) أي هل عليّ صوم فرض سوى صوم رمضان (قال:) بحذف الفاء في الأصول
الحاضرة (لا) فلا يجب صوم عاشوراء سواء كان واجباً قبل رمضان أم لا (إلا أن تطوّع، قال:)
أي طلحة (وذكر له رسول الله وَلقر الزكاة) هذا قول الراوي فإنه نسي ما نص عليه رسول الله وَطّر،
أو التبس عليه فقال: ذكر الزكاة، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية، فإذا التبس
عليه بعضها يشير في ألفاظه إلى ما ينبىء عنه كما فعل راوي هذا الحديث (فقال: هل عليَّ غيرها،
قال: لا) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها، وهو ظاهر إن أريد به
الحقوق الأصلية المتكررة تكررها، وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر ونفقة ذوي الأرحام
والأضحية (إلا أن تطوّع، قال:) أي طلحة (فأدبر الرجل وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (يقول:
والله لا أزيد على هذا) أي في الإبلاغ، أو في نفس الفرضية (ولا أنقص منه) أي شيئاً، وفي رواية
٤٢٢٥٠

١٥٩
كتاب الإيمان
فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((أفلحَ الرجلُ إِنْ صدقَ)). مُتفقٌ عليه.
١٧. (١٦) وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إِنَّ وَفْدَ عبدِ القيسِ
البخاري: ((لا أتطوّع شيئاً، ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئاً)) (فقال رسول الله تليفون: أفلح
الرجل) أي دخل في الفلاح، والمعنى فاز وظفر وأدرك بغيته، وهي ضربان: دنيوي وهو
الظفر بما يطيب(١) معه الحياة والأسباب، وأخروي وهو ما يحصل به النجاة من العذاب
والفوز بالثواب، قالوا: ولا كلمة أجمع للخيرات منه، ومن ثم فسر بأنه بقاء بلا فناء، وغنى
بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل. وفي رواية: ((أفلح والله))، وفي أخرى: ((صحيحة
بلا شك)»، وفي رواية: ((أفلح وأبيه))(٢) وفيه إشكال لأنه ورد: ((من حلف بغير الله فقد
أشرك))(٣) فقيل: إنه قبل النهي. وقيل: فيه حذف مضاف أي ورب أبيه، وقيل: إنه والله وإن
الكاتب قصر اللامين، وقيل: إن الكراهة في غير الشارع كما نقله البيهقي عن بعض مشايخه،
وأغرب ابن حجر فضعف الأقوال المذكورة جميعها وحمل على أن هذا وقع من غير قصد،
وهو في غاية من البعد. (إن صدق) بكسر الهمزة على الصحيح، وفي نسخة بفتحها أي
لصدقه ولا إشكال فيه، وعلى الأوّل قيل: إنما حكم عليه الصلاة والسلام بكونه من أهل
الجنة مطلقاً في رواية أبي هريرة، وهنا علق الفلاح بصدقه، والحال أنه روي أن الحديثين
واحد لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيشكل عليه، فلما ذهب قال: ((من
سره)) الخ، وقيل: يحتمل أن يكون قبل أن يطلعه الله على صدقه، ثم أطلعه الله عليه،
ويمكن أن يقال: لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحاً لأن المفلح هو
الناجي من السخط والعذاب، فكل مؤمن من أهل الجنة وليس كل مؤمن مفلحاً، ولذا قال
تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ الآيات [المؤمنون - ١ - ٢]،
وقال: ﴿هدى للمتقين﴾ الآيات [البقرة - ٢]، ثم قال: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة -
٥] (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي.
١٧ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما) هو عبد الله بن عباس ابن عم النبي ◌َّر، وأمه
لبابة بنت الحرث أخت ميمونة زوج النبي وَالر، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي وَل
وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة سنة، وقيل عشر. كان حبر هذه الأمة وعالمها،
ودعا له النبي ◌َي﴿ بالحكمة والفقه والتأويل، ورأى جبريل عليه السلام مرتين، وكان عمر بن
الخطاب يقربه ويشاوره بين أجلة الصحابة، وكُفَّ بصره في آخر عمره، ومات بالطائف سنة
ثمان وستين في أيام ابن الزبير، وهو ابن إحدى وسبعين سنة. وروى عنه خلق كثير من
الصحابة والتابعين (قال: إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة
١ ٠٥٠ / ٠١
(١) في المخطوطة يطلب.
(٢) مسلم ١/ ٤١ حديث (١١.٩).
(٣) أخرجه الترمذي ٩٣/٤ حديث ١٥٣٥ وقال حسن.
الحديث رقم ١٧ : أخرجه البخاري ١٢٩/١ حديث ٥٣ ومسلم فى صحيحه ١/ ٤٧ حديث رقم (١٧.٢٤).
515

٠١١٢٠
2309/
2٢٠
کتاب الإيمان
١٦٠
لما أتَوا النبيَّ وَِّ؛ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ القومُ؟. أو: مَنِ الوَفدُ؟» قالوا: ربيعةُ. قال:
((مرحباً بالقوم. أو: بالوفدِ . غيرَ خَزايا ولا نَدَامَى)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ! إِنَّا لا نستطيعُ أن
نأتيَكَ إِلا في الشهرِ الحرامِ،
من قوم، وقيل رهط كرام؛ وعبد القيس أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن
عدنان، وربيعة قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد القيس ينزلون البحرين وحوالى
القطيف وما بين هجر إلى الديار المصرية(١)، وكانت وفادتهم سنة ثمان. وسببها أن منقذ بن
حبان منهم كان يتجر إلى المدينة فمر به النبي وَّ فقام(٢) إليه فسأله عن أشراف قومه مسمياً له
بأسمائهم، فأسلم وتعلم الفاتحة و﴿اقرأ باسم ربك﴾، ثم رحل إلى هجر ومعه كتابه عليه
الصلاة والسلام فكتمه أياماً، لكن أنكرت زوجته صلاته ومقدماتها، فذكرت ذلك لأبيها المنذر
رئيسهم، فتجاذبا فوقع الإِسلام في قلبه، ثم ذهب بالكتاب إلى قومه وقرأه عليهم فأسلموا
وأجمعوا على المسير إليه عليه الصلاة والسلام، فتوجه منهم أربعة عشر راكباً، فحين قربوا من
المدينة قال عليه الصلاة والسلام لجلسائه: ((أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم
الأشج)) أي المنذر سماه عليه الصلاة والسلام بذلك لأثَرِ بوجهه. ورُوي أنهم أربعون وجمع
بأن لهم وفادتين، أو بأن أشرافهم أربعة عشر. (لما أتوا النبي (وَل#) أي حضروه (قال) أي
(رسول الله) كما في نسخة (* من القوم) بفتح الميم (أو من الوفد) شك من الراوي، والظاهر
أنه ابن عباس والسؤال إنما هو للاستئناس (قالوا: ربيعة) أي قال بعض الوفد: نحن ربيعة، أو
وفد ربيعة، أو قال بعض الصحابة: هم ربيعة، أو وفد ربيعة على حذف مضاف. وفي نسخة
بالنصب أي تُسمى ربيعة، أو يُسمَّوْن ربيعة (قال: مرحبا بالقوم، أو بالوفد) أي أصاب الوفد
رحباً وسعة، أو أتى القوم موضعاً واسعاً؛ فالباء زائدة في الفاعل، ومرحبا مفعول به لمقدَّر، أو
أتى الله بالقوم مرحبا فالباء للتعدية، ومرحبا مفعول مطلق، وقيل: هو من المفاعيل المنصوبة
بمضمر وجوباً لكثرة دورانه على الألسنة، ويقال هذا للتأنيس وإزالة الحزن والاستحياء عن
نفس من أتاهم من وافد، أو باغي خير، أو قاصد حاجة. وتقدير ابن حجر صادفتم، أو أصبتم
غير ظاهر مع وجود القوم (غير خزايا) بفتح الخاء جمع خزيان من الخزي وهو الذل والإهانة،
ونصبه على الحال من الوفد، والعامل فيه الفعل المقدر في مرحبا. وفي رواية للبخاري:
(بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا)»، وجوّز جره على أنه بدل من القوم، وأغرب ابن حجر فقال:
((ورُوي بالكسر صفة))، ووجه غرابته أن المحققين على أن غير متوغلة في النكرة بحيث إنها لا
تصير معرفة بالإضافة ولو إلى المعرفة (ولا ندامى) جمع ندمان بمعنى نادم، أو جمع نادم على
غير قياس، إذ قياسه نادمين ازدواجاً للخزايا، والمعنى ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين
لأنهم ما تأخروا عن الإِسلام، ولا أصابهم قتال ولا سبي فيوجب استحياء، أو افتضاحاً، أو
ذلاً، أو ندماً. (قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك) أي في جميع الأزمنة (إلا في
الشهر) من الشهرة والظهور (الحرام) والمراد به الجنس لأن الأشهر الحرام أربعة ذو القعدة وذو
(١) في المخطوطة المصرية.
(٢) في المخطوطة فقال.