النص المفهرس

صفحات 121-140

كتاب الإيمان
١٢١
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
الراغب: ((العبادة فعل اختياري مناف للشهوات البدنية، تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله
تعالى طاعة للشريعة))، وقال بعض المحققين: ((وهي الغاية القصوى من إبداع الخلق وإرساله
الرسل، وكلما ازداد العبد معرفة ازداد عبودية، ولذا خص الأنبياء وأولو العزم بخصائص في
العبادة، ولا ينفك العبد عنها ما دام حياً بل في البرزخ عليه عبودية أخرى لما سأله الملكان عن
ربه ودينه ونبيه، وفي القيامة يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، وإذا دخل الجنة كانت
عبوديته سبحانك اللهم مقروناً بأنفاسه وفي كلام الصوفية: إن العبادة حفظ الحدود، والوفاء
بالعهود، وقطع العلائق والشركاء عن شرك والفناء عن مشاهدتك في مشاهدة الحق وله ثلاث
مراتب، لأنه إما أن يعبده رهبة من العقاب ورغبة في الثواب وهو المسمى بالعبادة وهذه لمن له
علم اليقين، أو يعبده تشرُفاً بعبادته وقبول تكاليفه وتسمى بالعبودية وهذه لمن له عين اليقين،
أو يعبده لكونه إلهاً وكونه عبداً والإلهية توجب العبودية وتسمى بالعبودة وهذه لمن له حق
اليقين، والشرك رؤية ضر أو نفع مما سواه، وإثبات وجود غير الله ذاتاً أو صفةً أو فعلاً) (كأنك
تراه) مفعول مطلق أي عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه، أو حال من الفاعل أي حال كونك
مشبهاً بمن ينظر إلى الله خوفاً منه وحياءً وخضوعاً وخشوعاً وأدباً ووفاءً وهذا من جوامع
الكلم؛ فإن العبد إذا قام بين يدي مولاه لم يترك شيئاً مما قدر عليه من إحسان العمل ولا
يلتفت إلى ما سواه، وهذا المعنى موجود في عبادة العبد مع عدم رؤيته فينبغي أن يعمل
بمقتضاه، إذ لا يخفى أن من يرى من يعمل له العمل يعمل له أحسن ما يمكن عمله، ولا شك
أن ذلك التحسين لرؤية المعمول له العامل حتى لو كان العامل يعلم أن المعمول له ينظر إليه
من حيث لا يراه يجتهد في إحسانه (١) العمل أيضاً، ولذا قال: (فإن لم تكن تراه) أي تعامله
معاملة من تراه (فإنه يراك) أي فعامل معاملة من يراك، أو فأحسن في عملك فإنه يراك، وفي
رواية: «فإن لم تره)» أي بأن غفلت عن تلك المشاهدة المحصلة لغاية الكمال فلا تغفل عما
يجعل لك أصل الكمال، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، بل استمر على إحسان العبادة مهما
أمكن فإنه يراك أي دائماً فاستحضر ذلك لتستحيي [منه] حتى لا تغفل عن مراقبته ولا تقصر في
إحسان طاعته. وحاصل الكلام فإن لم تكن تراه مثل الرؤية المعنوية فلا تغفل فإنه يراك؛ فالفاء
دليل الجواب وتعليل الجزاء، لأن ما بعدها لا يصلح للجواب، لأن رؤية الله للعبد حاصلة
سواء رآه العبد أم لا، بل الجواب محذوف استغناءً عنه بالمذكور لازمه، وقيل: التقدير فكن
بحيث إنه يراك وهو موهم، قال السيد جمال الدين: ((وليس معناه فإن لم تكن تعبد الله كأنك
تراه فأعبده كأنه يراك كما ظن فإنه خطأ بين)) اهـ. وأراد به الرد على الطيبي، وبيانه أن رؤية الله
تعالى لنا متحققة دائماً حالة العبادة وغيرها فالتعبير بكأنه يراك خطأ والصواب فإنه يراك، ووهم
بعضهم أيضاً فقال بعد قوله: كأنك تراه: أي كأنك تراه ويراك فحذف الثاني لدلالة الأول عليه
وهو غلط قبيح لما تقدم، فالصواب أن يقال: وهو يراك.
(١) في المخطوطة احسان.
Act ir.

١٢٢
كتاب الإيمان
قال: فأخبرني عن الساعة.
/١٫٤٥
٫٠"
وحاصل جميع الأقوال الحث على الإِخلاص في الأعمال ومراقبة العبد ربه في جميع
الأحوال. قال بعض العارفين: الأوّل إشارة إلى مقام المكاشفة ومعناه إخلاص العبودية
ورؤية(١) الغير بنعت إدراك القلب عيان جلال ذات الحق وفنائه عن الرسوم فيه، والثاني إلى
مقام المراقبة إلى الإِجلال وحصول الحياء من العلم بإطلاع ذي الجلال. قيل: المعنى فإن لم
تكن بأن تكون فانياً تراه باقياً فإنه يراك في كل حال من غير نقصان وزوال، وما قيل من أنه لا
يساعده الرسم بالألف فمدفوع بحمله على لغة، أو على إشباع حركة، أو على حذف مبتدأ وهو
أنت. وجاز حذف الفاء من الجملة الإِسمية الواقعة موقع الجزاء، والمعنى أن تعبد الله في حال
شعورك بوجودك لقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر - ٩٩] أي الموت
بإجماع المفسرين، فإذا فنيت ومت موتاً حقيقياً تراه رؤية حقيقية وترتفع العبادات التكليفية و
[التكلفية]، وإذا مت موتاً مجازياً ودخلت في حال الفناء وبقيت في مقام البقاء تراه رؤية
مشاهدة غيبية تسقط عنك ثقل العبادات البدنية، أو نفس الأعمال الظاهرية عند غلبات الجذبات
الباطنية، وقوله: ((فإنه يراك)) متعلق بالكلام السابق وإن كان له تعلق مّا أيضاً باللاحق، وإنما
أطنبت في المقام لتخطئة بعض الشراح في ذلك الكلام، ولا ينافيه ما ورد في بعض الروايات:
((فإنك أن لا تراه فإنه يراك))، وفي بعضها: ((فإن لم تره فإنه يراك)) فإن القائل بما تقدم ما ادعى
المراد من الحديث المؤدي بالعبارة بل ذكر معنى يؤخذ من فحوى الكلام بطريق الإِشارة، قيل:
وفي قوله: ((كأنك تراه)» دليل لما هو الحق من أن رؤية الله تعالى في الدنيا تقع لحديث مسلم:
((واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا))(٢)، قال الإمام مالك: ((لأن البصر في الدنيا خلق
للفناء فلم يقدر على رؤية الباقي بخلافه في الآخرة، فإنه لما خلق للبقاء الأبدي قوي وقدر على
نظر الباقي سبحانه، فرؤيته وَيّ ر ليلة الإسراء بعين رأسه على القول به إما على أنه مستثنى، وإما
لكونه في الملكوت الأعلى الذي لا يصدق عليه الدنيا، ونزاع المعتزلة معروف في هذه
المسألة. هذا وقد جاء في كثير من الروايات أن جبريل هنا أيضاً قال: صدقت ولعل بعض
الرواة لم يذكره نسياناً أو اختصاراً أو اعتماداً على المذكور، وفي بعض روايات [صحيح] مسلم
وشرح السنة مسطور، وقيل: إنما لم يقل ههنا صدقت لأن الإِحسان هو الإِخلاص وهو سر
من أسرار الله تعالى لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل كما جاء في الحديث المسلسل
الرباني: ((الإِخلاص سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي)) اهـ. وما ذكر أوّلاً هو
الأولى (قال فأخبرني عن الساعة) أي عن وقت قيامها لما في رواية: ((متى الساعة)) لا وجودها
لأنه مقطوع به، وقيل: لأنه علم من قوله السابق: ((واليوم الآخر)) وهي جزء من أجزاء الزمان
عبر بها عنها وإن طال زمنها اعتباراً بأوّل زمانها فإنها تقع بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على
العكس لطولها، أو تفاؤلاً كالمفازة للمهلكة، [أ] ولأنها عند الله كساعة عند الخلق، كذا في
الكشاف. والساعة لغةً مقدار غير معين من الزمان، وعرفاً جزء من أربعة وعشرين جزءاً من
(١) في المخطوطة عن رؤية.
(٢) مسلم ٤/ ٢٢٤٤ حديث ٢٩٣١.

١٢٣
كتاب الإيمان
قال: ((ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائل)).
أوقات الليل والنهار، قيل: والساعة كما تطلق على القيامة وهي الساعة الكبرى تطلق على
موت أهل القرن الواحد، وهي الساعة الوسطى كما في قوله عليه الصلاة والسلام حين سألوه
عن الساعة فأشار إلى أصغرهم: ((إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم)) (١) إذ
المراد انقضاء عصرهم، ولذا أضاف إليهم، وعلى الموت وهي الساعة الصغرى وورد: ((من
مات فقد قامت قيامته))(٢) .
(قال ما المسؤول عنها) أي عن وقتها، قيل: حق الظاهر أن يقول: ((ما المسؤول عنه))
ليرجع الضمير إلى اللام أجيب بأنه كما يقال: سألت عن زيد المسألة يقال: سألته عنها، وهو
الاستعمال الأكثر، فالضمير المرفوع راجع إلى اللام والمجرور [إلى] الساعة وما نافية أي ليس
الذي سئل عنها (بأعلم من السائل) نفي أن يكون صالحاً لأن يسأل عنه في أمر الساعة لأنها من
مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو وقد قال تعالى: ﴿أكاد أخفيها﴾ [طه - ١٥] قيل: أي عن ذاتي
مبالغة على سبيل الكناية لما عرف أن المسؤول عنه يجب في الجملة أن يكون أعلم من السائل
فلا يقال: لا يلزم من نفي الأعلمية نفي أصل العلم عنها مع أنهما متساويان في انتفاء العلم
بذلك، ومساق الكلام يقتضي أن يقول: لست أعلم بعلم الساعة منك، لكنه عدل ليفيد العموم
لأن المعنى: كل سائل ومسؤول سيان في ذلك، وفي رواية: فنكس فلم يجبه، ثم أعاد فلم
يجبه شيئاً، ثم رفع رأسه وقال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) والباء مزيدة لتأكيد النفي،
قيل: وما أفهمه من أنهما مستويان في العلم به غير مراد فإنهما مستويان في نفي العلم به، أو
في العلم بأن الله استأثر به، فتعين أن المراد استواؤهما في القدر الذي يعلمانه منه وهو نفس
وجودها، وهذا وقع بين عيسى وجبريل أيضاً إلا أن عيسى كان سائلاً وجبريل مسؤولاً فانتفض
بأجنحته، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل رواه الحميدي عن سفيان عن(٣) مالك بن
مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي؛ فإن قلت: فلم سأل جبريل عن الساعة مع علمه بأنه
لا يعلمها إلا هو؟ وما التوفيق بين الآية وبين ما اشتهر عن العرفاء من الأخبار الغيبية كما قال
الشيخ الكبير أبو عبدالله في معتقده: ((ونعتقد أن العبد ينقل في الأحوال حتى يصير إلى نعت
الروحانية فيعلم الغيب وتطوى له الأرض ويمشي على الماء ويغيب عن الأبصار))؟ فالجواب أما
عن الأوّل فلتنبيههم بذلك على أنه ليس له الجواب عما لا علم له به ولا الاستنكاف من قول
لا أدري الذي هو نصف العلم، كما نبههم بما له الجواب عنه مما قد سلف بحسن السؤال
الذي هو [نصف] العلم فتم العلم بذلك، وأما عن الثاني فلأن للغيب مبادي ولواحق فمباديه لا
يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأما اللواحق فهو ما أظهره الله على بعض أحبائه لوحة
علمه وخرج ذلك عن الغيب المطلق وصار غيباً إضافياً ؛ وذلك إذا تنوّر الروح القدسية وازداد
نوريتها وإشراقها بالإِعراض عن ظلمة عالم الحس وتحلية مرآة القلب عن صدأ الطبيعة،
(١) مسلم ٢٢٦٩/٤ حديث ٢٩٥٢ و٢٩٥٣. (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٦٨.٢٦٧/٦.
(٣) في المخطوطة ((بن).

كتاب الإيمان
١٢٤
٣٥
قال: فأخبرني عن أَماراتها. قال: ((أنَّ تَلدَ الأمة ربتها،
والمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية حتى يقوى النور وينبسط في فضاء قلبه،
فتنعكس فيه النقوش المرتسمة في اللوح المحفوظ ويطلع على المغيبات ويتصرف في أجسام
العالم السفلي، بل يتجلى حينئذ الفياض الأقدس بمعرفته التي هي أشرف العطايا فكيف بغيرها
(قال: فأخبرني عن أماراتها) بفتح الهمزة جمع أمارة أي علامة، وفي رواية: ((عن أشراطها))(١)
وهو جمع شَرَط بالفتح بمعنى العلامة، والمراد شيء من علاماتها الدالة على قربها ولذا قيل:
أي مقدماتها، وقيل صفات شرطها: [وقيل صغار أمورها]، وفي رواية: ((وسأخبرك))(٢)، وفي
أخرى: ((وسأحدثك عن أشراطها))(٣)، وجمع بأنه ابتدأه بقوله: ((وسأخبرك)) فقال السائل:
((فأخبرني) ويدل عليه ما في رواية: ((ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها)) قال: ((أجل))، وفي
رواية: ((فحدثني)).
(قال أن تلد الأمة ربتها) أي من جملة علاماتها [أ] و إحدى أماراتها ولادة الأمة مالكها
ومولاها، وقيل: التقدير علاماتها ولادة الأمة ورؤية الجفاة فاحتاج إلى أن يقول: أخبر عن
الجمع باثنين لأنهما أقله كما يدل عليه جمع، وتأنيثها في هذه الرواية وإن ذكر في روايات أخر
-: /
باعتبار التسمية ليشمل الذكور والإناث، أو فراراً من شركة لفظ رب العباد وإن جوّز إطلاقه
على غيره تعالى بالإضافة دون التعريف لأنه من ألفاظ الجاهلية، أو أراد البنت فيعرف الابن
بالأولى، والإِضافة إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه ولد ربها، أو مولاها بعد الأب. وفسر
هذا القول كثير من الناس بأن السبي يكثر بعد اتساع رقعة الإِسلام فيستولد الناس إماءهم فيكون
٢/الولد كالسيد لأمه لأن ملكها راجع إليه في التقدير، وذلك إشارة إلى قوّة الدين واستيلاء
٤) المسلمين؛ وهي من الأمارات لأن بلوغ الغاية منذر بالتراجع والانحطاط المؤذن بقيام الساعة،
أو إلى أن الأعزة تصير أذلة لأن الأم مربية للولد مدبرة أمره فإذا صار الولد ربها سيما إذا كان
بنتاً ينقلب الأمر، كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك وهي أن الأذلة ينقلبون أعزة ملوك
الأرض فيتلاءم المعطوفان، وهذا إخبار بتغير الزمان وانقلاب أحوال الناس بحيث لا يشاهد
قبله، ويؤيده ما ورد من حديث أنه: ((إذا ضيعت الأمانة ووُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر
الساعة))(٤)، وقيل: سمي ولدها سيدها لأن له ولاءها بإرثه له عن أبيه إذا مات، أو أنه كسيدها
الصيرورة مال أبيه إليه غالباً فتصير أمه كأنها أمته، وقيل: معناه أن الإِماء تلدن الملوك فتكون أمه
۔۔۔۔
من جملة رعيته، وأيد بأن الرؤساء في الصدر الأوّل كانوا يستنكفون غالباً من وطء الإماء
أ ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر سيما من أثناء دولة بني العباس، ويقرب منه القول بأن
٤ السبي إذا كثر قد يسبي الولد صغيراً ثم يعتق ويصير رئيساً بل ملكاً ثم يسبي أمه فيشتريها عالماً
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٥٢/١ حديث ١٩.
(٢) البخاري من حديث أبي هريرة ١١٤/١ حديث ٥٠.
(٣)
مسلم ٣٩/١ حديث ٩ وهي في المخطوطة عن ((شرطها)).
(٤) البخاري ١/ ١٤١ حديث رقم ٥٩.
/ ١٣٢

كتاب الإيمان
١٢٥
وأن ترى الحفاةَ العُراةَ العالةَ رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)».
أو جاهلاً بها، ثم يستخدمها وقد يطؤها أو يعتقها ويتزوّجها، وقيل: معناه فساد الأحوال بكثرة
بيع أمهات الأولاد فتردد في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها أو يطأها وهو لا يعلم، ويؤيده
رواية: ((بعلها))(١) وإن فسر بسيدها، وقيل: معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد فيعامل الولد
أمه معاملة السيد أمته من الخدمة وغيرها، وخص بولد الأمة لأن العقوق فيه أغلب، وعبر في
رواية البخاري ((بإذا)) بدل أن المفتوحة إشارة إلى تحقق الوقوع، ولذلك قالوا: يقال: إذا قامت
القيامة، ولا يقال: إن بالكسر لأنه كفر لإشعاره بالشك، قال ابن حجر: ((وفي جزمهم بأن ذلك
كفر نظر، ويتعين حمله على من عرف هذا المعنى واعتقده وإلا فكثيراً ما يستعمل إن موضع إذا
وبالعكس لأغراض بينت في علم المعاني)) (وأن ترى) خطاب عام ليدل على بلوغ الخطب في
العلم مبلغاً لا يختص به رؤية راء (الحفاة) بضم الحاء جمع الحافي وهو من لا نعل له (العراة)
جمع العاري وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفاً مما يحسن. وينبغي أن يكون
ملبوساً (العالة) جمع عائل وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر أو من عال يعول إذا افتقر وكثر
عياله (رعاء الشاء) بكسر الراء والمد جمع راع كتاجر وتجار والشاء جمع شاة، والأظهر أنه
اسم جنس، وفي رواية: ((الإبل البهم)»(٢) بضمَ الباء أي السود وهو بجر الميم ورفعها وصفاً
للرعاة جمع بهيم، فيكون كناية عن جهلهم وأنه لا يعرف لهم أصل من أبهم الأمر إذا لم يعرف
حقيقته، وقال القرطبي: الأولى حمله على سواد اللون لأن الأدمة غالب ألوان العرب أو للإبل
جمع بهماء إذ السود شرها عندهم وخيرها عندهم الحمر، ومن ثم ورد: ((خير من حمر
النعم))(٣) وفي رواية: ((البَهم))(٤) بفتح الباء ولا وجه له مع ذكر الإبل بل مع حذفه الذي هو
رواية مسلم إذ هو جمع بهمة وهي صغار الضأن والمعز، ورجحت هذه على تلك لأن رعاء
الغنم أضعف أهل البادية بخلاف رعاء الإبل فإنهم أهل فخر وخيلاء (يتطاولون في البنيان) أي
يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جعلت الرؤية
فعل البصيرة، أو حال أن جعلتها فعل الباصرة، ومعناه إن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة
تبسط لهم الدنيا مُلْكاً أو مِلْكاً فيتوطنون البلاد ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها؛ فهو
إشارة إلى تغلب الأراذل وتذلل الأشراف وتولّي الرياسة من لا يستحقها أو تعاطي السياسة من
لا يستحسنها، كما أن قوله: ((أن تلد الأمة ربتها)) إشارة إلى عكس ذلك، وقيل: كلاهما إشارة
إلى اتساع دين الإِسلام فيتناسب المتعاطفان في الكلام، ولعل تخصيصهما لجلالة(٥) خطبهما
ونباهة شأنهما وقرب وقوعهما. ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم والفسق والجهل
وبلوغها مبالغ العليا، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا ونسيان منازل العقبى، ويقال: تطاول الرجل
إذا تكبر فلا يرد ما ذكره ابن حجر من قوله: ((التفاعل فيه بين أفراد العراة الموصوفين بما ذكر
(١) مسلم ٣٩/١ حديث (٩.٦).
(٢) البخاري ١١٤/١ حديث ٥٠.
(٤) مسلم ١/ ٤٠ حديث ١٠.
(٣) منها ما أخرجه البخاري ٧/ ٧٠ حديث ٣٧٠١.
(٥) في المخطوطة ((بجلالة)).
قصور
٤
١
وقـ
١
S WF:
1-
١٩٧٤

١٢٦
٣٦٠٥
کتاب الإيمان
قال: ثم انطلق، فلبثتُ ملياً، ثم قال لي: ((يا عمر! أتدري من السائل))؟ قلتُ: اللَّهُ ورسوله
أعلم. قال: «فإنه جبريل
لا بينهم وبين غيرهم ممن كان عزيزاً فذل خلافاً لمن وهم فيه»، وقال: المعنى أن أهل البادية
العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد ويتخذون(١) القصور الرفيعة ويتكبرون على العباد
والزهاد.
وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام، يؤذن بأن لا يناسب فيها المقام، فلا عيش
إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام، كما أنشدت الملكة حرقة بنت النعمان لما سبيت
وأحضرت عند سعد بن أبي وقاص :
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرّف
فهنيئاً لمن جعل الدنيا كساعة، واشتغل فيها بالطاعة، قياماً بأمر الحبيب، فإن كل ما هو
آت قريب، قال تعالى: ﴿اقتربَ للناسِ حِسَابُم وهمُ في غَفْلةٍ مُغْرِضون ما يَأْتِيهِم من ذِكرٍ مِنْ
رَبِهِم مُحدَثٍ إلا اسْتَمعوه وهُمْ يَلْعَبون﴾ [الأنبياء - ١ - ٢].
١٠
٠٠٠٠
(قال) أي عمر (ثم انطلق) أي السائل (فلبثت) أي أنا، وفي رواية: ((فلبث)) أي هو (ملياً)
بفتح الميم وتشديد الياء من الملاوة إذ المهموز بمعنى الغنى أي زماناً، أو مكثاً طويلاً وبينته
رواية أبي داود والنسائي والترمذي قال عمر: ((فلبثت ثلاثاً))، وفي رواية للترمذي: ((فلقيني النبي
ولو بعد ثلاث))، وفي أخرى: ((فلبثت ليالي فلقيني النبي ◌َّر بعد ثلاث))، وفي أخرى لابن
حبان: ((بعد ثالثة))، وفي أخرى لابن منده: ((بعد ثلاثة أيام))، وفي ورود هذه الروايات رد على
من وهم أن رواية ثلاثاً مصحفة من رواية ملياً والمعنى أني لم أستخبر منه(٢) عليه الصلاة
والسلام مهابة، وفي شرح مسلم: ((وهذا مخالف لرواية أبي هريرة من أنه عليه الصلاة والسلام
ذكره في المجلس اللهم إلا أن يقال: إن عمر لم يحضر في الحال بل قام فأخبر الصحابة، ثم
أخبر عمر بعد ثلاثة أيام)) (ثم قال لي يا عمر أتدري) أي أتعلم، وفي العدول نكتة لا تخفى
[(من السائل) أي ما يقال في جواب هذا السؤال] (قلت الله ورسوله أعلم) لأن الأمارات السابقة
والتعجب أوقعهم في التردد، أهو بشر أم ملك، وهذا القدر يكفي في الشركة على أن اسم
التفضيل كثيراً يراد به أصل الفعل من غير شركة (قال فإنه جبريل) أي إذا فوّضتم العلم إلى الله
ورسوله فإنه جبريل على تأويل الإخبار أي تفويضكم ذلك سبب للإخبار به وقرينة المحذوف
قوله الله ورسوله أعلم، فالفاء فصيحة لأنها تفصح عن شرط محذوف، وأكد الكلام لأن السائل
طالب متردد، وفي رواية: ((ردوه فأخذوا ليردوه فما رأوا شيئاً)) قال القاضي: ((وجبريل ملك
متوسط بين الله ورسله، ومن خواص الملك أن يتمثل للبشر فيراه جسماً)) اهـ. قيل: والسر في
التوسط أن المكالمة تقتضي مناسبة بين المتخاطبين، فاقتضت الحكمة توسط جبريل ليتلقف
(١) في المخطوطة ((يسكنون)).
(٢) في المخطوطة عنه.

١٢٧
كتاب الإيمان
أتاكمُ یعلمكم دینکم)) رواه مسلم.
الوحي بوجهه الذي في عالم القدرة من الله سبحانه تلقفاً روحانياً، أو من اللوح ويلقيه بوجهه
الذي في عالم الحكمة إلى النبي وَلهر، فربما ينزل الملك إلى صورة البشر وربما يرتقي النبي وَّل
إلى رتبة الملكية، ويتعرى عن الكسوة البشرية فيرد الوحي على القلب في لبسة الجلال وأبهة
الكبرياء والكمال ويأخذ بمجامعه، فإذا سُرِّيَ عنه وجد المنزل ملقى في الروع(١) كما في
المسموع، وهذا معنى قوله: ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد
وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول))(٢). ثم جبريل بكسر الجيم
وفتحها مع كسر الراء بعدها ياء وبفتحها وهمزة مكسورة مع ياء وتركها أربع لغات متواترات
والأوّل أشهر وأكثر (أتاكم) استئناف بيان، أو خبر لجبريل على أنه ضمير الشأن (يعلمكم دينكم)
جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم أي عازماً تعليمكم، فهو حال مقدرة لأنه لم یکن وقت
الإتيان معلماً، أو مفعول له بتقدير اللام كما في رواية والمراد تثبيتهم على علمهم وتقريره بطريق
السؤال والجواب ليتمكن غاية التمكن في نفوسهم، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق
بلا تعب، وإسناد التعليم إليه مجاز لأنه السبب، وأضاف الدين إليهم لأنهم المختصون بالدين
القيم دون سائر الناس، أو الخطاب مخصوص بالصحابة خصوصاً، أو عموماً فإن سائر الناس
يأخذون دينهم منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفيه إيماء إلى أن الإِيمان والإِسلام
والإِحسان يسمى ديناً فقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران - ١٩٠] المراد به
الكامل، وكذا قوله عزَّ وجلّ: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ [آل عمران - ٨٥]،
وفي رواية: ((أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا)) وفي أخرى: ((والذي بعث محمداً بالحق ما كنت بأعلم
به من رجل منكم [وإنه لجبريل])) وفي أخرى: ((ثم ولى فلما لم ير طريقه))، قال النبي ◌َّر:
(«سبحان الله هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شبه عليّ منذ أتاني
قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى)) (رواه مسلم) أي عن عمر، ورواه البخاري في كتاب الزكاة
مع تغيير كذا قاله بعض شراح الأربعين، وقال ابن حجر: ((ولم يخرجه البخاري عن عمر
لاختلاف فيه على بعض رواته))، وقال السيد جمال الدين: وقد رواه البزار في مسنده من طريق
أنس بن مالك، وأبو عوانة الإسفراييني في صحيحه من طريق جرير بن عبد الله البجلي، والنسائي
في سننه من طريق أبي ذر الغفاري، وأحمد بن حنبل في مسنده من طريق ابن عباس؛ وكل واحد
من الطرق مشتمل على فوائد غزيرة وفرائد (٣) كثيرة لم توجد في طريق عمر وأبي هريرة. وهذا
حديث جليل سُمي حديث جبريل، وأم الأحاديث، وأم الجوامع، لأنه متضمن للشريعة والطريقة
والحقيقة بياناً إجمالياً على الوجه الأتم الذي علم تفاصيلها من السنن النبوية والشرائع
المصطفوية، على صاحبها ألوف التحية، كما أن فاتحة الكتاب تُسمى أم القرآن وأم الكتاب
لاشتمالها على المعاني القرآنية والحكم الفرقانية بالدلالات الإجمالية، فحديث إنما الأعمال
(١) في المخطوطة الروح.
(٢) البخاري ٨/١ حديث ٢. مسلم ١٨١٦/٤.
(٣) في المخطوطة ((عزيزه وفوائد)).
چور
٠

١٢٨
ـريو%
جـ.
٤ مجم)
کتاب الإيمان
٣. (٢) ورواه أبو هريرة مع اختلاف، وفيه: ((وإِذا رأيتَ الحُفاةَ العُراةَ الصمَّ البُكْمَ،
مُلوكَ الأرض في خمسٍ
[بالنيات] بمنزلة البسملة، وهذا الحديث بمنزلة الفاتحة المصدرة بالحمدلة، وهذا وجه وجيه
وتنبيه نبيه لاختيارهما في صدر الكتاب ومفتتح الأبواب.
٣ - (ورواه أبو هريرة) أي هذا الحديث أيضاً (مع اختلاف) أي بين بعض ألفاظهما (وفيه)
أي في مروي أبي هريرة ((ردوا عليّ الرجل)) فأخذوا يرادونه فلم يروا شيئاً فأخبرهم أنه جبريل
ذكره ابن حجر، وتقدم الجمع عن النووي مع أن كون هذا الإخبار في المجلس غير صريح فلا
ينافي ما تقدم من إعلام عمر بعد ثلاثة أيام في الصحيح، وفيه أيضاً (وإذا رأيت الحفاة العراة
الصم) أي عن قبول الحق (البكم) أي عن النطق بالصدق، جُعلوا لبلادتهم وحماقتهم وعدم
تمييزهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به (ملوك الأرض) منصوب
على أنه مفعول ثان لرأيت، أو على أنه حال والمراد بأولئك أهل البادية لما في رواية: ((قال:
ما الحفاة العراة، قال: العريب)) مصغر العرب (في خمس) هو في موضع النصب على الحال
أي تراهم ملوك الأرض متفكرين في خمس كلمات إذ من شأن الملوك الجهال التفكر في أشياء
لا تعنيهم ولا تغنيهم، أو متعلق بأعلم أي ما المسؤول عنها بأعلم من السائل في علم خمس،
فإن العلم بها مختص به تعالى، وفيه إشارة ظاهرة إلى إبطال الكهانة والتنجيم(١) ونحوهما من
كل ما فيه تسوّر على علم شيء كلي أو جزئي من هذه الخمس، وإرشاد للأمة وتحذير لهم عن
إتيان من يدعي علم الغيب لقوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا
الله﴾ [النمل - ٦٥] فإن قلت قد أخبر الأنبياء والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر؟
قلت: الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها، قال تعالى: ﴿فلا يُظْهِرُ على غَيْبةٍ أَحَداً * إلا مَنِ
ارْتَضى من رسول﴾ [الجن - ٢٦ - ٢٧] بناء على اتصال الاستثناء الذي هو الأصل وأخرج
أحمد عن ابن مسعود: ((أوتي نبيكم علم كل شيء سوى هذه الخمس)»(٢)، وأخرجه عن ابن
عمر بنحوه مرفوعاً، وقال القرطبي: ((من ادعى علم شيء منها غير مستند إليه عليه الصلاة
والسلام كان كاذباً في دعواه»، قال: ((وأما (٣) ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان
الحديث رقم ٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٤/١ حديث رقم ٥٠ ومسلم ٣٩/١ حديث رقم ٩.
(١) وهو يراد منه مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجردة (الجن والشياطين) والاستعلام بهم عن
الأحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون والفساد المخصوصة بالمستقبل. والتنجيم هو النظر بالنجوم.
وقد حرم الإِسلام ذلك كله قال الله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلا الله ﴾
[النمل: ٦٥] وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سألَ ناس رسول الله وَل عن
الكهان فقال: ليس بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً. فقال رسول الله
وَل تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه. فيخلطون معها مائة كذبة)).
(٢) أخرجه أحمد بمسنده ٣٨٦/١ و٤٤٥/١.
(٣) في المخطوطة ((ما)).

١٢٩
کتاب الإيمان
لا يعلمُهُنَّ إِلا الله. ثم قرأ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عنده علمُ السَّاعةِ
عن أمر عادي وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة
والجعل وإعطائها في ذلك)) اهـ. ويؤيده ما أخرجه حميد بن زنجويه: ((أن بعض الصحابة ذكر
العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية، وما
عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم)) اهـ. وما ذكره بعض الأولياء من باب الكرامة بإخبار
بعض الجزئيات من مضمون كليات الآية فلعله بطريق المكاشفة، أو الإلهام، أو المنام التي هي
ظنيات لا تسمى علوماً يقينية. وقيل: الجار متعلق بمقدر أي ذكر الله ذلك في خمس، أو تجد
علم ذلك في خمس، وقيل: في بمعنى مع، وقيل: بمعنى من أي من جملة خمس، وقيل:
هو مرفوع المحل على الخبرية أي الساعة ثابتة، أو معدودة في خمس، ويؤيده رواية: ((هي في
خمس من الغيب))(١) أي علم وقت الساعة مندرج في جملة خمس كلمات (لا يعلمهن إلا الله)
كما أفاده تقديم: ((عنده) في الآية الآتية إذ الظرف خبر مقدم لإفادة الحصر، لأن تقديم ما حقه
التأخير يفيد الحصر، وعطف ((ينزل)) وما بعده بتقدير أن المصدرية على الساعة، وجملة وما
تدري المقصود منهما إثبات ذلك المنفي عن الغير فيهما لله تعالى. وهذا كله إنما يحتاج إليه إن
لم يفسر الخمس بمفاتيح الغيب في قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾
[الأنعام - ٥٩] وأما إذا فسرت بها فالحصر جلي لا يحتاج إلى الاستدلال عليه. واعلم أن
الجواب تضمن زيادة على السؤال اهتماماً بذلك وإرشاداً للأمة لما يترتب على ذلك من
المصلحة الكثيرة الفوائد العظيمة العوائد (ثم قرأ) أي النبي وَلّر ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ أي
آية تلك الخمس بكمالها كما دل عليه السياق بياناً لها، ويحتمل أن يكون فاعل قرأ أبو هريرة
فتكون الآية استشهاداً ومصداقاً للحديث ﴿وينزل الغيث﴾ قرىء بالتشديد والتخفيف أي وهو
ينزل المطر الذي يغيث الناس في أمكنته وأزمنته لا يعلمها إلا هو (الآية) من قول أحد الرواة
بالنصب [على] تقدير أعني، أو يعني، أو اقرأ، أو قرأ، أو على أنه بدل مما قبله وبالرفع أي
الآية معلومة مشهورة إذا قرأها، وقيل: بالجر والتقدير قرأ، أو اقرأ إلى الآية أي آخرها، وفي
رواية لمسلم: ((إلى خبير))، وأخرى للبخاري: ((إلى الأرحام)) والأولى أولى لأن فيها زيادة ثقة
وإفادة والروايتان تدلان على أن لفظة الآية ليست من قول المصنف كما ظن بعضهم وتمامها:
﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ أي وهو يعلم تفصيل ما في أرحام الإناث من ذكر أو أنثى وواحد
ومتعدد وكامل وناقص ومؤمن وكافر وطويل وقصير وغير ذلك، قال [الله] تعالى: ﴿الله يعلم ما
تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ أي تنقص ﴿وما تزداد﴾ أي من مدة الحمل والجثة والعدد
﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [الرعد - ٨] أي بقدر وحدٍ لا يتجاوزه وعدل عن العلم في قوله:
﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان - ٣٤] لأن الدراية
اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصاً بها ولم يقع منه على
علم كان عدم إطلاعها على غير ذلك من باب أولى. والمراد بالنفس ذات النفس أو ذات الروح
(١) مسلم ٤٠/١ حديث ١٠.

١٣٠
کتاب الإيمان
وَيُنزِّلُ الغيثَ﴾ الآية. متفق عليه.
٤. (٣) وعن ابن عمر، قال:
وبهذين المعنيين لا يجوز إطلاق النفس على الله تعالى، ولذا قيل: بالمشاكلة في قوله تعالى:
﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة - ١١٦] وأما إذا أريد بها الذات المطلق
فيصح إطلاقه على الله تعالى كما ورد: ((سبحانك لا أحصي(١) ثناءً عليك أنت كما أثنيت على
نفسك))(٢) ﴿إن الله عليم﴾ أي بهذه الأشياء من جزئياتها وكلياتها خصوصاً وبغيرها عموماً
﴿خبير﴾ أي بباطنها كما أنه عالم بظاهرها، أو معناه يخبر ببعضها من جزئياتها لبعض عباده
المخصوصين وقد أخبر في مواضع كتابه أن علم الساعة مما استأثر الله تعالى به، وفي رواية:
(ثم أدبر فقال ردّوه فلم يروا شيئا))(٣) (متفق عليه) أي اتفق الشيخان على مروي أبي هريرة الذي
فيه هذه الزيادة، لكن استدركه ميرك وقال: إلا أن البخاري لم يقل الصم البكم ملوك الأرض،
بل قال في كتاب الإِيمان: ((وإذا تطاول رعاة الإِبل البهم في البنيان))، وفي كتاب التفسير: ((وإذا
كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذلك من أشراطها)) وأخرجه أبو داود والنسائي بمعناه.
١٣:٠٠
٤ - (وعن) أي وروي عن (ابن عمر رضي الله عنهما) أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير،
وأول مشاهدة الخندق على الصحيح، وكان من أهل الورع والعلم والزهد، قال جابر: ((ما
من(٤) أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمر وابنه عبد الله))(٥)، وقال نافع: ((ما مات ابن
عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد))(٦). ولد قبل الوحي بسنة ومات سنة ثلاث وسبعين بعد قتل
ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان أوصى أن يدفن في الحل فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج،
ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين. وكان الحجاج قد أمر رجلاً فسم زج(٧) رمحه وزاحمه
في الطريق ووضع الزج في ظهر قدمه، وذلك أن الحجاج خطب يوماً وأخر الصلاة فقال ابن
عمر: أن الشمس لا تنتظرك، فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي في عينك قال: لا
تفعل فإنك سفيه مسلط، وقيل: إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمعه؛ وكان يتقدمه في
المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي ون لل وقف فيها، وكان ذلك يعز على
الحجاج، والحاصل أنه كان يخاف عليه أن يدعي الخلافة فحصل له الشهادة وله أربع وثمانون
(١) في المخطوطة نحصي.
(٢) مسلم ٣٥٢/١ حديث ٤٨٦.
(٣) مسلم ٣٩/١ حديث ٩.
الحديث رقم ٤: أخرجه البخاري ٤٩/١ حديث رقم ٨. ومسلم في صحيحه ٤٥/١ حديث (١٦.٢١)
والنسائي في سننه ١٠٧/٨ حديث رقم ٥٠٠١. والترمذي في الجامع الصحيح ٨/٥ حديث رقم
٢٦٠٩ وأحمد في المسند ٢٦/٢.
(٤) في المخطوطة منا.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٨/١٢ حديث رقم ١٢٣٨٢ ولم يذكر عمر.
(٦) أبو نعيم في الحلية ٢٩٦/١.
(٧) الزج: الحديدة التي تركب أسفل الرمح (لسان العرب).

١٣١
کتاب الإيمان
قال رسول الله وَّهُ: ((بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادةٍ أنْ لا إِلهُ إِلا الله وأنَّ محمداً عبدُه
ورسولُهُ، وإِقَامِ الصَّلاةِ،
سنة، روى عنه خلق كثير. (قال: قال رسول الله وَ لثر: بني الإسلام) هو اسم للشريعة دون
الإيمان، وقد يطلق على الإذعان بالقلب والاستسلام بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال،
وهو الذي أمر به إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال له ربه: أسلم وهذا أخص من الأول،
والمراد به الإسلام الكامل لأن حقيقته مبنية على الشهادتين فقط، وإنما اقتصر على بيان أركانه
مع إيماء إلى بقية شعب إيمانه، فلا يتوجه ما قيل: إنما يصح الحديث على مذهب الشافعي
وغيره من أن الإِسلام عبارة عن مجموع الثلاث (على خمس) أي خمس دعائم كما في رواية،
أو خصال، أو قواعد، وفي رواية لمسلم بالتاء أي خمسة أشياء، أو أركان، أو أصول، وإنما
جاز هنا لحذف المعدود. شبهت حالة الإِسلام مع أركانه الخمس على وجه الدوام بحال خباء
أقيم على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور عليه(١) الأركان هي الشهادة الناشئة عن صميم
القلب الشاهد عليه لفظ الشهادة المشبهة بالعمود الوسط للخيمة، وبقية شعب الإيمان بمنزلة
الأوتاد للخباء. قال الحسن رضي الله عنه في مجمع شهود جنازة للفرزدق: ((ما أعددت لهذا
المقام)). فقال: ((شهادة أن لا إله إلا الله منذ كذا سنة))، فقال الحسن: «هذا العمود فأين
الأطناب))، وهو تمثيل شبه الإِسلام بخيمة عمودها كلمة التوحيد والأطناب الأعمال الصالحة.
(شهادة أن لا إله إلا الله) بالجر وهو الأشهر على أنه عطف بيان، أو بدل من خمس بدل
كل وهو مجموع المجرورات المتعاطفة من كل، ويصح أن يكون بدل بعض مع ملاحظة الربط
قبل العطف لعدم الرابط، وبالنصب على تقدير أعني، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو
هي، أو إحداها، أو على أنه مبتدأ خبره محذوف أي منها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن مخففة
ولا نافية للجنس وإله اسمها ركب معها تركيب خمسة عشر ففتحته فتحة بناء لا إعراب خلافاً
للزجاج حيث زعم أنه نصب بها لفظاً، وخبرها محذوف اتفاقاً تقديره موجود إن أريد بالإله
المعبود بحق، وإلا فتقديره معبود بحق، وإلا حرف استثناء، وقيل: بمعنى غير، وهي مع ما
بعدها صفة إله وخبره محذوف، وجوّز نصب الجلالة نعتاً لإله على أن إلا بمعنى غير، وقيل:
على الاستثناء، والله مرفوع على البدلية من ضمير الخبر المستتر فيه، وقيل: بدل من اسم لا
باعتبار محله قبلها، وقيل: على أنه خبر لا (وأن محمداً عبده) أي الكامل (ورسوله) أي
المكمل، ولتلازم الشهادتين شرعاً جعلتا خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى
الشهادتين اكتفاء أو نسياناً، قيل: وأخذ من جمعهما كذلك في أكثر الروايات أنه لا بد في صحة
الإِسلام من الإتيان بهما على التوالي والترتيب.
(وإقام الصلاة) أي المفروضة، وحذفت تاء الإقامة المعوّضة عن عين الفعل المحذوفة
عند الإضافة لطول العبارة، هذا هو التحقيق على ما قاله الزجاج، وقيل: هما مصدران.
(١) في المخطوطة يدور عليها.

١٣٢
٣٧٠
کتاب الإيمان
وإِيتاءِ الزكاةٍ، والحجّ، وصوم رمضان)).
(وإيتاء الزكاة) أي إعطائها وتمليكها لمصارفها، والمراد بها الصدقة المكتوبة.
(والحج) بفتح الحاء وكسرها مصدران، وفي رواية: ((وحج البيت)) أي قصده لأداء
النسك، فاللام عوض عن المضاف إليه، وقيل: اللام للعهد الذهني والواو لمطلق الجمع، فلا
يرد أن الصوم فرض قبل الزكاة وهي قبل الحج، ولعل النكتة في التقديم الذكري هي الإِشارة
إلى أن العبادة إما بدنية فقط، أو مالية فقط، أو مركبة منهما، أو إيماء إلى أن الطاعة المثلثة إما
يومية أو سنوية أو عمرية؛ ولم يذكر الاستطاعة لشهرتها، أو لاعتبارها في كل طاعة.
(وصوم رمضان) أي أيامه بشرائط وأركان معلومة، قيل: فيه حذف شهر، وفيه أن
رمضان اسم للشهر وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة - ١٨٥] إضافته بيانية، وقد ورد في
بعض الروايات تقديمه على الحج وكلاهما صحيح لما تقدم ولذا قدم البخاري كتاب الحج على
الصوم، والجمهور أخروه عن جميع العبادات لكون وجوبه يتعلق بآخر العمر. قال النووي:
((ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان ليبين أن الإِسلام يطلق على الأفعال، وأن
الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد))، وقال ابن حجر: ((وجه ذكر الأربعة الأخيرة مع
الشهادتين، وإن توقف الدخول في الإِسلام عليهما فقط التنبيه على تعظيم شأنها، وأنها أظهر
شعائر الإسلام، إذ بها يتم الاستسلام، وبترك بعضها ينحل قيد الانقياد، وإن لم يؤد إلى كفر
حيث لا إنكار إجماعاً إلا ما جاء عن أحمد وغيره في ترك الصلاة فإنه لدليل خاص كقوله عليه
الصلاة والسلام: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر))(١)، ولم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية إلا
في بعض الأحوال، والكلام في فروض العين التي هي أعظم شعائر الإسلام، ولهذا زيد في
آخره في رواية: ((وأن الجهاد من العمل الحسن))، قيل: وجه الحصر في تلك الخمسة أن
العبادة إما فعل أو ترك، الثاني الصوم، والأوّل إما لساني وهو الشهادتان أو بدني وهو الصلاة،
أو مالي وهو الزكاة، أو مالي وبدني وهو الحج وقدمت الشهادتان لأنهما الأصل، ثم الصلاة
لأنها العماد الأعظم ومن ثم جاء في حديث: ((وعمودها الصلاة))، وفي حديث: ((الصلاة عماد
الدين)»(٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهى عَنِ الْفَخْشاءِ والْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت - ٤٥] ولذا
سميت أم العبادات كما سميت الخمر أم الخبائث، ثم الزكاة لأنها قرينتها في مواضع من القرآن
وللمناسبة البدنية والمالية في القرآن، ثم الحج لكونه مجمعاً للعبادتين ومحلاً للمشقتين، ولأن
تاركه من غير عذر على مدرجة خاتمة السوء كما يدل عليه الحديث الذي اختلف في ضعفه
وصحته: ((من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً))، ويدل على
أصالة الحديث قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران - ٩٧] حيث
وضع من كفر موضع من لم يحج مع إفادة مبالغة التهديد في قوله: ﴿عن العالمين﴾ حيث عدل
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٢٤/٣ حديث ٥٠٠٨.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٩/٣ حديث ٢٨٠٧.
حقة

١٣٣
كتاب الإيمان
متفق عليه .
٥. (٤) وعن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن عنه، وأما تأخيره عن الصوم كما في رواية صحيحة فرعاية للترتيب؛ فإن الصوم فرض في
السنة الثانية والحج فرض سنة خمس أو ست أو ثمان أو تسع (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو
داود والترمذي والنسائي أيضاً، والأحاديث الثلاثة المتقدمة من جملة الأحاديث الأربعينية
النووية .
٥ - (وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]) تصغير هرة، قال المؤلف: قد اختلف الناس في
اسم أبي هريرة ونسبه اختلافاً كثيراً، وأشهر ما قيل فيه أنه كان في الجاهلية عبد شمس أو
عبد عمرو، وفي الإِسلام عبد الله أو عبد الرحمن وهو دوسي، قال الحاكم أبو أحمد: أصح
شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، وغلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم
له أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي ◌َّه ثم لزمه وواظب عليه راغباً في العلم راضياً بشبع
بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، وكان من أحفظ الصحابة؛ قال البخاري: روى عنه أكثر
من ثمانمائة رجل ما بين صحابي وتابعي، فمنهم ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس، قيل:
سبب تلقيبه بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال: كنت أحمل يوماً هرة في كمي فرآني
رسول الله وَله، فقال: ما هذه، فقلت: هرة، فقال: يا أبا هريرة، وفي رواية ابن إسحاق:
وجدت هرة وحملتها في كمي، فقيل لي: ما هذه، فقلت: هرة، فقيل لي: أنت أبو هريرة،
ورجح بعضهم الأوّل، وقيل: وكان يلعب بها وهو صغير (١) وقيل: كان يحسن إليها، وقيل:
المكني له بذلك والده.
ثم جر هريرة هو الأصل وصوّبهُ جماعة لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه كما هو
الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم، لأن الكل صار كالكلمة الواحدة، واعترض
بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معاً في كلمة واحدة بل في لفظة، لأن أبا هريرة إذا وقعت
فاعلاً مثلاً فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظراً للحال ونظيره خفي، وأجيب بأن الممتنع
رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا، وكان الحامل عليه الخفة واشتهار الكنية حتى
نسي الاسم الأصلي بحيث اختلف فيه اختلافاً كثيراً حتى قال النووي: اسمه عبد الرحمن بن
الحديث رقم ٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٣/١ حديث رقم ٥٨ وزاد ((أو بضع وستون)). وروى البخاري
في صحيحه ١/ ٥١ حديث رقم ٩ ((الإيمان بضع وستون شعبة. والحياء شعبة من الإيمان)) وأبو
داود ٥٥/٥ حديث رقم ٤٦٧٦. والنسائي ٨/ ١١٠ حديث رقم ٥٠٠٥ والترمذي بنحوه ١٢/٥
حديث ٢٦١٤ وابن ماجة كذلك ٢٢/١ حديث رقم ٥٧ وأحمد في مسنده ٣٧٩/٢.
(١) أخرج الترمذي عن عبد الله بن رافع قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت أبا هريرة قال: اما تفرق مني؟
قلت بلى والله إني لأهابك. قال: كنت أرعى غنم أهلي فكانت لي هريرة صغيرة فكنت أضعها بالليل
في شجرة. فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة. قال الترمذي حديث حسن
غريب أخرجه في سننه ٥/ ٦٤٤ حديث رقم ٣٨٤٠.

١٣٤
كتاب الإيمان
قال: قال رسول الله وَل﴾: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ شعبةً، فأفضلُها: قولُ لا إِله إِلا الله،
صخر على الأصح من خمسة وثلاثين قولاً .
وبلغ ما رواه خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وستين والصحيح أنه توفي بالمدينة سنة
تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين، ودفن بالبقيع وما قيل: إن قبره بقرب عسفان لا أصل له
كما ذكره السخاوي وغيره.
(قال: قال رسول الله وَلتر: الإيمان) أي ثمراته وفروعه فأطلق الإيمان وهو التصديق
والإِقرار عليها مجازاً لأنها من حقوقه ولوازمه (بضع وسبعون) وفي رواية بضعة، والباء مكسورة
فيهما وقد تفتح وهي القطعة، ثم استعملا في العدد لما بين الثلاثة والعشرة وفي القاموس: ((هو
ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع،
أو هو سبع)) اهـ. ويؤيده أنه جاء في بعض الروايات: ((سبع وسبعون)) والذي في الأصل هو
رواية مسلم جرى عليها أبو داود والترمذي والنسائي، ورواية البخاري: ((بضع وستون))
ورجحت بأنها المتيقن، وصوّب القاضي عياض الأولى بأنها التي في سائر الأحاديث، ورجحها
جماعة منهم النووي بأن فيها زيادة ثقات، واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في
الرواية، وإنما هذا من اختلاف الروايتين مع عدم تنافٍ بينهما في المعنى إذ ذكر الأقل لا ينفي
الأكثر، وأنه وَ لّ أخبر أوّلاً بالستين، ثم أعلم بزيادة فأخبر بها، ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة
كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله النووي؛ والأظهر والله أعلم أن المراد [به] التكثير لا
التحديد، ويحمل الاختلاف على تعدد القضية ولو من جهة راوٍ واحد. وقوله (شعبة) هي في
الأصل غصن الشجر وفرع كل أصل وأريد بها هنا الخصلة الحميدة أي الإيمان ذو خصال
متعددة، وفي رواية صحيحة: ((بضع وسبعون باباً))(١)، وفي أخرى: ((أربع وستون باباً)(٢) أي
نوعاً من خصال الكمال، وفي أخرى: ((ثلاث وثلاثون شريعة، من وافى الله بشريعة منها دخل
الجنة))(٣)، وروى ابن شاهين: ((أن الله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة)) (٤)،
وفسرت بنحو الحياء والرحمة والسخاء والتسامح وغيرها من أخلاقه تعالى المذكورة في أسمائه
الحسنى وصفاته العليا (فأفضلها) الفاء تفصيلية، أو تفريعية، وقيل: إنها جزائية يقال لها
الفصيحة أي إذا كان الإِيمان ذا شعب فأفضلها (قول لا إله إلا الله) أي هذا الذكر فوضع القول
موضعه، ويؤيده ما ورد بلفظ: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) لا موضع الشهادة لأنها من أصله لا
من شعبه، والتصديق القلبي خارج عنها بالإجماع كذا قيل، وهو مبني على جعل الإقرار شطر
الإِيمان، وأما على القول بأنه شرط فلا مانع من أن يكون المراد بالقول الشهادة لإنهائه عن
التوحيد المتعين على كل مكلف الذي لا يصح غيره إلا بعد صحته؛ فهو الأصل الذي يبنى
(١) الترمذي راجع تخريج الحديث.
(٢) أحمد ٣٧٩/٢.
(٣) أخرج البيهقي في شعب الإيمان: ((الإِيمان ثلاثمائة وثلاث وثلاثون شريعة من وفي الله بشريعة منهن
دخل الجنة؟ ٣٦٦/٦ حديث رقم ٨٥٤٩.
(٤) وأخرج البيهقي نحوه في شعب الإيمان ٦/ ٣٦٧ حديث رقم ٨٥٥٠ إلا أنه زاد (مئة وسبعة عشر)).

١٣٥
کتاب الإيمان
وأدناها: إِماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإِيمان)).
عليه سائر الشعب، أو لتضمنه شرعاً معنى التوحيد الذي هو التصديق والتزامه عرفاً سائر
العبادات على التحقيق، ويجوز أن يكون المراد أنه أفضلها من وجه وهو أنه يوجب عصمة الدم
والمال لا أنه أفضل من كل الوجوه وإلا يلزم أن يكون أفضل من الصوم والصلاة وليس
كذلك، ويجوز أن يقصد الزيادة المطلقة لا على ما أضيف إليه أي المشهور من بينها بالفضل
في الأديان قول لا إله إلا الله. (وأدناها) أي أقربها منزلة وأدونها مقداراً ومرتبةً بمعنى أقربها
تناولاً وأسهلها تواصلاً من الدنو بمعنى القرب فهو ضد فلان بعيد المنزلة أي رفيعها، ومن ثم
رواه ابن ماجة مكان أفضلها بلفظ: ((فأرفعها»، وفي رواية: ((فأقضاها»، أو من الدناءة أي أقلها
فائدة لأنها دفع أدنى ضرر (إماطة الأذى) أي إزالته، وهو مصدر بمعنى المؤذي، أو مبالغة، أو
اسم لما يؤذى به كشوكة أو حجر أو قذر، قال الحسن البصري في تفسير الأبرار: ((هم الذين
لا يؤذون الذر، ولا يرضون الضر»، وفي رواية: ((إماطة العظم)»(١) أي مثلاً (عن الطريق) وفي
طريق أهل التحقيق أريد بالأذى النفس التي هي منبع الأذى لصاحبها وغيره؛ فالشعبة الأولى من
العبادات القولية والثانية من الطاعات الفعلية، أو الأولى فعلية والثانية تركية، أو الأولى من
المعاملة مع الحق والثانية من المجاملة مع الخلق، أو الأولى من التعظيم لأمر الله والثانية من
الشفقة على خلق الله، أو الأولى من القيام بحق الله والثانية من القيام بحق العباد فمن قام بهما
صدقاً كان من الصالحين حقاً.
(والحياء) بالمد (شعبة) أي عظيمة (من الإيمان) أي من شعبه، والمراد به الحياء
الإِيماني، وهو خلق يمنع الشخص من الفعل القبيح بسبب الإِيمان كالحياء عن كشف العورة
والجماع بين الناس، لا النفساني الذي خلقه الله في النفوس، وهو تغير وانكسار يعتري المرء
من خوف ما يلام ويعاب عليه، وإنما أفرد من سائر الشعب لأنه الداعي إلى الكل فإن الحي
يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة العقبى فينزجر عن المناهي ويرتدع عن الملاهي. ولذا قيل: حقيقة
الحياء أن مولاك لا يراك حيث نهاك، وهذا مقام الإِحسان المسمى بالمشاهدة الناشىء عن حال
المحاسبة والمراقبة، فهذا الحديث الجليل مجمل حديث جبريل، فأفضلها مشير إلى الإيمان،
وأدناها مشعر إلى الإِسلام، والحياء موم إلى الإِحسان، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام:
((استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا لُنستحي من الله حق الحياء يا رسول الله والحمد لله،
قال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما
وعى ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، فمن
يعمل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء))(٢) رواه الترمذي وصح: ((الحياء خير كله))(٣)، قال
ابن حبان: «تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على البضع
والسبعين شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة عدّها رسول الله وَّر من الإيمان فإذا
(١) أبو داود راجع تخريج الحديث.
(٣) مسلم ٦٤/١ حديث (٦١ .٣٧).
J WOw !!
الاجري
(٢) أخرجه الترمذي ٤/ ٥٥٠ حدیث رقم ٢٤٥٨.

١٣٦
كتاب الإيمان
متفق عليه .
هي تنقص، فضممت ما في الكتاب والسنة فإذا هي سبع وسبعون فعلمت أنه المراد))، قال
السيوطي: قد تكلف جماعة عدها بطريق الاجتهاد يعني البيضاوي والكرماني وغيرهما
وأقربهم عدّاً بن حبان حيث ذكر كل خصلة سميت في الكتاب أو السنة إيماناً، وقد تبعه
شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري وتبعناهما، وذلك الإيمان بالله وصفاته،
وحدوث ما دونه وبملائكته وكتبه ورسله والقدر، وباليوم الآخر، ومحبة الله والحب في الله
والبغض فيه، ومحبة النبي ◌َّو واعتقاد تعظيمه، وفيه الصلاة عليه وإتباع سنته، والإِخلاص
وفيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة والخوف، والرجاء والشكر، والوفاء والصبر والرضا
بالقضاء، والحياء والتوكل والرحمة والتواضع، وفيه توقير الكبير ورحمة الصغير، وترك الكبر
والعجب، وترك الحسد والحقد، وترك الغضب، والنطق بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم
وتعليمه والدعاء والذكر، وفيه الاستغفار واجتناب اللغو والتطهر حساً وحكماً، وفيه اجتناب
النجاسات وستر العورة والصلاة فرضاً ونفلاً، والزكاة كذلك، وفك الرقاب والجود، وفيه
الإِطعام والضيافة، والصيام فرضاً ونفلاً والاعتكاف والتماس ليلة القدر، والحج والعمرة
والطواف، والفرار بالدين وفيه الهجرة، والوفاء بالنذر والتحري في الإِيمان وأداء الكفارات،
والتعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين وتربية الأولاد وصلة الرحم، وطاعة
السادة والرفق بالعبيد، والقيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر،
والإصلاح بين الناس وفيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر وفيه الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود والجهاد وفيه المرابطة، وأداء الأمانة ومنها الخمس،
والقرض مع وفائه، وإكرام الجار وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في
حقه وفيه ترك التبذير والسرف، ورد السلام وتشميت العاطس، وكف الضرر عن الناس،
واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق)) اهـ. ما ذكره السيوطي في كتابه النقاية وأدلتها
مذكورة في شرحها إتمام الدراية وتجيء في هذا الكتاب متفرقة؛ ولكن ذكرتها لك مجملة
لتتأمل فيها مفصلة، فما رأيت نفسك متصفة بها فاشكر الله على ذلك، وما رأيت على
خلافها فاطلب من الله التوفيق على تحصيل ما هنالك، لأن من وجدت فيه هذه الشعب فهو
مؤمن كامل، ومن نقص منه بعضها فهو مؤمن ناقص.
١٣٫٥٠
وأغرب النووي حيث قال: الحديث نص في إطلاق اسم الإِيمان الشرعي على الأعمال،
وتعقبه ابن حجر وقال: «تمسك به القائلون بأن الإِيمان فعل جميع الطاعات، والقائلون بأنه
مركب من الإقرار والتصديق والعمل، وليس كما زعموا لأن الكلام في شعب الإيمان لا في
ذاته، إذ التقدير شعب الإيمان حتى يصح الإخبار عنه بسبعون شعبة إذ يرجع حاصله في
الحقيقة إلى أن شعب الإيمان كذا وشعب الشيء غيره)) اهـ. وفي الحديث تشبيه الإِيمان
بشجرة ذات أغصان وشعب كما أن في القرآن تشبيه الكلمة الدالة على حقيقة الإيمان بشجرة
طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، أي أصلها ثابت في القلب وفرعها أي شعبها مرفوعة في
السماء. (متفق عليه) قال ميرك: وفيه نظر لأن قوله: ((بضع وسبعون شعبة)) من أفراد مسلم،
٦/١١٣/١

١٣٧
كتاب الإيمان
٦. (٥) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَلَى: ((المسلمُ من سَلِمَ
المسلمونَ من لِسانِهِ ویدِهِ،
وفي البخاري: ((بضع وستون شعبة)) وكذا قوله: ((فأفضلها)) إلى قوله: ((عن الطريق)) من أفراد
مسلم فلا يكون متفقاً عليه، ورواه الأربعة أيضاً إلا أن الترمذي أسقط قوله: ((والحياء شعبة من
الإِيمان)) اهـ. وذكر العيني أن قوله: ((بضع وسبعون)) من طريق أبي ذر الهروي، وقال
السيوطي: (بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة) رواه البخاري هكذا على الشك من حديث
أبي هريرة، ورواه أصحاب السنن الثلاثة بلفظ: ((بضع وسبعون)) بلا شك، وأبو عوانة في
صحيحه بلفظ: ((ست وسبعون))، أو ((سبع وسبعون)) والترمذي بلفظ: ((أربع وستون)) اهـ.
فيؤوّل كلام المصنف بأن أصله من روايتهما دون زيادة: ((فأفضلها)) الخ.
٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) وكتب بالواو ليتميز عن عمر، ومن ثمة لم يكتب حالة
النصب لتميزه عنه بالألف، وهو ابن العاص القرشي (رضي الله عنهما) أسلم قبل أبيه وتوفي
بمكة، أو الطائف، أو مصر سنة خمس وستين، أو ثلاث وسبعين، وبينه وبين أبيه في السن
إحدى عشرة سنة كما جزم به بعضهم، قيل: وهذا من خواصه كذا ذكره ابن حجر، وقال
المصنف: كان أبوه أكبر منه بثلاث عشر سنة، وقيل: باثنتي عشر سنة. وكان غزير العلم كثير
الاجتهاد في العبادة، عمي آخر عمره، وكان أكثر حديثاً من أبي هريرة لأنه كان يكتب لكن ما
رُوي عنه وهو سبعمائة حديث قليل بالنسبة لما رُوي عن أبي هريرة، قال المصنف: كان ممن
قرأ الكتب، واستأذن النبي ◌َّ﴿ في أن يكتب حديثه فأذن له.
(قال: قال رسول الله وَّلقول: المسلم) أي الكامل لما تقدم من معنى الإِسلام، أو المسلم
الحقيقي المتصف بمعناه اللغوي (من سلم المسلمون) أي والمسلمات إما تغليباً، وإما تبعاً
ويلحق بهم أهل الذمة حكماً وفي رواية ابن حبان: ((من سلم الناس)) (من لسانه) أي بالشتم
واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك حتى قيل: أوّل بدعة ظهرت
قول الناس الطريق الطريق (ويده) بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها،
وخُصًّا لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما مثلاً وقدم اللسان لأن الإِيذاء به أكثر وأسهل ولأنه
أشد نكاية كما قال :
جراحات السنان لها التئامٌ * ولا يلتام ما جرح اللسان
ولأنه يعم الأحياء والأموات، وابتلي به الخاص والعام خصوصاً في هذه الأيام، وعبر به
دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره، وقيل: كنى باليد عن سائر الجوارح لأن سلطنة
الأفعال إنما تظهر بها، إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والأخذ، فقيل في كل عمل: هذا
مما عملته أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها، وفيه أن الأيدي واليدين توضعان موضع الأنفس
الحديث رقم ٦: أخرجه البخاري ١/ ٥٣ حديث رقم ١٠. ومسلم ٦٥/١ حديث (٤١.٦٥). وأبو داود في
سننه ٩/٣ حديث رقم ٢٤٨١. والنسائي في سننه ١٠٥/٨ حديث رقم ٤٩٩٦ وأحمد ٢/ ١٨٧.

١٣٨
امے
كتاب الإيمان
والمهاجرُ من هَجَرَ ما نهى اللَّهُ عنه)) هذا لفظ البخاري. ولمسلم قال: ((إِن رجلاً سأل النبيَّ
وَ﴿: أيّ المسلمين خير؟ قال: من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ».
٧. (٦) وعن أنس رضي الله عنه،
والنفس لأن أكثر الأفعال يزاول(١) بهما ولا يعرف استعمال اليد المفردة بهذا المعنى. ثم الحد
والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال(٢) ونحوها فهي استصلاح وطلب للسلامة، أو
مستثنى شرعاً، أو لا يطلق عليه الأذى عرفاً (والمهاجر) أي الكامل، أو حقيقة لشموله(٣) أنواع
الهجرة لأن فضله على الدوام (من هجر) أي ترك (ما نهى الله عنه) أي في الكتاب، أو السنة،
وفي رواية: ((ما حرم الله عليه)) وأريد بالمفاعلة المبالغة حيث لم تصح المغالبة (هذا لفظ
البخاري) ورواه أبو داود والنسائي.
(ولمسلم) أي في صحيحه بعضه، فإنه أخرج شطره الأوّل عن جابر مرفوعاً بلفظه،
وبمعناه عن عبد الله بن عمرو (قال: إن رجلاً سأل النبي) وفي نسخة رسول الله (وَلي أيُّ
المسلمين) أي أيُّ أفراد هذا الجنس، أو أيُ قسمي هذا النوع (خير) أي أفضل وأكمل (قال:
من سلم المسلمون من لسانه ويده) ورواه البخاري بلفظ أي الإِسلام أفضل، قال: ((من سلم))
الخ أي إسلام من سلم، وقيل: لكون أي لا تدخل إلا على متعدد كان فيه حذف تقديره أي
أصحاب الإِسلام، [وقيل: أي خصال الإِسلام]، وقيل: الإِسلام بمعنى المسلم كعَذل بمعنى
عادل مبالغة، وفرق بين خير وأفضل مع أن كلاهما أفعل تفضيل بأن الأوّل من الكيفية إذ هو
النفع في مقابلة الشر والمضرة، والثاني من الكمية إذ هو كثرة الثواب في مقابلة القلة، وفي
الروايتين جميعاً دلالة على أن المسلم في الرواية السابقة المراد بها الكامل، ومن ثم قال
الخطابي: إن هذا على حد قولهم: الناس العرب أي هم أفضل الناس، فههنا المراد أفضل
المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الحق أداء حقوق الخلق، والاقتصار على الثاني إما لأن
الأوّل مفهوم بالطريق الأولى، أو لأن تركه أقرب إلى العفو، أو لأن الثاني يتعلق به الحقان
فخص للاهتمام والاعتناء به ولحصول السلامة الدنيوية والأخروية بوجوده، أو إشارة إلى أن
علامة الإِسلام هي السلامة من إيذاء الخلائق كما أن الكذب والخيانة وخلف الوعد علامة
المنافق.
٧ - (وعن أنس رضي الله عنه) أي ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري بنون
مفتوحة قبل جيم مشددة، خادم رسول الله ﴿ عشر سنين بعد ما قدم رسول الله وَلقر المدينة
س/ : جابي برس
(٢) الصيال الذي يضرب الناس ويتطاول عليهم.
(١) في المخطوطة يزال.
(٣) في المخطوطة لشمول.
الحديث رقم ٧: أخرجه البخاري ٥٨/١ حديث رقم ١٤ ومسلم في صحيحه ١ / ٦٧ حديث (٤٤.٦٩)
والنسائي في سننه ١١٤/٨ حديث رقم ٥٠١٣. وابن ماجة في سننه ٢٦/١ حديث رقم ٦٧.
وأحمد في مسنده ٢٠٧/٣.
٠١٦٨٠

١٣٩
كتاب الإيمان
قال: قال رسول الله وَله: ((لا يؤمنُ أحدكُمْ حتَّى أكونَ أحبَّ إِلیهِ من والدِهِ وولدِهِ والناسِ
أجمعین)).
وهو ابن عشر سنين، وقالت أمه: يا رسول الله خويدمك ادع الله له، فقال: اللهم بارك في ماله
وولده، وأطل عمره واغفر ذنبه، فقال: لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين، وإن ثمرتي لتحمل
في السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأنا أرجو الرابعة أي المغفرة قيل: عمر مائة
سنة وزيادة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، انتقل إلى البصرة في
خلافة عمر ليفقه الناس، روى عنه خلق كثير وكنيته أبو حمزة وهي اسم بقلة حرّيفية، ومنه
حديث أنس: كناني رسول الله وَله ببقلة كنت أجتنيها.
(قال: قال رسول الله ويلقى: لا يؤمن أحدكم) وفي رواية: ((الرجل))، وفي أخرى: ((أحد))
وهي أشمل منهما والأولى أخص، أي إيماناً كاملاً (حتى أكون) بالنصب بأن مضمرة وحتى
جارة (أحب إليه) أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وللتوسع في الظرف قدم الجار على معمول
أفعل وهو قوله (من والده) أي أبيه وخص عن الأم لأنه أشرف فمحبته أعظم، أو المراد به ما
يشملهما وهو ذو ولد (وولده) أي الذكر والأنثى وقدم الوالد لأنه أشرف وأسبق في الوجود،
وتقديم الولد في رواية النسائي لأن محبته أكثر وخُصَّاً لأنهما أعز من غيرهما غالباً، وأبدلا في
رواية: ((بالمال والأهل)) تعميماً لكل ما تحبه النفس؛ فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه
قال: ((حتى أكون أحب إليه من جميع أعزته))، ومن ثم أكد ذلك تأكيداً واستغراقاً بقوله (والناس
أجمعين) عطفاً للعام على الخاص.
ثم النفس داخلة في هذا العموم لغةً وإن كانت خارجة عرفاً لما سيأتي في الحديث الآتي
الموافق لقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب - ٦] وقوله تعالى: ﴿قل
إن كان آباؤكم﴾ الآية [التوبة - ٢٤]، وليس المراد الحب الطبيعي لأنه لا يدخل تحت الاختيار
و﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾، بل المراد الحب العقلي الذي يوجب إيثار ما يقتضي العقل
رجحانه ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى كحب المريض الدواء فإنه يميل إليه
باختياره ويتناوله بمقتضى عقله لما علم وظن أن صلاحه فيه. وإن نفر عنه طبعه، مثلاً لو أمره
* بقتل أبويه وأولاده الكافرين، أو بأن يقاتل الكفار حتى يكون شهيداً لأحب أن يختار ذلك
لعلمه أن السلامة في امتثال أمره وَلتر، أو المراد الحب الايماني الناشىء عن الإِجلال والتوقير
والإِحسان والرحمة، وهو إيثار جميع أغراض المحبوب على جميع أغراض غيره حتى القريب
والنفس. ولما كان ◌َله جامعاً لموجبات المحبة من حسن الصورة والسيرة وكمال الفضل
والإِحسان ما لم يبلغه غيره استحق أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه فضلاً عن غيره، سيما
وهو الرسول من عند المحبوب الحقيقي الهادي إليه والدال عليه والمكرم لديه، قال القاضي:
((ومن محبته نصر سنته والذب عن شريعته، وتمني إدراكه في حياته ليبذل نفسه وماله دونه))
اهـ. وممن ارتقى إلى غاية هذه المرتبة ونهاية هذه المزية سيدنا عمر رضي الله عنه، فإنه لما
سمع هذا الحديث أخبر بالصدق حتى وصل ببركة صدقه إلى كمال ذلك، فقال بمقتضى الأمر
الطبيعي: ((لأنت يا رسول الله أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسى، فقال: لا والذي نفسى

١٤٠
كتاب الإيمان
متفق عليه .
بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فإنك الآن [والله] أحب إليّ من نفسي،
فقال: الآن يا عمر [تم إيمانك])) رواه البخاري، وهو يحتمل احتمالين أحدهما: أنه فهم أوّلاً
أن المراد به الحب الطبيعي، ثم علم أن المراد الحب الإِيماني والعقلي فأظهر بما أضمر،
وثانيهما: أنه أوصله الله تعالى إلى مقام الأتم ببركة توجهه عليه الصلاة والسلام فطبع في قلبه
حبه حتى صار كأنه حياته ولبه، ولهذا(١) قيل: فهذه المحبة منه رضي الله عنه ليست اعتقاد
الأعظمية فحسب لأنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعاً، بل أمر يترتب على ذلك به يفنى
المتحلي به عن حظ نفسه، وتصير خالية عن غير محبوبه، قال القرطبي: وكل من صح إيمانه
به عليه الصلاة والسلام لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، وإن استغرق
بالشهوات وحجب بالغفلات في أكثر الأوقات، بدليل أنّا نرى أكثرهم إذا ذكر ◌َّ اشتاق إلى
رؤيته وآثرها على أهله وماله وولده ووالده، وأوقع نفسه في المهالك والمخاوف مع وجدانه من
نفسه الطمأنينة بذلك وجداناً لا تردد فيه، وشاهد ذلك في الخارج إيثار كثيرين لزيارة قبره
الشريف ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن قلوبهم
لما توالت غفلاتها وكثرت شهواتها كانت في أكثر أوقاتها مشتغلة بلهوها، ذاهلة عما ينفعها،
ومع ذلك هم في بركة ذلك النوع من المحبة فيرجى لهم كل خير إن شاء الله تعالى، ولا شك
أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم، لأنه ثمرة المعرفة وهم بقدره ومنزلته
أعلم، وقال النووي: ((في الحديث تلميح إلى صفة النفس المطمئنة والأمارة؛ فمن رجح جانب
نفسه المطمئنة كان حبه عليه الصلاة والسلام راجحاً، ومن رجح جانب نفسه الأمارة كان
بالعكس)) اهـ. واللوّامة حالة بينهما مترتبة عليهما ولذا لم يذكرها معهما (متفق عليه) ورواه
أحمد والنسائي وابن ماجة، قال النووي: مذهب أهل الحق من السلف والخلف أن من مات
موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً عن المعاصي كالصغير والمجنون الذي
اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث بعد.
توبته، والموفق الذي ما لمّ بمعصية قط، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار
أصلاً لكنهم يردونها على الخلاف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط،
وهو جسر منصوب على ظهر جهنم نعوذ بالله منها، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من
غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بالقدر الذي
يريده سبحانه، ثم يدخل الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من
المعاصي ما عمل، كما لا يدخل الجنة من مات على الكفر ولو عمل ما عمل من أعمال البر،
وهذا هو المذهب الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به بحيث حصل
العلم القطعي، فإن خالفه ظاهر حديث وجب تأويله جمعاً بين الأدلة.
شراك الف
(١) في المخطوطة لذا.