النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٦٠ - [١٥] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الشرح
٢٣٦٠ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٦٧ : ١٧٢). (وَالدَّارِمِيُّ) في
الرقاق (ص٣٧٥) كلاهما من طریق شهر بن حوشب عن معدي گرِب عن أبي ذر
عن النبي ◌َّ يرويه عن ربه، فذكرا معنى حديث أنس، ورواه أحمد (ج٥ :
ص١٥٤) أيضًا مختصرًا من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر، وفي
الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني في معاجيمه الثلاثة. قال الهيثمي: وفيه
إبراهيم بن إسحاق الصيني وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله
رجال الصحيح، انتهى. وعن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في ((الكبير)).
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا)، أي: حديث أنس. (حَسَنٌ غَرِيبٌ)، قد تقدم أنَّ ابن
رجب قال: إسناده لا بأس به، وأنه تابع كثير بن فائد على رفعه أبو سعيد مولى بني
هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا.
٢٣٦١ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَّى مَغْفِّرَةِ الذَّنُوبِ، غَفَرْتُ لَّهُ وَلا أُبَالِي مَا لَمْ
يُشْرِكْ بِي شَيْئًا)».
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الشرح
٢٣٦١ - قوله: (مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ)، أي: أذعن وتحلى قلبه بأني ذو قدرة.
(عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَّهُ)، قال الطيبي: دلَّ هذا الحديث على أن اعتراف
العبد بذلك سبب للغفران، وهو نظير قوله: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي))، انتهى.
(٢٣٦٠) قُلْتُ: هُو حَدِيثٌ حَسَن كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ.
(٢٣٦١) الْبَغَوِيُّ (٤١٩١) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ»؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
*eE eNa
٥٤١
وظاهر كلامه هذا: أنه يغفر له وإن لم يستغفر. وقيل: معنى الحديث: من علم
أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب، أي: واستغفرني غفرت له. قلت: وإلى الأول
مال الشوكاني، كما يدل عليه كلامه في ((تحفة الذاكرين)) عند شرح حديث أنس
السابق، حيث قال: بل ورد ما يدل على أنَّ العبد إذا أذنب، فعلم أن الله تعالى إنْ
شاء أنْ يعذبه عَذَّبَهُ، وإنْ شاء أنْ يغفر له غفر له، كان ذلك بمجرده موجبًا للمغفرة
من اللَّه ◌َالَ تفضلاً منه ورحمة، كما في حديث أنس عند الطبراني في ((الأوسط))
قال: قال رسول اللَّهِوَله: ((مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ اللهَ رَكَ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ
لَهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ»، وفي إسناده جابر بن مرزوق الجدي وهو ضعيف،
قال: ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الرباني والتطول الرحماني، فهو الذي يغفر
ولا يبالي. (وَلَا أَبَالِي)، قال العلقمي: أي: بذنوبك؛ لأنه تَ لا حَجْرَ عليه فيما
يفعل، ولا معقب لحكمه، ولا مانع لعطائه .
(مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا)؛ لأنَّ الشرك لا يغفر إلا بالإيمان والتوبة. (رَوَاهُ)، أي:
البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ)، أي: بإسناده، ونسبه في ((الجامع الصغير)) للطبراني في
((الكبير)) والحاكمَ. قلت: أخرجه الحاكم (ج٤: ص ٢٦٢) من طريق حفص بن
عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ... فذكره. وقال:
حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال العدنيَّ: وَاٍ.
٢٣٦٢ - [١٧] وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: (مَنْ لَزِمَ الإِسْتِغْفَارَ
جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًّا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ]
يَحْتَسِبُ)).
الشرح
٢٣٦٢ - قوله: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ)، أي: عند صدور معصية أو داوم عليه،
فإنه في كل نفس يحتاج إليه؛ ولذا قال رَ له: ((طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا
كَثِيرًا))، وسيأتي في الفصل الثالث، واللفظ المذكور لأبي داود، وابن ماجه، وابن
(٢٣٦٢) أَبُو دَاوُد (١٥١٨)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٢٩٠) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابن مَاجَهْ (٣٨١٩)
فِي التَّسْبِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حبان، ورواه أحمد، والنسائي، وابن السني، والحاكم بلفظ: ((مَنْ أَكْثَرَ مِنَ
الاِسْتِغْفَارِ))، وهذا يؤيد المعنى الثاني. (مِنْ كُلِّ ضِيقٍ) بكسر الضاد ويفتح، أي:
شدة ومحنة، وقيل: أي أمر شديد عسير يضيق به القلب. (مَخْرَجًا) مصدر، أو
ظرف، أي: طريقًا يخرجه إلى سعة ومنحة، بسبب كثرة الاستغفار ولزومه.
والجار متعلق به وقدم عليه للاهتمام، وكذا: (وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ)، أي: غم وحزن
وقلق. (فَرَجًا) بفتحتين وهو بالجيم، أي: خلاصًا من فرج الله الغم عنه، فرجه:
كشفه وأذهبه، والفرجة مثلثة: التفصي والخلوص من الشدة والهم؛ والاسم
الفرج محركة. (وَرَزَقَهُ)، أي: حلالًا طيبًا، (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، أي: من وجه
لا يظن، ولا يرجو، ولا يخطر بباله. قال الجزري: أي: من حيث لا يعلم ولا كان
في حسابه، انتهى. وفي الحديث: إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
◌ُخْرَجًا ﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَتَوَكَلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٢، ٣] ولما كان
لا يخلو المتقي وغيره من التقصير كما ورد: «كُلَّ بَنِي آدَمَ، خَطَّاؤُونَ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
التَّوَّابُونَ))، أشار ◌َلّه إليه في تعبيره بملازمة الاستغفار إيماء إلى أن العاصي إذا
استغفر صار متقيًا، وهذا جزاء المتقي لا محالة.
قال الطيبي: من داوم الاستغفار وأقام بحقه كان متقيًا وناظرًا إلى قوله تعالى:
﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا ﴿ وَيُعْدِدَكُمُ
يِأَقْوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا 13﴾ [نوح ١٠: ١٢]، ففيه دليل على أن
بالاستغفار يحصل كل شيء، ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبي: أنَّ رجلا أتى الحسن
البصري - رح - فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر،
فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ابنًا،
فقال: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر الله،
فقيل له: أتاك رجال يشكون أبوابًا ويسألون أنواعًا فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟!
فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيء إنما اعتبرت فيه قول الله رحمك حكاية عن
نبيه نوح ظلِّ إنه قال لقومه: ﴿أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُتْ ... ) الآية.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ : ص ٢٤٨) .. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَابْنُ مَاجَهْ) في
فضل الذكر، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن السنى (ص١١٨، ١١٩)، وابن حبان،
والحاكم (ج ١: ص٢٦٢)، والبيهقي كلهم من رواية الحكم بن مصعب عن محمد

٥٤٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
* *
بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتّوْبَةِ
ابن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ونقل المنذري في (الترغيب)) قول
الحاكم وأقره. وقال في ((تهذيب السنن)): في إسناده الحكم بن مصعب ولا يحتج
به. وقال في رجال ((الترغيب)): الحكم بن مصعب صويلح الحدیث لم يرو عنه غیر
الوليد بن مسلم في ما علم، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وفي الضعفاء أيضًا.
وقال: يخطئ، انتهى. وقال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)): قلت: الحكم فيه
جهالة، انتھی.
وقال الحافظ في ((التقريب)): الحكم بن مصعب المخزمي مجهول، ووافق
الشيخ أحمد شاكر الحاكم، حيث قال في ((شرح المسند)) (ج٤: ص ٥٥): إسناده
صحيح؛ الحكم بن مصعب. قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في
الثقات، وقال: يخطئ وذكره أيضًا في الضعفاء. وقال: لا يجوز الاحتجاج به ولا
الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. قال الحافظ في ((التهذيب)): وهو تناقض
صعب، والذي أراه أنه إن جهله أبو حاتم فقد عرفه غيره، وإن تناقض فيه ابن حبان
فلا يؤخذ بكلامه؛ فإن البخاري عرفه وترجمه في ((الكبير)) (٣٣٦/٢/١). قال:
الحكم بن مصعب القرشي سمع محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، سمع منه
الوليد بن مسلم فلم يذكر فيه جرحًا فهو ثقة عنده خصوصًا، وإنه لم يذكره هو ولا
النسائي في الضعفاء، وأمَّا قول المنذري في ((مختصر السنن)) في حق الحكم: أنه لا
يحتج به، فهو غلو منه شدید، انتهى.
قلت: الحكم هذا ليس له عندهم إلا فرد حديث، وهو حديث لزوم الاستغفار
ولم يرو عنه إلا الوليد بن مسلم، ورجل آخر على ما قاله ابن حبان، ولم يصرح
أحد بتوثيقه، وليس هو من الرواة المعروفين المشهورين بالعدالة حتى يستغنى عن
التوثيق والتعديل، ففي کون إسناد هذا الحديث صحيحًا نظر عندي، نعم، هو لیس
ممن لا يقبل حديث في فضائل الأعمال والأذكار بناء على قول المنذري: إنه
صويلح الحديث. وذكر البخاري له تأريخه من غير جرح، والله أعلم.

٥٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٦٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا
أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِى الْيَوْمَ سَبْعِينَ مَرَّةً)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشرح
٢٣٦٣ - قوله: (مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ) كلمة ((مَا)) نافية، يعني: من عمل معصية
ثم ندم على ذلك واستغفر منه خرج عن كونه مصرًّا على المعصية؛ لأن المصر هو
الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب. قال في ((النهاية)): أصَرَّ على الشر لزمه
وداومه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، أي: من أتبع ذنبه بالاستغفار فليس
بِمُصِرٍّ علیه، وإن تكرر منه.
(وَإِنْ عَادَ)، أي: ولو رجع إلى ذلك الذنب أو غيره، وهذا لفظ أبي داود، وابن
السني، وللترمذي: ((وَلَوْ فَعَلَهُ))، (فِي الْيَوْمِ) أو الليلة. (سَبْعِينَ مَرَّةً)، الظاهر: أن
المراد به: التكثير والتكرير والمبالغة لا التحديد، وليس المراد بالاستغفار: التلفظ
بقوله: أستغفر الله، بل المراد: الندامة على فعل المعصية والعزم على عدم
العود. قال المناوي في شرح هذا الحديث: أي: ما أقام على الذنب من تاب توبة
صحيحة، وإن عاد في اليوم سبعين مرة، فإن رحمة الله لا نهاية لها، فذنوب العالم
كلها متلاشية عند عفوه، وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأُسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (9) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الآية [آل عمران:
١٣٥، ١٣٦]، قال الشوكاني: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾، أي: لم يقيموا على قبيح فعلهم،
والمراد بالإصرار هنا: العزم على معاودة الذنب، وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه.
وقال ابن القيم: الإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به، فهذا الذي
يمنع مغفرته. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أحاديث شتى من أبواب الدعوات.
(٢٣٦٣) أَبُو دَاوُد (١٥١٤) فِي الصَّلاَةِ؛ وَبِمَعْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٥٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي
بَكرِ الصِّدِّيقِ رَّتَهُ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٤٥
(وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة، وأخرجه أيضًا ابن السني (ص١١٨) كلهم من
رواية أبي نصيرة عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، وذكره الشوكاني في ((فتح
القدير)) (ج١: ص ٣٥٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم،
وأبي يعلى والبيهقي في ((الشعب)) وسكت عليه أبو داود. وقال الترمذي: حديث
غريب وليس إسناده بالقوي، أي: لجهالة مولى أبي بكر، قال في ((المبهمات من
التقريب)): أبو نصيرة عن مولى لأبي بكر يقال: هو أبو رجاء وقال في الكنى منه:
أبو رجاء مولى أبي بكر الصديق مجهول.
٢٣٦٤ - [١٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: «كُلُّ بَنِي آدَمَ
خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] (حسن}
الشرح
٢٣٦٤ - قوله: (كُلَّ بَنِي آدَمَ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من
((المشكاة))، وهكذا في ((المصابيح)) و((جامع الأصول)) (ج٣: ص ٧٠) و((الكنز))،
و((الجامع الصغير))، وهكذا وقع عند ابن ماجه، والدارميٍ، والحاكم، والذي في
الترمذي: ((كُلَّ ابْنِ آدَمَ))، وهكذا وقع في ((الترغيب)). (خَطّاءٌ) بتشديد الطاء والمد
والتنوين، أي: كثير الخطأ. قال السندي: والمراد بالخطأ: المعصية عمدًا ومطلقًا
بناء على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد.
قال القاري: أفرد نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية: ((خَطَّاؤُونَ))، نظرًا إلى معنى
الكل. قيل: أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد. وأمَّا الأنبياء صلوات اللَّه
عليهم، فإما مخصوصون عن ذلك، وإمّا أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى، فإن
ما صدر عنهم من باب ترك الأولى، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة
على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان، انتهى. وقيل: «كُلُّ
بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ))، أي: غالبهم كثير الخطأ.
(٢٣٦٤) التِّرْ مِذِي (٢٤٩٩)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٥) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَنَسٍ .

٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، أي: الرجاعون إلى اللَّه بالتوبة من المعصية إلى
الطاعة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: دون المصرين، فإن
الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة فكيف على الكبيرة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر الزهد، (وَابْنُ مَاجَهْ) في ذكر التوبة من أبواب الزهد.
(وَالدَّارِمِيُّ) في الرقاق، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٤: ص٢٤٤) كلهم من رواية
علي بن مسعدة الباهلي عن قتادة عن أنس. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه
إلا من حديث علي ابن مسعدة عن قتادة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه
الذهبي فقال: علي لين. قلت: علي ابن مسعدة قال المنذري: لين الحديث.
وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن
حبان: لا يحتج بما انفرد به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: لا بأس
به. وقال ابن معين: صالح. وقال الحافظ: صدوق له أوهام، فالظاهر: إن
الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم. وزاد نسبة الحديث في ((الجامع
الصغير)) و((الكنز)) لأحمد.
٢٣٦٥ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ،
وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلَا بَلِّ رَانَ
عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]
الشرح
٢٣٦٥ - قوله: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ)، أي: ذنبًا، كما في رواية الحاكم.
(كَانَتْ)، أي: الذنب بتأويل السيئة. (نُكْتَةً) بالنصب على الخبر، وروي بالرفع
على أن كان تامة، فيقدر منه، أي: حدثت من الذنب نكتة. (سَوْدَاءَ) والنكتة:
(٢٣٦٥) التِّرْ مِذِي (٣٣٣٤)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١١٦٥٨) فِي التَّفْسِيرِ، وَابن مَاجَهْ (٤٢٤٤) فِي
الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٤٧
النقطة السوداء في الأبيض، أو البيضاء في الأسود والأثر الحاصل من نكت
الأرض وشبع الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما.
(فِي قَلْبِهِ)، أي: حصلت في قلبه أثر قليل كالنقطة تشبه الوسخ في صقيل
كالمرآة والسيف ونحوهما. وقال القاري: أي: كقطرة مداد تقطر في القرطاس،
ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من
باب التمثيل والتشبيه، حيث قيل: شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض
والمعصية بشيء في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض، فبالضرورة أنه يذهب ذلك
الجمال منه. وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في
ذلك البياض، انتهى. واللفظ المذكور لأحمد، وابن ماجه، والحاكم، ولفظ
الترمذي: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ - بصيغة المجهول من النكت وهو في
الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، أي: جعلت - فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ
سَوْدَاءُ)) .
(فَإِنْ تَابَ)، أي: من الذنب. (وَاسْتَغْفَرَ)، أي: وسأل الله المغفرة، ووقع في
((المسند))، وابن ماجه، و((المستدرك)) (ج٢: ص ٥١٧) لفظ: ((نزع)) بعد (تاب)).
وقيل: استغفر، أي: أقلع عن ذلك وتركه. ولفظ الترمذي: فإذا هو نزع واستغفر
وتاب، والظاهر: أنه وقع سقوط لفظ نزع في ((المشكاة)) تبعًا ((للمصابيح))، والله
أعلم.
(صُقِلَ قَلْبُهُ) بالصاد المهملة على بناء المفعول من صقله جَلَّهُ من باب نصر،
أي: محا اللَّه تلك النكتة عن قلبه فينجلي، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل
وضميره راجع إلى التائب وفي رواية الترمذي والحاكم ((سقل)) بالسين، قال في
((القاموس)): السقل، الصقل، وقال فيه: صقله: جلاه، انتهى. والمعنى: نظف
وصفى مرآة قلبه؛ لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيًّا أو
تمثيليًّا. (وَإِنْ زَادَ)، أي: في الذنب بعينه أو بغيره من الذنوب. (زَادَتْ)، أي:
النكتة السوداء أو يظهر لكل ذنب نكتة. (حَتَّى تَعْلُوَ)، أي: تغلب النكت، وفي
((المسند)): يعلو بالمثناة التحتية، أي: يغلب سواد تلك النكتة، على.

٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَلْبَهُ) أي : تُغَطِیه وتغمره وتستر سائره، ويصير كله ظلمة فلا يعي خيرًا ولا يبصر
رشدًا، ولا يثبت فيه صلاح. وفي رواية الترمذي: ((وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ
قَلْبَهُ))، يعني: وإن عاد إلى ما اقترفه أو عاد في الذنب والخطيئة زيد في النكتة
السوداء نكتة أخرى، وهكذا حتى تطفئ تلك النكت نور قلبه فتغمي بصيرته.
(فَذَلِكُمُ)، قيل: الخطاب للصحابة، أي: فذلكم الأثر المستقبح المستعلى هو.
(الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ)، أي: في كتابه وأدخل اللام على ((ران)) وهو فعل، إمَّا لقصد
حكاية اللفظ وإجرائه مجرى الاسم، وإمَّا لتنزيله منزلة المصدر، وقوله: ((فَذَلِكُمُ
الرَّانُ»، هكذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وكذا وقع في ((المصابيح))، والذي في
((المسند)): (ذَلِكَ الرَّينُ)) وفي الترمذي: ((وَهُوَ الرَّانُ»، وفي ابن ماجه، والحاكم:
((فَذَلِكَ الرَّانُ))، وهكذا نقله المنذري في ((الترغيب))، والرين والران سواء كالذيم
والذام والعيب والعاب، وأصل الرين الطبع والتغطية والدنس، وهو أيضًا الصدأ
الذي يعلو السيف والمرآة.
قال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك فقد رَانَ بك ورَانَك ورَانَ عليك؛ ﴿كَلَا بَلٌّ رَانَ
عَلَى قُلُوبِهِم﴾، أي: غلب واستولى عليها ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] أي: ما
اكتسبوه من الذنوب. قال الحافظ ابن كثير: أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما
قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على
رسوله وَّلـ وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس
قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار
والغین للمقربين، انتهى.
قال شيخنا: أصل الران والرين الغشاوة وهو كالصدى على الشيء الثقيل. قال
الطيبي: الران والرين سواء كالعاب والعيب، والآية في الكفار إلا أن المؤمن
بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب ويزاد ذلك بازدياد الذنب. قال ابن
الملك: هذه الآية مذكورة في حق الكفار؛ لكن ذكرها ◌َ لّ تخويفًا للمؤمنين؛ كي
يحترزوا عن كثرة الذنب؛ كي لا تسود قلوبهم كما اسودت قلوب الكفار؛ ولذا
قيل: المعاصي بريد الكفر كذا في ((المرقاة)).

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٤٩
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص٢٩٧). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة المطففين. (وَابْنُ
مَاجَهْ) في ذكر الذنوب من أبواب الزهد، وذكره الشوكاني في ((فتح القدیر)) (ج٥ :
ص٣٩٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير (ج٢: ص٦٢)، وابن
المنذر، وابن حاتم، والحاكم (ج١ : ص٥)، و(ج٢: ص٥١٧)، وابن مردويه،
والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وذكره المنذري في ((الترغيب)) في موضعين، ونسبه
لابن حبان أيضًا. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)، وقال الحاكم (ج٢ :
ص٥١٧): صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
٢٣٦٦ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه ◌ِ: ((إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ
تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٣٦٦ - قوله: (إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ) قال القاري: ظاهره الإطلاق، وقيده
بعض الحنفية بالكافر، انتهى. قال شيخنا: والظاهر المعول عليه هو الأول. (مَا لَمْ
يُغَرْغِرْ) بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة من
الغرغرة، أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فتكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به
المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلغ،
ويقال لذلك الشيء الذي يتغرغر به: الغرور، مثل قولهم: لعوق ولدود وسعوط،
والمقصود: ما لم يعاين أحوال الآخرة.
قال القاري: يعني: ما لم يتيقن بالموت، فإن التوبة بعد التيقين بالموت لم يعتد
بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اٌلْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨]، قيل:
وأمَّا تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت، فحكم أغلبي؛ لأن كثيرًا من
الناس لا يراه وكثيرًا يراه قبل الغرغرة، انتهى.
(٢٣٦٦) التِّرْمِذِي (٣٥٣٨) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (٤٢٥٣) فِي التَّوْبَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .

EROK:
٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وقال التوربشتي: الغرغرة: تردد الماء وغيره في الحَلْقِ، والغرغرة: صوت معه
بحح ويقال: الراعي يغرغر بصوته، أي: يردده في حلقه ويتغرغر صوته في حلقه،
أي: يتردد، ومعناه في الحديث: تردد النفس في الحلق عند نزع الروح، وذلك في
أول ما يأخذ في سياق الموت. ويكون معنى قوله: ((مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)) ما لم يحضره
الموت. فإنه إذا حضره الموت يغرغر بتردد النفس في الحلق، فإذا تحقق
بالموت، وانقطاع المدة، أي: مدة الحياة فتوبته غير معتد بها، قال: وإنا إن
أنكرنا صحة التوبة ممن حضره الموت فأيقن بالهلاك وتحقق بفوات إمكان
المراجعة، فإنا لا نقول - والحمد لله - بسد باب الرحمة عنه وتحريم المغفرة
عليه، بل نخاف منه ونرجو له العفو من اللَّه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٍ﴾ [النساء: ٤٨]، انتهى ملخصًا.
والحاصل: إن التوبة عند المعاينة لا تنفع؛ لأنها توبة ضرورة لا اختيار؛ قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَةَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ
يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمٌ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اُلْثَنَ﴾ الآية [النساء: ١٧، ١٨]،
والتوبة من قريب عند جمهور المفسرين هي التوبة قبل المعاينة، أي: قبل وقت
حضور الموت. قال عكرمة: قبل الموت. وقال الضحاك: قبل معاينة ملك
الموت، فهذا شأن التائب من قريب. وأمَّا إذا وقع في السياق، فقال: إني تبت
الآن لم تقبل توبته؛ وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار، فهي كالتوبة بعد طلوع
الشمس من مغربها ويوم القيامة، وعند معاينة بأس الله.
وقيل: معنى التوبة من قريب: أنهم يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير
إصرار. قال في ((الإحياء)): معناه: عن قرب العهد بالخطيئة، بأن يندم عليها،
ويمحو أثرها بحسنة تدفعها قبل أن يتراكم الذنب على القلب، فلا يقبل المحو؛
ولذلك قال وَله: ((أَتْبع السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا)).
قال في هامش ((مدارج السالكين)): اغتر الناس بظواهر أقوال المفسرين؛
عكرمة، والضحاك وغيرهما في تفسير الآية، وحديث ابن عمر وأمثاله، فصاروا
يسرفون في التوبة، ويصرون على المعاصي، فترسخ في قلوبهم وتأنس بها أنفسهم

٥٥١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
a **
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
وتصير ملكات وعادات يتعذر عليهم، أو يتعسر على غير الموفق النادر الإقلاع عنها
حتى يجيئهم الأجل الموعود، وليس معنى الآية أنَّ التوبة المقبولة المرضية التي
أوجب الله على نفسه قبولها هي ما كانت عن معاصي يصر المرء عليها إلى ما قبل
غرغرة الموت ولو بساعات ودقائق، بل المراد القرب من وقت الذنب المانع من
الإصرار كما في الآية الأخرى. ولعلَّ مراد عكرمة والضحاك وأمثالهما موافقة
معنى الحديث من أنَّ اللّه يقبل توبة العاصي ما لم يغرغر، أي: إنه إن فرض أنه
تاب في أي وقت من الأوقات قبل الغرغرة والمعاينة تقبل توبته، ولا يكون ذلك
منافيًا للآية، فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب،
ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد، فإن تاب فقلما يتمكن
من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليتصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
• [طه: ٨٢] وجملة القول: أنَّ المراد: أن الإصرار
٨٢
تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِّحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
والتسويف خطر، وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار إذ الغالب أن المرء
يموت على ما عاش فليحذر المغرورون.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَابْنُ مَاجَهْ) في ذكر التوبة من أبواب الزهد،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٣٢: ١٥٣)، والحاكم (ج٤ ص ٢٥٧)، وأبو نعيم
في الحلية (ج٥: ص١٩)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور
(ج٢: ص١٣١)، وعلي المتقي في الكنز (ج٤: ص٢١) وزاد نسبته لابن حبان،
والبيهقي في الشعب، والحديث حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي.
واعلم: أنه اختلفت النسخ من سنن ابن ماجه في تسمية الصحابي الذي روى
هذا الحديث، ففي بعضها عبد الله بن عمر كما وقع في المسند والترمذي،
والحاكم، و((الحلية))، وابن حبان، والبيهقي، وهذا هو الصحيح. ووقع في
بعضها عبد الله بن عمرو - أي: بالواو - وهي النسخة التي كانت عند البوصيري،
فظنه لذلك حديثًا آخر غير هذا الحديث الذي عن ابن عمر بن الخطاب، فاعتبره من
الزوائد، كما يدل عليه كلامه الذي نقله عنه السندي، وهذا خطأ من غير شك،
وفي الباب عن أبي ذر عند أحمد (ج٥: ص١٧٤) والبزار، وعن رجل عند أحمد
والبغوي كما في ((الكنز)).

٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٦٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَِّكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادََ، مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي
أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ رَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ
لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشرح
٢٣٦٧ - قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ)، أي: وقوتك وقدرتك،
يعني: أقسم بعزتك التي لا ترام، وفي رواية أخري لأحمد: ((إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ:
بِعِزَِّكَ وَجَلَالِكَ))، قال القاري: وفيه إيماء إلى أنه رئيس الضُّلَّالِ، ومظهر الجلال
كما أن نبينا وَّر مظهر العناية والجمال، وسيد أهل الهداية والكمال.
(لَا أَبْرَحُ) بفتح الهمزة، أي: لا أزال. (أُغْوِي) بضم الهمزة وكسر الواو، أي:
أضل. (عِبَادَكَ)، وفي رواية لأحمد: ((بَنِي آدَمَ))، أي: لا أزال أضل بني آدم، إلا
المخلصين منهم ويحتمل العموم ظنًّا منه إفادة ذلك. (مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي
أَجْسَادِهِمْ)، أي: مدة حياتهم. (فَقَالَ الرَّبُّ رَكَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي)، قال القاري:
ولعل ذكرهما للمشاكلة وإلا فمقتضى المقابلة أن يقول: ورحمتي وجمالي.
(وَارْتِفَاعِ مَكَانِي)، لم أجد هذا اللفظ عند أحمد في مسند أبي سعيد ولا ذكره
الجزري في ((الحصن))، والمنذري في ((الترغيب)) وعلي المتقي في ((الكنز))، نعم،
هو في ((شرح السنة)) للبغوي وهي زيادة منكرة. (لَا أَزَالُ)، وفي رواية أحمد: ((لَا
أَبْرَحُ))، وفي أخري له أيضًا: ((لَا أَزَالُ)) في كلا الموضعين ولعل ذلك من تصرف
الرواة.
(أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي)، أي: مدة طلبهم المغفرة في حالة الاختيار. وفي
الحديث: دليل على أن الاستغفار يدفع ما وقع من الذنوب بإغواء الشيطان
وتزيينه، وأنها لا تزال المغفرة كائنة ما داموا يستغفرون. قال الطيبي: فإن قلت:
(٢٣٦٧) أَحْمَد (٣/ ٢٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
sesr
٥٥٣
كيف المطابقة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ (٨٤َ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنََّ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٦)
· [ص: ٨٢ - ٨٥]، فإن الآيات دلت على أن المخلصين هم الناجون
٣٨٥
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
فحسب، والحديث دال على أن غير المخلصين هم أيضًا ناجون، قلت: قيد قوله
تعالى: ﴿وَمِمَن تَبِعَكَ﴾ إخراج العاصين المستغفرين منهم؛ لأن المعنى: ممَنٍ
اتَّبَعَكَ واستمر على المتابعة، ولم يرجع إلى اللّه ولم يستغفر، انتهى. وقيل:
الأظهر في دفع هذا الإشكال، أنَّ المراد بالمخلصين: الموحدون الذين أخلصهم
اللَّه من الشرك.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، أي: بهذا اللفظ دون قوله: ((وَارْتِفَاع مَكَانِي)) (ج٣: ص٢٩)،
وإنما رواه بهذه الزيادة البغوي صاحب ((المصابيح)) في ((شرح السنة)) (١/ ٢/١٤٦)
وأخرجا الحديث من طريق ابن لهيعة، عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد،
والكلام في ابن لهيعة معروف، وفي حديث دراج عن أبي الهيثم ضعف. وأخرجه
أحمد أيضًا بنحوه بدون هذه الزيادة من هذا الطريق (ج٣: ص٧٦)، وأخرجه في
(ج ٣: ص٢٩، ٤١) من طريق آخر، أي: من طريق الليث عن يزيد بن الهاد عن
عمرو عن أبي سعيد، وليس فيه أيضًا هذه الزيادة، ومن هذا الموضع ذكره الهيثمي
في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠: ص٢٠٧)، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه،
وقال: ((لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ)) والطبراني في ((الأوسط)) وأحد إسنادي أحمد رجاله
رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلي، انتهى. وأراد بهذا الطريق
الثاني، وأمَّا الطريق الأول ففيه ابن لهيعة ودراج كما ذكرنا. وأخرجه الحاكم
(ج٤: ص٢٦١) من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم بدون الزيادة
المذكورة، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ولا يخفى ما فيه؛ قال الحافظ
في ترجمة دراج: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، وقال الشوكاني بعد نقل
تصحيح الحاكم: وفيه نظر فإن في إسناده دراجًا .

٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٣٦٨ - [٢٣] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رَوَفْلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : (((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا
يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ رَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
رَيِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًاَ إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾)).
الشرح
٢٣٦٨ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا)، أي: حِسِّيًّا. وقيل:
معنويًّا. (عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا)، أي: فكيف طوله، قيل: ذكر السبعين للتكثير
والمبالغة لا للتحديد. قال في ((اللمعات)): قيل: المراد به: المبالغة في انفتاح باب
التوبة، وكون الناس في فسحة واسعة منها. وهذا تأويل، وصريح الإيمان أن
يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند الله. (لِلتَّوْبَةِ)، أي: مفتوحًا لأصحاب
التوبة، أو علامة لصحة التوبة وقبولها. (لَا يُغْلَقُ) بصيغة المجهول. (مَا لَمْ تَطْلُعِ
الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ)، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جانب المغرب. قال ابن
الملك: وهذا يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الظاهر، وفائدة إغلاقه: إعلام
الملائكة بسد باب التوبة، وأن يكون تمثيلًا. قال الطيبي: يعني: إن باب التوبة
مفتوح على الناس وهم في فسحة وسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا
طلعت سد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة؛ لأنهم إذا عاينوا ذلك واضطروا
إلى الإيمان والتوبة فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر، ولما كان سد الباب من
قبل المغرب جعل فتح الباب من قبله أيضًا. وقال التوربشتي: المراد منه - والله
أعلم - إن أمر قبول التوبة هَيِّنٌ، والناس عنه في فسحة وسعة ما لم تطلع الشمس
من مغربها، فإن بابًا ينتهي عرضه إلى مسيرة سبعين عامًا لا يكاد يتضايق عن الناس
إلا أن يغلق، وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها .
(وَذَلِكَ)، أي: طلوع الشمس من مغربها المانع من قبول التوبة. (قَوْلُ اللهِ
رََّ)، أي: معنى قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ أي: بعض علاماته الدالة على
(٢٣٦٨) التِّرْ مِذِي (٣٥٣٥) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ.

٥٥٥
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الساعة، أو بعض علامات يظهرها ربك إذا قربت القيامة وهو طلوع الشمس من
مغربها (﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَمَنُهَا﴾)، أي: حينئذ حال كونها (﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾)،
أي: من قبل إتيان بعض آياته وهو الطلوع المذكور، وتتمة الآية: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىّ
إِيمَنِهَا خَيْراً﴾ عطفًا على ((آمنت))، أي: أو لم تكن النفس كسبت في حال إيمانها توبة
من قبل، وبهذا التقرير تظهر المناسبة التامة بين الحديث والآية، ويكون معاينة
طلوع الشمس نظير معاينة حضور الموت في عدم نفع الإيمان والتوبة عند حصول
كل منهما، قاله القاري .
وقال الطيبي: الوجه أن يحمل على اللف التقديري، بأن يقال: لا ينفع نفسًا
إيمانها حينئذٍ أو كسبها في إيمانها خيرًا حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في
إيمانها خيرًا من قَبْلُ، والإيجاز من حلية التنزيل، انتهى. (رَواهُ التِّرْمِذِيُّ) في
الدعوات، وصححه. (وَابْنُ مَاجَهْ) في الفتن، واللفظ للترمذي رواه في حديث.
وفيه: قال زر - يعني: ابن حبيش: فما برح - يعني: صفوان - يحدثني حتى
حدثني إن الله تعالى جعل بالمغرب بابًا ... إلخ.
قال المنذري: وليس في هذه الرواية تصريح برفعه كما صرح البيهقي وإسناده
صحيح، انتهى، ولفظ ابن ماجه: عن زر عن صفوان، قال: قال رسول اللَّه ◌َله :
((إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ
مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا
إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا))، والحديث أخرجه أيضًا
أحمد (ج ٤: ص٢٤٠، ٢٤١)، والبخاري في ((تاريخه)) (٣٠٦/٢/٢)، والطبراني
في ((الكبير))، وعبد الرزاق، وابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي وغيرهم بألفاظ.

*
٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٦٩ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((لَا تَنْقَطِعُ
الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٣٦٩ - قوله: (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ)، فيه دليل على أن
الهجرة لم تنقطع، وحديث ابن عباس عند الشيخين: قال رسول اللّه وَله يوم فتح
مكة: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَةَ))، أي: انقطعت بعد فتحها، وقد اختلفت في الجمع
بينهما؛ فقال في ((اللمعات)): المراد بالهجرة ها هنا: مهاجرة الذنوب والآثام
والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله:
(حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ)، أي: ينتهي حكم الله تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند
طلوع الشمس من مغربها، انتهى.
وقال ابن الملك: أراد بالهجرة هنا: الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار
الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة. وقال الطيبي: لم يرد بها
الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا
كما ورد: ((المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا))؛ لأنها عين التوبة، فيلزم التكرار
فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وإقامة حدود الله، فتدبر.
وقال الخطابي: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضًا، ثم صارت مندوبة
فوجبت على المسلمين عند انتقال رسول اللَّه وَل من مكة إلى المدينة، وأمروا
بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه، فيتعاونوا ويتظاهروا إن حَزَبَهُمْ أمر ويتعلموا منه
أمر دينهم، وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من أهل مكة، فلما فتحت مكة
وبخعت بالطاعة زال ذلك المعنى، وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر فيها إلى
الندب والاستحباب، فالهجرة المنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب على أن
(٢٣٦٩) أَبُو دَاوُد (٢٤٧٩) فِي الجِهَادِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٧١١) فِي السِّيَر عَنْ مُعَاوِيَةً.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
٥٥٧
إسناد حديث ابن عباس متصل صحيح وإسناد حديث معاوية فيه مقال، انتهى
مختصرًا. (وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ)، أي: صحتها أو قبولها، أو حكم اللَّه وشريعته
بقبولها. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص٩٩). (وَأَبُو دَاوُدَ) في أوائل الجهاد. (وَالدَّارِمِيُّ)
في السير، وأخرجه أيضًا النسائي. وقد سكت عنه أبو داود ونقل المنذري كلام
الخطابي - في إسناد حديث معاوية مقال - وأقره، قلت: في سنده عندهم جميعًا
أبو هند البجلي الشامي، روى عن معاوية وعنه عبد الرحمن بن أبي عوف
الجرشي. قال الحافظ: شامي، تابعي، أرسل شيئًا، فذكره العسكرى - أي: على
سبيل الوهم والغلط - في الصحابة، قال عبد الحق في ((الأحكام)): ليس بمشهور.
وقال ابن القطان: مجهول. وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يعرف، ولكن احتج به
النسائي على قاعدته، وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول فالحديث لا يخلو عن
ضعيف .
٢٣٧٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
رَجُلَيْنٍ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَيْنٍ، أَحَدُهُمَا: مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ
يَقُولُ: مُذْنِبٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي حَتَّى
وَجَدَهُ يَوْمًّا عَلَى ذَنْبِ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِِّي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ
عَلَيَّ رَقِيبًا؟! فَقَالَ: وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًّا، وَلا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ
اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًّا، فَقَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ
الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ :
لَا يَا رَبِّ! قَالُ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٣٧٠- قوله: (مُتَحَاتَّيْنٍ) وفي رواية أبي داود: (مُتَوَاخِيَيْنٍ))، أي:
متصادقين ومتصافيين. وقيل: أي: متقابلين في القصد والسعي، فهذا كان قاصدًا
وساعيًّا في الخير، وهذا كان قاصدًا وساعيًا في الشر. (أَحَدُهُمَا: مُجْتَهِدٌ فِي
(٢٣٧٠) أَبُو دَاوُد (٤٩٠١) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الْعِبَادَةِ)، أي: مبالغ فيها. (وَالْآخَرُ: يَقُولُ)، أي: الرسولِ وَّلـ (مُذْنِبٌ)، أي:
هو مذنب.
قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إن المعنى: والآخر منهمك في الذنب ليطابق
قوله: (مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ))، وقال المظهر: أي: يقول الآخر: أنا مذنب، أي:
معترف بالذنب. وقال القاري والشيخ الدهلوي: وهو الأظهر لسياق الحديث.
قلت: ويؤيد القول الأول ما وقع عند أبي داود: ((فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ:
مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ)» .
(فَجَعَلَ يَقُولُ)، أي: المجتهد للمذنب. (أَقْصِرْ) بفتح همزة أمر من الإقصار،
أي: كف وأمسك وامتنع. قال في ((المجمع)): الإقصار هو الكف عن الشيء مع
القدرة عليه، فإن عجز عنه يقول قصِرت عنه بلا ألف، انتهى. ولأبي داود: ((فَكَانَ
لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّتْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ))، (عَمَّا أَنْتَ فِيهِ)، أي: من
ارتكاب الذنب. (فَيَقُولُ)، أي: الآخَرَ. (خَلَّنِي وَرَبِّي)، أي: اتركني معه. (حَتَّى
وَجَدَهُ)، أي: المجتهد المذنب. (يَوْمًا)، أي: وقتًا ما. (عَلَى ذَتْبِ اسْتَعْظَمَهُ) أي:
المجتهد ذلك الذنب. (أَبُعِثْتَ) بصيغة المجهول بالاستفهامَ الإنكاري. (عَلَيَّ
رَقِيبًا؟!)، أي: أبعثك اللَّه عليَّ حافظًا؟! وكأن الرجل كان يستغفر ربه ويعتذر إليه
كلما أذنب، وبهذا يناسب هذا الحديث باب الاستغفار، وظاهر سياق الحديث أنه
أدخل الجنة بمحض فضله ورحمته، فكان المناسب أن يورده في الباب الذي
يليه، فإن الأحاديث المذكورة فيه تدل على سعة رحمة الله تعالى كما لا يخفى.
(فَقَالَ)، أي: المجتهد من إعجابه بأعماله، واحتقار صاحبه؛ لارتكاب عظيم
ذنبه. (وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ)، وفي بعض نسخ أبي داود: ((أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللهُ الْجَنَّةَ))،
وهكذا وقع في ((الكنز)) (ج٤: ص١٤٢). (فَقَبَضَ)، أي: الملك. (أَرْوَاحَهُمَا)،
أي: رَوْحَيْهِمَا على حد ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: ٤]. (فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ
بِرَحْمَتِي)، أي: جزاء الحسن ظنك بي فقد غفرتك.
(وَقَالَ لِلْآَخَرِ) في العدول عن التعبير بالمجتهد نكتة لا تخفى، وهي أن اجتهاده
في العبادة ضاع لقلة علمه، ومعرفته بصفات ربه وإعجابه بعمله وقسمه، وحكمه
على اللَّه بأنه لا يغفر للمذنب، فانقلب الأمر وصار كالآخر. والمذنب بحسن
عقيدته وحسن ظنه بربه واعترافه بالتقصير في معصيته نزل منزلة المجتهد .

٥٥٩
aoF yo! SHUU 'HIM ZUHCG ZUVyOUwIU 16jySa
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
Ex
بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتّوْبَةِ
(أَتَسْتَطِيعُ) الهمزة للإنكار، أي: أتقدر. (أَنْ تَحْظُرَ) بضم الظاء المعجمة، أي :
تمنع وتحرم. (عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي)، أي: التي وسعت كل شيء في الدنيا،
وخصت للمؤمنين في العقبى. (فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ) اعترف حين لا ينفعه الاعتراف.
(اذْهَبُوا بِهِ) الخطاب للملائكة الموكلين بالنار. (إِلَى النَّارِ) جزاء على اجترائه علي
وحلفه، وحكمه عليَّ بأن لا أغفر للمذنب ولإعجابه بأعماله واحتقار صاحبه، ولا
دلالة في الحديث على كفره ليكون مخلدًا في النار. ولفظ أبي داود: ((فَقَالَ لِهَذَا
الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا - أي: فحلفت أن لا أغفر له ولا أدخله الجنة - أَوْ كُنْتَ
عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا - أي: فمنعتني منه - وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ
بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلَآَخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، وأخرجه أيضًا أبو داود في باب النهي عن البغي من كتاب الأدب
من طريق علي بن ثابت الجزري عن عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس، عن
أبي هريرة، وهذا الإسناد صحيح أحسن قد سكت عنه أبو داود علي بن ثابت
الجزري ثقة صدوق، قد ضعفه الأزدي بلا حجة، وعكرمة بن عمار العجلي
صدوق، وضمضم بن جوس الهفاني اليمامي ثقة. قال الحافظ: روی له أبو داود
في إثم القنط ورواه أيضًا البغوي في ((المعالم)) بإسناده عن ضمضم بن جوس.
قال: دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ فقال لي: يا يمامي، تعال، وما أعرفه
فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبدًا ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن
أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض
أهله إذا غضب، أو لزوجته، أو لخادمته، قال: فإني سمعت رسول اللَّه وَله يقول:
((إِنَّ رَجُلَيْنِ ... )) الحديث إلى آخره. ثم قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لَتَكَلَّمَ
بِكَلِمَةٍ أَوْ بَقَتْ بِدُنياه وآخرته، انتهى.