النص المفهرس

صفحات 61-80

خطبة الكتاب
fire:
٦ ٨×
- موضع قريب بسمرقند على فرسخين، وقيل: نحو ثلاثة أيام بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة؛
فقوم يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباء بها فنزل بها حتى ينجلي الأمر، فأقام
أياماً فمرض حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقند يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيأ
للركوب ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني
فقد ضعفت، فأرسلوه فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى عليه فسال منه عرق كثير لا يوصف،
وما سكن العرق حتى أدرج في أكفانه. وقيل: ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل:
((اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك))، فمات عن غير ولد ذكر، ليلة عيد
الفطر، سنة [ ست ] وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة. وكانت ولادته يوم الجمعة بعد
صلاة العصر في شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة. ولما صُلي عليه ووضع في حفرته، فاح
من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدة يأخذون من تراب قبره
ويتعجبون من ذلك، قال بعضهم: رأيت النبي ◌َلّر ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف،
فسلمت عليه فرد عليَّ السلام، فقلت: ما وقوفك [ هنا ] يا رسول الله؟، قال: أنتظر محمد بن
إسماعيل، قال: فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت
النبي ◌َّ فيها.
[ و] بعد نحو سنتين من موته، استسقى أهل سمرقند مراراً فلم يسقوا، فقال بعض
الصالحين لقاضيها: أرى أن تخرج بالناس إلى قبر البخاري ونستسقي عنده فعسى الله أن
يسقينا، ففعل وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى [ عليهم ] السماء بماء
غزير أقام الناس من أجله نحو سبعة أيام لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر.
ثم اعلم أن في زمن الصحابة وكبار التابعين لم تكن الأحاديث مدوّنة لنهيه عليه الصلاة
والسلام أصحابه عن كتابة الحديث [ مخافة ] خلطه بالكلام القديم(١)، وأيضاً دائرة حفظهم
كانت واسعة ببركة صحبته وقرب مدته، وأيضاً أكثرهم لم يكونوا عارفين بصنعة الكتابة فظهر
في آخر عصر التابعين تدوين الأحاديث والأخبار وتصنيف السنن والآثار، وتصدوا (٢) لهذا الأمر
الشريف كالزهري وربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، وكان دأبهم تصنيف كل باب
على حدة إلى عهد كبار أهل الطبقة الثالثة، فألفوا الحديث على ترتيب أبواب الفقه، فصنف
الإمام مالك مقدم أهل المدينة موطأه وجمع فيه أحاديث أهل الحجاز مما ثبت وصح عنده،
وأدرج فيه أقوال الصحابة وفتوى التابعين ومن بعدهم، وصنف من أهل مكة أبو حامد عبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومن أهل الشام أبو عمر وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي،
ومن أهل الكوفة سفيان الثوري، ومن البصريين أبو سلمة حماد بن [ سلمة وبعدهم كل واحد
ـهم، ٩٠٠٠٦ ١٤,۔۔
(١) أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله وَل قر قال: ((لا تكتبوا عني. ومن كتب
عني غیر القرآن فليمحه ... )) مسلم ٢٢٩٨/٤ حديث ٣٠٠٤.
(٢) في المخطوطة وتصدروا.
١

٦٢
خطبة الكتاب
من أعيان العلماء المجتهدين ألف كتاباً. وكتب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن]
أبي شيبة وغيرهم من كبراء المحدثين مسانيدهم، وبعضهم على ترتيب أبواب الفقه. لكن في
الكتب المذكورة لم يميز الصحيح والضعيف، ولما اطلع البخاري على تصانيفهم حصل له
العزم بطريق الجزم لتحصيل الحزم على تأليف كتاب يكون جميع أحاديثه صحيحة. وقد رُوي
عنه أنه قال: كنت عند شيخي إسحاق بن راهويه يوماً فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً بصحيح
سنة النبي ◌َّ﴾، فوقع في قلبي تصنيف [ كتاب ] في هذا الباب. وتقدم رؤياه أيضاً فشرع فيه،
فلما كمله عرضه على مشايخه مثل إسحاق بن راهويه وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وغيرهم استحسنوه وشهدوا بصحة كتابه، وأنه لا نظير له في بابه، واستثنوا
أربعة أحاديث وتوقفوا في صحتها. قال العقيلي والحق مع البخاري فيها أيضاً، فإنها
صحيحة(١).
ثم اختلف علماء الحديث وشراح البخاري في عدد أحاديثه بالمكرر وإسقاط المكرر
والذي حققه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري أن جملة أحاديثه مع التعاليق(٢) والمتابعات(٣)
والشواهد(٤) ومع المكررات تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً، وبإسقاط المكرر أحاديثه
المرفوعة ألفان وستمائة وثلاث وعشرون حديثاً(٥). وأعلى أسانيد أحاديثه وأقربه إليه عليه
الصلاة والسلام ما يكون الواسطة ثلاثة، ووجد فيه من هذا القبيل في صحيحه مع المكرر اثنان
وعشرون حديثاً، وبإسقاط المكرر ستة عشر حديثاً وقد أفرده بعض العلماء.
ثم اتفقت العلماء على تلقي الصحيحين بالقبول وأنهما أصح الكتب المؤلفة، ثم
الجمهور على أن صحيح البخاري أرجحهما وأصحهما قيل: ولم يوجد عن أحد التصريح
بنقيضه، لأن قول أبي علي النيسابوري: ((ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم)) ليس فيه
تصريح بأصحيته على كتاب البخاري، لأن نفي الأصحية لا ينفي المساواة، وتفضيل بعض
المغاربة لصحيح مسلم محمول على ما يرجع لحسن السياق وجودة الوضع والترتيب، إذ لم
يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية؛ ولو صرحوا به لرد عليهم شاهد الوجود لأن ما
يدور عليه الصحة من الصفات الموجودة في صحيح مسلم موجودة في صحيح البخاري على
(١) مقدمة هدي الساري ص ٧.
(٢) التعاليق والمراد الحديث المعلق والمعلق هو ما حذف مبتدأ سنده سواء كان المحذوف واحداً أو أكثر
على سبيل التوالي ولو إلى آخر سنده. (منهج النقد في علوم الحديث ص ٣٧٤).
(٣) والمتابعات هي أن يوافق راوي الحديث على ما رواه من قبل راو آخر فيرويه عن شيخه أو عمن فوقه
(منهج النقد، ص ٤١٨).
(٤) الشاهد هو حديث مروي عن صحابي آخر يشابه الحديث الذي يظن تفرده، سواء شابهه في اللفظ
والمعنى أو في المعنى (منهج النقد ص ٤١٨).
(٥) للإفادة تراجع مقدمة هدي الساري ص ٤٦٥.

٦٣
خطبة الكتاب
وجه أكمل وأسد(١)، فإن شرطه فيها أقوى وأشد. وأما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن
يكون الراوي قد ثبت له الاجتماع بمن يروي عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمجرد المعاصرة نظراً
لإمكان اللقي، وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط، فلأنّ الرجال الذين تكلم فيهم من رجال
مسلم أكثر عدداً ممن تكلم فيهم من رجال البخاري، مع أنه لم يكثر من إخراج حديثهم بل
غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم، ومارس حديثهم وميز جيدها من غيره بخلاف مسلم، فإن
أكثر من تفرد بتخريج أحاديثه ممن تكلم فيه هو ممن تقدم عصره من التابعين وتابعيهم، ولا شك
أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم عنهم، وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ (٢)
والإعلال(٣) فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عدداً مما(٤) انتقد على مسلم، ولا
يقدح فيهما إخراجهما لمن طعن فيه، لأن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتضٍ لعدالته
عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته إن خرّج له في الأصول، فإن خرّج في المتابعات والشواهد
والتعاليق كانت درجاته متقاربة في الضبط وغيره، لكن مع حصول وصف الصدق له فالطعن فيمن
خرج له أحدهما مقابل لتعديله، فلا يقبل الجرح إلا مفسراً بما يقدح في عدالته أو في ضبطه
مطلقاً، أو في ضبطه لخبر بعينه لتفاوت الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح، إذ منها ما لا يقدح
ومنها ما يقدح. وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول فيمن خرج له أحدهما في الصحيح: هذا
((جاز القنطرة)) يعني لا يلتفت لما قيل فيه لأنهما مقدمان على أئمة عصرهما ومن بعدهما في معرفة
الصحيح والعلل. فهو أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، ويؤيده ما نقل عن الحاكم أبي أحمد
شيخ الحاكم أبي عبدالله النيسابوري أن البخاري إمام المحدثين، وكل من أتى بعده وصنف كتاباً
في الحديث وأفرده ففي الحقيقة إنما أخذه عنه؛ فالفضل للمتقدم حتى أن مسلماً أتى بأحاديثه
مفرقاً في كتابه، وتجلد غاية التجلد حيث لم يسندها إلى جنابه، وقال الدار قطني: ((لولا البخاري
لما راح مسلم ولا جاء أخذ كتابه وزاد عليه أبوابه)). وللبخاري مصنفات غير الصحيح، كأدب
المفرد ورفع اليدين في الصلاة والقراءة(٥) خلف الإِمام وبر الوالدين، والتاريخ الكبير والأوسط
والصغير، وخلق أفعال العباد، وكتاب الضعفاء، والجامع الكبير والمسند الكبير والتفسير الكبير،
وكتاب الأشربة وكتاب الهبة وأسامي الصحابة، وكتاب الوجدان وكتاب العلل وكتاب الكنى،
وكتاب المبسوط، وكتاب الفوائد. رُوي عنه أنه قال: ((رويت الحديث عن ألف وثمانمائة
محدث)). روى عنه خلق كثير كمسلم في غير صحيحه، والترمذي وابن خزيمة وأبي زرعة (٦)
(١) في المخطوطة أشد.
(٢) الشاذ هو ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه لكثرة عدد أو زيادة حفظ (منهج النقد ص ٤٢٨).
(٣) المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها (منهج النقد
ص ٤٤٧).
(٤) في المخطوطة ممن.
(٦) في المخطوطة أبو زرعة.
(٥) في المخطوطة قراءة.

٦٤
خطبة الكتاب
وأبي الحسين مُسلمٍ بن الحجاج القُشيريّ، وأبي عبد الله مالكِ بنِ أنسِ الأصبحي،
وأبي حاتم، وكذا النسائي في قول وغيرهم. وبالجملة قيل: روى عنه مائة ألف محدث. رُوي
عن يحيى بن جعفر بن أعين المروي أنه قال: ((لو قدرت على أن أزيد من عمري في عمر
البخاري لفعلت لأن موتي موت واحد من الناس وموت البخاري ذهاب العلم وموت العالم))،
ونعم ما قيل :
إذا مامات ذو علم وفتوى * فقد وقعت من الإِسلام ثلمة
قال محمد بن أحمد المروزي: كنت نائماً بين الركن والمقام فرأيت النبي ◌َّ في المنام
فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي فقلت: يا رسول الله وما
كتابك، قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري.
(وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري) بالتصغير نسبة إلى بني قشير قبيلة من
العرب، وهو نيسابوري أحد أئمة علماء هذا الشأن، سمع من مشايخ البخاري وغيرهم، كأحمد
ابن حنبل وإسحاق بن راهويه وقتيبة بن سعيد والقعنبي. وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره
وحفاظ دهره، كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة وخلائق. وله المصنفات الجليلة غير جامعة
الصحيح، كالمسند الكبير صنفه على ترتيب أسماء الرجال لا [ على ] تبويب الفقه، وكالجامع
الكبير على ترتيب الأبواب، وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين وكتاب التمييز وكتاب من
ليس [ له ] إلا راو واحد، وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين(١). قال: ((صنفت
الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة))، وهو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، وأعلى أسانيده
[ ما ] يكون بينه وبين النبي ◌ّليل أربعة وسائط، وله بضع وثمانون حديثاً بهذا الطريق، ولد عام
وفاة الشافعي سنة أربع ومائتين [ و] توفي في رجب سنة إحدى وستين ومائتين. وقد رحل
إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد غير مرة. وحدث [ بها ] وكان آخر قدومه
بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين. وکان عقد له مجلس بنيسابور للمذاكرة، فذکر له حدیث فلم
يعرفه، فانصرف إلى منزله وقدمت له سلة فيها تمر، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة
فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، ويقال: إن ذلك(٢) كان سبب موته؛ ولذا قال ابن
الصلاح: ((كانت وفاته بسبب [ غريب ] نشأ من غمرة فكرة علمية))، وسنه قيل: خمس
وخمسون وبه جزم ابن الصلاح، وتوقف فيه الذهبي، وقال: إنه قارب الستين، وهو أشبه من
الجزم ببلوغه الستين، قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين محمد الجزري
في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح: إني زرت قبره بنيسابور، وقرأت بعض
صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره، ورأيت آثار البركة ورجاء الإِجابة في تربته.
(وأبي عبد الله مالك بن أنس) وهو غير أنس بن مالك كما توهم (الأصبحي) نسبةٍ إلى ذي
أصبح ملك من ملوك اليمن، أحد أجداد الإِمام مالك بن أنس صاحب المذهب، وأُخر عن
(١) في المخطوطة المحضرمين.
(٢) في المخطوطة سرتبه.

٦٥
خطبة الكتاب
البخاري ومسلم ذكراً وإن كان مقدماً عليهما وجوداً ورتبة وإسناداً لتقدم كتابيهما على كتابة
ترجيحاً، لعدم التزامه تصحيحاً. وهو من تابعي التابعين، وقيل: من التابعين، إذ رُوي أنه رَوى
عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص وصحبتها ثابتة، قال الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح
عنده، وعند من تقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل(١) والمنقطع وغيرهما، وقال
السيوطي: ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة
على الاحتجاج بالمرسل حجة أيضاً عندنا إذا اعتضد، وما من مرسل في الموطأ إلا وله
عاضد، أو عواضد، فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء. وقد صنف ابن
عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال ابن عبد البر:
مذهب مالك أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل كما تجب بالمسند سواء، قال
البخاري: إمام الصنعة: ((أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر))، وفي المسألة خلاف
منتشر مشتهر، وعلى هذا المذهب قالوا: أصح الأسانيد عن مالك الشافعي، إذ هو أجل
أصحابه على الإطلاق بإجماع أصحاب الحديث، ومن ثم(٢) قال أحمد: سمعت الموطأ من
سبعة عشر رجلاً من حفاظ أصحاب مالك ثم من الشافعي فوجدته أقومهم به، وأصحها عن
الشافعي أحمد، ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذا السند، قيل لها: سلسلة الذهب، قيل: ولا
ينافي ذلك إكثار أحمد في مسنده إخراج حديث مالك من غير طريق الشافعي، وعدم إخراج
أصحاب الأصول حديث مالك من جهة الشافعي، أما الأوّل فلعل جمعه المسند كان قبل
سماعه من الشافعي، وأما الثاني فلطلبهم العلو المقدم عند المحدثين على ما عداه من
الأغراض.
قال بكر بن عبدالله: أتينا مالكاً فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وكنا نستزيده
من حديثه، فقال لنا يوماً: ما تصنعون بربيعة هو نائم في ذلك [ الطاق ]، فأتينا ربيعة فنبهناه
وقلنا [ له ] أنت ربيعة، فقال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك، قال: نعم، قلنا: كيف
حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك، قال: أما علمتم أن مثقال دولة خير من حمل علم،
وكأنه أراد بالدولة اللطف الرباني والتوفيق الإلهي. قال ابن مهدي: الثوري إمام في الحديث،
والأوزاعي إمام في السنة، ومالك إمام فيهما. وكان إذا أتاه أحد من أهل الأهواء قال له: أما أنا
فعلى بينة من ديني، وأما أنت فشاك اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال الشافعي: رأيت
على باب مالك كراعاً من أفراس خراسان. وبغال مصر ما رأيت أحسن منه، فقلت: ما
أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك دابة تركبها، فقال: أنا
أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله بحافر دابة. وكان مبالغاً في تعظيم حديثه [وَليزر ]
حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتطيب وتمكن من
(١) المرسل هو ما رفعه التابعي بأن يقول قال رسول الله و ◌َل﴿ سواء كان التابعي كبيراً أو صغيراً.
(٢) فى المخطوطة ثمه وستتكرر هذه كثيراً فلا داعي للإشارة لها في كل موضع
٠١٧٩٠
TISP

٦٦
خطبة الكتاب
الجلوس على وقار [ و ]هيبة، ثم حدث فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول
الله اَلرّ. ومن كلامه: ((إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس [ فيه ] خيرٌ، وقال:
((ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب))، قال مالك: قال لي هارون الرشيد:
يا أبا عبدالله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ - يعني الأمين والمأمون -
فقلت: أعز الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن أنتم
أذللتموه ذل، وفي رواية: مه يا أمير المؤمنين، لا تضع عز (١) شيء رفعه الله والعلم يؤتى ولا
يأتي، قال: صدقت، وفي رواية: صدقت أيها الشيخ كان [ هذا هفوة ] مني استرها عليّ أخرجوا
إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس، وسأله الرشيد: ألك دار، قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف
دينار، وقال: اشتر بها داراً فأخذها ولم ينفقها، ولما أراد الرشيد الشخوص. قال لمالك: ينبغي
أن تخرج معي فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن،
فقال: أما حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه، لأن أصحاب رسول الله وَّر افترقوا بعده في
الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول الله وَلاير: ((اختلاف أمتي رحمة))(٢)،
وأما الخروج معك فلا سبيل إليه لأنه ◌َّ قال: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))(٣)، وهذه
دنانيركم كما هي إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها يعني إنك [ إنما ] كلفتني مفارقة المدينة لما
صنعت إلي فلا أؤثر الدنيا على مدينة رسول الله وَّر، وصح عن الشافعي أنه قال: ((ما في الأرض
كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك))، وفي رواية: ((ما تحت أديم السماء أصح من موطأ.
مالك))، قال العلماء: إنما قال الشافعي هذا قبل وجود الصحيحين وإلا فهما أصح منه اتفاقاً.
وجاءه رجل من مسيرة ستة أشهر في مسألة أرسله بها أهل بلده فقص عليه خبره، فقال: لا
أحسن، قال: فماذا أقول لهم، قال: قل لهم قال مالك لا أحسن.
أخذ عن ثلثمائة تابعي وأربعمائة من تابعيهم، توفي في ربيع الأوّل سنة تسع أو ثمان
وسبعين ومائة على الأصح، ودفن بالبقيع وقبره مشهور به، وولد في ربيع الأوّل سنة ثلاث
ومائة على الأشهر، قيل: مكث حملاً في بطن أمه ثلاث سنين، وقيل: أكثر، وقيل: سنتين.
قال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وقيل: مالك أثبت أصحاب الزهري وابن المنكدر ونافع
ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة وربيعة وجمع كثير. وروى الزهري عنه مع أنه من شيوخه
ومن أجلاء التابعين، فهو من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر، وقد روى عن مالك ابن جريج
وابن عيينة والثوري والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وابن المبارك والشافعي وابن وهب
وخلائق لا يحصون، قال مالك: قَلَّ من أخذت عنه الحديث أنه ما جاءني ولم يأخذ مني
الفتوى .
٣٠٠
(١) في المخطوطة عن.
(٢) أخرجه البيهقي من غير سند وذكره عدد من الحفاظ (السيوطي في الجامع الصغير ٢٤/١).
(٣) من حديث أخرجه البخاري في صحيحه ٩٠/٤ حديث رقم ١٨٧٥.
/٢٠

٦٧
خطبة الكتاب
وأبي عبد الله محمدِ بنِ إدريس الشافعيّ،
(وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي) نسبة إلى شافع أحد أجداده، قيل: شافع كان
صاحب راية بني هاشم يوم بدر فأسر وفدى نفسه فأسلم، وقيل: لقي شافع النبي وَّرُ وهو
مترعرع وأسلم أبوه السائب يوم بدر وكان السائب صاحب راية بني هاشم [ يوم بدر ] فأسر
وفدى نفسه ثم أسلم، وعلى القولين يظهر وجه تخصيص النسبة إليه. ثم نسبة أهل مذهبه أيضاً
شافعي، وقول العامة شافعوي خطأ، وهو المطلبي الحجازي المكي ابن عم النبي ◌َّر، يلتقي
معه في عبد مناف، وورد خبر: ((عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً)، طرقه متماسكة وليس
بموضوع خلافاً لمن وهم فيه كما بينه أئمة الحديث، كأحمد وأبي نعيم والبيهقي والنووي
وقال: إنه حديث مشهور، وممن حمله على الشافعي أحمد وتبعه العلماء على ذلك. ولد بغزة
على الأصح، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن وقيل: بمنى، وقيل: بالبحر سنة خمسين ومائة
اتفاقاً، وهي سنة وفاة أبي حنيفة، وقيل: ولد يوم موته، قال البيهقي: هذا التقييد لم أجده إلا
في بعض الروايات، إما بالعام فهو مشهور بين أهل التواريخ. ونشأ يتيماً في حجر أمه في ضيق
عيش بحيث كانت لا تجد أجرة المعلم، وكان(١) يقصر في تعليمه، وكان الشافعي يتلقف(٢) ما
يعلمه لغيره فإذا ذهب علمهم إياه فكفى المعلم [ أمرهم ] أكثر مما لو أعطاه أجرة فتركها،
واستمر حتى تعلم القرآن لسبع(٣) سنين، ثم حبب إليه مجالسة العلماء. وكان يكتب ما يستفيده
منهم في العظام ونحوها لعجزه عن الورق(٤)، وكان يؤثر الشعر والأدب إلى أن تمثل(٥) ببيت
وعنده كاتب أستاذ مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة فقرعه بسوط، ثم قال له: مثلك يذهب
بمروءته في مثل هذا أين أنت من الفقه، فهزه ذلك إلى مجالسة مسلم. ومن أشعاره:
يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
ثم قدم المدينة وعمره ثلاث عشرة سنة، فلازم مالكاً فأكرمه وعامله لنسبه وعلمه وفهمه
وأدبه وعقله بما هو اللائق بهما. وكان حفظ الموطأ بمكة لما أراد الرحلة إلى مالك حين سمع
أنه إمام المسلمين، وكان مالك يستزيده من قراءته لإعجابه بها حتى قرأه عليه في أيام يسيرة.
وقال له مرة لما تفرس(١) فيه النجابة والإمامة: اتق الله إنه سيكون لك شأن، وأخرى: إن الله
قد ألقى عليك نوراً فلا تطفئه بالمعصية، قال: فما ارتكبت كبيرة قط [ ثم ] بعد وفاة مالك
رحل عن المدينة إلى اليمن، وولي بها القضاء ثم رحل إلى العراق وجد في التحصيل، وناظر
محمد بن الحسن وغيره، ونشر علم الحديث وشاع ذكره وفضله إلى أن ملأ البقاع والأسماع.
قال محمد بن الحسن في مدح الشافعي: إنه استعار مني كتاب الأوسط لأبي حنيفة، وحفظه
(١) في المخطوطة فكان.
(٣) في المخطوطة سبع.
(٢) في المخطوطة يلقف.
(٤) في المخطوطة الوق.
(٥) في المخطوطة تمتلىء.
(٦) تفرس: توسم به.
٢٤٣٠x

سد
٦٨
خطبة الكتاب
في يوم وليلة. ولما صنف كتاب الرسالة أعجب به أهل عصره، وأجمعوا على استحسانه وأنه
من الخوارق، حتى قال المزني: ((قرأته خمسمائة مرة ما من مرة إلا وقد استفدت منه شيئاً لم
أكن عرفته)). وكان أحمد يدعو له في صلاته لما رأى اهتمامه بنصر السنة. وصنف في العراق
كتابه القديم المسمى بالحجة (١)، ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه
الجديدة بها، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر مصنفاً، وسار ذكرها في البلدان
وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه، وكذا أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم
على باب الربيع تسعمائة راحلة. وابتكر أصول الفقه وكتاب القسامة وكتاب الجزية وقتال أهل
البغي، وكان حجة في اللغة والنحو، وأذن له مسلم بن خالد مفتي مكة في الإِفتاء بها وعمره
خمس عشرة سنة، وربما أوقد له المصباح في الليلة ثلاثين مرة ولم يبقه دائم الوقود. قال ابن
أخته من أمه: ((لأن الظلمة أجلى للقلوب)»، وكان يقول: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي
واضربوا بقولي الحائط)). وانفرد بالإعراض عن التمسك بالحديث الضعيف في غير الفضائل.
ومن كلامه الدال على إخلاصه: ((وددت أن كل ما تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني
قط، ووددت إذا [ ما ] ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه))، ومن حكمه البالغة: ((طلب العلم
أفضل من صلاة النافلة، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم - أي مع العمل - ما أفلح في العلم
إلا من طلبه في الذلة، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعز عليّ، لا يتعلم أحد هذا العلم بالملك
وعزة النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش أفلح، تفقه قبل أن ترأس، فإذا
ترأست فلا سبيل إلى التفقه، زينة العلم الورع والحلم، لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما
زهدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغبهم الله فيه، فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهال فقر اضطرار،
الناس في غفلة من سورة ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ [العصر ١ - ٢]، من لم تعزه التقوى
فلا تقوى له، ما فرغت من العلم قط، طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد، من
غلبته(٢) سدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع، لا يعرف
الرياء إلا المخلصون، لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص
عملك ونيتك لله، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس صرف للزهاد، سياسة الناس أشد من
سياسة الدواب، العاقل من عقله عقله عن كل مذموم، ومن نمّ لك نمّ بك، من وعظ أخاه سراً
فقد نصحه، ومن وعظه علانية فقد فضحه، التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام،
أرفع الناس قدراً من لا يُرَى قدره، الشفاعات زكاة المروآت، من ولي القضاء فلم يفتقر فهو
لص، لا بأس للفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به، مداراة الأحمق غاية لا تدرك، الانبساط إلى
الناس مجلبة لقرناء السوء، والانفراد عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط، لأن
(١) كتاب الحجة للإمام الشافعي رحمه الله ألفه بالعراق وإذا أطلق القديم في مذهبه يراد به هذا المصنف.
(كشف الظنون ٦٣١/١).
(٢) في المخطوطة علبه.

خطبة الكتاب
٦٩
يبتلى المرء بكل ذنب ما عدا الشرك خير من أن ينظر في الكلام، فإني والله أطلعت من أهل
الكلام على شيء ما ظننته قط)).
مون
وكان يكتب ثلث الليل ثم يصلي ثلثه ثم ينام ثلثه، ويختم كل يوم ختمة، أقول: لعله في
أيام رمضان وقال: ((ما كذبت قط ولا حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، وما تركت غسل الجمعة
- قط، وما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي))، قال الكرابيسي: سمعته
يقول: ((يكره !!. جل أن يقول قال الرسول لكن يقول قال رسول الله)). وكان له اليد الطولى في
السخاء؛ قدم من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فما برح من مجلس سلام الناس عليه حتى
فرقها كلها. وسقط سوطه فناوله إنسان فأمر غلامه بإعطائه(١) ما معه من الدنانير فكانت سبعة أو
تسعة، وانقطع شسع نعله فأصلحه له رجل فقال: يا ربيع أمعك من نفقتنا شيء، قلت: سبعة
دنانير، قال: ادفعها إليه، وقال المزني: ما رأيت أكرم منه خرجت معه ليلة العيد(٢) من
المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره، فأتاه غلام بكيس وقال: مولاي يقرئك
السلام ويقول لك: خذ هذا الكيس فإنه لك هدية وعلينا المنة، فأخذه منه فأتاه رجل فقال: يا
أبا عبدالله ولدت امرأتي الساعة وليس عندي شيء، فدفع إليه الكيس، وصعد وليس معه شيء.
وكان يأكل شهوة (٣) أصحابه، وركب حماره وأحمد يمشي بجانبه ويذاكره فبلغ ذلك يحيى بن
معين فعتب أحمد، فأرسل له: ((لو كنت بالجانب الآخر من حماره لكان خيراً لك)). وكانت له
المعرفة التامة بالرمي حتى يصيب عشرة من عشرة، وبالفروسية حتى يأخذ بأُذُنه وأذن الفرس
في شدة عدوه [ ورُوي أنه سمع قارئاً يقرأ: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾
[المرسلات - ٣٦] فتغير الشافعي وارتعد وخر مغشياً عليه، فلما أفاق قال: ((اللهم إني أعوذ
بك من مقام الكذابين، ومن إعراض الجاهلين، هب لي من رحمتك وجللني بسترك، واعف
عني بكرمك، ولا تكلني إلى غيرك، ولا تقنطني من خيرك))، ومن كلامه: ((لو لم يكن العلماء
أولياء فليس لله ولي، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ]. قال المزني: دخلت عليه في مرض موته،
فقلت له: كيف أصبحت، فقال: ((أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولكأس المنية
شارباً، ولسوء أعمالي ملاقياً، وعلى الله وارداً، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو
إلى النار فأعزيها)»، ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
جعلت رجائي نحو عفوك سلما
#
تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
* .
توفي آخر يوم من رجب ليلة الخميس، أو ليلة الجمعة، وكان قد صلى المغرب سنة
أربع ومائتين، وقبره بقرافة مصر وعاش أربعاً وخمسين سنة.
(١) في المخطوطة اعطاء.
(٣) في المخطوطة بشهوة.
(٢) في المخطوطة عيد.
+هو .

٧٠
خطبة الكتاب
وأبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ حنبل الشيبانيّ،
(وأبي عبد الله أحمد بن حنبل) وفي نسخة صحيحة [ أحمد بن ] محمد بن حنبل، فالنسبة
الأولى مجازية (الشيباني) نسبة إلى قبيلة، وهو المروزي ثم البغدادي. ولد ببغداد سنة أربع
وستين ومائة، ومات بها سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة. كان إماماً في الفقه
والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسقيم والمجروح من المعدل. نشأ
ببغداد وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى مكة والكوفة والبصرة والمدينة
واليمن والشام والجزيرة. وسمع من يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وسفيان ابن عيينة
ومحمد بن إدريس الشافعي وعبد الرزاق بن همام وغيرهم، وروى عنه ابناه صالح وعبدالله وابن
عمه حنبل بن إسحاق ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأبو زرعة
وأبو داود السجستاني وخلق كثير إلا أن البخاري لم يذكر في صحيحه عنه إلا حديثاً واحداً في
آخر کتاب الصدقات تعليقاً، وروى عن أحمد بن الحسن عنه. فضائله كثيرة ومناقبه شهيرة، وهو
أحد المجتهدين المعمول بقوله ورأيه ومذهبه في كثير من البلاد. قال أبو زرعة: ((كان أحمد
يحفظ ألف ألف حديث))، فقيل له: ما يدريك، قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. وقال أيضاً:
«حزرت(١) كتبه اثني عشر حملاً أو عدلاً كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه))، وقال أبو داود
السجستاني: ((كأن مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا»،
وقال محمد بن موسى: ((حمل إلى الحسن بن عبد العزيز ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل
إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبدالله هذا من ميراث
حلال فخذها واستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجة لي فيها أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها
شيئاً)). وقال عبدالله بن أحمد: كنت أسمع أبي كثيراً يقول في دبر صلاته: ((اللهم كما صنت
وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك)). وقال ميمون بن الأصبغ: كنت
ببغداد فسمعت ضجة فقلت: ما هذا، فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطاً
قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن
كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ [التوبة - ٥١]
فضرب تسعة وعشرين سوطاً وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت، فنزل السروال إلى عانته،
فرمى أحمد طرفه إلى السماء فحرّك شفتيه، فما كان بأسرع من ارتقاء السروال ولم ينزل، فدخلت
عليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبدالله رأيتك تحرّك شفتيك فأي شيء قلت، قال: قلت: ((اللهم
إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً)).
وقال أحمد بن محمد الكندي: ((رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت: ما صنع الله بك، قال:
غفر لي، ثم قال: يا أحمد ضربت فيّ، قال: قلت: نعم يا رب، قال: يا أحمد هذا وجهي فانظر
إليه فقد أبحتك النظر إليه)). رُوي أنه أرسل الشافعي إلى بغداد يطلب قميصه الذي ضرب فيه
فأرسله إليه، فغسله الشافعي وشرب ماءه، وهذا من أجل مناقبه. قال ولده صالح: إنه حج خمس
(١) في المخطوطة حررت.

٧١
خطبة الکتاب
وأبي عيسى محمد بن عيسى التّرمذِيّ،
حجج ثلاثاً منها راجلاً، وكثيراً ما كان يتأدم بالخل، قال أبو زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أن
يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة عليه، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف، وأسلم
يوم وفاته عشرون ألفاً. وقبره ظاهر ببغداد يزار ويتبرك به، وكشف لما دفن بجنبه بعض الأشراف
بعد موته بمائتين وثلاثين سنة فوجد كفنه صحيحاً لم يبل وجثته لم تتغير.
(تنبيه)
اعترض على ابن الصلاح تفضيل كتب السنن على مسند أحمد فإنه أكبر المسانيد
وأحسنها، فإنه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به مع كونه اختصره من أكثر من سبعمائة ألف حديث
وخمسين ألفاً، وقال: ((ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله و ﴿ ﴿ فارجعوا فيه إلى
المسند، فإن وجدتموه فحسن وإلا فليس بحجة))، ومن ثم بالغ بعضهم فأطلق الصحة على كل
ما فيه. والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن
الجوزي قد أدخل كثيراً منها في موضوعاته؛ لكن تعقبه في بعضها بعضهم وفي سائرها شيخ
الإِسلام ابن حجر العسقلاني، وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه (١)، وأنه أحسن انتقاءً
وتحريراً من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها الصحة في جميعها كالسنن الأربعة. قال: وليست
الأحاديث [ الزائدة ] فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة في سنن أبي
داود والترمذي عليهما. وبالجملة فالسبيل واحد لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن، لا
سيما سنن ابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من
المسانيد لأن هذه كلها لم يشترط جامعوها الصحة والحسن. وتلك السبيل أن المحتج إن كان
أهلاً للنقل والتصحيح فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به وإن لم يكن أهلاً
لذلك، فإن وجد أهلاً لتصحيح أو تحسين قلده، وإلا فلا يقدم على الاحتجاج فيكون كحاطب
ليل، فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر.
(وأبي عيسى) قيل يكره هذه التكنية (محمد بن عيسى الترمذي) ، بكسر التاء والميم
وبضمهما وبفتح التاء وكسر الميم مع الذال المعجمة نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر
بلج، الإِمام الحجة الأوحد الثقة الحافظ المتقن؛ أخذ عن البخاري وقتيبة بن سعيد ومحمود بن
غيلان ومحمد بن بشار وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى وسفيان بن وكيع وغيرهم، وأخذ عنه
خلق كثير، وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، منها الشمائل وهذا كتابه الصحيح أحسن
الكتب وأحسنها ترتيباً وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال
وتبيين أنواع من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل. وقد
جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف [ عليها ]، ولذا قيل: هو كاف للمجتهد
(١) وقد ألف الإِمام ابن حجر كتاباً للدفاع عن مسند الإمام أحمد وهو ((القول المسدد في الذب عن
المسند للإمام أحمد».
3 هو:

٧٢
2:7٩٢
خطبة الكتاب
وأبي داودَ سليمانَ بن الأشعثِ السِجِستانيّ،
ومغن للمقلد، بل قال أبو إسماعيل الهروي: هو عندي أنفع من الصحيحين لأن كل أحد يصل
للفائدة(١) منه وهما لا يصل إليها منهما إلا العالم المتبحر، وقول ابن حزم: إنه مجهول كذب منه،
قال: عرضت هذا الكتاب يعني سننه على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به ومن كان في
بيته فإنما في بيته نبي يتكلم. نعم عنده نوع تساهل في التصحيح ولا يضره، فقد حكم بالحسن مع
وجود الانقطاع في أحاديث من سننه، وحسن فيها بعض ما انفرد رواته به كما صرح هو به، فإنه
يورد الحديث ثم يقول عقبه: إنه حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا
الوجه؛ لكن أجيب عنه بأن هذا اصطلاح جديد ولا مشاحة في الإصطلاح، وقد أطلق الحاكم
والخطيب الصحة على جميع ما في سنن الترمذي(٢)، توفي بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين.
وأعلى أسانيده ما يكون واسطتان بينه وبين النبي وَّر، وله حديث واحد في سننه بهذا
الطريق وهو: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر))(٣) فإسناده
أقرب من إسناد البخاري ومسلم وأبي داود فإن لهم ثلاثيات. وذكر في جامعه بسنده هذا
الحديث وهو: ((يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك))(٤)، ثم قال:
وهذا حديث حسن غريب وقد سمعه مني البخاري.
(وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني)، بكسر السين الأولى وتفتح وبكسر الجيم
وسكون السين الثانية معرّب سيستان من نواحي هراة من بلاد خراسان، ولد سنة ثنتين ومائتين
وتوفي بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو الإمام الحافظ الحجة، سكن البصرة وقدم
بغداد مراراً فروى سننه بها ونقله أهلها عنه، وعرضه على أحمد فاستجاده واستحسنه. سمع
أحمد ويحيى بن معين والقعنبي وسليمان بن حرب وقتيبة وخلائق لا يحصون، وروى عنه
النسائي وغيره. قال جمع: ألين الحديث لأبي داود كما ألين الحديد لداود، وكان يقول:
(كتبت عن رسول الله وَللر خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمعت
فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان
لدينه من ذلك أربعة أحاديث، أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات))(٥)،
والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٦)، والثالث:
قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))(٧)،
(٢) ذكر أبو داود بدل الترمذي هذا في المخطوطة وهو خطأ.
(١) في المخطوطة الفائدة.
(٣) أخرجه الترمذي ٤٥٦/٤ حديث ٢٢٦٠.
(٤) أخرجه الترمذي ٥/ ٥٩٧ حديث ٣٧٢٧ وقال حسن غريب.
وعمر و
(٥) وهو الحديث رقم ١ من المشكاة.
(٦) أخرجه الترمذي ٤٨٣/٤ حديث ٢٣١٧ وأخرجه ابن ماجة.
(٧) وفصل الحديث في سنن الترمذي: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). وهو في
الصحیحین. وأخرجه الترمذي ٤/ ٥٧٥ حدیث ٢٥١٥.
جوة

خطبة الكتاب
٧٣
وأبي عبد الرحمن أحمدَ بنِ شُعيبِ النَّسائيّ،
والرابع: ((إن الحلال بين والحرام بين))(١) الحديث.
ومن أشعار الشافعي :
724 5
أربع قالهن خير البرية
عمدة الدين عندنا كلمات #
اتق السيئات وازهد ودع ما * ليس يعنيك واعمل بنية
فكأنه أراد بقوله: ازهد حديث الأربعين: ((ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند
الناس يحبك الناس)). (٢)
قال الخطابي شارحة: ((لم يصنف في علم الدين مثله وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من
الصحيحين))، وقال أبو داود: ((ما ذكرت فيه حديثاً أجمع الناس على تركه))، وقال ابن
الأعرابي: ((من عنده القرآن وكتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة))، وقال
الناجي: ((كتاب الله أصل الإِسلام وكتاب أبي داود عبد الإِسلام))، ومن ثم صرح حجة الإِسلام
الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك، وقال النووي: ((ينبغي
للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء به، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة
تناوله)). وكان [ له ] كم واسع وكم ضيق فقيل له: ما هذا، فقال: أما الواسع فللكتب وأما
الضيق فللاحتیاج إليه.
وفضائله ومناقبه كثيرة، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع، قال
المنذري: ((ما سكت عليه لا ينزل عن درجة الحسن))، وقال النووي: ما رواه في سننه ولم
يذكر ضعفه هو عنده صحيح أو حسن))، وقال ابن عبد البر: ((ما سكت عليه صحيح عنده سيما
إن لم يكن في الباب غيره)»، وأطلق ابن منده وابن السكن الصحة على جميع ما في سنن أبي
داود ووافقهما الحاكم.
(وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي) بفتح النون والمد كما في جامع الأصول،
واقتصر عليه المصنف، وبالقصر كما في طبقات الفقهاء، نسبة إلى بلد بخراسان قريب مرو،
وأما ما ذكره ابن حجر أنه من كور نيسابور أو من أرض فارس فغير صحيح.
أحد الأئمة الحفاظ، سمع من إسحاق بن راهويه وسليمان بن أشعث ومحمود بن غيلان
وقتيبة بن سعيد ومحمد بن بشار وعلي بن حجر وأبي داود وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم متعددة،
وأخذ عنه خلق كثيرون كالطبراني والطحاوي وابن السني: ودخل دمشق فسئل عن معاوية
ففضل عليه علياً فأخرج من المسجد وحمل إلى الرملة ومات بها، وقيل: إلى مكة ودفن بها
بين الصفا والمروة، وجرى عليه بعض الحفاظ فقال: مات ضرباً بالأرجل من أهل الشام حين
(١) من حديث أخرجه البخاري ١٢٦/١ حديث ٥٢ ومسلم ١٢١٩/٣ حديث ١٥٩٩.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٤٤/٧ حديث رقم ٠١٠٥٢٣ وابن ماجة.
٦٨٠
٩٠ ٣
موق
ـور
خيره
:y:
/٢٠
بجد.

٧٤
-:<.
خطبة الكتاب
وأبي عبد الله محمدٍ بن يزيدَ ابن ماجة القَزوينيّ،
١٠٠
٢٠٠
أجابهم لما سألوه عن فضائل معاوية ليرجحوه بها على عليّ بقوله: ألا يرضى معاوية رأساً
برأس حتى يفضل، وفي رواية: ما أعرفه ألا أشبع الله بطنه وما زالوا يضربونه بأرجلهم حتى
أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة فمات مقتولاً شهيداً. وقال الدارقطني: إن ذلك كان
بالرملة، وكذا قال العبدري: إنه مات بالرملة بمدينة فلسطين ودفن بالبيت(١) المقدس، وسنه
ثمان(٢) وثمانون سنة فيما قاله الذهبي ومن تبعه، وجزم المصنف بأنه مات بمكة سنة ثلاث
وثلثمائة وهو مدفون بها، ونقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام
السبكي أن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح وأن سننه أقل السنن بعد الصحيحين
حديثاً ضعيفاً، بل قال بعض الشيوخ: إنه أشرف المصنفات كلها وما وضع في الإِسلام مثله،
وقد قال ابن منده وابن السكن وأبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والخطيب
والدارقطني: كل ما فيه صحيح لكن فيه تساهل صريح، وشذ بعض المغاربة ففضله على كتاب
البخاري ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة والله تعالى أعلم. قال السيد جمال
الدين: صنف في أوّل الأمر كتاباً يقال له السنن الكبير للنسائي، وهو كتاب جليل لم يكتب مثله
في جمع طرق الحديث وبيان مخرجه، وبعده اختصره وسماه بالمجتنى(٣) بالنون، وسبب
اختصاره أن أحداً من أمراء زمانه سأله إن جميع أحاديث كتابك صحيح فقال في جوابه: لا،
فأمره الأمير بتجريد الصحاح وكتابة صحيح مجرد، فانتخب منه المجتنى، وكل حديث تكلم
في إسناده أسقطِهِ منه، فإذا أطلق المحدثون بقولهم: رواه النسائي فمرادهم هذا المختصر
المسمى بالمجتنى لا الكتاب الكبير وكذا إذا قالوا: الكتب الخمسة، أو الأصول الخمسة فهي
البخاري ومسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتنى النسائي.
(وأبي عبدالله محمد بن يزيد بن ماجة) بإثبات ألف ابن خطأ فإنه بدل من ابن يزيد، ففي
القاموس: ماجة لقب والد محمد بن يزيد صاحب السنن لأجده، وفي شرح الأربعين إن ماجة
اسم أمه (القزويني) بفتح القاف نسبة إلى بلد معروف، وهو الإمام الحافظ صاحب السنن التي
كمل به الكتب الستة والسنن الأربعة بعد الصحيحين، قال الحافظ ابن حجر: وأول من أضاف
ابن ماجة إلى الخمسة الفضل بن طاهر حيث أدرجه معها في أطرافه، وكذا في شروط الأئمة
الستة، ثم الحافظ عبد الغني في كتاب الإكمال في أسماء الرجال الذي هذبه الحافظ المزي،
وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ، وهو كما قاله ابن الأثير كتاب
مفيد قوي التبويب في الفقه لكن فيه أحاديث ضعيفة جداً بل منكرة، بل نقل عن الحافظ المزي
أن الغالب فيما انفرد به الضعف ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة بل جعلوا السادس
الموطأ، منهم رزين والمجد ابن الأثير، وقال العسقلاني(٤): ((ينبغي أن يجعل مسند الدارمي
في المخطوطة ببيت المقدس.
(١)
(٢) في المخطوطة ثمانية.
(٣) ويسمى أيضاً ((بالمجتنى) وكلاهما صحيح ولكن ((المجتنى) أشهر.
(٤) في المخطوطة العلافي.

٧٥
خطبة الكتاب
وأبي محمدٍ عبد الله بن عبد الرحمنِ الدّارميّ، وأبي الحسنِ علي بن عمرَ الدارقطني، وأبي
بكرٍ أحمدَ بن الحسين البيهقيّ،
سادساً للخمسة بدله، فإنه قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كان فيه
أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه)). توفي في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين
وله من العمر أربع وستون سنة، سمع أصحاب مالك [ و ] الليث، وروى عنه أبو الحسن
القطان وخلق سواه، وله ثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس، وله حديث في فضل قزوين
أورده في سننه وهو منكر بل موضوع، ولذا طعن فيه وفي كتابه.
(وأبي محمد عبدالله بن عبد الرحمن) السمرقندي التميمي (الدارمي) بكسر الراء نسبة إلى
دارم بن مالك بطن كبير من تميم، وهو الإمام الحافظ عالم سمرقند، صنف التفسير والجامع
ومسنده المشهور وهو على الأبواب لا الصحابة خلافاً لمن وهم فيه. روى عن البخاري ويزيد
ابن هارون والنضر بن شميل وغيرهم، وقال: ((رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام
والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري)). وروى عنه مسلم وأبو داود
والترمذي وغيرهم، قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه، توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة
خمس وخمسين ومائتين، وولد سنة إحدى وثمانين ومائة وله من العمر أربع وسبعون سنة، وله
خمسة عشر حديثاً هي ثلاثيات.
(وأبي الحسن(١) علي بن عمر الدارقطني) بفتح الراء ويسكن وبضم القاف وسكون الطاء
بعده نون نسبة لدار القطن، وكانت محلة كبيرة ببغداد. وهو إمام عصره وحافظ دهره صاحب
السنن والعلل وغيرهما، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال
الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد والتضلع بعلوم شتى، كالقراءة، وله
فيها كتاب لم يسبق إلى مثله. أخذ عنه الأئمة كأبي نعيم والحاكم أبي عبدالله النيسابوري
والبرقاني والشيخ أبي حامد الإسفراييني والقاضي أبي الطيب الطبري والجوهري وغيرهم. ولد
سنة خمس وثلثمائة، ومات ببغداد سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
(وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي) نسبة لبيهق على وزن صيقل بلد قرب نيسابور،
وهو الإمام الجليل الحافظ الفقيه الأصولي الزاهد الورع، وهو أكبر أصحاب الحاكم أبي
عبدالله، وقد أخذ عن ابن فورك وأبي عبد الرحمن السلمي. رُوي أنه اجتمع جمع كثير من
العلماء في مجلس الحاكم أبي عبدالله وقد ترك الحاكم راوياً من إسناد حديث فنبه عليه البيهقي
فتغير الحاكم، فقال البيهقي: لا بد من الرجوع إلى الأصل فحضر الأصل فكان كما قال
البيهقي. رحل إلى الحجاز والعراق ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار واحد زمانه وفارس
ميدانه، وألف كتابه السنن الكبير وكتاب المبسوط في نصوص الشافعي وكتاب معرفة السنن
والآثار، وقيل: وصل تصانيفه إلى ألف جزء. ومن تصانيفه دلائل النبوة وكتاب البعث والنشور
(١) في المخطوطة أبي الحسين والصواب أبو الحسن.

١
٧٦
خطبة الكتاب
وأبي الحسنِ رَزينٍ بن معاويةَ العبدرِي، وغيرهم، وقليلٌ ما هو.
.w.
وكتاب الآداب(١) وكتاب فضائل الصحابة وفضائل الأوقات وكتاب شعب الإيمان وكتاب
الخلافيات، وكان له غاية الإنصاف في المناظرة والمباحثة، وكان على سيرة العلماء قانعاً من
الدنيا باليسير متجملاً في زهده وورعه صائم الدهر قبل موته بثلاثين سنة. قال إمام الحرمين:
((ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في
نصرة مذهبه وأقاويله)). توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وحمل تابوته إلى قرية من
ناحية بيهق وله من العمر أربع وسبعون سنة، قيل: مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
(وأبي الحسن رزين) بفتح الراء وكسر الزاي (ابن معاوية العبدري) بفتح العين المهملة
وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء المخففة منسوب إلى عبد الدار بن قصي بطن من
قريش، وهو الحافظ الجليل صاحب كتاب التجريد في الجمع بين الصحاح، مات بعد العشرين
وخمسمائة (وغيرهم) بالجر عطفاً على أبي عبدالله، وقيل: بالرفع عطفاً على مثل (وقليل ما) ما
زائدة إبهامية تزيد الشيوع والمبالغة في القلة (هو) أي غيرهم والإفراد للفظ غير [ هم ] وهو
مبتدأ خبره قليل، ونظيره ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ ص - ٢٤ ].
فلما انتهى الكلام على آخر الرجال المذكورين والأئمة المشهورين، سنح [ بالخاطر
الفاتر ] ما ذكره السادات الصوفية أرباب الهداية ((إن النهاية هي الرجوع إلى البداية)) فأنتج أن
أختم ذكرهم بمناقب الإمام الأعظم، والهمام الأقدم ليكون كمسك الختام. وقد ذكره المؤلف
أيضاً في أسماء رجاله راجياً حصول بركة كماله؛ لكن بعد ذكر الإمام مالك وأورد اعتذاراً عن
ذلك بقوله: ((وقد بدأنا بذكره لأنه المقدم زماناً وقدراً ومعرفة وعلماً)، قلت: كل ذلك بالنسبة
إلى إمامنا غير صحيح، أما تقدم زمان أبي حنيفة عليه فصريح، إذ ولد مالك سنة خمس
وتسعين وولد أبو حنيفة سنة ثمانين، وأما تقدم قدره على أبي حنيفة فمردود لأنه من أتباع
التابعين، وإمامنا من التابعين كما ذكره السيوطي وغيره، وقد ورد في الحديث النبوي: ((خير
القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)»(٢). وأما معرفته فمعروفة لأنها عمت الخلق
شرقاً وغرباً سيما في بلاد ما وراء النهر وولاية الهند والروم فإنهم لا يعرفون إماماً غيره، ولا
يعلمون مذهباً سوى مذهبه. وبالجملة فأتباعه أكثر من أتباع جميع الأئمة من علماء الأمة، كما
أن أتباع النبي وَ لتر أكثر من أتباع سائر الأنبياء، وقد ورد: ((أنهم ثلثا أهل الجنة))(٣)، والحنفية
أيضاً تجيء ثلثي المؤمنين والله أعلم، وأما علمه فيكفي(٤) ما قال الشافعي في حقه: ((الخلق
كلهم عيال أبي حنيفة في الفقه))، والعذر في كثرة اشتغاله بالأمور الفقهية من المسائل الفرعية
والدلائل الأصولية، أنه رأى أنه الأهم واحتياج الناس إليه أتم، وهو في الحقيقة اشتغال بالمعنى
المعبر عنه بالدراية، وهو مفضل على التعلق بالمبنى الذي يقال له الرواية، وبهذا فاق على
أقرانه من المحدثين وغيرهم. وقد سأله الأوزاعي عن مسائل وأراد البحث معه بوسائل،
(١) في المخطوطة الألقاب.
(٢) البخاري ٢٥٨/٥ حدیث ٢٦٥١.
(٣) البخاري ٣٧٨/١١ حديث ٦٥٢٨ وهو بمعناه .
(٤) في المخطوطة ما يكفي.

١٧٧٫٢
خطبة الكتاب
٧٧
نوف
فأجاب على وجه الصواب، فقال له الأوزاعي: من أين هذا الجواب، فقال: من الأحاديث
التي رويتموها، ومن الأخبار والآثار التي نقلتموها، وبين له وجه دلالاتها وطريق استنباطاتها
فأتصف الأوزاعي ولم يتعسف، فقال: نحن العطارون وأنتم الأطباء أي العارفون بالداء
والدواء. وأيضاً كان عنده أن نقل الحديث الشريف لا يجوز إلا باللفظ دون المعنى، فهذا
الاعتبار يقل التحديث بالمبني مع أن له مسانيد متعددة وأسانيد معتمدة يعرفها أهل الخبرة،
ويحكمون عليه [ بأنه ] من أهل النصرة. ثم يدل على علوّ سنده أنه روى الشافعي في مسنده
عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
لما قال قال رسول الله ويتلقى: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))(١) كذا ذكره
الشمني شارح النقاية في فصل الولاء، وذكر الإمام النووي في تهذيب الأسماء نقلاً عن
الخطيب البغدادي أن الإمام الشافعي روى عن محمد بن الحسن، [ وقال الفاضل تلميذ الإمام
ابن الهمام في شرح التحرير(٢) ذكر أصحاب الشافعي وغيرهم أنه قال الشافعي حملت عن
محمد ابن الحسن ] وقرىء بحثي كتباً، وقال أبو إسحاق في الطبقات: روى الربيع قال: كتب
الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتباً ينسخها فأخرها عنه:
قل للذي لم ترعينا من رآه مثله * ومن كان من رآه قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعله يبذله لأهله لعله
وفي الحقائق شرح المنظومة (٣) قال الشافعي: ((الحمد لله الذي أعانني على الفقه بمحمد
ابن الحسن)) انتهى محمد له الرواية عن أبي حنيفة ومالك كما يدل عليه موطأ الإمام محمد (٤).
ولما ذكر شيخنا العالم العلامة والبحر الفهامة شيخ الإِسلام ومفتي الأنام، صاحب
التصانيف الكثيرة والتآليف الشهيرة، مولانا وسيدنا وسندنا الشيخ شهاب الدين بن حجر المكي
مناقب الإمام مالك وأحمد بن حنبل والشافعي في شرح المشكاة قال: ((تعين علينا إذ ذكرنا
تراجم هؤلاء الأئمة الثلاثة، أن نختم برابعهم المقدم عليهم تبركاً به لعلوّ مرتبته، ووفور علمه
وورعه وزهده وتحليته بالعلوم الباطنة فضلاً عن الظاهرة بما فاق فيه أهل عصره، وفاز بحسن [
الثناء ] عليه وإذاعة ذكره. وهو الإِمام الأعظم، فقيه أهل العراق، ومن أكابر التابعين، أبو
حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي - بضم الزاي وفتح الطاء - ابن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة
(١) وأخرجه الدارمي في السنن ٢/ ٤٩٠ حديث رقم ٣١٥٩.
(٢) وهو كتاب التقرير والتحبير للفاضل محمد بن محمد بن أمير الحاج الحلبي ت ٨٧٩.
(٣) كتاب الحقائق لأبي المحامد محمود بن محمد بن داود اللؤلؤي البخاري ت ٦٧١ وهو شرح لمنظومة
النسفي في الخلاف.
(٤) في المخطوطة (مالك)) والمراد محمد بن الحسن الشيباني لأن له رواية للموطأ. فأطلق اسمه عليه
باعتبار روايته.
أ

٧٨
/ ٠٫٥٠
275*
خطبة الكتاب
الكوفي. وروى الخطيب بإسناده عن حفيده عمر بن حماد بن أبي حنيفة أن ثابتاً ولد على
الإِسلام، وزوطي كان مملوكاً لبني تيم فأعتقوه فصار ولاؤه لهم. وأنكر إسماعيل أخو عمر
المذكور حفيده أيضاً ابن حماد بن أبي حنيفة ذلك، وقال: إن والد ثابت من أبناء فارس،
وأنهم أحرار، ((والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي سنة ثمانين وذهب بثابت أبيه إلى علي بن
أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو من الله
أن يكون ذلك قد استجيب من علي فينا) اهـ. وهو كما رجا، فقد بارك الله في أبي حنيفة بركة
لا نهاية لأقصاها، ولا غاية لمنتهاها، وبارك في أتباعه فكثروا في سائر الأقطار، وظهر عليهم
من بركة صدقه وإخلاصه ما اشتهر به في سائر الأمصار. أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان،
وأدرك أربعة من الصحابة بل ثمانية منهم: أنس وعبدالله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وأبو
الطفيل. وقيل: ولم يلق أحداً منهم، قلت: لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت
مقدم على النافي. وسمع من عطاء وأهل طبقته، روى عنه عبدالله بن المبارك ووكيع بن الجراح
وخلائق لا يحصون، وهو من أهل الكوفة وكان يزيد بن هبيرة والياً على العراق لبني أمية،
فكلمه في أن يلي له قضاء الكوفة فأبى عليه فضربه مائة سوط في كل يوم عشرة أسواط وهو
مصمم على الامتناع، فلما رأى ذلك منه خلى سبيله. وكان الإِمام أحمد إذا ذكر ضربه على
القضاء وامتناعه منه بكى وترحم عليه، قلت: وكأنه اقتدى [ به ] في تحمل ضربه في مسألة
خلق القرآن. واستدعاه المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين من الكوفة إلى بغداد ليوليه القضاء
فأبى، فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل وتكرر هذا منهما، فقال الربيع
الحاجب: ((ألا ترى أمير المؤمنين يحلف))، قال أبو حنيفة: ((أمير المؤمنين على كفارة أيمانه
أقدر مني على كفارة أيماني))، فأمر به إلى السجن في الوقت. وفي رواية: دعاه أبو جعفر إلى
القضاء فأبى فحبسه ثم دعا به، فقال: أترغب عما نحن فيه، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين لا
أصلح للقضاء فقال له: كذبت ثم عرض عليه، فقال أبو حنيفة: قد حكم عليّ أمير المؤمنين
أني لا أصلح للقضاء لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد
أخبرت أني لا أصلح، فرده إلى السجن، فقال الربيع بن يونس: رأيت المنصور يجادله في أمر
القضاء وهو يقول: اتق الله ولا تشرك في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا
فكيف أكون مأمون الغضب فلا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال: قد حكمت
على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟ وذكر أبو حنيفة عند ابن
المبارك فقال: أتذكرون رجلاً عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها.
وكان حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يعرف بريح الطيب إذا أقبل، كثير الكرم
حسن المواساة لإخوانه، ربعة، أحسن الناس منطقاً وأحلاهم نغمة. قال: ((قدمت البصرة
فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت عنه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب،
فجعلت على نفسي أن لا أفارق حماداً حتى يموت فصحبته ثماني عشرة سنة، ثم ما صليت
صلاة منذ مات إلا استغفرت له قبل أبوي، أو قال: مع والدي وإني لأستغفر لمن تعلمت منه

٧٩
خطبة الكتاب
علماً، أو تعلم مني علماً) قال: دخلت على المنصور، فقال: عمن أخذت العلم، فقلت: عن
حماد عن إبراهيم النخعي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، فقال المنصور: بخ بخ
استوفيت يا أبا حنيفة. ورأى أبو حنيفة في النوم كأنه نبش قبر النبي وّر، فبعث من سأل محمد
ابن سيرين، فقال: من صاحب هذه الرؤيا ولم يجب عنها، ثم سأله الثانية فقال: مثل ذلك ثم
سأله الثالثة، فقال: صاحب هذه الرؤيا يبرز علماً لم يسبقه أحد إليه ممن قبله. وقال ابن
المبارك: كان أبو حنيفة آية، فقيل له: في الخير أم في الشر، قال: اسكت يا هذا فإنه يقال إنه
آية في الخير وغاية في الشر، ثم تلا: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ [المؤمنون - ٥٠ ] وقال:
كان يوماً في الجامع فوقعت حية فسقطت في حجره فهرب الناس وهو لم يزد على نفضها
وجلس مكانه. وكان خزازاً يبيع الخز ودكانه معروف في دار عمرو بن حريث. ومات أخو
سفيان الثوري فاجتمع إليه الناس لعزائه، فجاء أبو حنيفة فقام إليه سفيان وأكرمه وأقعده في
مكانه، وقعد بين يديه، ولما تفرق الناس قال أصحاب سفيان: رأيناك فعلت شيئاً عجيباً، قال:
هذا رجل من العلم بمكان فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنّه قمت لفقهه، وإن لم
أقم لفقهه قمت لورعه. وقال النضر بن شميل: ((كان الناس نياماً عن الفقه حتى أيقظهم أبو
حنيفة بما فتقه(١) وبينه)). وقال الشافعي: ((الناس عيال أبي حنيفة في الفقه))، وفي رواية: ((من
أراد أن يتبحر في الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه)). وقال جعفر بن الربيع: ((أقمت على أبي
حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن شيء من الفقه سال كالوادي)).
وقال ابن عيينة: «ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاة منه)»: وقال يحيى بن أيوب الزاهد:
((كان أبو حنيفة لا ينام [ في ] الليل)). وقال أبو عاصم: ((كان يسمي الوتد لكثرة صلاته)). وقال
زفر: ((كان يُخيي الليل كله بركعة يقرأ فيها القرآن)). وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة صلاة
الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة، وكان يسمع بكاؤه
حتى يرحم عليه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف
ختمة، ولما غسله الحسين بن عمارة قال له: ((غفر الله لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم
تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة، ولقد أتعبت من بعدك)). وقال ابن المبارك: ((إنه صلى
الخمس بوضوء واحد خمساً وأربعين سنة، وكان يجمع القرآن في ركعتين)). وقال زائدة:
(صليت معه في مسجده العشاء وخرج الناس ولم يعلم أني في المسجد، فأردت أن أسأله
مسألة فقام وافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾
[الطور - ٢٧] فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن للصبح وأنا أنتظره)). وقال القاسم بن معن:
((قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [ القمر - ٤٦]
يرددها ويبكي ويتضرع)). وقال وكيع: ((كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في
عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق به، ثم جعل إن حلف أن يتصدق بدينار،
(١) أي أظهره.

١٥٠٠
خطبة الكتاب
٨٠
فكان إذا حلف صادقاً في عرض كلامه تصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق
بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوباً جديداً كسى بقدر ثمنه الشيوخ من العلماء، وكان إذا وضع بين
يديه الطعام أخذ منه ضعف ما يأكله فيجعله على الخبز ثم يعطيه الفقير، ووهب لمعلم ابنه
حماد خمسمائة درهم لما(١) ختم، وجاءته امرأة تشتري منه ثوب خز فأخرج لها ثوباً فقالت:
إنها ضعيفة وإنها أمانة فبعنيه بما يقوم عليك، فقال: خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخر بي
وأنا عجوز كبيرة، فقال: إني اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فبقي
هذا بأربعة دراهم)). وقال ابن المبارك للثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب
عدواً له قط، قال: ((والله إنه أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها)). وقال إسماعيل
حفيده: كان عندنا رافضي له بغلان سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر فرمحه (٢) أحدهما فقتله،
فقيل: لجدي، فقال: ما قتله إلا المسمى بعمر فكان كذلك. قلت: لأنه مظهر الجلال وأبو
بكر مظهر الجمال. وكان بعض جماعة المنصور يبغضه، فلما رآه عند المنصور قال: اليوم
أقتله، ثم قال له: إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق الرجل ما ندري ما هو فهل لنا قتله،
قال: أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل، قال بالحق، قال الزم الحق حيث قال ولا تسأل
عنه، ثم قال لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوبقني(٣) فربطته.
.م.
ولد سنة ثمانين من الهجرة وتوفي ببغداد، وقيل: في السجن على أن يلي القضاء سنة
خمسين على المشهور، أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة في رجب ببغداد، وقبره بها يزار
ويتبرك به. ومن ورعه أنه أراد شراء أمة يتسرى بها، فاستمر عشرين سنة يفتش السبايا ويسأل
عنهن حتى اطمأنت نفسه بشراء واحدة. ومن كراماته أن أبا يوسف هرب صغيراً إليه من أمه
ليتمه وفقره، فجاءت أمه للإمام وقالت له: أنت الذي أفسدت ولدي فأعطاه لها، ثم هرب إليه
وتكرر منه ذلك فقال له الإِمام وهو على تلك الحالة الضيقة: كيف بك وأنت تأكل الفالوذج(٤)
في صحن الفيروزج(6)؟ فلما توفي ووصل أبو يوسف عند الرشيد ما وصل دعاه الرشيد يوماً
وأخرج له فالوذجاً كذلك، فضحك أبو يوسف فعجب منه الرشيد فسأله، فقال: رحم الله أبا
حنيفة، وقص عليه القصة، اهـ. كلام الشيخ ابن حجر ملخصاً واكتفينا بكلامه فإنه على
المخالفين حجة، وفيما نقله للموافقين كفاية، لأن المطنب في نعته مقصر، والمسهب في
منقبته مختصر. وقد حُكي أن الشافعي سمع رجلاً يقع في أبي حنيفة فدعاه وقال: يا هذا أتقع
في رجل سلم له جميع الناس ثلاثة أرباع الفقه، وهو لا يسلم لهم الربع، قال: وكيف ذلك؟
39.
(١) في المخطوطة إلى.
(٢) رمح الفرس والبغل والحمار، ضرب برجله وقيل ضرب برجليه جميعاً (لسان العرب).
(٣) وبقه أي حبسه.
(٤) الفالوذ نوع من الحلواء يسوى من لب الحنطة ولا يقال فالوذج (لسان العرب).
(٥) الفيروزج ضرب من الأصباغ (لسان العرب).
ونه۔