النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
له بأنه يدخل الجنة، ثم لا يدخلها إلا برحمة الله، فغيره يكون في ذلك بطريق
الأولى. وقال الرافعي: لما كان أجر النبي ◌َّ في الطاعة أعظم، وعمله في العبادة
أقوم، قيل: ((وَلَا أَنْتَ؟))، أي: لا ينجيك عملك مع عظم قدره؟ فقال: لا إلا
برحمة الله.
(قَالَ: وَلَا أَنَا)، مطابق ((وَلَا أَنْتَ؟))، أي: ولا أنا ممن ينجيه عمله. وفي رواية
مسلم المشار إليها: قال: ((وَلَا إِيَّاي إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللـهُ))، أي: يسترني. وفي
رواية لمسلم: ((إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَنِيَ، مِنْهُ بِرَحْمَةٍ))، وفي رواية لهما: ((بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ)،
وللمستملي: ((بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ))، بإضافة ((بِفَضْلِ)) للاحقها. وفي رواية لمسلم:
((بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلٍ))، وفي أخرى له: ((بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَتِهِ))، قال أبو عبيدة: المراد
بالتغمد: السترَ، وما أظنه إلا مأخوذًا من غمد السيف؛ لأنك إذا غمدت السيف
فقد ألبسته الغمد وسترته به، كأنه جعل رحمة له غمدًا وستره بها وغشاه. قال
القاري: والاستثناء منقطع، أي: إلا أن يلبسني لباس رحمته، فأدخل الجنة
برحمته، والتغمد: الستر، أي: يسترني برحمته ويحفظني كما يحفظ السيف
بالغِمد، بكسر الغين وهو الغلاف، ويجعل رحمته محيطة بي إحاطة الغلاف
للسیف .
وقال الشيخ الدهلوي: معنى الاستثناء، أي: لا ينجيني عملي إلا أن يرحمني
الله، فحينئذ ينجيني عملي، ويصير سببًا في نجاتي، وبدونه لا يصير سببًا؛ لأن
العمل ليس علة حقيقية موجبة للنجاة. وقال الطيبي: الاستثناء منقطع. قال
القسطلاني: ويحتمل أن يكون متصلاً من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ولما أشعر هذا الكلام بإلغاء العمل من حيث
إيجابه النجاة، وهو لا ينافي سببيته ومدخليته فيها، باعتبار أنه يعد العامل؛ لأن
يتفضل عليه، ويقرب إلى الرحمة من جهة حكمه تعالى، بذلك ووضعه إياه،
كذلك أشار إلى إثباته بقوله: ((فَسَدِّدُوا)) بالسين المهملة المفتوحة وكسر الدال
المهملة الأولى المشددة، أي: اقصدوا السداد من الأمر، وهو الصواب من
قولهم: سدد السهم إذا تحرى الهدف. وقيل: هو القصد من القول والعمل،
واختيار الصواب منهما، وهو ما بين الإفراط والتفريط، يعني: قوموا العمل،
واطلبوا الصواب واقصدوا في العمل بلا إفراط وتفريط، فلا تغلوا ولا تقصروا،

٦٢١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللهِ
وفي رواية لمسلم: ((وَلَكِنْ سَدِّدُوا)).
قال الحافظ: ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة
العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي
تدخل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، وهو اتباع السنة من
الإخلاص وغيره ليقبل عملكم، فينزل عليكم الرحمة. (وَقَارِبُوا)، أي: اطلبوا
المقاربة، وهي القصد في الأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير. وقيل: المعنى: إن لم
تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه، يعني: اعملوا بالسداد، فإن
عجزتم عنه فقاربوا، أي: اقربوا منه. وقال الحافظ: أي: لا تفرطوا فتجهدوا
أنفسكم في العبادة؛ لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا.
(وَاغْدُوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة من الغدو، وهو السير من أول
النهار. (وَرُوْحُوا) بضم الراء وسكون الواو من الرواح، وهو السير من أول النصف
الثاني من النهار. وقال الجزري: الغدو الخروج بكرة، والرواح العود عشيًّا،
والمراد: اعملوا أطراف النهار، وقتًا وقتًا.
(وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام ويجوز فتحها، وبعد اللام
جيم: سير الليل، والمراد: العمل في الليل، وقال: ((وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ))؛ لعسر
سير جميع الليل، ففيه: إشارة إلى تقليله وإلى الحث على الرفق في العبادة،
و(شيء)) مرفوع على الابتداء وخبره مقدر. أي: اعملوا، أي: فيه، أو مطلوب
عملكم فيه. وقيل: التقدير: ولكن شيء من الدلجة، وقيل: إنه مجرور لعطفه على
مقدر، أي: اعملوا بالغدو والروحة وشيء من الدلجة، أو المعنى: استعينوا بشيء
من الدلجة وفي بعض نسخ البخاري: ((وَشَيْئًا)) بالنصب، وهكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)).
قال الحافظ: ((وَشَيْئًا)) منصوب بفعل محذوف، أي: افعلوا. (وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ)
بالنصب على الإغراء، أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل، قال الجزري:
((الْقَصْدَ)) العدل في الفعل والقول، والوسط بين الطرفين، والتكرير للتأكيد.
(تَبْلُغُوا) المنزل الذي هو مقصدكم، وهو مجزوم على جواب الأمر، وقد شبه
المتعبدين بالمسافرين؛ لأن العابد كالمسافر إلى محل إقامته وهو الجنة، وكأنه
قال: لا تستوعبوا الأوقات كلها بالسير، بل اغتنموا أوقات نشاطكم وهو أول النهار

٦٢٢
G
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وآخره وبعض الليل، وارحموا أنفسكم فيما بينهما؛ لئلا ينقطع بكم، قال الله
تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اَلَيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وقد تقدم بأبسط من
هذا في شرح حديث أبي هريرة رقم (١٢٥٦).
قال الطيبي: بين أولًا أن العمل لا ينجي إيجابًا؛ لئلا يتكلوا عليه، وحث آخرًا
على العمل؛ لئلا يفرطوا بناء على أن وجوده وعدمه سواء، بل العمل أدنى إلى
النجاة، فكأنه معد وإن لم يوجب. وقال الرافعي: في الحديث إن العامل لا ينبغي
أن يتكل على عمله في طلب النجاة، ونيل الدرجات؛ لأنه إنما عمل بتوفيق الله،
وإنما ترك المعصية بعصمة الله، فكل ذلك بفضله ورحمته. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، واللفظ
للبخاري بل السياق المذكور بطوله من أفراده، أخرجه في الرقاق، وأخرجه مسلم
في التوبة مختصرًا من طرق متعددة، وأخرجه البخاري أيضًا مختصرًا في أواخر
المرضى مقرونًا بقوله: ((وَلَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ ... )) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد
مختصر (ج ٣: ص ٢٣٥: ٢٥٦: ٢٦٤: ٣٦٢)، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم،
وفي الباب عن عائشة عند الشيخين، وعن جابر عند مسلم، وعن جماعة من
الصحابة غير هؤلاء كما في ((الكنز)) (ج٤: ص ١٥٠).
٢٣٩٥ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يُدْخِلُ أَحَدًا
مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيرُهُ مِّنَ النَّارِ وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٣٩٥ - قوله: (لَا يُدْخِلُ) بضم أوله. (عَمَلُهُ) بالرفع فاعله. (وَلَا يُجِيرُهُ)،
أي: لا يخلصه ولا ينجيه، أجار فلانًا أغاثه وأعانه ونصره، وأجاره من العذاب،
أي: أنقذه وأبعده. (وَلَا أَنَا)، أي: إياي. (إِلَّا بِرَحْمَةِ اللهِ)، أي: إلا عملًا مقرونًا
برحمته، فالاستثناء متصل، فدخول الجنة بمحض الفضل، ودرجاتها على حسب
أعمال أصحابها بمقتضى العدل.
(٢٣٩٥) مُسْلِم (٢٨١٧/٧٧) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللهِ
٦٢٣
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في التوبة من طريق أبي الزبير عن جابر، وأخرجه أحمد (ج٣ :
ص٣٣٧) من طريق أبي سفيان عن جابر بلفظ: ((قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدُكُمْ
يُنْجِيهِ عَمَلُهُ))، قالوا: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ((وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ
بِرَحْمَتِهِ))، وأخرجه أيضًا بنحوه (ج٣: ص ٣٦٢: ٣٩٤).
٢٣٩٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا أَسْلَمَ
الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ، كَانَ زَلَّفَهَا، وَكَانَ بَعْدُ
الْقِصَاصُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ،
وَالسَّيَِّةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٣٩٦ - قوله: (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ)، هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء،
وذكره بلفظ المذكر تغليبًا. (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ)، عطف على ((أَسْلَمَ)) وهو بضم السين
المخففة، أي: صار إسلامه حسنًا بمواطاة الظاهر الباطن، ويمكن تشديد السين
ليوافق رواية: ((أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ))، أي: جعله حسنًا بالمواطأة المذكورة، قال
العيني: معنى حسن الإسلام: الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعًا، يقال في عرف
الشرع: حسن إسلام فلان، إذا دخل فيه حقيقة، يعني: صار إسلامه حسنًا باعتقاده
وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، بأن لا يكون منافقًا، قال القاري: وليس
معناه استقام على الإسلام، وأدَّى حقه، وأخلص في عمله لإيهامه إن مجرد
الإسلام الصحيح لا يكفر.
(يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ)، من التكفير، وهو التغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في
الطاعات، و(يُكَفِّرُ) بضم الراء جواب ((إِذَا))، قيل: ويجوز جزمه فتكسر الراء
حينئذٍ؛ لالتقاء الساكنين؛ لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر، ويرد بأن
جزم جواب ((إِذَا))، إنما يجوز في الضرورة، قال ابن هشام في ((مغنيه)) (ج١ :
(٢٣٩٦) البُخَارِي (٤١) فِي الإِيمَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ تَعْلِيقًا. قُلْتُ: وَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ (٢٤) فِي ((الشعبِ))،
وَالدَّارَ قُطْنِيُّ فِي ((غَرَائِبِ مَالِك)). (٤٦/٢. تعليق التعليق) رَضِ ثْلَهُ.

٦٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ص٨٥): ولا تعمل إذا الجزم إلا في الضرورة كقوله:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٍ فَتَجَمَّلِ
اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى
وقال الرضى: لما كان حدث إِذَا الواقع فيه مقطوعًا به في أصل الوضع، لم
يرسخ فيه معنى أن الدال على الفرض، بل صار عارضًا على شرف الزوال، فلهذا
لم تجزم إلا في الشعر مع إرادة معنى الشرط وكونه بمعنى متى. فقول الحافظ في
الفتح: إن إذا لا تجزم، أي: في النثر، وذهل العيني عن كون محل جزمها، إنما
هو في الشعر خاصة لا في النثر، فتعقب الحافظ كعادته، وإلا فذلك أمر ضروري
لم يخل عنه أصغر كتاب في علم النحو. قال ابن آجروم: وإذًا في الشعر خاصة،
ولكن شغفه بالرد والتعقب على الحافظ أوقعه في ذلك، واستعمل الجواب
مضارعًا، وإن كان الشرط بلفظ الماضي لكنه بمعنىٍ المستقبل. وفي رواية البزار:
((كَفَّرَ اللهُ فَوَاخَى بَيْنَهُمَا))، (كُلَّ سَيِّئَةٍ) بنصب ((كُلَّ)) على المفعولية، أي: من
الصغائر والكبائر.
(كَانَ زَلَفَهَا) جملة فعلية في محل الجر؛ لأنها صفة ((سَيِّئَةٍ)) و((زَلَفَهَا)) بتخفيف
اللام المفتوحة وتشديدها، ولأبي ذر: ((أَزْلَفَهَا)) بزيادة همزة مفتوحة، وهما بمعنى
واحد كما قاله الخطابي وغيره، أي: أسلفها وقدمها على الإسلام، وفي
((المحكم)): أزلف الشيء قربه وزلفه - مخففًا ومثقلاً - قدمه، وفي ((الجامع)):
الزلفة تكون في الخير والشر، وقال في ((المشارق)): زلف بالتخفيف، أي: جمع
وكسب وهذا يشمل الأمرين. وأمَّا القربة، فلا تكون إلا في الخير، فعلى هذا
تترجح رواية غير أبي ذر، أي: بدون الهمزة، لكن الذي قاله الخطابي يساعد رواية
أبي ذر، أي: بزيادة الهمزة المفتوحة فافهم. (وَكَانَ بَعْدُ) بضم الدال بعد حسن
الإسلام، أو بعد تكفير السيئات به، وقوله: ((بَعْدٌ)) كذا في جميع النسخ من
((المشكاة)) و((المصابيح))، والذي في الصحيح: ((وَكَانَ بَعْدُ ذَلِكَ))، وهكذا في
((الجامع الصغير))، وكذا وقع عند النسائي.
(الْقِصَاصُ) بالرفع اسم كان على أنها ناقصة، أو فاعل على أنها تامة، وعبر
بالماضي، وإن كان السياق يقتضي المضارع؛ لتحقق الوقوع، فكأنه واقع وذلك
كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، أي: وكان بعد ذلك المجازاة

٦٢٥
:*
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللهِ
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
في الدنيا، أو في الآخرة على الأعمال التي يفعلها بعد إسلامه. قال العيني: المراد
بالقصاص ها هنا: مقابلة الشيء بالشيء، أي: كل شيء يعمله يعطى في مقابله
شيء إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
وقال السندي: أي: المماثلة الشرعية وضعها اللَّه تعالى فضلًا منه ولطفًا لا
العقلية. (الْحَسَنَةُ) بالرفع مبتدأ خبره. (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)، أي: تكتب، أو تثبت بعشر
أمثالها، والجملة استئنافيه بيان وتفسير للقصاص، واللام في ((الْحَسَنَةُ)) للاستغراق
يدل على هذا قوله: ((كُلَّ حَسَنَةٍ)) في حديث أبي هريرة المتقدم في كتاب الإيمان.
(إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) متعلق بمقدر، أي: منتهية إلى ذلك، فهو حال والضعف
المثل. (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ)، أي: ممتدة إلى أمثال كثيرة، فضلًا من اللَّه ونعمة.
(وَالسَّيِّئَةُ) مبتدأ خبره. (بِمِثْلِهَا)، أي: من غير زيادة عدلًا ورحمة كما قال:
﴿فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. والجملة معطوفة على الجملة قبلها. (إِلَّا أَنْ
يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا)، أي: عن السيئة بقبول التوبة أو بالعفو وإن لم يتب، وفي ((فوائد
سمويه)): (إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ وَهُوَ الغَفُورُ))، وفيه: دليل لأهل السنة أن العبد تحت
المشيئة إن شاء الله تعالى تجاوز عنه، وإن شاء أخذه، ورد على القاطع لأهل الكبائر
بالنار كالمعتزلة، ثم قوله: (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ)»، هكذا وقع في جميع النسخ من
((المشكاة))، وهو من زيادة المصنف أو الناسخ، وهي خطأ وغلط بلا شك؛ لأنها
ليست في ((صحيح البخاري)) ولم تقع أيضًا في (سنن النسائي)) وليست أيضًا في
((الجامع الصغير)) و((المصابيح)) و((الكنز)) (ج١: ص٦٠). ويدل أيضًا على كونها
غلطًا أنه استدل بعضهم بهذا الحديث، كما ذكر شراح البخاري نقلًا عن الماوردي
على أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة بل ينتهي إلى سبعمائة، ثم رد كلهم على هذا
البعض بحديث ابن عباس الآتي المصرح بالتضعيف إلى أكثر من سبعمائة، ولو
كانت هذه الزيادة في حديث أبي سعيد أيضًا لم يكن للاستدلال به على هذا القول
وجه، ولما احتاج من رد عليه إلى الاحتجاج على خلافه بحديث ابن عباس.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، هذا الحدیث لم يسنده البخاري في موضع من ((صحیحه)) بل
ذكره معلقًا في باب: حسن إسلام المرء من كتاب الإيمان، فقال: قال مالك:
أخبرني زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، أنَّ أبا سعيد الخدري أخبره، أنه

٦٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سمع رسول اللَّه وَله يقول: ((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ .. )) إلخ. والبخاري لم يدرك زمن
مالك، فيكون تعليقًا، ولكنه بلفظ جازم، فهو صحيح ولا قدح فيه؛ لأنه موصول
من جهات أخر صحيحة، ولم يذكره لشهرته، وكيف وقد عرف من شرطه وعادته
أنه لا يجزم إلا بتثبت وثبوت، وليس كل معلق يقدح فيه، فهذا وإن كان معلقًا لكنه
في حكم المتصل الموصول في كونه صحيحًا، وقد وصله أبو ذر الهروي في
روايته، فقال: أخبرنا النضروي - وهو العباس بن الفضل - حدثنا الحسين بن
إدريس، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك عن زيد بن أسلم.
وكذا وصله النسائي في كتاب الإيمان، والحسن بن سفيان في ((مسنده))، والبزار
والبيهقي في ((الشعب)) والإسماعيلي، ولفظه من طريق عبد الله بن نافع عن مالك
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: إن رسول اللّه وَ لّه قال:
((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ قَدَّمَهَا وَمَحَى عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ زَلَفَهَا ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ:
انْتَنِفِ الْعَمَلَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ
اللهُ))، وأخرجه الدار قطني في ((غرائب مالكَ)) من تسع طرق، ولفظه من طريق
طلحة بن يحيى عن مالكِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُسْلِمُ فَيَحْسُنُ إِسْلَامُهُ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ
حَسَنَةٍ زَلَفَهَا وَمَحَى عَنْهُ كُلّ خَطِيئَةٍ زَلَفَهَا))، بالتخفيف فيهما، وللنسائي نحوه لكن
قال: ((أَزْلَفَهَا))، فقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري، وهو
كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام، وقوله: ((كَتَبَ اللهُ))، أي: أمر أن يكتب.
وللدار قطني من طريق ابن شعيب عن مالك: ((يَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: اكْتُبُوا))، قيل:
وإنما اختصره البخاري، وأسقط ما رواه غيره عمدًا؛ لأنه مشكل على القواعد
والأصول.
فقال المازريُّ ثم القاضي عياض وغيرهما: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا
يثاب على العمل الصالح الصادر في شركه؛ لأن من شرط المتقرب كونه عارفًا بمن
يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، ورده النووي فقال: الصواب الذي عليه
المحققون، بلٍ نقل بعضهم فيه الإجماع: أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة
التقرب إلى الله تعالى كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق ونحوها، ثم أسلم ومات على
الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له. ودليله: حديث أبي سعيد الخدري عند النسائي
والدارقطني وغيرهما، وحديث حكيم بن حزام في ((الصحيحين)) أنه قال

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحْمةِ اللَّهِ
٦٢٧
لرسول اللَّه وَله: أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية، هل لي فيها من
شيء؟ فقال له رسول اللَّه ◌َّه: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ)).
قال الحافظ: وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي وابن بطال وغيرهما
من القدماء والقرطبي وابن المنير من المتأخرين. وأمَّا دعوى أنه مخالف للقواعد
فغير مسلمة؛ لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا
يلزم إعادتها إذا أسلم وتجزئه. قال ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب
له ذلك في حال كفره، وأمَّا أن اللَّه يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان
صدر منه مما کان یظنه خیرًا، فلا مانع منه، کما لو تفضل علیه ابتداء من غیر عمل،
وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب
ما لم يعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفي الشروط .
وقال ابن بطال بعد ذكره حديث أبي سعيد: ولله أن يتفضل على عباده بما شاء،
ولا اعتراض لأحد عليه، واستدل غيره بقوله ◌َّيليه لما سألته عائشة عن ابن جدعان
وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه؟ فقال: ((إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي
يَوْمَ الدِّينِ))، فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر.
قلت: وَأَوَّلَ من لم يقل بهذا حديث حكيم بن حزام من وجوه. منها: إن معنى
قوله: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ))، إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلة
تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، بأن تكون تلك العادة معونة لك على فعل
الطاعات؛ لما حصل لك من التدرب على فعلها، فلا تحتاج إلى مجاهدة جديدة،
فتثاب بفضل اللَّه عمَّا تقدم بواسطة انتفاعك بذلك بعد إسلامك. ومنها: إنك
اكتسبت بذلك ثناء جميلاً، فهو باق عليك في الإسلام. ومنها: أنه لا يبعد أن يزاد
في حسناته التي يفعلها في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة.
وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيرًا، فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد به في
أجوره.
ومنها: إنه ببركة ما سبق لك من فعل الخير هديت للإسلام؛ لأنَّ المبادي عنوان
الغايات. ومنها: إنك بتلك الأفعال رزقت الرزق الواسع. قال ابن الجوزي:
قيل: إن النبي ◌َّ وَرَّى عن جوابه، فإنه سأل هل لي فيها من أجر؟ فقال: ((أَسْلَمْتَ

٦٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ))، والعتق فعل الخير، وكأنه أراد أنك فعلت الخير، والخير
يمدح فاعله ويجازى عليه في الدنيا، فقد روى مسلم من حديث أنس مرفوعًا: ((إِنَّ
الْكَافِرَ يُثَابُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ حَسَنَةٍ))، ولا يخفى عليك أن كل ما
تأولوا به حديث حكيم بن حزام تكلف مخالف لظاهره، فالقول الراجح المعول
عليه هو ما ذهب إليه النووي ومن وافقه، والله أعلم.
٢٣٩٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ
كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِّحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ
حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَة
ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ
حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٩٧ - قوله (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ)، هكذا عند أحمد
(ج ١: ص ٣٦١) وفي ((الصحيحين)): ((عن ابن عباس عن النبي( وَلي)). ولأحمد
(ج١: ص٣١٠): ((عن ابن عباس يرويه عن النبي ◌َّ)). قال الحافظ: لم أر في
شيء من الطرق التصريح بسماع ابن عباس له من النبي وَّ، انتهى. ووقع في
الصحيحين و((المسند)) بعد هذا ((فيما يروي عن ربه ربمات))، أي: الحديث من
الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه وَّ ل عن ربه بلا واسطة،
ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك.
قال الحافظ: وهو الراجح، وقال الكرماني: هذا لبيان أنه من الأحاديث
القدسية، أو لبيان ما فيه من الإسناد الصريح إلى الله تعالى، حيث قال: ((إِنَّ اللهَ
كَتَبَ))، ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه أن غيره ليس كذلك؛ لأنه وَالّ لا
ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، بل فيه أن غيره كذلك؛ إذ قال: فيما
(٢٣٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ البُخَارِي (٦٤٩١) فِي الرِّقَاقِ، مُسْلِم (٢٠٧ / ١٣١) فِي الإِيمَانِ،
والتَّسَائِي فِي الْبُعُوثِ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللهِ
٦٢٩
يرويه، أي: في جملة ما يرويه أنه رّك إلخ.
(إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) في البخاري فيما يروي عن ربه رَّى قال:
((قال: إِنَّ اللهَ كَتَبَ ... )) إلخ.
قال الحافظ: قوله: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ ... ) إلخ. يحتمل أن يكون هذا من قول الله
تعالى فيكون التقدير: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: قال الله: إن الله كتب، ويحتمل أن
يكون من كلام النبي وَليّ يحكيه عن فعل اللَّه تعالى، أي: والتقدير: قال ابن
عباس: قال رسول اللَّه وَ له: إن الله كتب، ووقع عند أحمد (ج١: ص٢٧٩) بلفظ
عن ابن عباس عن رسول اللَّه وَ لَه فيما روى عن ربه قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((إِنَّ
رَبَّكُمْ تبارك وتعالى رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ))، وللبخاري في التوحيد عن أبي هريرة
بلفظ: عن رسول اللّه وَ لّه قال: ((يَقُولُ اللهُ رَتْ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ))، وأخرجه
مسلم بنحوه. وفي رواية له عنه: ((عن النبي وَلَه قال: ((قَالَ اللهُ رَّتَ: إِذَا هَمَّ
عَبْدِي))، وقوله: (كَتَبَ ... )) إلخ. أي: أثبتهما في الأزل في علمه على وفق الواقع،
أو (كَتَبَ) بمعنى أمر الملائكة بكتبهما في اللوح المحفوظ، أو («كَتَبَ الْحَسَنَاتِ»،
أي: قضاها وقدرها وجعلها حسنة، وكذلك السيئة قدرها وجعلها سيئة، أو أمر
الحفظ بكتابتهما ليوازنهما أو صحفهما يوم القيامة. وفي ((الصحيحين)) و((المسند))
(ج١: ص٣٦١) بعد هذا: ((ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ))، أي: ثم فصل اللَّه ذلك الذي أجمله في
قوله: ((كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ))، بقوله: (فَمَنْ هَمَّ)) ففاعل بين هو الله تعالى
والمجمل قوله: (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ))، وقوله: ((فَمَنْ هَمَّ))؛ بيان ذلك
وشرحه بفاء الفصيحة، أو المعنى: ثم بين اللَّه للكتبة من الملائكة، ذلك التقدير
حتى عرفوه، واستغنوا به عن استفسار في كل وقت كيف يكتبونه؛ لكونه أمرًا
مفروغًا عنه، أو المراد: بين ذلك وفصله في التنزيل. ويؤيد هذا أنه وقع في
((الترغيب)) (ج١: ص٢٥) للمنذري بلفظ: ((ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ))، وقيل: فاعل
(بين)) هو النبي وَّل، أي: ثم فصل النبي ◌َّ ذلك الإجمال بما بعده، فيكون من
كلام الراوي، وإليه يشير صنيع البغوي والمصنف، حيث تركه البغوي في
(المصابيح)) وتبعه المصنف في ((المشكاة))، قيل: وذكر اسم الإشارة باعتبار
المذكور .

٦٣٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَمَنْ هَمَّ)، قال الطيبي: الفاء للتفصيل؛ لأن قوله: (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ))، مجمل
لم يعرف منه كيفية الكتابة، والهم: ترجيح قصد الفعل، فقول: هممت بكذا،
أي: قصدته بهمتي وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب، وقوله: ((مَنْ هَمَّ))، كذا
وقع في رواية من حديث أبي هريرة عند مسلم، وللبخاري في التوحيد: ((إِذَا
أَرَادَ))، وأخرجها مسلم بلفظ: ((إِذَا هَمَّ))، فهما بمعنى واحد.
(بِحَسَنَةٍ) أي: من قصد بها وصمم على فعلها، يعني: عقد عزمه عليها، فقد ورد
ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد (ج ٤: ص ٣٤٥) وصححه
ابن حبان، والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَعَلِمَ اللَّه))
إنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها، وقد تمسك به ابن حبان فقال بعد إيراد حديث
الباب في ((صحيحه)): المراد بالهم هنا: العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب
الحسنة بمجرد الهم بها، وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل.
(فَلَمْ يَعْمَلْهَا) بفتح الميم، أي: فلم يعمل الحسنة التي هَمَّ بها، والمراد: نفي
عمل الجوارح. (كَتَبَهَا اللهُ)، أي: قدرها وقضاها، أو أمر الملائكة الحفظة
بكتابتها، بدليل حديث أبي هريرة عند البخاري في التوحيد بلفظ: ((إِذَا أَرَادَ عَبْدِي
أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا))، وأخرجه مسلم بنحوه. وفيه: دليل
على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إمَّا بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له
علمًا يدرك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني،
قال ينادى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول يا رب، إنه لم يعمله. فيقول: إنه
نواه. وقيل: بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة.
وأخرج ذلك الطبري عن أبي معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، ورأيت
في شرح مغلطائي أنه ورد مرفوعًا، قاله الحافظ. (لَهُ)، أي: للذي هَمَّ بها.
(عِنْدَهُ)، أي: عند الله، وفيه: إشارة إلى الشرف.
(حَسَنَةً) مفعول ثان باعتبار تضمين معنى التصيير، أو حال موطئة، وذلك؛ لأن
العمل بالنية، ونية المؤمن خير من عمله، فإنه يثاب على النية بدون العمل، ولا
يثاب على العمل بدون النية، لكن لا يضاعف ثواب الحسنة بالنية المجردة، كذا
في ((المرقاة)). وقال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير

٦٣١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
سبب إلى العمل وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب. واستشكل
بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟
وأجيب: بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها؛ لأنه قد نسخ قصده
السيئة، وخالف هواه.
(كَامِلَةً)، أي: لا نقص فيها، وإن نشأت عن مجرد الهم. ففيه: إشارة إلى رفع
توهم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهم المجرد، وإشارة إلى دفع كونها ليست
كحسنة الفعل، لكن الفعل يزيد بالمضاعفة، وأقلها عشر. قال النووي: أشار
بقوله: ((عِنْدَهُ))، إلى مزيد الاعتناء به وبقوله: ((كَامِلَةً)) إلى تعظيم الحسنة وتأكيد
أمرها، فالمراد بالكمال عظم القدر لا التضعيف إلى العشرة، كما زعم بعضهم أن
التعبير بكاملة يدل على أنها تضاعف إلى العشرة؛ لأن ذلك هو الكمال؛ لأنه يلزم
منه مساواة من نوى الخير بمن فعله والتضعيف مختص بالعامل؛ قال تعالى: ﴿مَن
جَآءَ بِالَْنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والمجيء بها بالجوارح. وأمَّا الناوي، فإنما
ورد أنه يكتب له حسنة، ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد
على أصل الحسنة.
قال الحافظ: ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك
لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا
مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولاسيّما إن قارنها ندم على
تفويتها، واستمرت النية فيها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هم من قبل
نفسه، فهي دون ذلك إلا أن قارنها قصد الإعراض عنها جملة. والرغبة عن فعلها،
ولاسيَّما إن وقع العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه
في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا يكتب له حسنة أصلًا، وأمَّا ما قبله فعلى
الاحتمال، انتھی.
(فَإِنْ هَمَّ بِهَا)، أي: بالحسنة. (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم، يعنى: جمع بين النية
والعمل. (كَتَبَهَا اللهُ لَّهُ عِنْدَهُ) ؛ اعتناء به وتشريفًا له. (عَشْرَ حَسَنَاتٍ)، قال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أقل ما وعد به من الأضعاف
وقوله: ((فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ))، يؤخذ منه رفع توهم إن حسنة
الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف، فتكون الجملة إحدى عشرة، فإن هذا خلاف

٦٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ظاهر هذا الحديث.
(إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ) بكسر الضاد، أي: مثل. (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) بحسب
الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدي النفع كالصدقة
الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشرف العمل ونحو ذلك. (وَمَنْ هَمَّ
بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا)، أي: مراقبة الله وخوفًا منه مع القدرة عليها، لما في حديث أبي
هريرة عند البخاري في التوحيد: ((وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً))،
ولمسلم: ((وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ))، بفتح الجيم وتشديد
الراء وبعد الألف ياء المتكلم، وهي بمعنى: ((مِنْ أَجْلِي)).
(كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) قد تقدم أن المراد بالكمال: عظم القدر لا
التضعيف إلى العشرة، وظاهر إطلاق هذا الحديث: كتابة الحسنة بمجرد الترك،
لكنه محمول على ما قيد به في حديث أبي هريرة، فهو مخصوص لمن هم بسيئة
فتركها لوجه الله تعالى. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير
استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر
والكف عن الشر خير، ويحتمل أيضًا أن يكتب لمن هم بالمعصية، ثم تركها حسنة
مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي :
محل كتابة الحسنة على الترك، أن يكون التارك قد قَدَرَ على الفعل ثم تركه؛ لأن
الإنسان لا یسمی تارگًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بینه وبین حرصه على
الفعل مانع؛ كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا، فيجد الباب مغلقًا ويتعسر فتحه،
ومثله من تمكن من الزنا مثلاً، فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا، انتهى.
اعلم: أنهم اختلفوا فيمن هَمَّ بمعصية أو عزم عليها بقلبه وصمم على فعلها، هل
يأثم في عزمه وتصميمه أم لا؟ قال المازري: ذهب ابن الباقلاني - يعني: ومن تبعه
- إلى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث
الواردة في العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب ولا
يستقر. قال المازري: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ونقل ذلك
عن الشافعي، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة في ما أخرجه مسلم من طريق
همام عنه بلفظ: ((فَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا))، فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا: عمل

٦٣٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحْمةِ اللهِ
الجارحة بالمعصية المهموم به، وتعقبه عياض: بأن عامة السلف وأهل العلم من
الفقهاء المحدثين على ما قال ابن الباقلاني؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال
القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن
يعملها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة؛ کمن يأمر
بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور لا
بالمعصية .
قال الحافظ: ومما يدل على ذلك حديث: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ
وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى
قَتْلِ صَاحِبِهِ))، والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يعاقب على عز مه بمقدار ما
يستحقه ولا يعاقب عقاب من باشر القتل حسًّا وهنا قسم آخر وهو من فَعَل المعصية
ولم يتب منها، ثم هَمَّ أن يعود إليها فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن
المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]،
ويؤيده أن الإصرار معصية اتفاقًا، فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه
سيئة فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية .
قال عياض: فإن تركها خشية لله تعالى كتبت حسنة كما في الحديث: (إِنَّمَا
تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ)) فصار تركه لخوف اللَّه تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في
ذلك وعصيانه هواه حسنة. فأما الهم الذي لا يكتب، فهي الخواطر التي لا توطن
النفس عليها، ولا يصحبها عقد ولا نية ولا عزم. قال النووي: وهذا ظاهر حسن لا
مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩] وقوله: ﴿اَجْتَنِبُواْ
كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وغير ذلك، قال الحافظ: وأجيب عن
القول الأول: بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية، لا تستلزم
المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود للفرق
بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة. وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر
منه الجواب عن الثاني، أضعفها: أن يخطر له ثم يذهب في الحال وهذا من
الوسوسة، وهو معفو عنها وهو دون التردد، وفوقه: أن يتردد فيه فَيَهِم به ثم ينفر عنه
فيتركه ثم يهم به، ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد فيعفى عنه

٦٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SINER
أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله وهذا هو الهم فيعفى
عنه أيضًا، وفوقه: أن يميل إليه ولا ينفر منه، بل يصمم على فعله فهذا هو العزم،
وهو منتهى الهم، وخمس بعضهم القسمة كما سبق في شرح حديث رقم (٦٣) ثم
العزم على القسمين :
القسم الأول: أن يكون من أعمال القلوب صرفًا كالشك في الواحدانية، أو
النبوة، أو البعث فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا تصل إلى
الكفر كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحبه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير
موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي
بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصري، أن سوء الظن بالمسلم حسده معفو عنه،
وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه لكن من يقع له ذلك مأمور
بمجاهدته النفس علی تر که.
والقسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة، فهو الذي وقع فيه
النزاع. فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، ونقل عن نص الشافعي،
ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبلُ، فإنه حيث ذكر الهم
بالحسنة. قال: علم الله أنه أشعرها قلبه وحرص عليها، وحيث ذكر الهم بالسيئة لم
يقيد بشيء، بل قال فيه: ومن هَمَّ بسيئة لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل فلا
يليق التحجیر فیه.
وذهب كثير من العلماء: إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك
سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم بذلك. واستدل كثير منهم
بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة
الصحيح المرفوع: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأَمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ
تَتَكَلَّمْ))، على الخطرات كما تقدم. ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يعاقب عليه
صاحبه في الدنيا خاصة، بنحو الهم والغم.
وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول
ابن جريج والربيع بن أنس وطائفة، ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضًا، واستدلوا
بحديث النجوى المروي في باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب الأدب،

٦٣٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللَّهِ
واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية، ما يقع
في الحرم المكي ولو لم يصمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ تُذِقَهُ
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]؛ لأن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه؛ فمن هم بالمعصية فيه
خالف الواجب بانتهاك حرمته، وانتهاك حرمة الحرم بالمعصية يستلزم انتهاك
حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من
المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعمٍ، من هم
بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عَصَى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا
الاستخفاف باللّه كَفَر، وإنما المعفو عنه الهم بالمعصية مع الذهول عن قصد
الاستخفاف.
وأجاب من لم يقل بالمؤاخذة بالعزم عن حديث الملتقيين بسيفيهما بأنه يتعلق
بفعل خارجي، أي: يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه، واقترن
بعزمه فعل بعض ما عزم عليه وهو شهر السلاح وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل
يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا، ولا يلزم من قوله: ((فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ))،
أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق، انتهى كلام الحافظ باختصار
يسير .
(فَإِنْ هُوَ)، أي: الشأن، أو مريد العمل. (هَمَّ بِهَا)، أي: بالسيئة. (فَعَمِلَهَا)،
أي: جمع بين القصد والعمل. (كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)، في حديث أبي هريرة
عند الشيخين: ((فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمْثِلِهَا))، ولمسلمٍ من حديث أبي ذر: ((فَجَزَاؤُهُ بِمْثِلِهَا أَوْ
أُغْفِرُ لَهُ))، وله في آخر حديث ابن عباس: ((أَوْ مَحَاهَا اللَّهُ)) أي: محاها بِالْفَضْلِ، أَوْ
بِالتَّوْبَةِ، أَوْ بِالإِسْتِغْفَارِ، أَوْ بِعَمَلِ الْحَسَنَةِ الَّتِي تُكَفِّرُ السَّيِّئَة، والأول أشبه بظاهر
حديث أبي ذر، ويستفاد من التأكيد بقوله: ((وَاحِدَةً)) أن السيئة لا تضاعف كما
تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠] .
قال ابن عبد السلام في ((أماليه)): فائدة التأكيد: دفع توهم من يظن أنه إذا عمل
السيئة كتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهم وليس كذلك، إنما يكتب
عليه سيئة واحدة. وقد استثنى بعضهم وقوع المعصية في الحرم المكي،
والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، ولكن قد تتفاوت بالعظم ولا يرد

٦٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على ذلك قوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذلك ورد تعظيمًا لحق النبي وَّر؛ لأن وقوع ذلك من
نساءه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبي وقّ، وزاد مسلم بعد قوله:
((أَوْ مَحَاهَا اللهُ))، ((وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّ هَالِك))، أي: لا يهلك مع سعة هذه
الرحمة إلا من حقت عليه الكلمة، أي: من أَصَرَّ على التجرؤ على السيئة عزمًا
وقولاً وفعلا، وأعرض عن الحسنات همَّا وقولا وفعلاًا.
قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة؛ لأنه لولا
ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات.
ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من الإثابة على الهم بالحسنة وعدم المؤاخذة على
الهم بالسيئة قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إذ ذكر في
السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه بخلاف الحسنة، وفيه: أن
اللَّه تعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة فضاعف
الحسنة ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضل، فأدارها بين
العقوبة والعفو بقوله كتبت له واحدة، أو يمحوها وبقوله: ((فَجَزَاؤُهُ بِمْثِلِهَا أَوْ
أَغْفِرُ)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب: من هَمَّ بحسنة أو سيئة من كتاب الرقاق،
ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٢٢٧ - ٢٧٩ - ٣١٠ - ٣٦١)
والنسائي في ((الكبرى))، وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وعن
أبي ذر عند مسلم وعن أنس عند أبي يعلى.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحْمةِ اللَّهِ
٦٣٧
الفصل الثاني
٢٣٩٨ - [١٢] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ مَثَلَ
الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسِّنَاتِ، كَمَثَلِ رَجُلِ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ
ضَيِّقَةٌ، قَدْ خَتَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِّلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ
أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ».
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الشرح
٢٣٩٨- قوله: (إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيَِّاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ)، أي:
صفته. (كَمَثَلِ رَجُلٍ)، قيد به لمناسبته بالدرع. (كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ) بكسر الدال
المهملة، وهي قميص من زر والحديد يلبس وقاية من سلاح العدو، مؤنث، وقد
يذكر بخلاف درع المرأة، أي: قميصها فإنه مذكر. (قَدْ خَنَقَتْهُ)، أي: عصرت
حلقه ولبته لضيقها .
(ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً)، أي: أَيَّ حسنة كانت والتنوين للتنكير. (فَانْفَكَّتْ)، أي:
انحلت. (حَلْقَةٌ) بسكون اللام، أي: من حلق تلك الدرع. (ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى)، أي:
حسنة أخرى. (فَانْفَكَّتْ أُخْرَى)، أي: حلقة من الحلق، وهكذا تنفك واحدة
بواحدة بعد أخرى. (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ)، أي: حتى تسقط تلك الدرع. قال
الطيبي: أي: حتى تنحل وتنفك بالكلية ويخرج صاحبها من ضيقها، فقوله: ((تَخْرُجَ
إِلَى الأَرْضِ)) كناية عن سقوطها، انتهى. والمقصود من الحديث: أن عمل السيئات
يضيق صدر عاملها، ويحيره في أمره ويعسره عليه، فلا تيسر له أموره، ويسود قلبه
ويضيق عليه رزقه ويبغضه إلى الناس، وإذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته
كما قال اللّه رَّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فإذا زالت سيئاته انشرح
صدره، وتوسع رزقه، وطاب قلبه، وتيسر له أموره، وصار محبوبًا في قلوب
الناس، فالحديث تمثيل، وبيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
(٢٣٩٨) أَحْمَد (١٤٥/٤) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .

٦٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ)، أي: البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ)، أي: بإسناده، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٤: ص ١٤٥) من رواية عبد الله بن المبارك. قال: أنا ابن لهيعة، قال: حدثني
يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر وابن لهيعة فيه
كلام معروف، لكن رواية ابن المبارك عنه حسن. قال عبد الغني بن سعيد الأزدي:
إذا روى العبادلة عن ابن لهيعه فهو صحيح ابن المبارك وابن وهب والمقري، وذکر
الساجي وغيره مثله، كذا في ((التهذيب)) (ج٥: ص ٣٧٨)، وقال في ((التقريب)):
إنه صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من
غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون والحديث ذكره المنذري في ((الترغيب))
(ج٤ ص ٢٥)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص ٢٠١، ٢٠٢) وقالا:
رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.
٢٣٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ بَّهِ يَقُصُّ عَلَى
(٨)﴾)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ
الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ((﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِه جَنَّثَانِ
سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ((﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ ﴿٨))) فَقُلْتُ
الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَقَالَ الثَّالِثَةَ: ((﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَيِِّ جَنَّثَانِ ®
) فَقُلْتُ الثَّالِئَةَ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ:
((وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٣٩٩- قوله (يَقُصُّ)، أي: يحدث الناس ويعظهم ويذكرهم. (وَهُوَ
يَقُولُ)، أي: والحال أنه يقول: ويحتمل أن يكون للعطف على ((يَقُصُّ))، (وَلِمَنْ
خَافَ)، أي: لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم، يعني: الكلام على سبيل
التوزيع، فإحدى الجنتين للخائف الإنسي، والأخرى للخائف الجني، فكل خائف
ليس له إلا جنة واحدة والأول هو المعتمد .
(٢٣٩٩) النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١١٥٦٠) فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

٦٣٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللَّهِ
(مَقَامَ رَبِّهِ) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيام
الخائف عند ربه للحساب، يعني: ولمن خاف من القيام بحضرة ربه يوم القيامة،
[المطففين: ٦]، وقيل: المعنى خاف مقام
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
ربه عليه، وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله، من قام عليه إذا
راقبه، كما في قوله: ﴿أَفَمَّنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ومحصل
ذلك احتمالات ثلاث في تفسير المقام: أولها: أنه اسم مكان. والثاني: أنه مصدر
تحته احتمالان: إمَّا بمعنى: قيام الخلائق بين يدي الله، أو بمعنى: قيام اللَّه على
الخلائق، وأضيف إلى الرب تفخيمًا وتهويلا. وقيل: أي لمن خاف ربه مقام مقحم
للمبالغة؛ كقوله: أنفيت عنه مقام الذئب. قال مجاهد والنخعي: هو الرجل الذي
يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه، وفيه: إشارة إلى سبب استحقاق
الجنتين في نفس الأمر، وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشئ عنه ترك
المعاصي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية قال: وعد الله المؤمنين
الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة، وأخرج ابن جرير عنه أيضًا يقول: خاف ثم
اتَّقی، والخائف من ركب طاعة الله، وترك معصيته.
(جَنَّتَانٍ)، أي: جنتان ذواتا أفنان إلى آخر صفاتهما المذكورة في القرآن المبينة
أنهما أعلى من الجنتين المذكورتين بعدهما من الجنان، ومن ثمة قال: ﴿وَمِن
[الرحمن: ٦٢]، أي: في المرتبة والنعيم والشرف، واختلف في
دُوِنِمَا جَنَّثَانِ
الجنتين أولًا؛ فقيل: جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية. وقيل: جنة للعقيدة
وأخرى للعمل. وقيد جنة بالعمل، وجنة بالتفضيل. وقيل غير ذلك، والأظهر أن
يقال: جنتان من ذهب آنيتهما وقصورهما وحليهما وما فيهما، ﴿وَمِن دُونِمَا جَنَّنَانِ
(®﴾، أي: من فضة كذلك، وإليه ذهب ابن كثير حيث قال: الصحيح أن هذه
الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره بقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾
[النازعات: ٤٠] بين يدي اللَّه رَّك يوم القيامة ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىُ﴾ [النازعات ٤٠]، ولم يطغ
ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب
محارمه فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما روى البخاري بسنده عن أبي موسى
الأشعري مرفوعًا: ((جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَتَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيتُهُمَا وَمَا
فِيهِمَا ... )) الحديث، وقال في ((فتح القدير)) (ج٥: ص١٤١): أخرج ابن جرير،