النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةً مَرَّةٍ»، وفي حديث الأغر الآتي: ((وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ كُلَّ
يَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ)). قال الَّشوكاني بعد ذكر الروايات الثلاث: وينبغي الأخذ بالأكثر
وهَّو رواية المائة فيقول: في كل يوم أستغفر الله وأتوب إليه مائة مرة، فإن قال:
اللَّهُمَّ إني أستغفرك فاغفر لي وأتوب إليك فتب على. فقد أخذ بطرفي الطلب،
واللَّهِ وَ ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] انتهى. وقد استشكل وقوع الاستغفار من
النبي ◌َّ وهو معصوم. والاستغفار يستدعي وقوع المعصية.
وأجيب بعدة أجوبة منها: أن المراد باستغفاره وَّ: استغفاره من الذي وقع في
حديث الأغر الآتي، وسيأتي تفسيره وتوضيحه.
ومنها: قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء
وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر. كذا قال، وهو مفرع على
خلاف المختار، والراجح: عصمتهم من الصغائر أيضًا.
ومنها: قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله
تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير. انتهى. ومحصلة
جوابه: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى. ويحتمل أن
يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم، أو راحة أو
لمخاطبة الناس، والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى،
وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه،
ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في
حظيرة القدس. ومنها: أن الاستغفار تشريع وتعلیم لأمته، أو من ذنوب أمته، فهو
كالشفاعة لهم.
وقال الغزالي في ((الإحياء)): كان ◌َّ دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حالٍ رأى ما
قبلها دونها، فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في
استغفاره؛ كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك.
ومنها: أن استغفاره كان إظهارًا للعبودية وافتقارًا لكرم الربوبية.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في ((الدعوات)) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٨٢)،
والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص٢٠٨).
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
جدا=
٥٠١
٢٣٤٧ - [٢] وَعَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَضِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّهُ
لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشرح
٢٣٤٧ - قوله: (وَعَنِ الأَغَرِّ)، بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء.
(الْمُزَنِيّ) نسبة إلى قبيلة مزينة مصغرًا. قال في ((التقريب)): الأغر بن عبد الله
المزني، ويقال: الجهني. ومنهم من فرق بينهما صحابي. قال البخاري: المزني
أصح. وقال في ((الخلاصة)): الأغر بن يسار المزني أو الجهني، والمزني أصح
صحابي من المهاجرين الأولين. وقيل: اسم أبيه: عبد الله. له ثلاثة أحاديث خرج
له مسلم منها فرد حديث، وروى عنه ابن عمر ومعاوية بن قرة وأبو بردة. قلت:
غاير بين الأغر المزني والجهني ابن منده، وكذا مال إلى التفرقة بينهما ابن الأثير،
وجزم أبو نعيم وابن عبد البر بأنهما واحد، وصوبه الحافظ في ((الإصابة))
و ((التهذيب)). (إِنَّهُ لَيُغَانُ) بضم الياء وبالغين المعجمة مبنيًّا للمفعول من باب ضرب
من الغين وهو الغين والغطاء لغة، والمراد هنا: ما يغشى القلب ويغطيه. (عَلَى
قَلْبِي) نائب فاعل ((يغان))، أي: يغشى، أو يغطي قلبي. قال الجزري: الغين:
الغيم، وغينت السماء تغان: إذا أطلق عليها الغيم. وقيل: الغين شجره ملتف، أراد
ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر؛ لأن قلبه أبدًا؛ كان مشغولا بالله
تعالى، فإن عرض له - وقتًا ما - عارض بشري يشغله من أمور الأمة والملة
ومصالحهما عد ذلك ذنبًا وتقصيرًا فيفزع إلى الاستغفار. انتهى.
وقال القاري: يقال: غين عليه كذا، أي: غطى عليه، و((على قلبي)) مرفوع على
نيابة الفاعل، يعني: ليغشى على قلبه ما لا يخلو البشر عنه من سهو والتفات إلى
حظوظ النفس من مأكول ومنكوح ونحوهما، فإنه كحجاب وغيم يطبق على قلبه
فيحول بينه وبين الملأ الأعلى حيلولة ما، فيستغفر تصفية للقلب وإزاحة للغاشية،
(٢٣٤٧) مُسْلِم (٢٧٠٢/٤١) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (١٥١٥) فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى))
(١٠٢٧٦) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنِ الأَغَرِّ المُزَنِيِّ.
٥٠٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهو إن لم يكن ذنبًا لكنه من حيث إنه بالنسبة إلى سائر أحواله نقص وهبوط إلى
حضيض البشرية يشابه الذنب فيناسبه الاستغفار. انتهى.
قلت: تحير العلماء في بيان معنى هذا الحديث وتأويله حتى قال السيوطي : هذا
من المتشابه الذي لا يعلم معناه، وقد وقف الأصمعي إمام اللغة على تفسيره،
وقال: لو كان عن غير قلب الرسول وَل﴾ لتكلمت عليه وفسرته، ولكن العرب تزعم
أن الغين الغيم الرقيق. وقال السندي: حقيقته بالنظر إلى قلب النبي وَّ لا تُدرى
وإن قدره رَّ أجل وأعظم مما يخطر في كثير من الأوهام، فالتفويض في مثله
أحسن نعم، القدر المقصود بالإفهام مفهوم، وهو أنه گی﴾ كان يحصل له حالة داعية
إلى الاستغفار، فيستغفر كل يوم مائة مرة، فكيف غيره. والله أعلم.
وقال عياض: المراد بالغين: الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه
الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل لأمر ما عد ذلك ذنبًا، فاستغفر منه، وقيل: هو
شيء يعتري القلوب الصافية مما يتحدث به النفس فيهوشها. وقيل: هو السكينة
التي تغشى قلبه، ويكون استغفاره إظهارًا للعبودية والافتقار وملازمة الخشوع
وشكرًا لما أولاه. وقيل: هي حالة خشية وإعظام تغشى القلب، ويكون استغفاره
شكرها كما سبق. ومن ثم قال المحاسبي: خوف المتقربين الأنبياء والملائكة
خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله.
وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا ينبغي أن يعتقد أن الغين نقص في
حاله صلوات الله علیه وسلامه - بل کمال أو تتمة کمال، وهذا سر دقیق لا ینکشف
إلا بمثال، وهو أن الجفن المسبل على حدقة البصر، وإن كان صورته صورة نقصان
من حيث هو إسبال وتغطية على ما من شأنه أن يكون باديًا مكشوفًا، فإن المقصود
من خلق العين إدراك المدركات الحسية، وذلك لا يتأتى إلا بانبعاث الأشعة
الحسية من داخل العين واتصالها بالمرئيات على مذهب قوم، وبانطباع صور
المدركات في الكرة الجليدية على مذهب آخر، فكيفما قدر لا يتم المقصود إلا
بانكشاف العين عما يمنع من انبعاث الأشعة، ولكن لما كان الهواء المحيط
بالأبدان الحيوانية قلما يخلو من الأغبرة السائرة بحركة الرياح، فلو كانت الحدقة
دائمة الانكشاف لاستضرت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأسبلت أغطية الجفون
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٠٣
وقاية لها ومصقلة، لتنصقل الحدقة بأسباب الأهداب، ورفعها لخفة حركة
الجفن. فيدوم جلاؤها ويحتد نظرها، فالجفن وإن كان نقصانًا ظاهرًا، فهو كمال
حقيقة، فهكذا لم تزل بصيرة النبي وقال معترضة؛ لأن تصدأ بالأغبرة الثائرة من
أنفاس الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى إسبال جفن من الغين على حدقة بصيرته
سترًا لها ووقاية وصقالًا عن تلك الأغبرة المثارة بروية الأغيار وأنفاسها فصح أن
الغين، وإن كانت صورته نقصًا فمعناه كمال وصقال حقيقة.
ثم قال أيضًا: إنَّ روح النبي وَليّ لم يزل في الترقي إلى مقامات القرب مستتبعة
للقلب في رقيها إلى مركزها، وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية ولا خفاء أن
حركة الروح والقلب أسرع وأتم من نهضة النفس وحركتها، فكانت خطأ النفس
تقصر عن مدى الروح والقلب في العروج والولوج في حرم القرب ولحوقها بهما
فاقتضت العواطف الربانية على الضعفاء من الأمة إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين
عليه؛ لئلا يسرع القلب ويسرح في معارج الروح ومدارجها، فتنقطع علاقة النفس
عنه لقوة الانجذاب، فتبقي العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة
والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة، وحيث كان يرى وَل إبطاء القلب بالغين
الملقى عليه وقصور النفس عن شأو ترقي الروح إلى الرفيق الأعلى، كان يفزع إلى
الاستغفار؛ إذ لم تف قواها في سرعة اللحوق لها، انتهى كلام الشيخ السهروردي.
وقد ذكر الحافظ محصله في ((الفتح)) في شرح حديث أبي هريرة المتقدم.
وقال التوربشتي في ((شرح المصابيح)): ونحن بالنور المقتبس من مشكاة مشايخ
الصوفية نذهب في الوقت عليهم مذهبين: أحدهما؛ أن نقول: لما كان النبي وَل
أتم القلوب صفاءً، وأكثرها ضياءً، وأعرفها عرفانًا، وكان معنيًّا مع ذلك بتشريع
الملة وتأسيس السنة ميسرًا غير معسر لم يكن له بد من النزول إلى الرخص
والالتفات إلى حظوظ النفس، مع ما كان ممتحنًا به من أحكام البشرية، وكان إذا
تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كدورة ما إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن
الشيء كلما كان أرق وأصفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى، وكان ◌َخلال إذا
أحس بشيء من ذلك عده على النفس ذنبًا، فاستغفر منه؛ ولهذا المعنى كان
استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول: ((غفرانك)).
٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
والآخر: أن تقول: إن الله تعالى كما اقتناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم
لينتفعوا به، فإنه وّله لو ترك ما هو عليه، وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم
يكن لينفرغ لتعريف الجاهد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم
الفينة بعد الفينة بنوع من الحجبة والاستتار ليكمل حظهم عنه، فيرى ذلك من
سيئات حاله فيستغفر منه، والله أعلم. انتهى. (وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ) جملة أخرى
معطوفة. (فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)، قال المناوي: أراد بالمائة التكثير، فلا ينافي رواية :
((سَبْعِینَ)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص٢١١: ٢٦٠)، والبخاري في
((تاريخه)) (ج ١: ق٢ ص ٤٤)، وأبو داود في أواخر الصلاة، كلهم من طريق حماد
عن ثابت عن أبي بردة عن الأغر المزني ونسبه في ((الحصن)) و((الكنز)) للنسائي
أيضًا.
٢٣٤٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا
إِلَى اللّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةً مَرَّةٍ».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٣٤٨ - قوله: (وَعَنْهُ)، أي: الأغر المزني. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ)،
فيه: تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] فالتوبة
واجبة على الناس جميعًا. قال النووي: هذا الأمر بالتوبة موافق لقوله تعالى:
﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ
تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
قلت: وجوب التوبة ظاهر بحديث الأغر هذا، وبالأحاديث الأخرى وبالآيتين
المذکورتین، وهو واضح بنور البصيرة عند من شرح الله بنور الإيمان صدره، فإن
من عرف أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء اللّه تعالى، وإن كل محجوب عنه
(٢٣٤٨) مُسْلِم (٢٧٠٢/٤٢) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٠۵
يشقى لا محالة محول بينه وبين ما يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم، وعلم
أن لا مبعد عن لقاء الله إلا اتِّباع الشهوات ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله
بدوام ذكره، وعلم أن الذنوب سبب كونه محجوبًا مبعدًا عن اللَّه تعالى. فلا يشك
في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب. وإنما يتم الانصراف
بالغلم والندم والعزم، وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن البصيرة، ومن لم يترشح
لهذا المقام، فيلاحظ ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، وارجع للبسط إلى
كتاب التوبة من ((الإحياء)) للغزالي.
قال القاري: قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ))، الظاهر: أن المراد بهم:
المؤمنون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[النور: ٣١]، وفي الآية والحديث: دليل وشاهد على أن كل أحد في مقامه وحاله
يحتاج إلى الرجوع لترقية كماله، وإن كل أحد مقصر في القيام بحق عبوديته كما
﴾ [عبس: ٢٣] ويدل عليه أيضًا قوله:
قضاه وقدر، قال تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّا أَمَرَوُ
(فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ))، أي: أرجع رجوعًا يليق به إلى شهوده أو سؤاله، أو إظهار
الافتقار بين يديه. (فِي الْيَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ)، فأنتم أولى بأن ترجعوا إليه في ساعة ألف
كرة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص٢١١، ٢٦٠) كلاهما من طريق
شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة، أنه سمع الأغر المزني يحدث ابن عمر، عن
النبيِ وَلَه أنه قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ ... )) إلخ. وأخرج النسائي، وابن أبي شيبة،
والطبراني، والحكيم الترمذي بنحوه.
٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٤٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ فِيمَا يَرْوِي
عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَّ: ((يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي،
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّلَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلَّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ،
فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلَّكُمْ جَائِعٌ إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي
أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلَّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا
عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنُّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي
أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمَّ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي
فَتَنْفَعُونِ، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى
أَتْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ
أَوَّلَكُمْ وَآَخِرَكُمَّ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ،
مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَّكُمْ، وَإِنْسَكُمْ
وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا
نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّ عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرُ، يَا عِبَادِي،
إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيَكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا،
فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشرح
٢٣٤٩ - قوله: (فِيمَا يَرْوِي)، هكذا في رواية أبي أسماء عن أبي ذر، ووقع
في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ((فيما روى))، أي: بلفظ الماضي.
(أَنَّهُ)، قال القاري: ضبط بفتح الهمزة وكسرها، فتأمل في الفرق بينهما. (قَالَ: يَا
عِبَادِي)، قال الطيبي: الخطاب للثقلين؛ لتعاقب التقوى والفجور فيهم، ويحتمل
أن يعم الملائكة، فيكون ذكرهم مدرجًا في الجن؛ لشمول الاجتنان لهم، وتوجه
هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على إمكانه. انتهى.
قال شيخنا: والظاهر هو الاحتمال الأول. (إِنِّي حَرَّمْتُ)، أي: منعت. (الظَّلْمَ
(٢٣٤٩) مُسْلِم (٥٥/ ٢٥٧٧) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٠٧
عَلَى نَفْسِي)، أي: تقدست عنه وتعاليت، فهو في حقي كالمحرم في حق الناس؛ إذ
لا يتصور في حقه ظلم، سواء قلنا: إن الظلم وضع الشيء في غير محله، أو إنه
التعدي في ملك الغير، أو مجاوزة الحد وهو المحمود في كل فعال من غير فصل؛
لأن فعله: إمَّا عدل، وإمّا فضل.
قال النووي: قال العلماء: قوله: (حَرَّمْتُ الظَّلْمَ عَلَى نَفْسِي)، معناه: تقدست
عنه وتعاليت والظلم مستحيل في حق الله تعالى، كيف يجاوز سبحانه حدًّا وليس
فوقه من يطيعه وكيف يتصرف في غير ملك، والعالم كله ملكه وسلطانه. وأصل
التحريم في اللغة: المنع فسمَّى تقديسه عن الظلم تحريمًا لمشابهته للممنوع في
أصل عدم الشيء. انتهى.
(وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا)، أي: حكمت بتحريمه فيما بينكم، فإذا علمتم ذلك.
(فَلَا تَظَّالَمُوا) بفتح التاء وشدة الظاء للإدغام وتخفيفه أصله ((تتظالموا)) حذفت
إحدى التاءين تخفيفًا، أي: لا يظلم بعضكم بعضًا، والمعنى أنه تعالى حرم الظلم
على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره. (يَا
عِبَادِي كُلَّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ)، يعني: إن الهداية لمن حصلت إنما هي من
عند اللَّه لا من عند نفسه، وكذلك الطعام والكسوة لمن حصل، فإنما هو من
عند اللَّه لا من عند نفسه، وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في
جلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وإن العباد لا يملكون
لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وإن من لم يتفضل اللّه عليه بالهدى والرزق، فإنه
يحر مهما في الدنيا .
قال المازري: ظاهرٍ هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى، وفي
الحديث المشهور: ((كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ))، قال: فقد يكون المراد بالأول:
وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي ◌َّله إليهم، أو أنهم لو تركوا وما في طباعهم
من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا، وهذا الثاني أظهر. وقال
المناوي: ((كُلَّكُمْ ضَالَّ)»، أي: غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل إلا من هديته،
أي: وقفته للإيمان أي للخروج عن مقتضى طبعه. وقال القاري: هذا لا ينافي قوله
عليه الصلاة والسلام: ((كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ))، فإن المراد بالفطرة:
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التوحيد، والمراد بالضلالة: جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام. ومنه
[الضحى: ٧]. انتهى .
V
قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
وقال ابن رجب: قد ظن بعضهم أن قوله: (كُلَّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَیْتُهُ)، معارض
لحديث عياض بن حمار عن النبي وَّهِ: ((يَقُولُ اللهُ رَ: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ))، وفي
رواية: ((مُسْلِمِينَ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ))، وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم
وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره والتهيؤ لذلك والاستعداد له
بالقوة لكن لا بد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم شيئًا
كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] وقال
لنبيه وَلَّهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴾﴾ [الضحى: ٧] والمراد ﴿وَوَجَدَكَ﴾: غير عالم مِما
علمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا
كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]
فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه
الهدى، فصار مهديًّا بالفعل بعد أن كان مهديًّا بالقوة، وإن خذله الله قيض له من
يعلمه ما يغير فطرته، كما قال ◌َله: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُؤْلَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ
وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ))، وأمَّا سؤال المؤمن من اللَّه الهداية. فإن الهداية نوعان:
هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية
مفصلة، وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل
ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلًا ونهارًا؛ ولهذا أمر الله عباده أن يقرؤوا في
كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيَمَ ﴾﴾ [الفاتحة: ٦].
(فَاسْتَهْدُونِي)، أي: سِلوني الهدى واطلبوه مني. (أَهْدِكُمْ)، أوفقكم للهداية .
(يَا عِبَادِي، كُلَّكُمْ جَائِعٌ إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ). قال العلقمي: وذلك؛ لأن الناس عبيد لا
یملکون شيئًا وخزائن الرزق بيد الله رقمت فمن لا یطعمه بفضله بقی جائعًا بعدله؛ إذ
ليس عليه إطعام أحد. فإن قلت: كيف هذا مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِ اُلْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾؟ [هود: ٦] قلت: هذا التزام منه تفضلًا، لا أن للدابة حقًّا بالأصالة.
فإن قلت: كيف ينسب الإطعام إلى الله تعالى؟ ونحن نشاهد الأرزاق مرتبة على
هذه الأسباب الظاهرة من الحرف والصناعات وأنواع الاكتساب.
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
٥٠٩
قلت: هو القدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل
محجوب بالظاهر عن الباطن، والعارف محجوب بالباطن عن الظاهر، قال:
والعالَمُ جماده وحيوانه مطيع لله رَ طاعة العبد لسيده، فكما أن السيد يقول
لعبده: أعط فلانًا كذا، وأهد لفلان كذا، وتصدق على هذا الفقير بكذا، كذلك
اللَّه ◌َمّى يسخر السحاب، فيسقي أرض فلان أو البلد الفلاني، ويحرك قلب فلان
لإعطاء فلان، ويوجه فلان إلى فلان بوجه من الوجوه؛ لينال منه نفعًا ونحو ذلك.
انتهى. وقال القاري: ((إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ))، أي: من أطعمته وبسطت عليه الرزق
وأغنيته، فلا يشكل أن الإطعام عام للجميع، فكيف يستثني.
(فَاسْتَطْعِمُونِي)، أي: اطلبٍا الطعام وتيسير القوت مني. (أَطْعِمْكُمْ)، أي:
أيسر لكم أسباب تحصيله. (كُلَّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي)، أي: اطلبوا
مني الكسوة. (أَكْسُكُمْ) بضم السين، أي: أيسر لكم ستر عوراتكم وأزيل عنكِم
مساوي كشف سوآتكم. قال الطيبي: فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: ((إِلَا
مَنْ أَطْعَمْتُهُ))، و(كَسَوْتُهُ)) إذ ليس أحد من الناس محرومًا منهما. قلت: الإطعام
والكسوة لما كانا معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق وعدمهما عن التقتير
ج
والتضييق كما قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَبَّسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن ◌َّهُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] سهل
التقصي عن الجواب، من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعري في
المستثنى منه؛ نفي الشبع والكسوة بالكلية، وليس في المستثنى إثبات الشبع
والكسوة مطلقًا، بل المراد: بسطهما وتكثيرهما ويوضحه الحديث الرابع عشر من
الفصل الثاني أنه وضع قوله: ((وَكُلَّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ)) في موضعه. انتهى.
(يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) بضم أوله وكسر ثالثه من أخطأ، وبفتحهما من خطئ
يخطأ خطأ، أي: أذنب فهو خاطئ، قال النووي: الرواية المشهورة بضم التاء،
وروى بفتحها وفتح الطاء، يقال: خطأ يخطأ إذا فعل ما يأثم به، فهو خاطئ، ومنه
قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ويقال في الإثم أيضًا:
أخطأ، فهما صحيحان. (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، أي: وخطيئة كل بحسب مقامه.
(وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، أي: بالتوبة، أو ما عدا الشرك إن شاء، وهي كقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[ الزمر: ٥٣].
٥١٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَاسْتَغْفِرُونِي)، أي: اطلبوا مني المغفرة. (إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي) بفتح الضاد
وضمه. (فَتَضُرُّونِي) حذف. نون الإعراب منه في نصبه بأن المضمرة في جوابٍ
النفي، وكذا قوله: (فَتَنْفَعُونِي)، يعني: أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله
نفعًا ولا ضرًّا، فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعات العباد ولا
يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون
بها قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوْ اَللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]،
وقال حاكيًّا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُوْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ جميعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:
٨] .
قال القاري: أي: لا يصح منكم ضري ولا نفعي، فإنكم لو اجتمعتم على
عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني في ملكي، ولو اجتمعتم على عصياني أقصى
ما يمكن لم تضروني بل ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاَ﴾
[الإسراء: ٧]
وهذا معنى قوله: ((لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ))، أي: من الموجودين. ((وَآخِرَكُمْ)) ممن سيوجد.
وقال ابن الملك: أي: من الأموات والأحياء، والمراد: جميعكم. (وَإِنْسَكُمْ
وَجِنَّكُمْ)، أي: وملائكتكم تعميم بعد تعميم للتأكيد أو تفصيل وتبيين. (كَانُوا عَلَى
أَتْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ)، أي: لو كنتم على غاية التقوى، بأن تكونوا جميعًا
على تقوى أتقى قلب رجل واحد منكم.
وقال القاضي: أي: على أتقى أحوال قلب رجل، أي: كان كل واحد منكم على
هذه الصفة، كذا في ((المرقاة)). وقال الشيخ الدهلوي في ترجمته: باشند بر
برهیز کار ترین دل يك مرداز شما، يعني أكر فرض كرده شود دل يك کسی از
شماكه متقي ترين دلها باشد وشماهمه برين صفت باشيد. (مَا زَادَ ذَلِكَ)، أي: ما
ذكر (فِي مُلْكِي شَيْئًا)، إمَّا مفعول به أو مصدر، وهذا راجع إلى (لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي
فَتَنْفَعُونِي) نشرًا مشوشًا؛ اعتمادًا على فهم السامع. (كَانُوا عَلَى أَفْجَرٍ)، أي:
فجورًا فجرًا وأفجر أحوال. (قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ)، وقال الشيخ الدهلوي في
ترجمته: باشند برب فرماني کنده و کناه كننده ترین دل يك مرداز شما.
(مَا نَقَصَ) بالتخفيف. (ذَلِكَ)، أي: ما ذكر. (مِنْ مُلْكِي شَيْئًا)، قال الطيبي:
يجوز أن يكون مفعولًا به، إن قلنا: إن ((نقص)) متعدٍّ، ومفعولًا مطلقًا إن قلنا: إنه
٥١١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
لازم، أي: نقص نقصانًا قليلًا، والتنكير فيه للتحقير بدليل قوله في الحديث الآتي
بدله: ((جَنَاحَ بَعُوضَةٍ))، وهذا راجع إلى قوله: (لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي)،
والمعنى: أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولو كانوا كلهم بررة، أتقياء قلوبهم على
أتقى قلب رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس
كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن
من سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص
فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان.
(قَامُوا)، أي: وقفوا. (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ)، أي: في أرض واحدة ومقام واحد،
قال ابن حجر: الصعيد يطلق على التراب وعلى وجه الأرض وهو المراد هنا.
(فَسَأَلُونِي)، أي: كلهم أجمعون. قال الطيبي: قيد السؤال بالإجماع في مقام
واحد؛ لأن تزاحم السُّؤَّال وازدحامهم مما يدهش المسئول، ويهم ويعسر عليه
إنجاح مآربهم وإسعاف مطالبهم. (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ)، وكذا كل جني.
(مَسْأَلَتَهُ)، أي: في آن واحد ومكان واحد، (مَا نَقَصَ ذَلِكَ)، أي: الإعطاء. (مِمَّا
عِنْدِي)، والمراد بهذا: ذكر كمال قدرته تعالى وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا
تنفدُ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما
سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث الخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به .
(إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ)، أي: كالنقص، أو كالشيء الذي ينقصه. (الْمِخْيَطُ) بكسر الميم
وسكون الخاء المعجمة، وفتح الياء المثناة تحت هو ما يخاط به الثوب كالإِبرة
ونحوها. (إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) بالنصب على أنه مفعول ثان للإدخال، وذكر ذلك
لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذَّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾
[النحل: ٩٦]. فإن البحر إذا غمس فيه إبرة، ثم أخرجت لم ينقص من البحر بذلك
شيء .
قال الطيبي: لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوسًا ولا معتدًّا به عند العقل، بل
كان في حكم العدم، كان أقرب المحسوسات وأشبهم بإعطاء حوائج الخلق كافة،
فإنه لا ينقص مما عنده شيئًا. وقال النووي: قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام،
ومعناه: لا ينقص شيئًا أصلًا، كما قال في الحديث الآخر: ((لا يغيضها نفقة))، أي:
لا ينقصها نفقة؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدود
٥١٢
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما
نقص، فضرب المثل بالمخيط في البحر؛ لأنه غاية ما يضرب في المثل في القلة،
والمقصود: التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه، فإن البحر من أعظم المرئيات عيانًا
وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء انتهى.
قلت: قد تبين في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه السبب الذي لأجله
لا ينقص ما عند اللَّه بالعطاء بقوله: ((ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ عَطَائِي
كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، وَإِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ))، وهذا
مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [يس: ٨٢]
فهو سبحانه إذا أراد شيئًا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قال له: كن فيكون، فكيف
يتصور أن ينقص هذا، وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئًا قال له: كن فيكون. (إِنَّمَا
هِيَ)، أي: القصة. (أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا)، أي: أحفظها وأكتبها. (عَلَيْكُمْ)، قال
القاري: كذا في ((الأصول المعتمدة))، يعني: من ((المشكاة)) بلفظ: ((عَلَيْكُمْ))،
وهو المناسب للمقام. ووقع في أصل ابن حجر: ((لَكُمْ))، وقال: وفي نسخة :
((عَلَيْكُمْ))، قلت: والذي في ((صحيح مسلم)) ((لكم))، وهكذا وقع في ((جامع
الأصول)) (ج١١: ص٣٤٩) وفي ((شرح الأربعين النووية)) لابن رجب وفي
((الجامع الصغير)) للسيوطي، و((الترغيب)) للمنذري فهو المعتمد.
قال القاري: وقال الطيبي: قوله: ((أَعْمَالُكُمْ))، أي: جزاء أعمالكم تفسير
للضمير المبهم. وقيل: هو راجع إلى ما يفهم من قوله: (عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُل)
و(عَلَى أَفْجَرٍ قَلْبٍ رَجُلٍ)، وهو الأعمال الصالحة والطالحة، يعني: أنه سبحانه
يحصي أعمال عباده، ثُمَّ يوفيهم إيَّاها بالجزاء عليها. (ثُمَّ أَوَفِيكُمْ إِيَّاهَا) بتشديد الفاء
من التوفية، وهي إعطاء الحق على التمام، أي: أعطيكم جزاء أعمالكم يوم القيامة
وافيًّا تامًّا، إنْ خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
﴾﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقوله :
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ
مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]
ج
وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَّبِّئُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنْهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
٥١٣
(فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا)، أي: توفيق خير من ربه، وَعمل خير من نفسه. (فَلْيَحْمَدِ
اللهَ)، أي: على توفيقه إياه للخير؛ لأنه الهادي. (وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ)، أي: شرًّا
ولم يصرح به؛ تحقيرًا له وتنفيرًا عنه. (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) ؛ لأنه صدر من نفسه؛
أو لأنه باق على ضلاله الذي أشير إليه بقوله: ((كُلَّكُمْ ضَالَّ)»، قاله القاري. وقال
العلقمي: إنَّ الطاعات التي يترتب عليها الثواب والخير بتوفيق الله رَك، فيجب
حمده على التوفيق والمعاصي التي يترتب عليها العقاب والشر، وإن كانت
بقدر اللَّه وخذلانه العبد، فهي كسب للعبد، فليلُم نفسه؛ لتفريطه بالكسب
القبيح. وقال ابن رجب: قوله: ((ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا)) الظاهر: أنَّ المراد: توفيتها يوم
القيامة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٨٥]،
ويحتمل أن المراد: يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة، ثم بسط شرح
قوله: ((فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ... )) إلخ. على هذين الاحتمالين من أحب الوقوف عليه رجع
إلى شرحه للأربعين النووية.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في البر والصلة من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد
عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر، وفي آخره، قال سعيد بن عبد العزيز: كان
أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، وأخرجه مسلمٍ أيضًا
من رواية قتادة، عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه وَل
فيما يروي عن ربه رَكَ: ((إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظَّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي فَلَا تَظَالَمُوا))،
قال مسلم: وساق، أي: أبو أسماء الحديث بنحوه، وحديث أبي إدريس أتم منه .
انتھی .
قلت: رواه أحمد (ج٥: ص ١٦٠) من طريق قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء
وساقه بلفظه، وأخرجه أحمد (ج٥: ص١٥٤: ١٧٧)، والترمذي، وابن ماجه،
والبيهقي من رواية: شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر، ويأتي
لفظه في الفصل الثاني.
ETCKE
٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٥٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِّ: ((كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ،
فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: أَلَهُ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ
رَجُلٌ: انْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ
فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى
هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ
لهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٥٠ - قوله: (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ)، قال الحافظ: لم أقف على اسمه
ولا على اسم أحد من الرجال ممن ذكر في القصةٍ. (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا)، زاد
الطبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان: ((كُلَّهُمْ ظُلْمًا)».
(ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ)، أي: عن التوبة والاستغفار، وفي رواية هشام عن قتادة عند
مسلم: ((فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ))، (فَأَتَّى رَاهِبًا) الراهب:
واحد رهبان النصارى، وهو الخائف والمتعبد المتنزل عن الخلق، وفيه: إشعار بأن
ذلك وقع بعد رفع عيسى ظلّ، فإن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه كما نصَّ عليه في
القرآن .
(فَسَأَلَهُ فَقَالَ)، أي: القاتل. (أَلَهُ)، أي: لهذا الفعل أو لهذا الفاعل. (تَوْبَةٌ؟)
بعد هذه الجريمة العظيمة، وقوله: (أَلَّهُ تَوْبَةٌ؟)، كذا في جميع نسخ ((المشكاة))
الحاضرة عندنا. قال القاري: وفي نسخة، يعني: من ((المشكاة)) كما في نسخة
((المصابيح)): ((أَلِي تَوْبَةٌ؟))، قلت: في نسخة ((المصابيح)) الموجودة عندنا من طبعة
بولاق ١٢٩٤ فقال له: ((هَلْ لِي تَوْبَةٌ؟»، وليس في البخاري الهمزة، ففي أصل
الحافظ : ((لَهُ تَوْبَةٌ))، قال الحافظ: بحذف أداة الاستفهام، وفيه تجريد أو التفات؛
(٢٣٥٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ البُخَارِي (٣٤٧٠) فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُسْلِم (٢٧٦٦/٤٧) فِي
التَّوْبَةِ، وابن مَاجَهْ (٢٦٢٢) فِي الدِّيَاتِ.
٥١۵
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
<<<<<<<< >*Ber <<<< es *:
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
لأن حق السياق، أي: مقتضى الظاهر أن يقول: ألي توبة. انتهى. وفي أصل
العيني والقسطلاني فقال له: ((هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟»، قال العيني: يعني: فقال للراهب:
هل من توبة لي. وقال القسطلاني: سقط لأبوي ذر والوقت لفظة ((من)) فتوبة رفع.
وفي رواية مسلم: ((إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟))، (قَالَ) أي:
الراهب في جوابه. (لَا)، أي: لا توبة له، أو لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين إنسانًا
وأفتاه بذلك؛ لغلبة الخشية عليه، واستبعاده أن تصح توبته بعد قتله لمن ذكر أنه قتله
بغير حق. (فَقَتَلَهُ) وكمل به مائة. قال القاري: لعله لكونه أوهمه إنه لا يقبل له توبة
منها، وإن رضي مستحقوه. وقيل: لأن فتياه اقتضت عنده أن لا نجاة له، فيئس من
الرحمة، ثم تداركه اللَّه فندم على ما صنع، فرجع يسأل. وفيه: إشارة إلى قلة فطنة
الراهب؛ لأنه كان من حقه التحرز ممن اجترأ على القتل حتى صار له عادة بأن لا
يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعمل معه المعاريض؛ مداراة عن نفسه، هذا لو كان
الحكم عنده صريحًا في عدم قبول توبة القاتل؛ فضلا عن أن الحكم لم يكن عنده
إلا مظنونًا. (وَجَعَلَ) في البخاري: ((فَجَعَلَ))، (يَسْأَلُ)، أي: من الناس ليدلوه على
من يأتي إليه، فيسأله عن قبول توبته. (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) عالم بعد أن سأله فقال: إني
قتلت مائة إنسان فهل لي من توبة، فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة. ففي
رواية هشام: ((فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةً
نَفْسٍ فَهَلْ لَّهُ مِنْ تَوْبَةٍ، فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنََ الثَّوْبَةِ))، (انْتِ قَرْيَةَ كَذَا)
باسمِها. (وَكَذَا) بوصفها، أي: القرية الفلانية التي أهلها صلحاء وتب إلى الله
واعبده معهم فقصد تلك القرية. وفي رواية هشام: ((انْطَلِقْ إِلَى أَرْضٍ كَذَا وَكَذَا،
فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ تعالى فَاعبدِ اللَّه تعالى مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا
أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ - أي: بلغ نصفها - أَتَاهُ الْمَوْتُ))، واسم
هذه القرية ((نصرة))، وأمَّا القرية المأتي منها، فاسمها ((كفرة)) كما عند الطبراني
بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال النووي: قوله: ((انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا)»، إلخ. فيه: استحباب مفارقة
التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب والأخدان المساعدين على ذلك،
ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح
والعلماء والمتعبدين الورعين، ومن يقتدي بهم، وينتفع بصحبتهم ويتأكد بذلك
تو بته .
٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ)، أي: أماراته وسكراته، فالفاء عطف على محذوف، أي:
فقصدها وسار نحوها وقرب من وسط طريقها، فأدركه الموت. (فَنَاءَ) بنون ومد
وبعد الألف همزة، أي: نهض ومال. (بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا)، أي: إلى ناحية القرية
التي توجه إليها للتوبة والعباد، أي: ثم مات. قال الحافظ: هذا هو المعروف في
هذا الحديث وحكى بعضهم فيه: ((فَنَأَى))، بغير مد قبل الهمزة وبإشباعها، بوزن
سعى، وتقول: نأى ينأى نَأيًا، أي: بعد، وعلى هذا فالمعنى، فبعد بصدره عن
الأرض التي خرج منها، ووقع في رواية هشام ما يشعر بأن قوله: ((فَنَاءَ بِصَدْرِهِ))،
إدراج، فإنه قال في آخر الحديث: قال قتادة : - راوي الحديث عن أبي الصديق
الناجي عن أبي سعيد - قال الحسن: ذُكِرَ لنا أنَّه لما أتاه الموت نأى بصدره،
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، زاد في رواية هشام: ((فَقَالَتْ
مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكْ فِي صُورَةٍ آدَمِيٌّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَينِ
فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى؛ فَهُوَ لَهُ)).
قال النووي: قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذي جعلوه بينهم
محمول على أن اللَّه تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا
رجلًا ممن يمر بهم، فمر الملك في صورة رجل، فحكم بذلك.
(فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ)، أي: إلى القرية التي توجه إليها، وقصدها للتوبة وهي
نصرة. (أَنْ تَقَرَّبِي)، أي: من الميت بفتح التاء وتشديد الراء وكلمة (أَنْ) تفسيرية؛
لما في الوحي من معنى القول. (وَإِلَى هَذِهِ)، أي: إلى القرية التي خرج منها وهي
((كفرة))، وقوله: ((إِلَى هَذِهِ))، كذا في جميع نسخ المشكاة. ووقع في البخاري:
(وَأَوْحَى إِلَى هَذِهِ))، أي: بزيادة (أَوْحَى)) قبل ((إِلَى هَذِهِ)).
(أَنْ تَبَاعَدِي) بفتح التاء، أي: عن الميت. (فَقَالَ)، وفي البخاري: ((وَقَالَ))، قال
القاري: أي: اللَّه كما في نسخة. يعني: من ((المشكاة)). (قِيسُوا) الخطاب
للملائكة المتخاصمين، أي: اقدروا. (مَا بَيْنَهُمَا)، أي: بين القريتين، فقيس.
(فَوُجِدَ) بضم الواو مبنيًّا للمفعول، أي: الميت المتنازع فيه. (إِلَى هَذِهِ)، أي:
القرية التي توجه إليها وهي ((نصرة)). (أَقْرَبَ) بفتح الموحدة. (بِشِبْرٍ) في رواية
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
RE
٥١٧
هشام: ((فَقَاسُوا فَوَ جَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ»، (فَغُفِرَ لَهُ)، وفي رواية هشام:
((فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ)»، وفي رواية معاذ عن شعبة عند مسلم أيضًا: ((فَكَانَ إِلَى
الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا)).
قال الحافظ: في الحديث مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل
الأنفس، ويحمل على أن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه. قال
الطيبي: إذا رضي الله عن عبده، أرضى خصومه. ورد مظالمه، ففي الحديث
ترغيب في التوبة ومنع الناس عن اليأس، ورجاء عظيم لأصحاب العظائم.
وقال عياض في الحديث: إن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب،
وهو وإن كان شرعًا لمن كان قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف لكن ليس هذا موضع
الخلاف؛ لأن موضع الخلاف إذا لم يرد في شرعنا تقريره وموافقته، وأمَّا إذا ورد
فهو شرع لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
◌ِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨] فكل ما دون الشرك يجوز أن يغفر له، ومنه :
حديث عبادة بن الصامت، ففيه بعد قوله: ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ)) وغير ذلك من
المنهيات، ((فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ
عَذَّبَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فمعناه: أنه يستحق أن يجازى بذلك، وقد أخبر الله
بفضله أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه، فلا
يدخل النار أصلًا، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم
يخرج معهم إلى الجنة، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن
يتحتم ذلك الجزاء. والله أعلم.
وفيه: أن المفتي قد يجيب بالخطأ. وفيه: فضل التحول من الأرض التي يصيب
الإنسان فيها المعصية؛ لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك: إمَّا لتذكره لأفعاله
الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإمَّا لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه .
وفيه: فضل العالم على العابد؛ لأن الذي أفتاه أولًا بأن لا توبة له غلبت عليه
العبادة، فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العدد
الكثير. وأمَّا الثاني: فغلب عليه العلم، فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة.
٥١٨
جرير
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه: أن للحاكم إذا تعارضت عنده الأحوال وتعذرت البينات، أنْ يستدلَّ بالقرائن
على الترجيح.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة واللفظ
للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٢٠: ٧٢)، وابن ماجه في الديات، وابن
حبان في (صحيحه))، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي
سفيان، ذكرهما الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص٢١١، ٢١٢)،
والمنذري في ((الترغيب)).
٢٣٥١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ
اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ)).
[َرَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٣٥١- قوله: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا)، أي: أيها المكلفون، أو أيها المؤمنون.
(لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ) الباء للتعدية، كما في قوله: (وَلَجَاءَ بِقَوْم)، أي: لأذهبكم
وأفناكم وأظهر قومًا آخرين من جنسكم، أو من غيركم. (يُذْنِبُونَ)، أي: يمكن
وقوع الذنب منهم، ويقع بالفعل عن بعضهم. (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ)، أي: فيتوبون،
أو يطلبون المغفرة مطلقًا. (فَيَغْفِرُ لَهُمْ)؛ لاقتضاء صفة الغفار، والغفور ذلك؛ ولذا
قال الله تعالى: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ولاستلزام هذه الصفة الإلهية
وجود المعصية في الأفراد البشرية. والمعنى: لو كنتم معصومين كالملائكة
لذهب بكم، وجاء بمن يأتي منهم الذنوب؛ لئلا يتعطل صفات الغفران والعفو،
فلا تجرئة فيه على الانهماك في الذنوب.
قال التوربشتي: لم يرد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين في الذنوب،
وتوهين أمرها على النفوس وقلة الاحتفال منهم بمواقعتها على ما يتوهمه أهل الغرة
(٢٣٥١) مُسْلِم (١١ / ٢٧٤٩) فِي التَّوْبَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥١٩
بالله، فإن الأنبياء - صلوات الله عليهم - إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان
الذنوب، واسترسال نفوسهم فيها، بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين
وحسن التجاوز عنهم؛ ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار. والمعنى المراد من
الحديث: هو أنَّ اللَّه تعالى كما أحب أن يحسن إلى المحسن أحب أن يتجاوز عن
المسيء، وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التواب العفو، فلم
يكن ليجعل العباد شأنًا واحدًا كالملائكة، مجبولين على التنزه من الذنوب، بل
يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالاً إلى الهوى، مفتتنًا ومتلبسًا بما يقتضيه، ثم يكلفه
التوقي عنه، ويحذره عن مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وَفَّى فأجره على
الله، وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي نَّهِ: أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ
عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ، فيتجلى عليهم بتلك
الصفات على مقتضى الحكمة، فإن الَغَفار يستدعي مغفورًا، كما أن الرزاق
يستدعي مرزوقًا. انتهى. وقد تقدم نحو هذا الكلام لابن القيم فتذكر. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في التوبة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٣٠٩)، والحاكم (ج٤ :
ص٢٤٦)، وفي الباب عن أبي أيوب عند أحمد، ومسلم، والترمذي وعن عبد الله
ابن عمرو عند الحاكم (ج٢: ص٢٤٦).
٢٣٥٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ
اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ؛ لِيَتُوبَ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
مُسِي ءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)).
الشرح
٢٣٥٢ - قوله: (إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ)، قيل: بسط اليد عبارة عن الطلب؛ لأن
عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئًا من أحدهم؛ بسط إليه كفه، والمعنى: يدعو
المذنبين إلى التوبة. (بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ)، أي: لا يعاجلهم بالعقوبة بل
يمهلهم ليتوبوا .
(٢٣٥٢) مُسْلِم (٢٧٥٩/٣١) فِيهِ، وَالنَّسَائِي (٢٠٠) فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي مُوسَى.