النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦٠ sesri ** ** cese مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣٧١ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَه يَقْرَأ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلَا يُبَالِي. [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَقُولُ: بَدَلَ يَقْرَأُ] الشرح ٢٣٧١ - قوله: (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ)، أي: ابن السكن الأنصارية. (يَقْرَأُ: يَا عِبَادِيَ) بفتح الياء وسكونها. قال في ((فتح البیان)): قرئ بإثبات الياء وصلًا ووقفًا، وبغير الياء، أي: وقفًّا وهما سبعيتان. (الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ)، أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي. وقيل: أي: أفرطو عليها بالكفر أو المعاصي، واستكثروا منها. وقيل: أي: أفرطوا عليها، وتجاوزوا الحد في فعل كل مذموم. (لاَ تَقْتَطُوا) بفتح النون من باب سمع، وبكسرها من باب ضرب، أي: لا تيأسوا. (مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ)، أي: من مغفرته. (إِنَّ اللَّه)، استئناف فيه معنى التعليل. (يَغْفِرُ الذَّنُوبَ جَمِيعًا)، أي: ذنوب الكفار بالتوبة وذنوب المسلمين بها وبالمشيئة . اعلم: أنهم اختلفوا هل هذه الآية مقيدة بالتوبة وأنَّه لا تغفر إلا ذنوب التائبين أو هي على إطلاقها فذهب جماعة من المفسرين إلى الأول، قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفار وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار، بأن اللَّه تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، ثم ذكر حديث ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وَزَنُوا وأكثروا، فأتوا محمدًا وَّه، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا إن لما عملنا كفارة فنزل ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ [الفرقان: ٦٨] مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْتُنْ﴾ (٢٣٧١) التِّرْمِذِي (٣٢٣٧) فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيد، وَقَالَ: غَرِيبٌ. كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٦١ ونزل ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال ابن كثير: المراد من الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، ثم ذكر حديث ثوبان الآتي في الفصل الثالث، وحديث أسماء الذي نحن في شرحه ثم قال: فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد: أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع، ثم ذكر ابن كثير الآيات والأحاديث الدالة على الحث على التوبة والاستغفار. وقال الجمل (ج٣: ص٧٢٤) : وهذه الآية عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاصٍ يتوب فتمحو توبته ذنبه، والمراد منها: التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وإنه متى تاب زال عقابه، وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، أي: بالتوبة إذا تاب وصحت توبته فمحصت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب، فهو موكول إلى مشيئة اللَّه تعالى فيه، فإن شاء غفر له وعفى عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد وخوف العقاب قائم فلعل الله يغفر مطلقًا ولعله يعذب ثم يغفر بعد ذلك، انتهى. وإليه - أي: إلى تقييد آية الزمر بالتوبة - ذهب ابن القيم، حيث قال في ((الجواب الكافي)) (ص١٦)، و((مدارج السالكين)) (ج١: ص٣٩٤): إن هذه الآية في حق التائبين وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ في حق غير التائب. وذهب بعضهم: إلى أن الآية على إطلاقها. قال العلامة القنوجي البوفالي في ((فتح البيان)) (ج٨: ص١٦٦): والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها، وإليه ذهب الشوكاني حيث قال في ((فتح القدير)) (ج٤: ص٤٥٦، ٤٥٧): الألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه، وهو قوله: (الذَّنُوبَ) للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوة إن اللَّه يغفر كل ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلك بقوله: (جَمِیعًا». ٥٦٢ ese مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال الشوكاني: والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾: هو أنَّ كلَّ ذنب كائنًا ما كان ما عدا الشرك باللَّه مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال: إنَّ إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا، يدل على أنه يشاء غفرانها جميعًا، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين، فلم يبق تعارض بين الآيتين من هذه الحيثية. قال: ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة. وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، قال الواحدي: المفسرون قالوا: إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام؛ كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي ◌َّ. قلت : - قائله الشوكاني - ذهب أنها في هؤلاء القوم فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب، كما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بين أهل العلم، قال: وأمَّا قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: ٥٤] فليس فيه ما يدل ٢٥٤ وَأَسْلِمُوْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال: إن هذه الجملة مستأنفة خطابًا للكفار الذين لم يسلموا، بدليل قوله: ﴿وَأَسْلِمُوْ لَهُ﴾ جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى وتبشيرهم، وهذا وإن كان بعيدًا، ولكنه يمكن أن يقال به. والمعنى على ما هو الظاهر: إن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم والأمر بالإنابة إليه والإخلاص، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه وقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر: ٥٤]، أي: عذاب الدنيا، يعني: بالقتل والأسر، والقهر والخوف، والجدب لا عذاب الآخرة. قلت: الآية تحتمل القولين لكن سياقها يؤيد ما قاله ابن كثير ومن وافقه. وأمَّا ما ذكره الشوكاني في تأويل ذلك السياق ففيه تكلف ظاهر . كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٦٣ والراجح عندي: أن مغفرة ذنوب المسلمين غير مقيدة بالتوبة بل تغفر بها وبالمشيئة. (وَلَا يُبَالِي) أي: من أحد فإنه لا يجب على الله. وقيل: أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا؛ لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد، وانتهت رواية الترمذي على هذا، أو زاد أحمد في روايته: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، والظاهر من هذه الرواية: أن قوله: ((وَلَا يُبَالِي))، كان من القرآن؛ ولذا قال ((صاحب المدارك)) تحت هذه الآية: وفي قراءة النبي ◌َّ: ((يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي)). وقال القاري: وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ، ويحتمل أن يكون زيادة من عنده عليه الصلاة والسلام كالتفسير للآية. (رواه أحمد) (ج٦: ص٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة الزمر، كلاهما من طريق ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. (وَقَالَ)، أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ). وقال أيضًا: لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب، انتهى. وشهر هذا صدوق كثير الإرسال والأوهام، قاله في ((التقریب))، وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه، وروى عن أسماء أحاديث حسانًا، كذا في (تهذيب التهذيب)). والحديث ذكره الشوكاني في ((فتح القدير)) (ج ٤: ص ٤٦٠) وزاد في نسبته أبا داود، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري، والحاكم، وابن مردويه، ونسبه ابن كثير أيضًا إلى أبي داود ولم أجده في ((سننه)) ولم ينسبه النابلسي إليه في ((ذخائر المواريث))، بل اقتصر على ذكر الترمذي. (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَقُولُ)، أي: يا عبادي ... إلخ. (بَدَلَ: يَقْرَأ)، أي: السابق في رواية أحمد والترمذي، وهذا يؤيد القول بأنه حديث. ٥٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣٧٢ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا اللََّمَّ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا، وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَمَّا)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ] الشرح ٢٣٧٢ - قوله: (في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الََّ﴾)، أي: في تفسير قوله: ﴿وَاُلَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ اُلْإِثْ﴾ [النجم: ٣٢]، الكبائر: كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ما عين له حدًّا، أو ذم فاعله ذمَّا شديدًا، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها. والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه، وهو من عطف الخاص على العام. وقيل: هي كل ذنب فيه وعيد، أو مختص بالزنا. (إِلا اللَّمَمَ)، بفتحتين، أي: ما قلَّ وصغر من الذنوب، يعني: الصغائر منها، فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها، والاستثناء منقطع؛ لأنه ليس من الكبائر والفواحش، وأصل (اللَّمَمَ)) في اللغة: ما قلَّ وصغر. ومنه ألمّ بالمكان قلَّ لبثه فيه، وألمَّ بالطعام قلَّ أكله منه. قال في ((الصحاح)): ألم الرجل من ((اللَّمَمَ))، وهو: صِغائر الذنوب، ويقال: مقاربة المعصية من غير مواقعة. قال المبرد: أصل ((اللَّمَمَ)): أن تلمّ بالشيء من غير أن ترتكبه يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب. وقال الزجاج: أصل ((اللَّمَمَ))، والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة، ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، ويقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه. وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللَّمَمِ المذكور في الآية؛ فالجمهور: على أنه صغائر الذنوب. وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة. وقيل: الخطرة من الذنوب. وقيل: كل ذنب لم يذكر الله فيه حدًّا ولا عذابًا. وقيل: غير ذلك والراجح هو: قول الجمهور. (٢٣٧٢) التِّرْ مِذِي (٣٢٨٤) فِي التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ ٥٦٥ (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ)، أي: استشهادًا بأن المؤمن لا يخلوا من اللَّمَم. (إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا) بفتح الجيم وتشديد الميم، أي: كثيرًا. (وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَّا أَلَمَّا) فعلٌ ماض مفرد والألف للإشباع، أي: لم يلم بمعصية، أي: عبد غير معصوم لم يقع منه ذنب، أي: لم يتلطخ بصغيرة يقال: لمَّ، أي: نزل، وألم: إذا فعل ((اللَّمَمَ))، وهو الشيء القليل، والبيت لأمية بن أبي الصلت الذي كان متعبدًا في الجاهلية ومتدينًا ومؤمنًا بالبعث أدرك الإسلام ولم يسلم، وكان ◌َّةٍ يحب شعره لاشتماله على المواعظ والحقائق، وهذا البيت صار حديثًّا لنطقه بَ له بلفظه والمنفي عنه ◌َل في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَكْبَغِى لَهٌُ﴾ [يس: ٦٩] هو إنشاء الشعر لا إنشاده والتمثل به، وهو الصحيح، أي: من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلاً عن الصغائر؛ لأنها لا يخلوا عنها أحد، وإنها مكفرة بالحسنات. وقال الطيبي: أي: من شأنك اللَّهُمَّ أن تغفر غفرانًا كثيرًا للذنوب العظيمة. وأمَّا الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك؛ لأنها لا يخلو عنها أحد، وإنها مكفرة باجتناب الكبائر، و((إن)) ليس للشك بل للتعليل، كما تقول للسلطان: إن كنت سلطانًا فأعط الجزيل. والمعنى: لأجل أنَّك غفار؛ إِغْفِرْ جَمًّا، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير ((سورة النجم))، وذكره الشوكاني في ((فتح القدير)) وزاد في نسبته سعيد بن منصور، والبزار، وابن جرير، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، والحاكم (ج٢: ص٤٦٩)، وابن مردويه، والبيهقي في ((الشعب)). (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)، وقال: لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق، أي: عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ومن هذا الطريق رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٥٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣٧٣ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ، فَاسْأَلُونِي الْهُدَي أَهْدِكُمْ، وَكُلَّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّ مَنْ أَغْنَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلَّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَّكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَا بِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُم، اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبِكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلِ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ، فَغَمَسَ فِيَّهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾)). [ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٣٧٣ - قوله: (كُلُّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ)، أي: كلكم عار من الهداية، ليس له هداية من ذاته بل هي من عناية ربه ولطفه، وهذا لا ينافي حديث كل مولود يولد على الفطرة، بمعنى: أنه يولد خاليًا عن دواعي الضلالة، وفيه: أنَّ العبد محتاج إلى الله تعالى في كل شيء، وأن أحدًا لا يغني أحدًا شيئًا من دونه، فحقه أن يتبتل إليه بشر أشره. (فَاسْأَلُونِ)، وفي بعض النسخ: (فَسَلُونِي))، وهكذا وقع عند أحمد (ج٥: ص١٧٧)، والترمذي، وابن ماجه، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)). (الْهُدَى)، أي: اطلبوا الهداية مني لا من غيري. (٢٣٧٣) التِّرْ مِذِي (٢٤٩٥)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٥٧) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم (٢٥٧٧)، وَقَدْ تَقَدَّمَ. كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ EXX ٥٦٧ (كُلُّكُمْ فُقَرَاءُ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي «مسند الإمام أحمد))، والترمذي، وابن ماجه: ((وَكُلْكُمْ فَقِيرٌ))، وهكذا نقله الجزري. (إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ)، وهو أيضًا لا يستغني عنه لمحة؛ لاحتياجه إلى الإيجاد والإمداد كل لحظة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [محمد: ٣٨]. (فَاسْأَلُونِي)، وفي الترمذي: (فَسَلُونِي))، وهكذا في ((جامع الأصول)) و((المسند)) وابن ماجه. (وَكُلَّكُمْ مُذْنِبٌ)، أي: يتصور منه الذنب. (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ)، أي: من الأنبياء والأولياء، أي: وعصمت وحفظت، وهو يدل على أن العافية هي السلامة من الذنوب، وهي أكمل أفرادها، وإنما قال: عافيت تنبيهًا على أن الذنب مرض ذاتي وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه، أو كلكم مذنب بالفعل، وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة. (غَفَرْتُ لَهُ) أي: جميع ذنوبه. (وَلَا أَبَالِي)، أي: لا أكترث. (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ)، يراد بهِ الإحاطةِ والشمول. (وَحَيَّكُمْ وَمَيَِّكُمْ) ؛ تأكيد لإرادة الاستيعاب، كقوله: (وَرَطْبَكُمْ وَیَابِسَكُمْ)، أي : شبابكم وشیوخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم. وقيل: المراد بهما: البحر والبر، أي: أهلهما، أو أنه لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجر والحيتان، وسائر الحيوان آدميًّا. وقيل: يحتمل أن يراد بهما: الإنس والجن بناء على أن خلق الجن من النار، والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر: ((وَجِنَّكُمْ وَإِنْسَكُمْ)) ، قال الطيبي: هما عبارتان عن الاستعاب التام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِتٍَ شُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان؛ فيكون تأكيدًا للشمول بعد تأكيد، وتقريرًا بعد تقرير، انتهى. (اجْتَمَعُوا عَلَى انْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي)، وهو نبينا ◌َ. (مَا زَادَ ذَلِكَ)، أي: الاجتماع. (جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) بفتح الجيم، أي: قدره. (اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي) وهو إبليس اللعين. (اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ)، أي: أرض واسعة مستوية. (مَا بَلَغَتْ أَمْنِيَّتُهُ) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء، أي: مشتهاه، وجمعها المنى والأماني، يعني: كل حاجة تخطر بباله. (مَا نَقَصَ ذَلِكَ)، أي: الإعطاء، أو قضاء حوائجهم. (فَغَمَسَ) بفتح الميم، أي: أدخل. (إِبْرَةً) بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وهي المخيط. (ذَلِك)، أي: عدم نقص ذلك من ٥٦٨ SCIENCE N مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ ملكي. (بِأَنِّي جَوَادٌ)، أي: كثير الجود. ووقع عند أحمد (ج٥: ص١٧٧)، والترمذي بعد ذلك: ((وَاجِدٌ))، وهو الذي يجد ما يطلبه ويريده، وهو الواجد المطلق لا يفوته شيء، وهذا بيان لسبب ما تقدم؛ وذلك لأنه إذا كان عطاؤه الكلام فلا يتصور في خزائنه النقصان . وقال في ((اللمعات)): قوله: ((ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ)) ؛ إشارة إلى مجموع ما ذكر، أو إلى الأخير، وعلى الأول الجواد بالنسبة إلى الأخير، والماجد إلى ما قبله أو الكل في الكل فافهم. (مَاجِدٌ)، هو بمعنى المجيد، كالعالم بمعنى العليم، من المجد وهو سعة الكرم. (إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ) بالرفع والنصب، أي: من غير تأخير عن أمري، وهذا تفسير لقوله: ((عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ))، قال القاضي: يعني: ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل، بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به، وكن من كان التامة، أي: احدث فيحدث. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٥٤: ١٧٧). (وَالتِّرْ مِذِيُّ) في أواخر الزهد. (وَابْنُ مَاجَهْ) في باب ذكر التوبة، وأخرجه أيضًا البيهقي كلهم من رواية شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر، وأخرج أحمد (ج٥: ص١٦٠)، ومسلم، والحاكم (ج٤: ص٢٤١) نحوه بزيادة ونقص، وتقدم لفظ مسلم في الفصل الأول. ٢٣٧٤ - [٢٩] وَعَنْ أَنَس: عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ: ((قَالَّ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أَتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ ] الشرح ٢٣٧٤ - قوله: (أَنَّهُ قَرَأَ)، أي: قوله تعالى في آخر سورة المدثر: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى)، أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل. (وَأَهْلُ (٢٣٧٤) التِّرْ مِذِي (٣٣٢٨)، وَالنَّسَائِي (٦٥٠) فِي التَّفْسِيرِ، وَابنَ مَاجَهْ (٤٢٩٩) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَنَسٍ . كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتَّوْبَةِ ٥٦٩ الْمَغْفِرَةِ)، أي: هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم قاله الشوكاني، وقال البيضاوي: (﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى﴾) حقيق بأن يتقي عقابه (﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]) حقيق بأن يغفر لعباده سيَّما المتقين منهم. وقال قتادة: أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. (قَالَ)، أي: النبي ◌ََّ. (قَالَ رَبُّكُمْ)، أي: معنى تفسيريًّا. (أَنَا أَهْلٌ أَنْ أَتَّقَى) بإضافة ((أهل)) وصيغة المجهول من ((أَتَّقَى))، أي: يخاف ويحذر، يعني: أنا حقيق وجدير بأن يتقي العباد من جعل شريك بي، ومن المعاصي ويخافوا من عذابي. وزاد أحمد وابن ماجه: (فَلَا يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًا أَخَرَ»، وفي رواية أخرى لابن ماجه: ((أَنَا أَهْلٌ أَنْ أَتَّقَى فَلَا يُشْرِلْ بِي غَيْرِي))، (فَمَنِ اتَّقَانِي)، أي : خافني. وزاد الترمذي: (فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًّا)». (فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ)، أي: لمن اتقاني، ولأحمد، وابن ماجه: ((فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهَا آخَرَ فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَّهُ))، وفي رواية لابن ماجه: ((وَأَنَا أَهْلٌ لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُشْرِكَ بِي أَنْ أَغْفِرَ لَهُ))، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير ((سورة المدثر)). (وَابْنُ مَاجَهْ) في باب ما يرجى من رحمة الله من أبواب الزهد. (وَالدَّارِمِيُّ) (ص٣٦٦) في الرقاق، وذكره الشوكاني في ((فتح القدير)) وزاد في نسبته أحمد، والنسائي، والبزار، وأبا يعلى، وابن جريج، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٢: ص٥٠٨)، والبغوي كلهم من رواية سهيل بن عبد الله القطعي، عن ثابت البناني عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت، انتھی . قلت: الحديث قد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وسهيل المذكور مختلف فيه، وجروح من جرحه مبهمة. قال أحمد فيه: روى أحاديث منكرة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه يتكلمون فيه. وقال مرة: ليس بالقوي عندهم، وكذا ٥٧٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن زهير: سئل ابن معين عن سهيل، فقال: ضعيف. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. ووثقه العجلي، كذا في تهذيب التهذيب. وقال في ((التقریب)): ضعيف. وقد تحصل من هذا كله أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ولحديثه هذا شواهد. فقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس نحوه. ٢٣٧٥ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ أَلِ فِی الْمَجْلِسِ يَقُولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ)) مِائَةً [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] مَرَّةٍ. الشرح ٢٣٧٥ - قوله: (إِنْ) مخففة من المثقلة بقرينة المقام. (كُنَّا لَنَعُدُّ) اللام فارقة ونعد بفتح النون وضم العين وتشديد الدال، أي: لنحصي. (لِرَسُولِ اللهِ وَّه) متعلق بـ(نَعُدُّ). (فِي الْمَجْلِسِ)، أي: الواحد كما في رواية أبي داود، والترمذي، وابن السني، وزاد الترمذي أيضًا: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ))، (يَقُولُ) بالرفع وينصب بتقدير أن، أي: قوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، وكأنه كان يقول ذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] وتمسكًا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْتَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والحديث: يدل على أن استغفاره وهل كان بلفظ الدعاء، وقد رجحوه على قول القائل: أستغفر الله؛ لأنه إن کان غافلًا ولاهيًا في ذلك یکون كذبًا بخلاف الدعاء، فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت، وإن كان مع الغفلة كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله: أستغفر اللَّه خبر، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر. وقد ورد في الصحيح قوله: وَلجه: ((أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ))، نعم يرجحه فيمن سواه ◌ّ كذا في ((الملعات)). (٢٣٧٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَبُو دَاوُد (١٥١٦) فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْ مِذِي (٣٤٣٤) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في الكُبرى (١٠٢٩٢) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وابن مَاجَهْ (٣٨١٤) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ. كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٧١ (وَتُبْ عَلَيَّ)، أي: ارْجع علي بالرحمة، أو وفقني للتوبة، أوِ اقْبَلْ توبتي. (إِنََّ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) صيغتا مبالغة، وهذا لفظ أحمد والترمذي، وفي رواية أبي داود، وابن ماجه، وابن السني: ((الرَّحِيمُ)) بدل ((الْغَفُورُ))، وهكذا وقع عند النسائي في رواية، وابن حبان. (مِائَةَ مَرَّةٍ) مفعول مطلق لـ((نَعُدُّ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص٢١، ٦٧، ٨٤). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَابْنُ مَاجَهْ) في باب الاستغفار، واللفظ لأحمد في (ج٢: ص٢١)، وأخرجه أيضًا النسائي، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢ : ص٧٨)، وابن حبان في ((صحيحه))، وابن السني (ص١٢٠، ١٤٤) وصححه الترمذي، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. ٢٣٧٦ - [٣١] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَّهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: هِلَالُ بْنُ يَسَارِ، الزَّحْفِ)). وَقَالَ التِرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] الشرح ٢٣٧٦ - قوله: (وَعَنْ بِلَالٍ) بالباء الموحدة، كذا عند الترمذي، وهكذا ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢/١/ ١٠٨)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٩٧/١/١)، والحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (٥٠٥/١)، و((التقريب))، والخزرجي في ((الخلاصة))، والجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥: ص ١٤٥)، والمزي في ((الأطراف))، وكذا وقع في بعض نسخ ((سنن أبي داود))، ووقع في أكثرها هلال بن يسار بالهاء. قال المنذري في ((مختصر السنن)): وقع في كتاب أبي داود هلال بن يسار بن زيد بالهاء، ووقع في كتاب الترمذي (٢٣٧٦) أَبُو دَاوُد (١٥١٧) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٧٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْن زيْدِ بْن مَوْلًا، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ زَيْدٍ ... بِهِ. ٥٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وغيره وفي بعض نسخ ((سنن أبي داود)): بلال بن يسار بالباء الموحدة. وقد أشار الناس إلى الخلاف فيه، وذكره البغوي في ((معجم الصحابة)) بالباء. وذكره البخاري في ((تاريخه الكبير)) أيضًا بالباء، انتهى. وقال الجزري: بلال بن يسار كذا عند الترمذي، أي: بالموحدة، وعند أبي داود هلال بن يسار، أي: بالهاء، وقد ظهر من هذا أنه اختلف في أنه بالباء الموحدة أو بالهاء، وقد ذكر هذا الاختلاف ابن الأثير في ((أسد الغابة)) في ترجمة جده زيد بن بولا - مولى رسول اللَّه ◌َله - ثم ذكر هذا الحديث من طريق موسى بن إسماعيل عن حفص بن عمر الشني عن أبيه عمر بن مرة عن بلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما. قال: وقد قال بعضهم: ((هلال)) موضع ((بلال))، والله أعلم. (بْنِ يَسَارِ) بالياء التحتانية وسين مهملة. (بْنِ زَيْدٍ) بن بولا. (مَوْلَى النَّبِيِّ) بيان [((زَيْدٍ)). قال في ((التقريب)»: بلال بن يسار بن زيد القرشي مولاهم بصري مقبول. وقال في ((تهذيب التهذيب)): بلال بن يسار بن زيد القرشي مولى النبي وَّ حديثه في أهل البصرة، روى عن أبيه عن جده في الاستغفار، وعنه عمر بن عمر بن مرة الشني روى أبو داود والترمذي له حديثًا واحدًا واستغربه الترمذي. قلت: وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى. (قَالَ)، أي: بلال. (حَدَّثَنِي أَبِي)، أي: يسار بن زيد أبو بلال. قال في ((التقريب)): مقبول. وقال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)). (عَنْ جَدِّي)، أي: زيد، قال في التقريب: زيد والد يسار مولى النبي وَّ صحابي، له حديث، ذكر أبو موسى المدني أن اسم أبيه ((بولا» بموحدة وكان عبدًا نوبيًّا. وقال في ((الإصابة)): زيد بن بولا بالموحدة مولى رسول اللَّه وَ ل أبو يسار، له حدیث عند أبي داود والترمذي من رواية ولده بلال بن يسار بن زيد، حدثني أبي عن جدي، ذكر أبو موسى المدني إن اسم أبيه بولا بالموحدة، وقال غيره: اسمه زيد، يعني: لم ينسبه غير أبي موسى. وقال ابن شاهين: كان نوبيًّا أصابه النبي وَّ في غزوة بني ثعلبة فأعتقه، انتهى. وقال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): هو في كتاب ابن مندة إلا أنه ينسبه، ولا نسبه كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٧٣ أبو عمر ولا البخاري ولا ابن أبي حاتم وإنما نسبه أبو نعيم وتبعه أبو موسى. وأخرج الحديث بعينه عن بلال بن يسار عن أبيه عن جده زيد، فهو لا شك فيه، انتهى. وقال الجزري في ((تصحيح المصابيح)): ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث وذكره البغوي في معجم الصحابة، وقال: لا أعلم لزيد مولى رسول اللّه وَل غير هذا الحديث، وذكر أن كنيته أبو يسار، وأنه سكن المدينة، (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَسِير)، كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في ((جامع الأصول))، وفي بعض نسخ أبي داود، ووقع في الترمذي وأكثر نسخ أبي داود: أنه سمع النبي وَّ . (مَنْ قَالَ)، أي: مخلصًا من قلبه. (أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُو الْحَيَّ الْقَيُّومَ)، روي بالنصب على الوصف للفظ (الله) وبالرفع لكونهما بدلين، أو بيانين لقوله: (هُوَ)، والأول هو الأكثر والأشهر. وقال الطيبي: يجوز في ((الحي القيوم)) النصب صفة لله، أو مدخًا والرفع بدلًا من الضمير، أو على المدح، أو على خبر مبتدأ محذوف. (وَأَّتُوبُ إِلَيْهِ)، قال القاري: ينبغي أن لا يتلفظ بذلك إلا إذا كان صادقًا، وألا يكون بين يدي الله كاذبًا؛ ولذا روي أن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، انتهى. وذكر النووي في كتاب ((الأذكار)) عن الربيع بن خيثم أنه قال: لا يقل أحدكم: أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقول: اللَّهُمَّ اغفر لي وتب علي. قال النووي: وهذا الذي قاله من قوله: اللَّهُمَّ اغفر لي وتب علي حسن، وأمَّا كراهة أستغفر الله، وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه؛ لأنَّ معنى أستغفر الله: أطلب مغفرِتِه وليس في هذا كذب، ويكفي في رده حديث من قال: ((أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .. )) إلخ. يعني: حديثٍ بلال بن يسار الذي نحن في شرحه، قال الحافظ: هذا في لفظ ((أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ))، وأمَّا ((أَتُوبُ إِلَيْهِ))، فهو الذي عني الربيع تَّتُهُ أنَّه كذب وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال. وفي الاستدلال للرد عليه بالحديث الذي ذكره نظر، لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة، ويحتمل أن يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص ((أستغفر الله)) فيصح كلامه كله، والله أعلم. ثم نقل الحافظ كلام السبكي من ((الحلبیات))، وقد ذكرناه في شرح حديث (٢٣٥٨) فراجعه. ٥٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ)، أي: هرب. (مِنَ الزَّحْفِ) بفتح الزاي وسكون الحاء، أي: من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، يعني: وإن ارتكب الكبيرة، فإن الفرار من الزحف كبيرة أوعد الله تعالى عليه: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اُللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ١٦]. قال الطيبي: الزحف الجيش الكثير الذي يرى؛ لكثرته كأنه يزحف. قال في ((النهاية)): من زحف الصبي إذا دب على أسته قليلاً قليلاً. وقال المظهر: هو اجتماع الجيش في وجه العدو، أي: فر من حرب الكفار حيث لا يجوز الفرار، بأن لا يزيد الكفار على المسلمين مثلي عدد المسلمين ولا نوى التحرف أو التحيز. قال الشوكاني: في الحديث: دليل على أن الاستغفار يمحو الذنوب، سواء كانت كبائر أو صغائر، فإن الفرار من الزحف من الكبائر بلا خلاف. وقال أبو نعيم الأصبهاني: هذا يدل على أن بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح، وضابطه: الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال. ووجه الدلالة منه: إنه مثل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر، فدل على أن ما كان مثله أو دونه يغفر إذا كان مثل الفرار من الزحف، فإنه لا يوجب على مرتكبه حكمًا في نفس ولا مال كذا في ((الفتح)). (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات عن الإمام البخاري عن موسى بن إسماعيل. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه أيضًا البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٤٧/٢/١)، وأبو نعيم، وأبو موسى المديني، وذكره على المتقي في ((الكنز)) (ج١: ص٤٣١) وزاد في نسبته ابن سعد، والبغوي، وابن مندة، والباوردي، والطبراني، وسعيد بن منصور، وابن عساكر. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال المنذري في ((الترغيب)) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وإسناده جيد متصل، فقد ذكر البخاري في ((تاريخه الكبير)) (٢/ ١٠٨/١): أنَّ بلالًا سمع من أبيه (٤٢١/٤/٢) وإن يسار سمع من أبيه زيد مولى رسول اللَّه ◌َ ل، قال: ورواه الحاكم من حديث ابن مسعود، وقال: صحيح على شرطهما إلا أنه قال: يقولها ثلاثًا، انتهى. قلت: ورواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعود. قال الهيثمي (ج١٠ : ص٢١٠): ورجاله وثقوا. ونسبه في الكنز لابن أبي شيبة موقوفًا على ابن مسعود و معاذ. ٢٣٧٧ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ وَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّي لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدَِ لَكَ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ] الشرح ٢٣٧٧ - قوله: (فِي الْجَنَّةِ) متعلق بـ(يَرْفَعُ)، (فَيَقُولُ)، أي: العبد. (أَنَّى لِي)، أي: كيف حصل أو من أين حصل لي؟ (هَذِهِ)، أي: الدرجة. (فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ)، أي: حصل باستغفار. (وَلَدِلَكَ لَكَ)، الولد: يطلق على الذكر والأنثى، المراد به: المؤمن، وهذا أحد منافع النكاح وأعظمها، وأحد الأشياء التي تلحق المؤمن من حسناته وعمله بعد موته، كما جاء في الحديث. قال الطيبي: دلَّ الحديث السابق على أن الاستغفار يحط من الذنوب أعظمها، وهذا يدل على أنه يرفع درجة غير المستغفر إلى ما يبلغها بعمله، فما ظنك بالعامل المستغفر، ولو لم يكن في النكاح فضيلة غير هذا لكفى به فضلًا، والله أعلم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص٥٠٩)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ : ص٢١٠) بهذا اللفظ، ثم قال: رواه أحمد، والطبراني في ((الأوسط)) ورجالهما رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، وقد وثق، انتهى. وفي الباب عن أبي سعيد عند الطبراني في ((الأوسط)): قال الهيثمي: وفيه ضعفاء وقد وثقوا. ٥٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ces ٢٣٧٨ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ، يَنْتَظِرُّ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبِ أَوْ أُمَّ أَوْ أَخ أَوْ صَدِيقٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَّ لَيُدْخِلُ عَّلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الاِسْتِغْفَارُ لَهُمْ)). [رَوَاهُ الْبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] الشرح ٢٣٧٨ - قوله: (مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ)، أي: في حال من أحوال الشدة. (إِلَّا كَالْغَرِيقِ)، أي: المشرف على الغرق. (الْمُتَغَوِّثِ)، أي: المستغيث المستعين المستجير، الرافع صوته بأقصى ما عنده بالنداء لمن يخلصه، المتعلق بكل شيء رجاءً لخلاصه، وفي المثل: الغريق يتعلق بكل حشيش. (تَلْحَقُهُ) أي: من ورائه. (مِنْ أَبٍ)، أي: من جهة أب. (أَوْ أُمِّ أَوْ أَخْ أَوْ صَدِيقٍ)، أي: محب، وهذا تخصيص ببعض من يرجى منه الغوث ويتوقع الدعاء، والاستغفار أكثر ممن سواه، وإلا فالحكم عام كما قال في آخر الحديث، ولم يذكر الولد في هذا الحديث لكونه معلومًا مقررًا مذكورًا في الأحاديث. (فَإِذَا لَحِقَتْهُ)، أي: وصلته الدعوة. قال ابن حجر: بأن دعا له بها، فإنه تصل إليه بمجرد ذلك إجماعًا. (كَانَ)، أي: لحوقها إياه. (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)، أي: من مستلذاتها. وقال ابن حجر: أي: لو عاد إليها. (وَإِنَّ اللهَ لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ) أي: ممن هو حي فوق الأرض و(مِنْ)) تعليلية، أو ابتدائية. (أَمْثَالَ الْجِبَالِ)، أي: من الرحمة والغفران لو تجسمت. (رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ)، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في (فوائده)) وذكره الذهبي في ترجمة محمد بن جابر بن أبي عياش الحمصي، وقال فيه: لا أعرفه وخبره منكر جدًّا، ثم قال: وروى الفضل بن محمد الباهلي وعبد الله بن محمد بن خالد الرازي عنه، قال: حدثنا ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع عن مجاهد عن ابن عباس ؤها قال: (٢٣٧٨) البَيْهَقِي (٧٩٠٥) في ((الشعب)). كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٧٧ قال رسول اللَّه ◌َلَهُ: ((مَا الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبِ أَوْ أم أَوْ صَدِيقٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُدْخِلُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَخْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الاِسْتِغْفَارِ لَهُمْ»، زاد الرازي: ((وَالصَّدَقَة عَنْهُمْ))، انتهى. قال الحافظ في ((اللسان)) (ج٥: ص٩٩) بعد ذكره: أورده البيهقي في ((الشعب))، ونقل عن ابن علي الحافظ أنه غريب من حديث ابن المبارك لم يقع عند أهل خراسان، قال: ولم أكتبه إلا عن هذا الشيخ، يعني: الفضل بن محمد. قال البيهقي: وتابعه محمد بن خزيمة، عن ابن أبي عياش. وابن أبي عياش تفرد به. ٢٣٧٩ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: ((طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا). [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ] الشرح ٢٣٧٩ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ) بضم الموحدة وسكون المهملة. (طُوبَى) فعل من الطيب، وهي اسم الجنة، أو شجرة فيها. وقيل: المراد: راحة وطيب عيش. قال القاري: طوبى، أي: الحالة الطيبة والعيشة الراضية، أو الشجرة المشهورة في الجنة العالية. (لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ)، أي: في الآخرة. (اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا)، أي: لعظم منافعه، قال الطيبي: فإن قيل: لِمَ يقل طوبى لمن استغفر كثيرًا وما فائدة العدول؟ قلت: هو كناية عنه فيدل على حصول ذلك جزمًا وعلى الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن مخلصًا فيه كان هباءً منثورًا، فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة عليه ووبالًا له، انتهى. وقوله: (اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا)، هكذا وقع في النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) و(سنن ابن ماجه)) بنصب (اسْتِغْفَارًا)، وكذا في ((الحصن))، و((الكنز))، و((الجامع الصغير))، و((عدة الحصن))، و(الأذكار)) للنووي، وفي ((الترغيب)) للمنذري برفع استغفار. (٢٣٧٩) النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٢٨٩) في اليوم والليلة، وابن مَاجَهْ (٣٨١٨) في ثواب التسبيح. ٥٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين)): قوله: ((اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا))، هكذا في نسخ هذا الكتاب، أي ((العدة)): بنصب ((استغفارًا)) على أنه مفعول به، وأن الفعل وهو وجد مبني للمعلوم، وفي غير هذا الكتاب برفع ((استغفار)) على أن الفعل مبني للمجهول، وهذا أقوى وأولى؛ لأن المقصود وجود ذلك في الصحيفة لأي واجد كان من ملك أو بشر، لا وجود ذلك لصاحب الصحيفة نفسه، وإن كان لابد أن يجدها يوم الحساب، انتهى. قلت: ولم أجد ((اسْتِغْفَارٌ)) بالرفع إلا في ((الترغيب)) للمنذري. وأمَّا ما عدا ذلك من الكتب التي ذكرناها، ففي كلها بنصب ((استغفارًا)) فهو أولى وأقوى بل هو الصحيح. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، في باب الاستغفار من ((سننه)). قال المنذري: بإسناد صحيح. وقال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ) الأولى أن يقول: ورواه النسائي. (فِي عَمَلٍ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)، قال الطيبي: ترجمة كتاب صنفه في الأعمال اليومية والليلية، انتهى. ورَوَّاه أيضًا البيهقي كما في ((الترغيب)). وروى الطبراني في ((الأوسط)): عن الزبير بن العوام مرفوعًا: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ))، قال الهيثمي: رجاله ثقات، ورواه البيهقي أيضًا. قال المنذري: بإسناد لا بأس به، وعزاه في ((الكنز)) للضياء أيضًا، وفي الباب أيضًا عن عائشة أخرجه أبو نعيم في ((الحلية))، وعن أبي الدرداء موقوفًا، أخرجه أحمد في ((الزهد)) وعن أنس مرفوعًا، أخرجه البزار ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج١٠: ص٢٠٨)، والجزري في ((الحصن)) وعن معاوية بن جندب أخرجه ابن عساكر، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ذكره في ((الكنز)) (ج١ : ص٤٢٤). كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ ٥٧٩ ٢٣٨٠ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا، اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا)). [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ] الشرح ٢٣٨٠ - قوله: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا)، أي: العلم والعمل. (اسْتَبْشَرُوا)، أي: فرحوا بالتوفيق، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِ فَبِذَلِكَ فَلَيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]. (وَإِذَا أَسَاءُوا)، أي: قصروا في أحدهما. (اسْتَغْفَرُوا)، كان ظاهر المقابلة أن يقال: وإذا أساءوا حزنوا فعدل عن الداء إلى الدواء إيماء إلى أن مجرد الحزن لا يكون مفيدًا، وإنما يكون مفيدًا إذا أنجر إلى الاستغفار المزيل للإصرار، كذا في ((المرقاة)). وقال الطيبي: (إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا)، أي: إذا أتوا بعمل خير قرنوه بالإخلاص فيترتب عليه الجزاء، فيستحقوا الجنة، ويستبشروا بها، كما قال: ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] فهو كناية تلويحية، وقوله: (وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا)، عبارة عن أنْ لا يبتليهم بالاستدراج، ويرى أعمالهم حسنة فيهلكوا، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَ زُيِنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]، انتهى. وهذا تعليم للأمة، وإرشاد إلى لزوم الاستغفار، وإلا فهو ◌َّ أرقى وأتقى من كل الأخيار. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، في باب الاستغفار من ((سننه))، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان. قال في ((الزوائد)): وهو: ضعيف. قلت: ضعفه ابن سعد، وأحمد، ويحي والجوزجاني، والنسائي. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بالمتين عندهم. (٢٣٨٠) ابن مَاجَهْ (٣٨٢٠) في الزُّهدِ .