النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة والتجاوز،
ومعنى (سَبَقَتْ رَحْمَتِي)»: تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسي رهان تسابقتا
فسبقت إحداهما على الأخرى، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): وذلك؛ لأن آثار رحمة الله وجوده وإنعامه عمت
المخلوقات كلها وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب فإنه ظاهرٍ في بعض بني آدم
بعض الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وقال :
﴿عَذَابِّ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وأيضًا تهاون
العباد وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يعد ويحصى ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ
النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعمهم
بالظاهر، ولا يؤاخذهم بهذا في الدنيا، وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه
الحديث الآتي، فإذن لا شك في أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه، انتهى.
وظاهر الحديث: أن الكتابة بعد الخلق، ووقع في رواية للبخاري في باب ﴿بَلْ هُوَ
[البروج: ٢١، ٢٢] بلفظ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ
(٢٢)
قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ٨ فِ لَوْج ◌َّحْفُوظِم
يَخْلُقَ الْخَلْقَ))، ففيه: إن الكتابة قبل الخلق، فقيل: معنى قوله: (قَضَى
الْخَلْقَ))، أي: أراد الخلق. وقيل: المراد من الثاني: تعلق الخلق وهو حادث فجاز
أن يكون بعده. وأمَّا الأول: فالمراد منه: نفس الحكم وهو أزلى فبالضرورة يكون
قبله .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري في أول بدء الخلق، وفي التوحيد في أربعة مواضع،
سبق ذكر الموضع الأول والرابع، والثاني في باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى
اَلْمَآءِ﴾، والثالث في باب: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾، ورواه مسلم في
التوبة، وأخرجه أحمد مرارًا، منها (ج٢: ص٢٤٢: ٢٥٨: ٢٦٠)، وأخرجه
النسائي في ((الكبرى))، والترمذي في الدعوات، وابن ماجه في باب: ما يرجى من
رحمة الله يوم القيامة.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللهِ
٦٠١
٢٣٨٨ - [٢] وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ،
أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامٌّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ،
وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ
رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٨٨ - قوله: (إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ ... ) إلخ. للحديث طرق وألفاظ، واللفظ
المذكورها هنا لمسلم رواه في التوبة من طريق عطاء عن أبي هريرة، وله أيضًا من
رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: ((خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ،
وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّ وَاحِدَةً))، وللبخاري في ((الأدب))، وكذا لمسلم في التوبة من
رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ
حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ))، وللبخاري في الرقاق من
طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ،
فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحَمْةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً))، ولمسلم
من حديث سليمان: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ
رَحْمَةٍ طِيَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ
الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشِرُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا
بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ)).
قال القرطبي: يجوز أن يكون معنى ((خَلَقَ)) : اخترع وأوجد، ويجوز أن يكون
بمعنى قدر، وقد ورد خلق بمعنى قدر في لغة العرب، فيكون المعنى: إن اللَّه أظهر
لذلك يوم أظهر تقدير السماوات والأرض، وقوله: «كُلَّ رَحْمَةٍ طِيَاقَ مَا بَيْنَ
السَّمَاوات وَالأَرْضِ))، المراد بها: التعظيم والتكثير. وقد ورد التعظيم بهذا اللفظ
(٢٣٨٨) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١٩ / ٢٧٥٢) فِي التَّوْبَةِ، والبُخَارِيُّ (٦٠٠٠) فِي ((الأَدَبِ))، وابن
مَاجَهْ (٤٢٩٣) فِي الزُّهْدِ عن أبي هريرة.
٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في اللغة والشرع كثيرًا، والمراد بالرحمة في قوله: ((إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ))، بمقتضى
الروايات المذكورة، هي التي جعلها في عباده، وهي مخلوقة، وأمَّا الرحمة التي
هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة. وقال الطيبي رحمه الله
تعالى: لا نهاية لها فلم يرد بما ذكره تحديدًا بل تصويرًا للتفاوت بين قسط أهل
الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الدنيا، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): لعلَّ المراد: أنواعها الكلية التي تحت كل نوع منها أفراد
غير متناهية، أو المراد: ضرب المثل؛ لبيان المقصود - من قلة ما عند الناس،
وكثرة ما عند اللَّه - تقريبًا إلى فهم النَّاس، أو هو من قبيل قوله: ((إِنَّ للهِ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ اسِمَّا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، في أن الحصر باعتبار هذا الوصف فافهم.
وقال القرطبي: مقتضى هذا الحديث: أنَّ اللَّه علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على
خلقه مائة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم
وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة
وكلها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]
فإن رحيمًا من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها. ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى
لهم حظ من الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها، إذا كمل كل ما كان
في علم الله من الرحمة للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ
يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية.
قال الحافظ: أمَّا مناسبة خصوص عدد المائة، فيحتمل أن تكون مناسبة هذا
العدد الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة، والجنة هي محل الرحمة فكان كل
رحمة بإزاء درجة، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى فمن نالته
منها رحمة واحدة، كان أدنى أهل الجنة منزلة، وأعلاهم منزلة من حصلت له
جميع الأنواع من الرحمة. (أَنْزَلَ مِنْهَا)، أي: من جملة المائة. (رَحْمَةً وَاحِدَةً)،
وفي رواية: ((وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً))، قال القاري: الإنزال تمثيل
مشير إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هي من الأمور السماوية مقسومة
بحسب قابلية المخلوقات .
(بَيْنَ الْجِنِّ)، أي: بعضهم مع بعض. (وَالْإِنْسِ) كذلك. (وَالْبَهَائِم)، أي: مع
أولادها. (وَالْهَوَامِ) بتشديد الميم جمع هامة، وهي كل ذات سم، وقدَ يقع على ما
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللَّهِ
٦٠٣
يدب من الحيوان، وإن لم يقتل كالحشرات كذا في ((النهاية))، والله أعلم برحمتها
فيما لا توالد فيها. (فَبِهَا)، أي: بتلك الرحمة الواحدة وبسبب خلقها فيهم.
(يَتَعَاطَفُونَ)، أي: يتمايلون فيما بينهم. (وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ)، أي: بعضهم على
بعض. (وَبِهَا تَعْطِفُ) بكسر الطاء من ضرب، أي: تشفق وتحنُّ. (الْوَحْشِرُ)
بسكون المهملة. (عَلَى وَلَدِهَا)، أي: حين صغرها.
(وَأَخَّرَ اللهُ)، قال الطيبي: عطف على ((أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً))، وأظهر المستكن؛
بيانًا لشدة العناية برحمة الله الأخروية، انتهى. وفي رواية: ((فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ))، وفي
حديث سلمان: ((وَخَبَأَ عِنْدَهُ)، (تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ)، أي:
المؤمنين. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: قبل دخول الجنة وبعدها. وفيه: إشارة إلى سعة
فضل الله على عباده المؤمنين، وإيماء إلى أنه أرحم الراحمين. وقال ابن أبي
جمرة: في الحديث: إدخال السرور على المؤمنين؛ لأن العادة أن النفس يكمل
فرحها بما وهب لها إذا كان معلومًا مما يكون موعودًا، وفيه: الحث على الإيمان
واتساع الرجاء في رحمات الله تعالى المدخرة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد كما في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ :
ص٢١٤)، والترمذي في الدعوات، وابن ماجه في باب: ما يرجى من رحمة الله
يوم القيامة من أبواب الزهد، والحاكم (ج٤: ص٢٤٨).
٢٣٨٩ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم عَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ وَفِي آخِرِهِ قَالَ:
(فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحَّمَةِ)).
{صحيح}
الشرح
٢٣٨٩ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: عَنْ سَلْمَانَ) الفارسي. (نَحْوُهُ)، أي:
بمعناه، وقد ذكرنا لفظها. (وَفِي آخِرِهِ:َ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا)، أي: أتم
الرحمة الواحدة التي أنزلها في الدنيا. (بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ)، أي: التي أخرها حتى يصير
(٢٣٨٩) مُسْلِم (٢١ / ٢٧٥٣) فيه عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ.
٦٠٤
es
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المجموع مائة رحمة فرحم بها عباده المؤمنين، وحديث سلمان أخرجه أحمد أيضًا
(ج٥: ص٤٣٩).
وفي الباب عن أبي سعيد عند ابن ماجه، وعن جندب عند أحمد والطبراني،
وعن معاوية بن حيدة عند الطبراني وابن عساكر، وعن ابن عباس عند الطبراني
والبزار، وعن عبادة بن الصامت عند الطبراني. من شاء الوقوف على ألفاظها رجع
إلى ((مجمع الزوائد)) و((الكنز)).
٢٣٩٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مِا
عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ
الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَتِهِ أَحَدٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٩٠ - قوله: (وَعَنْهُ)، قال القاري: وفي نسخة: و((عن أبي هريرة))، وهو
الأظهر لإيهام مرجع الضمير أن يكون إلى أقرب مذكور وهو سلمان، وأمَّا على
النسخة المشهورة التي هي الأصل فكأنه اعتمد على العنوان. (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ)،
قيل: الحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك
ولا يقع؛ لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعًا فيما مضى. (مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ
الْعُقُوبَةِ) بيان لـ: ((ما)).
(مَا طَمِعَ) بكسر الميم من باب سمع، أي: ما رجا. (بِجَنَّتِهِ) وللترمذي: ((فِي
الْجَنَّةِ))، (أَحَدٌ)، أي: من المؤمنين، فضلًا عن الكافرين، ولا بعد أن يكون أحد
علی إطلاقه من إفادة العموم؛ إذ تصور ذلك وحده یوجب اليأس من رحمته، وفيه:
بيان كثرة عقوبته؛ لئلا يغتر مؤمن بطاعته أو اعتمادًا على رحمته فيقع في الأمن،
ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
(مَا قَنَطَ)، من القنوط وهو: اليأس من باب: نصر، وضرب، وسمع. (أَحَدٌ)،
(٢٣٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٦٤٦٩) فِي الرِّفَاقِ، مُسْلِم (٢٣/ ٢٧٥٥) فِي التَّوْبَةِ.
٦٠٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
أي: من الكافرين. قال الطيبي: الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة لله تعالى،
فكما أن صفات اللَّه تعالى غير متناهية لا يبلغ كنه معرفتها أحد كذلك عقوبته
ورحمته، فلو فرض أن المؤمن وقف على كنه صفته القهارية لظهر منها ما يقنط من
ذلك الخواطر، فلا يطمع بجنته أحد، وهذا معنى وضع ((أَحَدٌ)) موضع ضمير
المؤمن، ويجوز أن يراد بالمؤمن: الجنس على سبيل الاستغراق، فالتقدير: أحد
منهم. ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر، وهو أن المؤمن قد اختص بأن
يطمع في الجنة، فإذا انتفى الطمع منه فقد انتفى عن الكل، وكذلك الكافر مختص
بالقنوط، فإذا انتفى القنوط عنه فقد انتفى عن الكل. وورد الحديث في بيان كثرة
رحمته وعقوبته كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن من عذابه، ولا ييأس كافر من رحمته
ويترك بابه .
وحاصل الحديث: أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف؛ بمطالعة
صفات الجمال تارة وبملاحظة نعوت الجلال أخرى، كذا في ((المرقاة)). وقال في
((اللمعات)): سياق الحديث لبيان صفتي اللطف والرحمة والغضب وعدم بلوغ أحد
إلى كنههما، فلو علم المؤمنون الذين هم مظاهر(*) رحمة اللَّه ما عند الله من القهر
ما طمع أحد منهم في الجنة، وكذا في الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافي سبق
رحمته على غضبه بالمعنى الذي سبق، انتھی.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ)، واللفظ لمسلم أخرجه من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن
أبي هريرة، ورواه البخاري في باب الرجاء مع الخوف من كتاب الرقاق، من طريق
سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا
مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِ رَحْمَةً وَاحِدَةً،فَلَوْ
يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمَؤُمْنُ
بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)).
قال الحافظ: وروى هذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة، فقطعه حديثين أخرجهما مسلم من طريقه، فذكر حديث الرحمة بلفظ:
((خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّ وَاحِدَةً))، وذكر
(*) لعلها مظان. والله أعلم.
٦٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث الآخر بلفظ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ ... » إلخ.
قلت: وهكذا وقع عند الترمذي في الدعوات.
٢٣٩١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((الْجَنَّةُ
أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح}
الشرح
٢٣٩١ - قوله: (الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ)، بكسر الشین
المعجمة وتخفيف الراء المهملة، وآخره كاف: أحد سيور النعل التي في وجهها .
وقيل: وهو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجل، ويطلق أيضًا على كل سير وقى به
القدم من الأرض. قال الطيبي: ضرب العرب مثلاً بالشراك؛ لأن سبب حصول
الثواب والعقاب، إنما هو بسعي العبد ويجري السعي بالأقدام، وكل من عمل
خيرًا استحق الجنة بوعده، ومن عمل شرًّا استحق النار بوعيده، وما وعد وأوعد
منجزان فكأنهما حاصلان .
(وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)، أي: أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. وقال القاري: إشارة
إلى المذكور، أي: النار مثل الجنة في كونها أقرب من شِراك النعل، أي: فلا
يزهدن في قليل من الخير أن يأتيه فلعه يكون سببًّا لرحمة الله به، ولا في قليل من
الشر أن يجتنبه، فربما يكون فيه سخط الله تعالى، ثم قيل: هذا؛ لأن سبب دخول
الجنة والنار مع الشخص، وهو العمل الصالح والسيئ وهو أقرب إليه من شراك
نعله؛ إذ هو مجاور له والعمل صفة قائمة به.
قال ابن بطال: في الحديث: إن الطاعة موصلة إلى الجنة، وإن المعصية مقربة
إلى النار، وإن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء، فينبغي للمرء أن لا
يزهد في قليل من الخِير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه؛ فإنه لا يعلم
الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها. وقال ابن الجوزي:
معنى الحديث: إن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد، وفعل الطاعة والنار
(٢٣٩١) الْبُخَارِي (٦٤٨٨) فِي الرِّقَاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحْمِ اللهِ
٦٠٧
كذلك بموافقة الهوى، وفعل المعصية. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، في الرقاق وهو من
أفراده، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٣٨٧: ٤١٣ : ٤٤٢).
٢٣٩٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((قَالَ رَجُلٌ
لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطَّ لِأَهْلِهِ - وَفِي رِوَايةٍ - أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ
الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي
الْبَحْرِ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالِمِينَ،
فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا
فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَّ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَارَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ
لَهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٩٢ - قوله: (قَالَ رَجُلٌ)، أي: ممن كان قبلنا، ففي حديث أبي سعيد عند
البخاري: ((إِنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللهُ مَالًا))، وفي رواية له: ذكر رجلًا فيمن
سلف، أو فيمن كان قبلكم. وصرح في حديث حذيفة وأبي مسعود عند الطبراني:
إِنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ ولذلك أورد البخاري حديث أبي سعيد وحذيفة وأبي
هريرة في ذكر بني إسرائيل. قيل: اسم هذا الرجل ((جهينة))، فقد حكى الحافظ في
((الفتح)) (ج٢٦: ص١٣١: ١٣٢) أنَّ أبا عوانة أخرج في ((صحيحه)) من حديث
حذيفة عن أبي بكر الصديق، أنَّ الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل
النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة.
قال الحافظ (ج٢٧: ص٢٠٩): وقد وقع في ((غرائب مالك)) للدار قطني من
طريق عبد الملك بن الحكم، وهو واه عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: إنّ
آخِرَ منْ يدْخل الجنَّة رَجُلٌ من جُهَيْنة يقالُ له: جُهَيْنة، فَيَقولُ أهلُ الجنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ
الْخَبرُ الْيِقِينُ، وحكى السهيلي أنه جاء إن اسمه ((هناد)). (لَمْ يَعْمَلْ) صفة ((رَجُلٌ))،
(٢٣٩٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٥٠٦) فِي التَّوْحِيدِ، مُسْلِم (٢٧٥٦/٢٥.٢٤) فِي
التَّوْبَةِ، وابن مَاجَهْ (٤٢٥٥) فِي الرِّقَاقِ.
٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(خَيْرًا قَطُّ)، أي: عملًا صالحًا بعد الإسلام، ووقع في رواية لمسلم: ((لَمْ يَعْمَلْ
حَسَنَةً قَطَّ))، قال الباجي: ظاهره أنَّ العمل ما تعلق بالجوارح وهو حقيقة العمل،
وإن جاز أن يطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع وَخلاله عن هذا الرجل إنه
لم يعمل شيئًا من الحسنات التي تعمل بالجوارح، وليس فيه إخبار عن اعتقاد
الكفر، وإنما يحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الإيمان، ولكنه لم يأت من شرائعه
بشيء، فلما حضره الموت خاف تفريطه، فأمر أهله أن يحرقوه، انتهى.
قلت: وقع في رواية أحمد (ج٢: ص٣٠٤): ((كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ
يَعْمَلْ خَيْرًا قَطَّ إِلَّ التَّوْحِيدَ))، وهكذا وقع استثناء التوحيد في حديث ابن مسعود
أيضًا عند أحمد (ج١: ص٣٩٨) ورواية الباب وإن لم يذكر فيها هذا الاستثناء
صريحًا لكنها كالصريح في ذكره؛ لإطباق الروايات على ذكر خشيته وخوفه من
عذابه وغفرانه تعالى. (لِأَهْلِهِ) متعلق بـ((قَالَ))، (وَفِي رِوَايَةٍ: أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى
نَفْسِهِ)، أي: بالغ في فعل المعاصي، وهذا لفظ مسلم؛ وللبخاري: ((كَانَ رَجُلٌ
يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ))، وفي حديث حذيفة عند البخاري: ((إِنَّهُ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ
بِعَمَلِهِ))، وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين: ((فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَثِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا)) فَسَّرَهَا
قتادة: ((لم يدخر))، ووقع في آخر حديث حذيفة عند البخاري. قال عقبة بن عمرو
- أبو مسعود -، وأنا سمعته - يعني: النبي ◌َّ - يقول ذلك: ((وَكَانَ نَبَّاشًا - أي:
للقبور - يَسْرِقُ أَكْفَانَ المَوْتَى)) قال الحافظ: قوله: ((وَكَانَ نَبَّاشًا)) هو من رواية
حذيفة وأبي مسعود معًا، كما يدل عليه رواية ابن حبان. ووقع في رواية للطبراني
بلفظ: بينما حذيفة وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللّه وَاخيه
يقول: ((إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَنْبِشُ الْقُبُورَ ... )) فذكره.
(فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ)، فيه: تسمية الشيء بما قرب منه؛ لأن الذي حضره في
تلك الحالة علامات الموت لا الموت نفسه. (أَوْصَى بَنِيهِ)، هذا لفظ مسلم،
وللبخاري: ((فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَالَ لِبَنِهِ))، وفي حديث أبي سعيد عند البخاري:
((فَلَمَّا خُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أَّ أَبِ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ ... )) إلخ.
(إِذَا مَاتَ فَحَرَّقُوهُ)، بصيغة الأمر من التحريق، وهذا عند مسلم، وللبخاري:
((فَأَحْرِقُوهُ))، أي: من الإحراق، ومقتضى السياق أن يقول: إذا مت فحرقوني،
٦٠٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللّهِ
لكنه على طريق الالتفات. قال الطيبي: قوله: ((إِذَا مَاتَ ... )) إلخ. مقول ((قَالَ)) على
الرواية الأولى ومعمول ((أَوْصَى)) على الرواية الأخرى، فقد تنازعا فيه في عبارة
الكتاب، انتهى. قلت: قوله: (وَفِ رِوَايَةٍ) إلى قوله: (أَوْصَى بَنِيهِ) جملة معترضة
وقوله: ((إِذَا مَاتَ ... )) إلخ. إنما هو مقول ((قال)) في الرواية الأولى كما يدل عليه
سياق الحديث عند البخاري في التوحيد ومسلم في التوبة. وأمَّا سياق الرواية
الثانية، فعند البخاري في ذكر بني إسرائيل: ((فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا
مِتُّ فَأَحْرِ قُونِي ... )) إلخ، وعند مسلم: ((فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا
مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ... )) إلخ. (ثُمَّ اذْرُوا) يجوز فيه وصل الهمزة وقطعها من الثلاثي
المجرد والمزيد يقال: ذرت الريح التراب وغيره تذروه ذروًا وذريًا وذرته: أطارته
وسفته وأذهبته وفرقته بهبوبها .
قال الحافظ: بهمزة قطع وسكون المعجمة من أذرت العين دمعها، وأذريت
الرجل عن الفرس، وبالوصل من ذروت الشيء ومنه ﴿نَذْرُوهُ الرَِّحْ﴾ [الكهف: ٤٥] .
وفي رواية: ((ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي)) بضم المعجمة وتشديد الراء من الذر، أي:
فرقوني. وفي حديث حذيفة عند البخاري في الرقاق: ((فَذَرُّونِي))، قال الحافظ:
بالتخفيف بمعنى الترك وبالتشديد بمعنى التفريق، وهو ثلاثي مضاعف، تقول:
ذررت الملح اذره، ومنه: الذريرة نوع من الطيب.
قال ابن التين: ويحتمل أن يكون بفتح أوله وكذا قرأناه ورويناه بضمها. وعلى
الأول هو من التذرية وعلى الثاني من الذر. (نِصْفَهُ)، أي: نصف رماده. (فِي الْبَرِّ
وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ)، وفي حديث حذيفة عند البخاري في أول ذكر بني إسرائيل: ((إِذَا
أَنَا مِتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى
عَظْمِي، فَامْتُحِشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًّا رَاحًا - أي: كثير الريح
وشديده - فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ ... )) الحديث. وفي حديث أبي سعيد عنده أيضًا في
الرقاق: ((فَإِذَا مِتُّ فَأَحْرِ قُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًّا فَاسْحَقُونِي - أو قَالَ: فَاسْهَكُونِي
- ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ))، قال الباجي :
وذلك على وجهين: أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائت، كما يفر
الرجل أمام الأسد مع اعتقاده أنه لا يفوته سبقًّا، ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله،
والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفًا من الباري تعالى؛ وتذللًا ورجاء أن يكون هذا
٦١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سببًا إلى رحمته، ولعله كان مشروعًا في ملته، انتهى.
(فَوَ اللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ)، بتخفيف الدال وتشديدها من القدر بمعنى التضييق،
أو بمعنى القضاء لا من القدرة والاستطاعة. (لَيُعَذَّبَنَّهُ) بنون التأكيد. (عَذَابًا)، أي:
تعذيبًا. (لَا يُعَذِّبُهُ)، أي: ذلك العذاب. (أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) من الموحدين، وقد
استشكل هذا الحديث؛ لأن صنيع الرجل وقوله ظاهر في الشك في قدرة الله على
البعث والإحياء، والشك في القدرة كفر، وقد قال في آخر الحديث: ((خَشْتِكَ))
وغفر له والكافر لا يخشاه، ولا يغفر له، واختلف في تأويله؛ فقيل: ((لئن قدر))
بالتخفيف بمعنى ضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] بالتخفيف
والتشديد، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]
والمعنى: لئن ضيق اللّه عليه وناقشه في حساب.
وقيل: المعنى: لئن قدر عليه العذاب، أي: قضى من قدر بالتخفيف والتشديد
بمعنى واحد، أي: لئن قدر عليه أن يعذبه ليعذبنه، ولكن هذا کالذي قبله معنی غیر
مناسب للسوق أصلا، مع أنه قد وقع في حديث معاوية بن حیدة عند أحمد (ج٤ :
ص٤٤٧) (ج٥ : ص٣، ٤): ((ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ لَعَلَّي أَضِلُ اللهَ رَّ)»، أي:
أغيب عنه وأفوته. يقال: ضل الشيء: إذا فات وذهب وهو كقوله تعالى: ﴿لَّا
يَضِلُّ رَبٍِ﴾ [طه: ٥٢] وهذا يدل على أن قوله: (لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ)) على ظاهره، وإنه
أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله، ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه، فلا بد من
وجه يمكن القول بإيمانه.
فقيل: مقصود الرجل بهذه الوصية: أن فرقوا أجزائي في البر والبحر، بحيث لا
يكون هناك سبيل إلى جمعها، فيحتمل أنه رأى أن جمعه حينئذٍ يكون مستحيلاً
والقدرة لا تتعلق بالمستحيل فلذلك قال: فـ(لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ))، فلا يلزم أنه نفى
القدرة أو شك فيها، فصار بذلك كافرًا فكيف يغفر له، وذلك أنه ما نفى القدرة
على ممكن. وإنما فرض غير المستحيل مستحيلًا فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من
الدين بالضرورة والكفر هو الأول لا الثاني.
وقيل: إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب. وأمَّا
تلفظه بقوله: ((لَئِنْ قَدَرَ اللهُ))، وبقوله: (لَعَلِّي أُضِلَّ اللهَ)) فلأنه كان جاهلاً بذلك.
٦١١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
وقد اختلف في مثله هل يكفر أم لا بخلاف الجاحد للصفة؟ قال الخطابي: إنه لم
ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه
باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. وقيل: كان هذا الرجل موحدًا مثبتًا
للصانع، وكان في زمن الفترة حين ينفع مجرد التوحيد ولم تبلغه شرائط الإيمان
ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقيل: إنما وصى بذلك؛ تحقيرًا لنفسه وعقوبة لها
بعصيانها وإسرافها؛ رجاء أن يرحمه الله فيغفر له، وهذا يؤيد أن قوله: (لَئِنْ قَدَرَ))،
بمعنى ضيق، وقيل: لقى من هول المطلع ما أدهشه وسلب عقله، فلم يتمكن من
تمهيد القول وتخميره، فبادر بسقط من القول، وأخرج كلامه مخرجًا لم يعتقد
حقيقته .
قال التوربشتي: وهذا أسلم الوجوه. وقال الطيبي: وهو كلام صدر عن غلبة
حيرة ودهشة من غير تدبر في كلامه كالغافل والناسي، فلا يؤاخذ فيما قال. قال
القاري: هذا هو الظاهر من الحديث، كما سيأتي حيث قال تعالى: ((لِمَ فَعَلْتَ؟
قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ))، وقيل: ذلك لا يؤاخذ عليه. وقال السندي:
يحتمل أن شدة الخوف طيرت عقله فما التفت إلى ما يقول وما يفعل، وأنه هل ينفعه
أم لا، كما هو المشاهد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسك بأدنى شيء لاحتمال
أنه لعله ينفعه؛ إذ هو فيما قال وفعل في حكم المجنون، انتهى. وجعل الحافظ هذا
القول أظهر الأقوال حيث قال: وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة
الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه بل في حالة
كان فيها كالغافل والذاهل والناسي، الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه، قال: وأبعد
الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر، انتهى.
وقال ابن أبي جمرة: كان الرجل مؤمنًا؛ لأنه قد أيقن بالحساب، وأن السيئات
يعاقب عليها، وأمَّا ما أوصى به فلعله كان جائزًا في شرعهم؛ لتصحيح التوبة، فقد
ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم. وقيل: ظن هذا الرجل أن الله تعالى إن
وجده على حاله وهيئته يعذبه عذابًا شديدًا، وإذا وجده محترفًا مطحونًا مفرقًا فلعله
يرحمه ويشفق عليه، لتحمله تلك المشاق والشدائد كما هو دأب الموالي الكرماء،
فإنهم إذا وجد أحدهم عبده المسيء في مرض أو شدة رحمه وعطف عليه ورضي
٦١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
عنه، وإن كان قبل ذلك ساخطًا عليه وغضبان، والله أعلم.
(فَلَمَّا مَاتَ)، أي: الرجل الموصي. (فَعَلُوا)، أي: أهله أو بنوه. (مَا أَمَرَهُمْ)،
به من التحريق وغيره وقوله: (فَلَمَّا مَاتَ ... ) إلخ. لمسلم فقط. (فَأَمَرَ اللهُ الْبَحْرَ
فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ)، أي: من أجزاء الرجل، وفي رواية أخرى
للبخاري: ((فَأَمَرَ اللهُ تعالى الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ))،
وفي حديث أبي سعيد عنده أيضًا: ((فَقَالَ اللهُ: كُنْ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ))، قال الحافظ :
وفي حديث سلمان الفارسي عند أبي عوانة في ((صحيحه)): ((فَقَالَ اللهُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ
كَأَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ))، وهذا جميعه كما قال ابن عقيل: إخبار عما سيقع له يوم
القيامة، وليس كما قال بعضهم: أنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله:
فجمعه الله؛ لأن التحريق والتفريق إنما وقع على الجسد، وهو الذي يجمع ويعاد
عند البعث.
(ثُمَّ قَالَ) اللَّه رَ. (لَهُ)، أي: للرجل. (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟)، أي: ما ذكر من
الوصية، وفي رواية: ((مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ))، (قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ)، وفي
حديث حذيفة عند البخاري: ((مَا حَمَلَنِي إِلَّ مَخَافَتُكَ))، (وَأَنْتَ أَعْلَمُ)، أي: إنما
فعلته من خشيتك. قال ابن عبد البر: وذلك دليل على إيمانه، إذ الخشية لا تكون
ج
إلا لمؤمن بل لعالم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]
ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وقد روي الحديث بلفظ: ((قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرًا قَطُّ إِلَّ التَّوْحِيدَ))، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه، والأصول تعضدها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، قلت: الخشية من لوازم الإيمان، ولما
كان فعله هذا من أجل خشية الله تعالى وخوفه فلا بد من القول بإيمانه، وعلى هذا
فالحدیث ظاهر بل هو كالصريح في استثناء التوحيد، كما تقدم فلا إشكال فيه.
(فَغَفَرَ لَهُ) وفي حديث أبي سعيد عند البخاري في الرقاق: ((فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ»،
أي: تداركه و((مَا)) موصولة، أي: الذي تلافاه هو الرحمة، أو نافية وصيغة
الاستثناء محذوفة، وفي ذكر بني إسرائيل بلفظ: ((فَتَلْقَاهُ رَحْمَة))، قال الحافظ:
قالت المعتزلة: غفر له؛ لأنه تاب عند موته وندم على فعله. وقالت المرجئة: غفر
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
eese
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللَّهِ
٦١٣
BASE
له بأصل توحيده الذي لا تضر معه معصية. وتعقب الأول: بأنه لم يرد أنه رد
المظلمة، فالمغفرة حينئذ بفضل الله لا بالتوبة؛ لأنها لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه
من الظالم، وقد ثبت أنه كان نباشًا. وتعقب الثاني: بأنه وقع في حديث أبي بكر
الصديق المشار إليه أولًا أنه عذب فعلى هذا فتحمل الرحمة والمغفرة على إرادة
ترك الخلود في النار، وبهذا يرد على الطائفتين معًا على المرجئة في أصل دخول
النار، وعلى المعتزلة في دعوى الخلود فيها، وفيه أيضًا رد على من زعم من
المعتزلة، إنه بذلك الكلام تاب، فوجب على الله قبول توبته، انتهى. وقيل: إن
مغفرته إنما هي لكمال خوفه وخشيته من اللَّه رم؛ لأن الخشية من المقامات السنية
ولما كانت على أقصى مراتبها، وإن حصلت عند حضور علامات الموت صارت
سبًا لمحو جميع سيئاته ووسيلة إلى مغفرة جميع ذنوبه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقد تقدم أن الخوف من الله من لوازم الإيمان.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل، وفي باب ﴿يُرِيدُونَ أَنْ
يَُدِّلُواْ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] من كتاب التوحيد، ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٢: ص٢٦٩ : ٣٠٤)، ومالك، والنسائي في أواخر الجنائز، وابن ماجه
في ذكر التوبة، وفي الباب عن أبي سعيد عند أحمد والشيخين وغيرهم، وعن
حذيفة عند البخاري والنسائي وغيرهما، وعن ابن مسعود عند أحمد، وأبي يعلي،
وعن معاوية بن حيدة عند أحمد، والطبراني وعن سلمان الفارسي عند أبي عوانة،
والطبراني.
٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٩٣ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ سَبْيٌّ،
فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي، قَدْ تَحَلَّبَ ثَّدْيُهَا تَسْعَى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي
أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ وَ: «أَتْرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً
وَلَدَهَا فِي النَّارِ)) فَقُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: (لَلَّهُ أَرْحَمُ
بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٩٣ - قوله: (قَدِمَ) بكسر الدال .. (عَلَى النَّبِيِّ وَّ سَبْيٌّ)، أي: أسرى من
الغلمان والجواري، وسبيته سبيًّا إذا حملته من بلد إلى بلد، وقوله: ((قَدِمَ)) على
صيغة المعلوم فعل ماض و ((سَبْيٌّ)) بالرفع فاعله، وفي رواية الكشميهني: ((قُدِمَ
بِسَبْي)) على صيغة المجهول، وبالباء الموحدة في ((سبي)) وكان هذا من ((سبي))
هوازَّن.
(فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي) لم يعرف الحافظ اسمها. (قَدْ تَحَلِّبَ) بفتح الحاء وتشديد
اللام على وزن تفعل. (تَدْيُهَا) بالإفراد والرفع فاعله، أي: سال لبن ثديها على
حذف المضاف؛ لكثرته لعدم ولدها معها. وقال الحافظ: أي: تهيأ لأن يحلب.
(تَسْعَى) بفتح الفوقية وسكون السين وفتح العين المهملتين من السعي، وهو المشي
بسرعة، أي: تعدو المرأة في طلب ولدها. ووقع في بعض نسخ ((صحيح
البخاري)) بقاف مكسورة من السقي بالسين المهملة والقاف.
قال الحافظ: بفتح المثناة وبقاف مكسورة، وللكشميهني: ((بسقي))، بموحدة
مكسورة بدل الفوقية وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية، وللباقين:
((تسعى))، بفتح العين المهملة من السعي، أي: تمشي بسرعة تطلب ولدها الذي
فقدته، وفي رواية: تبتغي من الابتغاء وهو الطلب.
قال عياض: وهو وهم، والصواب ما في رواية البخاري: (تَسْعَى) بالسين من
السعي. وتعقبه النووي: بأنَّ كلَّا من الروايتين صواب لا وهم فيه، فهي ساعية
(٢٣٩٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عُمَرَ؛ البُخَارِي (٥٩٩٩) فِي الأَدَبِ، مُسْلِم (٢٢/ ٢٧٥٤) فِي التَّوْبَةِ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحْمةِ اللَّهِ
*
٦١٥
وطالبة مبتغية لابنها .
وقال القرطبي: لا خفاء بحسن رواية ((تسعى)) ووضوحها، ولكن لرواية ((تبتغي))
وجهًا وهو تطلب ولدها وحذف المفعول للعلم به، فلا يغلط الراوي مع هذا
التوجيه .
(إِذَا وَجَدَتْ) قال الحافظ: قوله: ((إذا)) كذا، أي: بالألف للجميع ولمسلم
(صَبِيًّا فِي السَّبْي)، أي: في جملة صبيان السبي. (أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا)، قال
الحافظ: حذف منه شيء بينته رواية الإسماعيلي ولفظه: ((إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا أَخَذَتْهُ
فَأَرْضَعَتْهُ فَوَجَدَتْ صَبِيًّا، فَأَخَذَتْهُ فَأَلْزَمَتْهُ بَطْنِهَا))، وعرف من سياقه أنها كانت فقدت
صبيها وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت إذا وجدت صبيًّا أرضعته؛ ليخف
عنها، فلما وجدت صبيها بعينه أخذته فالتزمته وألصقته ببطنها من فرحها بوجدانه
وغاية محبتها له.
(أَتْرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: تظنون. (هَذِهِ)، أي: المرأة. (طَارِحَةً)، أي:
ملقية. (فَقُلْنَا)، كذا في جميع النسخ، والذي في ((الصحيحين)): ((قلنا))، أي:
بدون الفاء. (لَا)، أي: لا نظن إنها طارحة. وقال القسطلاني: أي: لا تطرحه.
(وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ)، أي: لا تطرحه طائعة أبدًا. وقال القاري: الواو
للحال، وفائدة هذا الحال: أنَّها إن اضطرت، يمكن طرحها، والله منزه عن
الاضطرار، فلا يطرح عبده في النار البتة.
(لَلَّهُ) بفتح أوله لام تأكيد، وصرح بالقسم في رواية الإسماعيلي، فقال: «وَاللهِ
لَلَّهُ أَرْحَمُ))، إلى آخره. (بِعَبَادِهِ)، أي: المؤمنين أو مطلقًا. (مِنْ هَذِهِ) المرأة.
(بِوَلَدِهَا) هذا. قال الحافظ: كأن المراد بالعباد هنا: من مات على الإسلام،
ويؤيده ما أخرجه أحمد، والحاكم والبزار ورجالهم رجال الصحيح - من حديث
أنس قال: مرَّ النبي ◌َّ في نفر من الصحابة، وصبي على الطريق، فلما رأت أمه
القوم خشيت على ولدها أنْ يُوْطَّأَ فأقبلت تسعى، وتقول: ابني ابني، وسعت
فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال:
(وَلَا اللهُ بِطَارِحٍ حَبِيبُهُ فِي النَّارِ))، فالتعبير بـ(حبيبه)) يخرج الكافر، وكذا من شاء
إدخاله ممن لمَ يتب من مرتكبي الكبائر.
٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: لفظ العباد عام، ومعناه خاص بالمؤمنين،
وهو كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]
فهي عامة من جهة الصلاحية، وخاصة بمن كتبت له. ثم ذكر ابن أبي جمرة
احتمال تعميمه حتى في الحيوانات، ورجحه العيني حيث قال، والظاهر: إنها على
العموم لمن سبق له منها نصيب من أي العباد كان حتى الحيوانات على ما ورد في
حديث أبي هريرة، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم
الخلق، انتهى.
قال ابن أبي جمرة: وفيه: إشارة إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع
أموره بالله وحده، وإن كل من فرض إن فيه رحمة ما يقصد لأجلها، فاللَّه ◌َعَالَ
أرحم منه، فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة.
قال: وفي الحديث ضرب المثل بما يدرك بالحواس لما لا يدرك بها لتحصيل
معرفة الشيء على وجهه، وإن كان الذي ضرب له المثل لا يحاط بحقيقته؛ لأن
رحمة الله لا تدرك بالعقل، ومع ذلك فضربها النبي وقّ للسامعين بحال المرأة
المذكورة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب: رحمة الولد من كتاب الأدب، ومسلم
فى التوبة .
٢٣٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لَنْ يُنَجِّيَّ
أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ)) قَالُوا: وَلَّا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوْحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ
الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُو١)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٩٤ - قوله: (لَنْ يُنَجِّيَ)، أي: من النار. و((لَنْ)) لمجرد النفي. وقيل:
(٢٣٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٦٤٦٣) فِي الرِّفَاقِ، مُسْلِم (٧١/ ٢٨١٦) فِي التَّوْبَةِ.
٦١٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةٍ رَحُمةِ اللَّهِ
لتوكيده، و((يُنَجِّيَ)) بفتح النون وكسر الجيم المشددة من التنجية، أو بسكون النون
وتخفيف الجيم المكسورة من الإنجاء، ومعناه: لن يخلص النجاة من الشيء
التخلص منه. (أَحَدًا) بالنصب على المفعولية. (مِنْكُمْ عَمَلُهُ) بالرفع على الفاعلية،
وفي رواية أبي داود الطيالسي: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُنَجِّيهِ عَمَلُهُ))، وفي رواية
للشيخين: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ))، وفي رواية لمسلم: ((لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
يُنَجِّيهِ عَمَلُهُ))، وفي أخرى له: (لَنْ يَنْجُوَ أَحْدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ))، واستشكل هذا الحديث
# [الزخرف:
ونحوه بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٧٢] .
وأجيب: بأنه تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات
الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال. ويحمل الحديث على أصل دخول الجنة
والخلود فيها، فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] صريح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال. أجيب: بأنه بلفظ مجمل
بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، فليس
المراد بذلك أصل الدخول، ويجوز أن يكون الحديث مفسرًا للآية، والتقدير:
ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل
الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به
ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل عليهم
ابتداءً بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم، هذا محصل ما قاله ابن بطال في
الجمع بين الآیتین وحديث الباب.
وقال عياض: طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية، فذكر نحوًا من
كلام ابن بطال الأخير، وإن من رحمة اللَّه توفيقه للعمل وهدايته للطاعة، وكل
ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله ورحمته. وقال ابن الجوزي :
يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة :
الأول: أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة اللَّه السابقة ما حصل
الإِيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة.
الثاني: إن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء
فهو من فضله. الثالث: جاء في بعض الأحاديث إن نفس دخول الجنة برحمة الله
٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*
واقتسام الدرجات بالأعمال. والرابع: إن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير،
والثواب لا ينفد، فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل بمقابلة الأعمال.
وقال الكرماني: الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ليست للسببية بل
للإلصاق، أو المصاحبة، أي: أورثتموها ملابسة، أو مصاحبة، أو للمقابلة نحو:
أعطيت الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في
((المغني)) فسبق إليه، فقال (ج١: ص٩٧): ترد الباء للمقابلة وهي الداخلة على
الأعواض نحو: اشتريته بألف وكافأتُ إحسانه بضعف. وقولهم: هذا بذاك منه
﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت
المعتزلة - فإنهم يقولون: العمل الصالح سبب موجب للجنة - وكما قال الجميع
- أي: جميع أهل السنة - في (لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ)) ؛ لأن المعطي
بعوض قد يعطي مجانًا بخلاف المسبب، فلا يوجد بدون السبب. قال: وقد تبين
أنه لا تعارض بين الحديث والآية؛ لاختلاف محملي الباءين جمعًا بين الأدلة.
قلت: سبقه إلى ذلك ابن القيم، كما قال الحافظ، وقد حكى كلامه عن كتاب
((مفتاح دار السعادة)) قال الحافظ: ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث وجه
آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل
دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما
يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿آدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء
للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية، وحاصل
هذا الجواب أن المنفي في الحديث: دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت
في الآية: دخولها بالعمل المتقبل، والقبول إنما يحصل من اللّه تفضلًا. وقال
النووي: معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين
الحديث: أن التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله
وفضله، فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه
دخل بالأعمال، أي: بسببها وهي من رحمة الله تعالى. ورد الكرماني الأخير: بأنه
خلاف صريح الحديث.
٦١٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ سِعَةِ رَحُمةِ اللَّهِ
وقال التوربشتي: ليس المراد من هذا الحديث نفي العمل وتوهين أمره، بل
توقف العباد على أن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته؛ لئلا يتكلوا على
أعمالهم؛ اغترارًا بها، فإن الإنسان ذو السهو والنسيان عرضة للآفات ودرية
للغفلات، قلما يخلص له من شائبة رياء أو شهوة خفية أو فساد نية، أو قصد غير
صالح، ثم إن سلم له العمل عن ذلك، ولا يسلم إلا برحمة من الله، فإن أرجى
عمل من أعماله لا يفي بشكر أدنى نعمة من نعم ربه، فأنى له أن يستظهر بعمل لم
يهتد إليه أيضًا إلا برحمةٍ من اللَّه وفضلٍ. وقال الطيبي: أي النجاة من العذاب،
والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته، والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب،
بل غايته أنه يعد العامل؛ لأن يتفضل عليه ويقرب الرحمة إليه، ولذا قال:
((فَسَدِّدُوا ... )) إلخ. والخطاب للصحابة، والمراد: معشر بني آدم. قال الماذري:
مذهب أهل السنة إن إثابة اللَّه تعالى من أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن
عصاه بعدل منه، ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع، وله تعالى أن يعذب الطائع
وينعم العاصي؛ لأن العالم كله ملكه، والدنيا والآخرة في سلطاته يفعل فيهما ما
يشاء، فلو عذب المطيعين وأدخلهم النار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعمهم
وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك،
ولكنه أخبر - وخبره صدق لا خلف فيه - أنه لا يفعل ذلك بل يغفر للمؤمنين،
ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب الكافرين ويخلدهم في النار؛ عدلًا منه. وهذا
الحديث يقوي مقالتهم ويرد على المعتزلة حيث يثبتون الأعواض بالعقل،
ويوجبون ثواب الأعمال. ويوجبون الأصلح، ولهم في ذلك خبط كثير وتفضيل
طويل .
(قَالُوا)، وفي رواية لمسلم: ((فقيل))، وفي أخرى له: ((قال رجل)). قال
الحافظ: لم أقف على تعيين القائل. (وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)، أي: لا ينجيك
عملك مع عظم قدره، قال الطيبي: الظاهر: ولا إياك، أي: للعطف على ((أَحدًا))
فعدل إلى الجملة الاسمية، أي: من الفعلية المقدرة؛ مبالغة. أي: ولا أنت ممن
ينجيه عمله؛ استبعادًا عن هذه النسبة إليه. قلت: وقع في رواية لمسلم: قال رجل:
((ولا إياك يا رسول الله؟)) قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا أن
يتغمدهم الله برحمته، فوجه تخصيص رسول اللَّه ◌َ لَه بالذكر، أنه إذا كان مقطوعًا