النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن شيخين، قال: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، نا علي بن مسهر وابن نمير، عن
موسى الجهني ح، وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير واللفظ له، نا أبي، نا موسى
الجهني عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال: جاء أعرابي إلخ، ثم قال بعد قوله:
(وَارْزُقْنِي)، قال موسى: أمَّا (عَافِي) فأنا أتوهم وما أدري، ولم يذكر ابن أبي شيبة
في حديثه قول موسى. انتهى. ورواه أحمد في ((مسنده)) (ج١ ص ١٨٠) عن يحيى
ابن سعيد عن موسى فذكر قوله: ((وَعَافِي)) من غير شك فيه، ثم رواه
(ج ١ ص ١٨٥) عن عبدالله بن نمير ويعلى بن موسى. وقال بعد قوله: ((وَارْزُقْتِي))،
قال ابن نمير: قال موسى: ((أمَّا عافني)) فأنا أتوهم وما أدري.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا البزار. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح،
وروى مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه سمع النبي ◌َِّ، وأتاه رجل فقال:
يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي
وَعَافِي وَارْزُقْنِي، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاَكَ وَآخِرَتَكَ)).
٢٣٤١ - [٢٦] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ
الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ فَتَنَاثَرَ الْوَّرَقُ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ،
وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تُسَاقِطُ ذُنُوبَ الْعَبْدِ، كَمَا يَتَسَاقَطُ وَرَقُ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٣٤١ - قوله: (فَضَرَبَهَا)، أي: أغصان الشجرة. (فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ)، أي:
تساقط. (إِنَّ الْحَمْدَ للهِ وَسُبْحَانَ اللهِ ... ) إلخ. قال الطيبي: هذه الكلمات كلها
بالنصب على اسم إن وخبرها. (تُسَاقِطُ) بضم التاء من باب المفاعلة.
(ذُنُوبَ الْعَبْدِ)، أي: المتكلم بهذه الكلمات والمفاعلة للمبالغة، وقوله:
(تُسَاقِطُ ذُنُوبَ الْعَبْدِ)، كذا في جميع النسخ من (المشكاة))، وهكذا وقع في ((جامع
(٢٣٤١) التِّرْ مِذِي (٣٥٣٣) وقال: غريب.
٤٨١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
الأصول))، وفي الترمذي: ((لَتُسَاقِطُ - بزيادة اللام المفتوحة - مِنْ ذُنُوبِ الْعَبْدِ))،
وهكذا نقله في ((الترغيب)) و((الكنز)). ((كَمَا يَتَسَاقَطُ)) بصيغة المضارع المعلوم من
باب التفاعل، وهكذا وقع في ((جامع الأصول))، والذي في الترمذي و((الترغيب))
و((الكنز)): ((كَمَا تَسَاقَطُ))، أي: بصيغة الماضي المعلوم.
(وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)، يعني: أنَّ هذه الكلمات تساقط ذنوب العبد، فتتساقط كما
يتساقط ورق هذه الشجرة فقوله: ((كَمَا يَتَسَاقَطُ)) حال من الذنوب، والتقدير:
تساقط الذنوب مشبهًا تساقطها بتساقط الورق. قال في ((اللمعات)): لما كان
المقصود هاهنا بيان حال الكلمات وفضلها، وثمة أعني: في أوراق الشجرة: بيان
سقوطها لا إسقاط العصا إياها، قال، كما قال فافهم.
(رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ) من طريق الأعمش عن أنس. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، قال:
ولا نعرف للأعمش سماعًا عن أنس إلا أنه قد رآه ونظر إليه، انتهى. قال المنذري
في الترغيب: وأخرجه أحمد من غير طريق الأعمش، ورجاله رجال الصحيح،
ولفظه: إن رسول اللَّه ◌َ لل أخذ غصنًا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفضٍ، ثم
نفضه فانتفض، فقال رسول اللّه ◌ِ له: ((إِنَّ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
وَاللهُ أَكْبِرُ يَنْفُضْنَ الْخَطَايَا كَمَا تَنْفُضُ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا))، قلت: وأخرجه أيضًا
البخاري في ((الأدب المفرد)) من غير طريق الأعمش مثل رواية أحمد.
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٤٢ - [٢٧] وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : ((أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كَثْزِ الْجَنَّةِ)). قَالَ
مَكْحُولٌ: فَمَنْ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا مَنْجَى إِلَّا إِلَيْهِ، كَشَفَ اللَّهُ
عَنْهُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الضُّرِّ، أَدْنَاهَا الْفَقْرَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الشرح
٢٣٤٢ - قوله: (فَإِنَّهَا)، أي: هذه الكلمة. (مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ)، أي: من ذخائر
الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة. قال النووي: المعنى: إن قولها يحصل
ثوابًا نفسيًّا يدخر لصاحبه في الجنة. (قَالَ مَكْحُولٌ)، أي: موقوفًا عليه. (وَلَا مَنْجًا)
بالألف، يعني: بالقصر، أي: لا مهرب ولا مخلص. (مِنَ اللهِ)، أي: من سخطه
وعقوبته. (إِلَّا إِلَيْهِ)، أي: بالرجوع إلى رضاه ورحمته. (كَشَفَ اللهُ)، كذا في
جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في ((الترغيب)) و((جامع الأصول)) و((تحفة
الذاكرين))، والذي في الترمذي: ((كَشَفَ))، أي: بغير ذكر لفظ الجلالة.
(سَبْعِينَ بَابًا)، أي: نوعًا. (مِنَ الضُّرِّ) بضم الضاد وتفتح، وهو يحتمل التحديد
والتكثير. (أَدْنَاهَا)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في ((جامع
الأصول))، والذي في الترمذي: ((أَدْنَاهُنَّ))، وهكذا في ((الترغيب)) و((تحفة
الذاكرين)). (الْفَقْرَ)، أي: أحط السبعين وأدنى مراتب الأنواع نوع مضرة الفقر.
قال القاري: والمراد: الفقر القلبي الذي جاء في الحديث: ((كاد الفقر أن يكون
كفرًا»؛ لأن قائلها إذا تصور معنى هذه الكلمة تقرر عنده وتيقن في قلبه أن الأمر كله
بيد الله، وإنه لا نفع ولا ضر إلا منه، ولا عطاء ولا منع إلا به، فصبر على البلاء
وشكر على النعماء وفوض أمره إلى الله تعالى ورضي بالقدر. انتهى.
قلت: حديث: ((كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا»، رواه أبو نعيم في «الحلية» والبيهقي
(٢٣٤٢) التِّرْ مِذِي (٣٦٠١) من روايةِ مكحول عنْهُ، وفيه كلام مكحول، قال التِّرْ مِذِي: ليس بمتصل؛
مكحول لم يسمع من أبي هريرة.
٤٨٣
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
في الشعب. قال ابن الديبع الشيباني في ((تمييز الطيب من الخبيث)) (ص١٤٤):
وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف وله شواهد ضعيفة. انتهى. وقال المناوي في
((شرح الجامع الصغير)): إسناده رواه. وقال صاحب ((مجمع البحار) في ((تذكرة
الموضوعات)) (ص١٧٤): ضعيف. ولكن صحَّ من قول أبي سعيد. انتهى. قال
شيخنا: وتقييد الفقر بالقلبي مما لا حاجة إليه كما لا يخفى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا)، أي: صدر الحديث. (حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ
بِمُتَّصِلٍ)، وبين عدم الاتصال بقوله: (وَمَكْحُولٌ)، كذا في جميع نسخ ((المشكاة))
بذكر أَلواو قبل مكحول، وليست في الترمذي ولا في ((الترغيب)). (لَمْ يَسْمَعْ عَنْ
أَبِي هُرَيرَةَ)، قال ابن حجر: كذا في النسخ، يعني: من المشكاة، والمشهور
((من)). قلت: في الترمذي ((من)) بدل ((عن))، وهكذا وقع في ((الترغيب)).
قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي: هذا ما لفظه، ورواه النسائي والبزار مطولًا
ورفعا: ((وَلَا مَنْجَا مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ))، ورواتهما ثقات محتج بهم. قال: وفي رواية
للحاكم وصححها، قال: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزِ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ))، قلت :
بلى يا رسول الله، قال: ((تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللهِ
إِلَّا إِلَيْهِ))، ذكره في حديث. انتهى. قلت: رواية الحاكم هذه أخرجها أحمد
(ج ٢ ص٣٠٩) ورواته ثقات.
٢٣٤٣ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَ حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ: دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءَ، أَيْسَرُهَا الْهَمُّ)).
الشرح
٢٣٤٣ - قوله: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ: دَوَاءٌ)، أي: معنوي. (مِنْ تِسْعَةٍ
وَتِسْعِينَ) لا يعلم حكمة تخصيص هذا العدد إلا الله ورسوله وَله. وقال الشوكاني:
ظاهره: أن هذا الذكر شفاء هذا العدد المذكور، ويمكن أن يكون خارجًا مخرج
(٢٣٤٣) البَيْهَقِي (١٧١) في الدعوات، عن أبي هريرة، والطبراني في الصغير عن جابرٍ .
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] فيكون المراد: إنه شفاء
من جميع الأمراض والعلل التي أيسرها الهم. (دَاءً) من أدواء الباطن كالكبر
والعجب والشرك الخفي وغلبة الهوى، أو أعم من ذلك وهذا أظهر.
وقال القاري: أي: من الأدواء الدنيوية والأخروية. (أَيْسَرُهَا)، أي: أقلها
وأسهلها. (الْهَمُّ)، أي: جنس الهم المتعلق بالدين أو الدنيا، أو هم المعاش وغم
المعاد. قال المناوي: وذلك؛ لأن العبد إذا تبرأ من الأسباب؛ انشرح صدره
وانفرج غمه، وأتته القوة والغياث والتأييد وبسطت الطبيعة على ما في الباطن من
الداء فدفعته .
٢٣٤٤ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ
مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَثْزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
[رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
أَسْلَمَ عَبْدِي، وَاسْتَسْلَمَ)).
الشرح
٢٣٤٤ - قوله: (مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَثْزِ الْجَنَّةِ)، قال الطيبي: (مِنْ تَحْتِ
الْعَرْشِ) صفة ((كَلِمَةٍ))، أي: كائنة من تحت العرش مستقرة فيه، ويجوز أن تكون
(مِنْ)) ابتدائية، أي: ناشئة من تحت العرش و((مِنْ)) في ((مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ)) بيانية، أي:
بيان لتحت العرش، كأنه يقول: التحت الذي هو كنز، وإذا جعل العرش سقف
الجنة؛ جاز أن يكون ((مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ) بدلًا من قوله: ((مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ))، انتهى.
والمعنى: أنها من الكنوز المعنوية العرشية، وذخائر الجنة العالية العلوية لا من
الكنوز الفانية الحسية السفلية. وقيل: المعنى: أي: كلمة أنزلت من كنز الجنة
الكائنة تحت العرش، وفي الحديث: تقدیم وتأخير. ويؤيده رواية أحمد (ج٢
ص٢٩٨) بلفظ: ((أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ)).
(يَقُولُ اللهُ تعالى)، قال الطيبي: هذا جزاء شرط محذوف، أي: إذا قال العبد
(٢٣٤٤) البَيْهَقِي (١٣٥) في الدعوات، عن أبي هريرة.
٤٨٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
ke
هذه الكلمة: يقول الله تعالى، قال ابن حجر: أي: لملائكته معلمًا لهم بكمال
قائلها المتحلي بمعناها. وقال القاري: الظاهر: إن قوله: (يَقُولُ اللهُ) ؛ استئناف
لبيان فضيلة تلك الكلمة وفضل قائلها. قلت: وقع عند الحاكم بلفظ: «تَقُولُ: لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، فَيَقُولُ اللهُ رَكَ أَسْلَمَ عَبْدِي ... )) إلخ. وهذا يؤيده ما قاله
الطيبي .
(أَسْلَمَ عَبْدِي)، أي: انقاد لإحكام الألوهية وأخلص. (وَاسْتَسْلَمَ)، أي: بالغ
في الانقياد له تعالى. قال الطيبي: أسلم عبدي واستسلم، أي: فوض أمور
الكائنات إلى الله بأسرها وانقاد هو بنفسه لله مخلصًا له الدین.
(رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ) ذكر الأول منهما المنذري في ((الترغيب)) والجزري في
(الحصن)) ونسباه للطبراني في ((الأوسط)) والحاكم، ونسبه السيوطي في ((الجامع
الصغير)) وعلي المتقي في ((الكنز)) لابن أبي الدنيا في كتاب ((الفرج)). قال الحاكم
(ج ١ ص٥٤٢): هذا حديث صحيح، وبشر بن رافع الحارثي ليس بالمتروك، وتعقبه
الذهبي، فقال: قلت: بشرواه. وقال الهيثمي بعد عزوه إلى الطبراني: وفيه بشر بن
رافع الحارثي وهو ضعيف. وقد وثق بقية رجاله رجال الصحيح. وقال المنذري بعد
نقل تصحيح الحاكم: بل في إسناده بشر بن رافع أبو الأسباط قال: وضعفه أحمد
وغيره وقواه ابن معين وغيره. وقال ابن عدي: هو مقارب الحديث لا بأس بأخباره
ولم أجد له حديثًا منكرًا. انتهى. قلت: بشر هذا ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم
وابن عبدالبر وابن حبان. وقال الترمذي: يضعف في الحديث.
وقال الحاكم أبوأحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال يعقوب بن سفيان والبزار:
لين الحديث. وقال الدارقطني: منكر الحديث.
وقال الحافظ: فقيه ضعيف الحديث. انتهى. ولم أجد أحدًا قَوَّى أمره غير ابن
معين وابن عدي، وفي الباب عدة أحاديث يقوي بعضها بعضًا؛ منها: حديث جابر
عند الطبراني في ((الأوسط))، ومنها: حديث ابن عباس عند ابن عساكر، ومنها:
حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده عند الطبراني في ((الأوسط)) وابن عساكر.
والحديث الثاني: أخرجه أحمد في مواضع من ((مسنده)) منها في (ج٢ ص٢٩٨)
والبزار والحاكم (ج١ ص٢١)، وقال: هذا حديث صحيح، ولا يحفظ له علة،
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ووافقه الذهبي. ونقل المنذري في ((الترغيب)) كلام الحاكم وأقره. وقال الهيثمي
(ج ١٠ ص٩٩) بعد عزوه لأحمد والبزار: رجالهما رجال الصحيح غير أبي بلج
يحيى بن أبي سليم الكبير وهو ثقة.
٢٣٤٥ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ: هِيَ صَلَاةُ
الْخَلَائِقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ: كَلِمَةُ الَشُّكْرِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ،
وَاللَّهُ أَكْبَرُ: تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةً
إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي، وَاسْتَسْلَمَ.
[ رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشرح
٢٣٤٥ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ)، أي: موقوفًا. (سُبْحَانَ اللهِ: هِيَ
صَلَاةُ الْخَلَائِقِ)، أي: عبادتها، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]
وقال: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَهُ﴾ [النور: ٤١]، قيل: والتسبيح، إمَّا بالمقال أو
بالحال، حيث يدل على الصانع، وعلى قدرته وحكمته وعلى تنزهه تعالى مما لا
يجوز عليه من الشريك وغيره.
(وَالْحَمْدُ للهِ: كَلِمَةُ الشُّكْرِ)، أي: عمدته ورأسه كما سبق. (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ:
كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ)، أي: كلمة التوحيد الموجبة؛ لإخلاص قائلها من النار، أو كلمة
لا تنفع إلا مقرونة بالصدق والإخلاص. (وَاللهُ أَكْبَرُ: تَمْلَأُ) بالتأنيث باعتبار الكلمة
والتذكير باعتبار اللفظ، أي: يملأ ثوابها. (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، قيل:
ويحتمل أن يكون ما بين السماء والأرض كناية عن العالم كله. (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)، أي: وتصور مبناه وتحقق بمعناه.
(قَالَ اللهُ تعالى أَسْلَمَ)، أي: إسلامًا كاملًا.
(وَاسْتَسْلَمَ)، أي: انقاد ظاهرًا وباطنًا. (رَوَاهُ رَزِينٌ) ذكر قول ابن عمر هذا رزين
في جامعه بغير سند، ولا يوجد في شيء من أصوله، ولم أقف على من أخرجه.
فالله أعلم بحال إسناده .
(٢٣٤٥) ذکرە رَزین.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٤٨٧
٤ - بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
(بَابُ الإِسْتِغْفَارِ)، أي: طلب المغفرة، وقد سبق بيان معناها عند شرح اسم الله
الغفار في حديث الأسماء الحسنى، فارجع إليه. وقال الحافظ: ((الاِسْتِغْفَارِ))
استفعال من الغفران: وأصله الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يدنسه
وتدنيس كل شيء بحسبه، والغفران من الله للعبد أن يصونه من العذاب. انتهى.
قال القاري: ((الاِسْتِغْفَارِ))، قد يتضمن التوبة، وقد لا يتضمن، ولذا قال:
((وَالتَّوْبَةِ))، أو الاستغفار باللسان والتوبة بالجنان، وهي الرجوع من المعصية إلى
الطاعة والمغفرة منه تعالى لعبده ستره لذنبه في الدنيا بأن يطلع عليه أحدًا، وفي
الآخرة بأن لا يعاقبه علیه.
قال الطيبي: والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط والعزيمة
على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة. هذا كلام
الراغب. وزاد النووي، وقال: إنْ كان الذنب متعلقًّا ببني آدم، فلها شرط آخر،
وهو رد المظلمة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه.
وقال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (ج١: ص١٦٩) في الكلام على تفسير
التوبة المطلقة: وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب،
وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي. وإن كان في حق آدمي، فلابد
من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها.
وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك تتضمن العزم على فعل المأمور
والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا حتى يوجد منه العزم الجازم
على فعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين،
لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت
الأمرين، وهي كلفظة التقوى التي عند إفرادها تقتضى فعل ما أمر الله به، وترك ما
نهى الله عنه، وعند اقترانها بفعل المأمور تقتضي الانتهاء عن المحظور، فإن حقيقة
٤٨٨
ERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه
إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء
الآخر؛ ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها
فقال: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فكل تائب
مفلح، ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ
لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وتارك المأمور ظالم كما أن فاعل المحظور
ظالم، وزوال اسم الظلم عنه بالتوبة الجامعة الأمرين.
قال: وإنما سمي التائب تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من
معصيته كما تقدم، فإذا التوبة هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى
التوبة، وبهذا استحق التائبِ أن يكون حبيب الله، فإن الله يحب التوابين ويحب
المتطهرين، وإنما يحب الله من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فإذا التوبة هي
الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسماها
الإسلام والإيمان والإحسان، وتتناول جميع المقدمات.
قال ابن القيم مشيرًا إلى الفرق بين الاستغفار والتوبة: وأمَّا الاستغفار، فهو
نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة، فالمفرد، كقول نوح ظلِّ لقومه: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] وكقول صالح التُّ
لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النمل: ٤٦] وكقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ
اللّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ
[الأنفال: ٣٣] والمقرون كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ
٠٣
وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُرْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ
فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] وقول صالح لقومه: ﴿وَيَقَوْمِ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢]
﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ
﴾﴾ [هود: ٦١] وقول شعيب :
﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُوٌ
٩
﴾ [هود: ٩٠]، فالاستغفار المفرد كالتوبة،
بل هو التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب وإزالة أثره
ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له،
ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزءه، فدلالتها عليه إمَّا بالتضمن،
وإمَّا باللزوم، وحقيقتها وقاية شر الذنب، ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى،
والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرًا ولا القبع ونحوه مع ستره،
٤٨٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
فلابد في لفظ المغفر من الوقاية.
وهذا الاستغفار الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأمَّا من أصر على الذنب وطلب
من اللَّه مغفرته، فهذا ليس باستغفار مطلق؛ ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار
يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند
الإطلاق. وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار طلب وقاية شر ما
مضى، والتوبة والرجوع: طلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات
أعماله، فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى، فالاستغفار طلب وقاية شره، وذنب يخاف
وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله. والرجوع إلى الله يتناول النوعين. رجوع
إليه؛ ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات
أعماله. وأيضًا فإن المذنب بمنزلة من ارتكب طريقًا تؤديه إلى هلاكه ولا توصله
إلى المقصود، فهو مأمور أن يوليها ظهره ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته،
وتوصله إلى مقصودة وفيها فلاحه، فها هنا أموال لابد منهما مفارقة شيء.
والرجوع إلى غيره، فخصت التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة، وعند إفرادهما
يتناول الأمرين، ولهذا والله أعلم جاء الأمر بهما مرتبًا بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠]، فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل، وأيضًا
فالاستغفار من باب إزالة الضرر، والتوبة: طلب جلب المنفعة، فالمغفرة: أن يقيه
شر الذنب، والتوبة: أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبه، وكل منهما يستلزم الآخر
عند إفراده. والله أعلم.
وقيل: في الفرق بينهما أن التوبة لا تكون إلا لنفسه، أي: لما اجترحته نفسه
خاصة من الآثام بخلاف الاستغفار، فإنه يكون لنفسه ولغيره أو لغيره فقط، كما قال
تعالى: ﴿وَلَِّنَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِآلْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ [غافر: ٧] وإن التوبة هي الندم على
ما فرط في الماضي، والعزم على الامتناع منه في المستقبل، والاستغفار: طلب
الغفران لما صدر منه ولا يجب فيه العزم في المستقبل هذا. وللتوبة أحكام لا يليق
بالعبد جهلها. ذكر ابن القيم نبذًا منها في ((مدارج السالكين شرح منازل السائرين))
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ج١: ص ١٥٠: ١٦٩)، فعليك أن تطالعه وأضف إلى ذلك مطالعة كتاب التوبة
من ((الإحياء)) للغزالي، وقد عقد ابن القيم في ((المدارج)) (ج١: ص١٧٢، ١٧٣)
فصلًا، لإيضاح الفرق بين الذنب والسيئة والتكفير والمغفرة، فطالعه أيضًا مع ما
تعقبه وعلق عليه محشيه، وقد ذكر ((صاحب المنازل)) أسرارًا للتوبة بسط ابن القيم
الكلام في شرح السر الأول وتوضيحه، أحببنا إيراده لغاية حسنه ولطافته. قال
صاحب ((المنازل)): ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء:
أولها: أن ينظر الجناية والقضية فيعرف مراد الله فيها؛ إذ خلاك وإتيانها،
فإن اللَّه عَّ إنما خلى العبد والذنب لمعنيين؛ أحدهما: أن يعرف عزته في قضائه
وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في
مغفرته. الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته.
قال ابن القيم في شرح هذا الكلام (ج١: ص١١١): اعلم: أن صاحب البصيرة
إذا صدرت منه الخطيئة، فله نظر إلى خمسه أمور؛ أحدها: أن ينظر إلى أمر الله
ونهيه، فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب.
الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيحدث له ذلك خوفًا وخشية تحمله على
التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها أو تقديرها عليه
وإنه لو شاء لعصمه منها وحال بينه وبينها، فيحدث له ذلك أنواعًا من المعرفة بالله
وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومعرفته وعفوه وحلمه وكرمه، وتوجب هذه
المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق
والأمر والجزاء والوعد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات
وأثرها في الوجود، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه،
وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان، وأسرار القدر
والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. فمن بعضها: ما ذكره الشيخ، يعني :
صاحب ((المنازل)) أن يعرف العبد عزته في قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذي
يقضي بما يشاء، وأنه لكمال عزه حكم على العبد وقضى عليه بأن قلب قلبه وصرف
إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه. وجعله مريدًا شائيًا لما شاء منه العزيز
الحكيم، وهذا من كمال العزة؛ إذ لا يقدر على ذلك إلا الله، وغاية المخلوق أن
يتصرف في بدنك وظاهرك. وأمَّا جعلك مريدًا شائيًا لما شاءه منك، ويريده فلا
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٤٩١
يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة، فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكن
شهوده منه؛ كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع الله
لا مع نفسه ومن معرفة عزته في قضائه أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره لا
عصمة له، إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته، فهو ذليل حقير في قبضة عزيز
حميد، ومن شهود عزته أيضًا في قضائه أن يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام
والعزة كلها لله، وإن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة،
وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره؛ ازداد شهوده لعزة اللَّه وكماله وعبده
وغناه وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة، ومنها: أن
العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية، فإذا شهد جريان الحكم عليه
وجعله فاعلًا لما هو غير مختار له ولا مريد بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنه مختار
غير مختار، مريد غير مريد، شاء غير شاء، فهذا يشهد عزة الله وعظمته وكمال
قدرته. ومنها: أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال
رؤيته له، ولو شاء لفضحه بین خلقه فحذروه، وهذا من کمال بره و من أسمائه البر ،
وهذا البر من سيده به نفع(*) كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل
بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة،
فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن
الاشتغال باللّه والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب
هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال، فإذا فقدها، فليرجع إلى مطالعة
الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام عبودية تليق به .
ومنها: شهود حلم اللَّه تََّ في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة،
ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفته سبحانه باسمه الحليم،
ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك
بتوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح للعبد وأنفع من فوتها ووجود الملزوم بدون
لازمه ممتنع .
ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم
(*) في الأصل ((نفع)) والمثبت من ((المدارج)): ((كان عن)).
٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ص٩٩) ((المدارج)) من الاعتذار لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم
(ص٩٩) فيقبل عذره بكر مه وجوده فيوجب له ذلك؛ اشتغالًا بذكره وشكره و محبةٍ
أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك
به، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده
والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون - وهذا لون - آخر، يعني: أن
عبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا الذي ذكره أخيرًا من معرفة العبد كرم ربه
... إلخ. لون آخر.
ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته، فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك
بمحض حقه؛ كان عادلًا محمودًا. وإنَّما عفوه بفضله لا باستحقاقك فيوجب لك
ذلك أيضًا شكرًا له و محبة وإنابة إليه وفرحًا وابتهاجًا به، و معرفة له باسمه الغفار،
ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها وذلك أكمل في العبودية والمحبة
والمعرفة.
ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه والافتقار
إليه، فإن النفس فيها مضاهاة الربوبية لو قدرت لقالت كقول فرعون، ولكنه قدر
فأظهر، وغيره عجز فأضمر، وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية وهو
أربع مراتب :
المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل
السماوات والأرض محتاجون إليه، فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم وكل أهل
السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا.
المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل
طاعته، وهو سر العبودية.
المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات لمحبوبه وعلى قدر محبته
له، يكون ذله، فالمحبة أسست على الذلة للمحبوب كما قيل:
اْضَغْ وَذِلَّ لِمَنْ تُحِبُّ فَلَيْسَ فِي حُكْمِ الْهَوَى أَنْفٌ يُشَالُ وَيُعْقَدُ
وقال آخر:
٤٩٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ
المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع؛
كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم؛ إذ يذل له؛ خوفًا وخشية ومحبة وإنابة،
وإطاعة وفقرًا وفاقة، وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم، وهذا المعنى
أجلُّ من أن يسمى بالفقر، بل هو لب العبودية وسرها وحصوله أنفع شيء للعبد،
وأحب شيء إلى الله، فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة،
وأسباب العبودية والطاعة، وأسباب المحبة والإنابة، وأسباب المعصية
والمخالفة؛ إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، والغاية من تقدير عدم هذا
الملزوم، ولازمه مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته، ومفسدة فوته أكبر من
مفسدة وجوده، والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما،
وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب، فإن كنت من أهل
المعرفة فادخل وإلا فرد الباب، وارجع بسلام.
ومنها: إن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها، اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها،
فاسم السميع البصير يقتضي مسموعًا ومبصرًا. واسم الرزاق يقتضي مرزوقًا،
واسم الرحيم يقتضي مرحومًا، وكذلك اسم الغفور والعفو والتواب والحليم
يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء
والصفات؛ إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة،
وإحسان وجود، فلابد من ظهور آثارها في العالم. وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق
- باللَّه صلوات الله وسلامه عليه - حيث يقول: ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ،
وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرِ لَهُمْ))، وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته
معدومًا فلَمِّن يرزق الرزاق سبحانه؟ وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من
العالم، فلمن يغفر وعمن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟ وإذا فرضت الفاقات كلها
قد سدت، والعبيد أغنياء معافون، فأين السؤال والتضرع والابتهال والإجابة،
وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإِنعام والإكرام؟ فسبحان من تعرف إلى خلقه
بجميع أنواع التعرفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع
الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرفهم به ودلهم عليه ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ
هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٤].
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: السر الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة ولا ينادي عليه
منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهد به قلوب خواص العباد، فازدادت به
معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة وشوقًا إليه ولهجًا بذكره وشهودًا لبره ولطفه وكرمه
وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية وإشرافًا على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت في
((الصحيحين)) من حديث أنس بن مالك رضيوافقتَهُ قال: قال رسول الله: ((للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةٍ
عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا
طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَبِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلَّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا
هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ
عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح))، هذا لفظ مسلم.
وفي الحديث: من قواعد العلم أنَّ اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من
فرح شديد أو غيظ شديد، ونحوه لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله:
((أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك))، قال: والقصد إن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله
والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة باللّه وأسمائه وصفاته وما
يليق بعز جلاله، وقد كان الأولى بِنَا طَيُّ الكلام فيه إلى ما هو اللائق بإفهام بني
الزمان وعلومهم، ونهاية أقدامهم من المعرفة، وضعف عقولهم عن احتماله غير
أنا نعلم أن اللَّه رم سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن
وقعت في الطريق بيد من ليس عارفًا بها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل
فقه إلى من هو أفقه منه.
فاعلم: أن اللَّه ◌َ اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه
وخلقه لنفسه، وخلق كل شيءٍ له و خصه من معرفته و محبته وقربه وإکرامه بما لم
يعطه غيره، وسخر له في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته، الذين هم أهل
قربة استخدمهم وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه
وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم الخليل
والكليم والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته
وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره
على النوع الإِنساني، فإنه خلاصة الخلق، وهو المقصود بالأمر والنهي، وعليه
الثواب والعقاب، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده ونفخ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتّوْبَةِ
٤٩٥
من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة،
فمن دونهم من جميع المخلوقات وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه؛ إذ لم
يسجد له مع الساجدين، واتخذه عدوًّا له، فالمؤمنون من نوع الإنسان خير البرية
على الإطلاق وخيرية الله على العالمين، فإنه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر إحسانه
إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله، ولم يشعر
به ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا
بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوبًا له وأعد له
أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه؛ إذ أقدم عليه وعهد إليه عهدًا يقدم
إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة
عليه، وما يبعده منه ويسخطه عليه، ويسقطه من عينه، وللمحبوب عدو هو أبغض
خلق خلقه إليه قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له
دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده واتخذ منهم حزبًا ظاهروه، ووالوه
على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه، ويطعنون في
ربوبيته وإلهيته ووحدانيته، ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياءه، ويؤذونهم بأنواع
الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود، وإقامة الدولة لهم ومحو كل ما يحبه
الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه، فعرفه بهذا العدو وطرائقهم
وأعمالهم وما لهم، وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم، والكون معهم،
وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وأنه: سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وإنه قد أفاض على
خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وإنه يحب الإحسان والجود والعطاء
والبر، وأن الفضل كله بيده والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن
يجود على عباده ويوسعهم فضلًا ويغمرهم إحسانًا وجودًا، أو يتم عليهم نعمه،
ويضاعف لديهم مننه ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه
وآلائه؛ فهو الجواد لذاته، وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدًا أقل من ذرة
بالقياس إلى جوده. فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وجود كل جواد فمن
جوده، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر
ببال الخلق، أو يدور في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح
-
٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الآخذ بما يعطاه أو يأخذ أحوج ما هو إليه وأعظم ما كان قدرًا، فإذا اجتمع شدة
الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها، فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي
سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه، ولله المثل الأعلى؛ إذ هذا شأن
الجواد من الخلق فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة بعطائه،
وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي
وابتهاجه وسروره. هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم وثوقه
باستخلاف مثله، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه، والتعرض لذل الاستعانة بنظيره
ومن هو دونه، ونفسه قد طبعت على الحرص والشح، فما الظن بمن تقدس وتنزه
عن ذلك كله؟ ولو أنَّ أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرِهم وإنسهم وجنهم،
ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحدٍ فسألوه، فأعطى كلَّا ما سأله؛ ما نقص
ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته،
السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام،
والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه
من المنع .
فإذا تعرض عبده ومحبوبة الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضله على
غيره، وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره، ولم
يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه،
ووالى عدوه وظاهره عليه، وتحيز إليه وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي هي أحب
شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام، فقد استدعى من الجواد الكريم
خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه
وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع
کر مه وبره وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف
ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان.
فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذا انقلب آبقًا شاردًا رادًّا
لكرامته، مائلًا عنه إلی عدوه مع شدة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين،
فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيًّا لسيده، منهمكًا في موافقة
عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله؛ إذ عرضت له فكرة فتذكر بر سيده
٤٩٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وإنه
لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه، على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه
وجد في الهرب إلیه حتى وصل إلی بابه، فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى
أعتابه؛ متذللاً متضرعًا خاشعًا باكيًا آسفًا، يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه
ويعتذر إليه، قد ألقى بيده إليه، واستسلم له وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم
سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به،
وأبدله بالعقوبة عفوًا، وبالمنع عطاءً وبالمؤاخذة حلمًا، فاستدعى بالتوبة الرجوع
من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فكيف يكون
فرح سيده به؟ وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعًا واختيارًا، وراجع ما يحبه سيده منه
ويرضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق
الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه
حصل له شرود وإباق عن سيده، فرأى في بعض السكك بابًا قد فتح وخرج منه
صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه
ودخلت فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرًا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي
أخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب
مُرتجًّا فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه، فلما رأته على تلك
الحالة لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدى، أين
تذهب عني ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك
لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة لك، والشفقة عليك، وإرادتي الخير
لك؟ ثم أخذته ودخلت.
فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة
والشفقة وتأمل قوله بَّ: ((للهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا)) وأين تقع رحمة
الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته، فقد
استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه، فقد استدعى منه ما هو أهله
وأولى به، فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا
الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفو عنه
العبارة، وتدق عن إدراكه الأذهان، وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل، فإن كلَّا
٤٩٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
منهما منزل ذميم ومرتع على علاته وخيم، ولا يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا
الأمر ونفسه؛ لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم، كما هو مفسد لحاسة
الذوق، فلا يذوق طعم الإيمان ولا يجد ريحه. والمحروم كل المحروم من عرض
عليه الغنى والخير فلم يقبله، فلا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع، والفضل
بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ثم بسط ابن القيم الكلام في شرح
قول صاحب ((المنازل)) : - الثاني أن يقيم على عبده حجة عدله، فيعاقبه على ذنبه -
ثم ذكر النظر الرابع من الأنظار الخمسة التي تحصل عند صدور المعصية من العبد
وهو النظر إلى محل الجناية ومصدرها، أي: النفس الأمارة بالسوء وشرح في
ضمنه اللطيفة الثانية من لطائف أسرار التوبة، ثم ذكر النظر الخامس وهو نظره إلى
الآمر له بالمعصية المزين له فعلها، الحاض له عليها، وهو شيطانه الموكل به، ثم
أطال الكلام في شرح اللطيفة الثالثة من أحب الوقف على ذلك رجع إلى ((المدارج))
(ج١: ص١١٩ : ١٢٦).
٢٣٤٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((وَاللَّهِ إِنِّى
لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٣٤٦ - قوله: (وَاللهِ)، فيه: القسم على الشيء؛ تأكيدًا له، وإن لم يكن عند
السامع فيه شك. (إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ)، يحتمل أن يكون المراد: يقول:
هذا اللفظ بعينه ويؤيده ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر
أنه سمع النبيِوَ له يقول: ((أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي
الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ))، ويحتمل أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة
وينشئها. ويؤيده ما سيأتي في آخر الفصل الثاني من حديث ابن عمر قال: إن كنّا
نعد لرسول اللَّه ◌َلل في المجلس: ((رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب
الغفور))، مائة مرة. أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه
من طريق محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر.
(فِي الْيَوْم) الواحد. (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، كذا في رواية شعيب عن الزهري،
عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عند البخاري، وفي رواية معمر عن الزهري عن أبي
سلمة عند الترمذي، وابن السني: ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً))، وهكذا
وقع في حديث أنس عند أبي يعلى، والبزار، والطبراني، فيحتمل أن يريد به
المبالغة والتكثير. والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة،
ويحتمل أن يريد العدد بعينه. وقوله: في رواية الكتاب أكثر مبهم، فيحتمل أن
يفسر بحديث ابن عمر المذكور وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في رواية محمد بن
عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند النسائي، وابن ماجه بلفظ: ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ
(٢٣٤٦) الْبُخَارِي (٦٣٠٧)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٢٥٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.