النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦٠
aect X eese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٣٠ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ
يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الَّذِينَ يَّحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)).
[ضعيف، رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ]
الشرح
٢٣٣٠ - قوله: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ)، أي: بالدخول. (الَّذِينَ يَحْمَدُونَ
اللهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، أي: في حالة الرخاء والشدة والأحوال كلها، إذ
الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، والمقابل للسراء الحزن والضراء النفع، وفي
إيقاع التقابل بين السراء والضراء مزيد التعميم والإحاطة؛ لشمول نقيضهما كأنه
قال: في السرور والحزن والنفع والضر؛ لأن ذكر كل يقتضي ذكره مقابله،
فيتضمن ذكر الكل مع اختصار، وهذا طريق في البيان يسلكه الفصحاء وله نظائر .
وقيل: المعنى: أي: الذين يرضون عن مولاهم بما أجرى عليهم من الحكم، غنّى
كان أو فقرًا، شدةً كان أو رخاء، فالمراد: الدوام. وقيل: الحمد في السراء ظاهر،
وأمَّا في الضراء، فالحمد لأجل أنه تعالى لطف به ولم ينزل به أكبر من ذلك، أو
لأجل ما يشاهد في طي الضراء من الثواب وتكفير الذنوب.
(رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) حديث عبدالله بن عمرو، ذكره السيوطي
في ((الجامع الصغير))، ونسبه لعبد الرزاق في ((جامعه)) والبيهقي في ((شعبه)). قال
العزيزي: رجاله ثقات لكنه منقطع. وقال الحافظ في ((الفتح)): أخرج الطبري من
رواية عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إن الرجل إذا قال:
لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل اللَّه عملًا حتى يقولها، وإذا قال:
الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد حتى يقولها. وحديث ابن
عباس ذكره المنذري في ((الترغيب)).
وقال: رواه ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني في الثلاثة بأسانيد؛ أحدها: حسن
والحاكم (ج١ ص٥٠٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم. انتهى. قلت: ووافقه
(٢٣٣٠) البَيْهَقِي (٤٤٨٣) في الشُّعَب عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٤٦١
EXSE
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
الذهبي وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ١٠ ص٩٥)، وقال: رواه الطبراني
في الثلاثة بأسانيد، وفي أحدها قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وغيرهما وضعفه
یحیی القطان و غيره وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه إسناده حسن،
انتھی .
٢٣٣١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((قَالَ مُوسَى ◌ََّ: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِ شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ، أَوْ أَدْعُوَ بِهِ، فَقَالَ: يَا
مُوسَى، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَقَالَ: رَبِّ، كُلُّ عِبَادِلَ يَقُولُ هَذَا، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا
تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي،
وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ فِي كِفَّةٍ لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
[رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))]
الشرح
٢٣٣١ - قوله: (عَلِّمْنِي شَيْئًا)، أي: من الأذكار. (أَذْكُرَُ بِهِ) بالرفع على أنه
صفة لـ(شَيْئًا) وليس جوابًا للأمر بدليل قوله: (أَوْ أَدْعُوَكَ بِهِ)، وهو مرفوع بإثبات
الواو. وقيل: خبر مبتدأ محذوف استئنافًا، أي: أنا أذكرك به. قيل: ويجوز الجزم
وعطف (أَدْعُوَ) على منوال، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] على
قراءة إثبات الياء مع جزم ((يصبر)) اتقافًا. (أَوْ أَدْعُوَكَ بِهِ)، كذا في جميع النسخ
الحاضرة عندنا من ((المشكاة))، ويظهر من كلام القاري والشيخ الدهلوي إنه وقع
في أكثر نسخها الموجودة عندهما أو بالألف، وفي بعضها بالواو بدل ((أو))، وهكذا
بالواو وقع في ((مجمع الزوائد» (ج ١٠ ص٨٢) و((الكنز)) و((الترغيب)) و((المستدرك))
(ج ١ ص٥٢٨) فـ ((أو)) على ما في أكثر النسخ بمعنى الواو. وقيل: للتنويع.
(قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)، فإنه متضمن لكل ذكر ودعاء سواه مع زيادة دلالة على
توحيد ذاته وتفريد صفاته. (كُلُّ عِبَادَِ يَقُولُ) أفرد رعاية للفظ (كُلَّ) دون معناه.
(٢٣٣١) النَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٧٠) فِي عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.

٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(هَذَا)، أي: هذا الكلام أو هذا الذكر. (إِنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي)، أي: أنت.
(بِهِ)، أي: بذلك الشيء من بين عموم عبادك. (قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ
السَّبْعَ)، إلخ.
قال الطيبي: فإن قلت: طلب موسى عليه الصلاة السلام ما به يفوق على غيره
من الذكر أو الدعاء، فما مطابقة الجواب للسؤال؟ قلت: كأنه قال: طلبت شيئًا
محالًا؛ إذ لا ذكر ولا دعاء أفضل من هذا قال: وحاصل الجواب: إن ما طلبت من
أمر مختص بك، فائق على الأذكار كلها محال؛ لأن هذه الكلمة ترجح على
الكائنات كلها من السماوات وسكانها، والأرضين وقطانها. (وَعَامِرَهُنَّ) بالنصب
عطف على (السَّمَوَاتِ)، قيل: عامر الشيء: حافظه و مصلحه و مدبره الذي يمسكه
من الخلل؛ ولذا سمي ساكن البلد والمقيم به عامره، من عمرت المكان، إذا
أقمت فيه، والمراد: المعنى الأعم الذي هو الأصل ليصح استثناؤه تعالى منه
يقول: ((غَيْرِي)) قاله الطيبي. وقال غيره: أي: ساكنهن والاستثناء منقطع. وقيل:
المرادهنا: جنس من يعمرها من الملك وغيره، والله تعالى عامرها خلقًا وحفظًا،
وقد دخل فيه من حيث يتوقف عليه صلاحها توقفهن على الساكن؛ ولذا استثنى
وقال: ((غَيْرِي)) .
(وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ)، أي: الطباق ولم يذكر عامر الأرضين لقلته، أو اكتفى بذكر
عامر السماوات. (وُضِعْنَ) بصيغة المجهول. (فِي كِفَّةٍ) بكسر الكاف وتشديد
الفاء، يعني: كفة الميزان لاستدارتها، وكل مستدير كفة بالكسر، وكفة الميزان ما
يجعل عليه الموزون، ويقال لها بالفارسية: بلة ترازو. (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، أي:
ثوابها أو بطاقتها وهي ورقة كتابتها، ويؤيده حديث البطاقة. (فِي كِفَّةٍ)، أي:
أخرى. (لَمَالَتْ بِهِنَّ)، أي: لِرجحت عليهن وغلبتهن، وزادت عليهن، يقال: مال
بفلان، أي: غلبه. (لَا إِلَّهَ إِلّ اللهُ) هو من باب وضع الظاهر موضع الضمير.
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: يؤخذ منه أن الذكر بـ ((لا إله إلا
اللَّه)) أرجح من الذكر بـ ((الحمد لله))، ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعري
رفعه: ((وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ))، فإن الملء يدل على المساواة والرجحان صريح
في الزيادة فيكون أولى، ومعنى ملء الميزان إن ذاكرها يمتلئ ميزانه ثوابًا. انتهى.

٤٦٣
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
(رَوَاهُ)، أي: البغوي. (فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)))، أي: بإسناده والحديث ذكره
المنذري في الترغيب. وقال: رواه النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم
(ج ١ ص٥٢٨) كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وقال الحاكم:
صحيح الإسناد، انتهى. قلت: ووافقه الذهبي وذكره الحافظ في ((الفتح))، وقال:
أخرجه النسائي بسند صحيح ونسبه الهيثمي (ج١٠ ص٨٢) لأبي يعلى، وقال:
ورجاله وثقوا وفيهم ضعف، وذكره عَلِيُّ المتقي في ((الكنز)) (ج ١ ص٣٩٦) ونسبه
لأبي يعلى والحكيم الترمذي وابن حبان والحاكم وأبي نعيم في ((الحلية)) والبيهقي
في ((الأسماء)) .
٢٣٣٢، ٢٣٣٣ - [١٧ - ١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ طَّا
قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ،
قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛
يَقُولُ اللَّهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ
الْمُلْكِ، وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِيَ الْمُلْلُكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ:
لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِ) وَكَانَ يَقُولُ: ((مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ؛ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٣٣٢، ٢٣٣٣ - قوله: (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ◌َله)، في الترمذي وابن ماجه والحاكم: أنهما شهدا على رسول اللَّه ◌َله
قال: إلخ. قال ابن التين: أراد بهذا اللفظ التأكيد للرواية. قلت: هو من صنيع أداء
الحديث. قال السيوطي في ((تدريب الراوي)) (ص١٣٥): عقد الرامهر مزي أبوابًا
في تنويع ألفاظ التحمل والأداء؛ منها: الإتيان بلفظ الشهادة، كقول أبي سعيد:
(٢٣٣٢) ، (٢٣٣٣) التِّرْ مِذِي (٣٤٣٠) فِي الدُّعَاءِ، وَالنَّسَائِ فِي الْيَوْمِ وَالليْلَةِ، وَابن مَاجَهْ (٣٧٩٤) فِي
ثَوَابِ التَّسْبِيحِ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا.

٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أشهد على رسول اللَّه أنه نهى عن الجر أن ينتبذ فيه، وقول عبدالله بن طاوس:
أشهد على والدي أنه قال: أشهد على جابر بن عبدالله أنه قال: أشهد على
رسول اللَّهِ وَ لَ أنه قال: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ))، الحديث. وقول ابن عباس:
شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، الحديث. في الصلاة بعد العصر
وبعد الصبح.
(صَدَّقَهُ) بتشديد الدال. (رَبُّهُ، قَالَ)، أي: قال ربه بيانًا لتصديقه، أي: قرره بأن
قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ)، وهذا أبلغ من أن يقول: صدقت، قاله القاري،
قلت: قوله: (صَدَّقَهُ رَبُّهُ)، قال هكذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة))،
ووقع في الترمذي: ((صَدَّقَهُ رَبُّهُ))، وقال: أي: بزيادة الواو قبل قال، وهكذا نقله
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ص١٣٨) وفي ((الترغيب)): ((صَدَّقَهُ رَبُّهُ))، فقال:
أي: بالفاء بدل الواو، وفي ابن ماجه: ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ،
قَالَ: يَقُولُ اللهُ رَنْ صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ)) .
(وَإِذَا قَالَ)، أي: العبد. (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ اللهُ)، أي:
تصديقًا لعبده، وفي الترمذي ها هنا: ((قَالَ اللهُ))، (لَا إِلَّهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ
لِي)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة))، ووقع في الترمذي قبل ذلك:
((وَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ : - أي: النبي ◌َّ - يَقُولُ اللهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا
وَحْدِي))، وكذا وقع عند ابن ماجه، وهكذا نقله في ((الترغيب)) و((جامع الأصول))،
والظاهر: إنَّ ما في المشكاة اختصار من المصنف. قال القاري: وحذف ((صدقه
ربه)) هنا؛ للعلم به مما قبله، وعبر هنا بـ((يقول وثمة)) وفيما يأتي بقال: تفنًا. قلت:
وقع عند ابن ماجه، والحاكم كلمة: ((قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي))، ها هنا وفيما يأتي بعد،
والظاهر: أنه وقع الاختصار من أحد الرواة في رواية الترمذي. والله أعلم.
(قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لَا حَوْلَ)، قال القاري: وفي نسخة: يعني: من ((المشكاة))
و ((لا حول)) مطابقًا لما قبله. قلت: في نسخ الترمذي الموجودة عندنا: ((وَلَا حَوْلَ))
بالواو في الموضعين، وكذا وقع عند ابن ماجه، وهكذا في ((الترغيب))
و ((الجامع)). (وَكَانَ يَقُولُ)، أي: النبي ◌َّهِ. (مَنْ قَالَهَا)، أي: هذه الكلمات من
دون الجوابات. (ثُمَّ مَاتَ)، أي: من ذلك المرض. (لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ)، أي: لم

٤٦٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
ECKEN
تمسه أو لم تحرقه، يعني لم تأكله، استعار الطعم للإحراق، مبالغة، كأن الإنسان
طعامها تتقوى وتتغذى به، وفي ابن ماجه: ((مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدِ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ)) .
قال السندي: ((مَنْ رُزِقَهُنَّ)) على بناء المفعول ورجع نائب الفاعل إلى (مَنْ)، أي:
من أعطاه الله تعالى هذه الكلمات عند موته ووفقه لها. ((لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ))، بل يدخل
الجنة ابتداء مع الأبرار، انتهى. وفي الحديث: دليل على أن هذه الكلمات
المذكورة في الحديث، إذا قالها العبد في مرضه ومات في ذلك المرض على تلك
الكلمات، أي: كانت خاتمة كلامه الذي يتكلم به عاقلا مختارًا لم تمسه النار ولم
يضره ما تقدم من المعاصي، وأنها تكفر جميع الذنوب وارجع إلى ((تحفة
الذاكرين)) (ص٢٣١، ٢٣٥ - ٢٣٦).
(رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ)، وقال: حديث حسن.
(وَابْنُ مَاجَهْ)، وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم
(ج ١ ص٥)، وقال: هذا حديث صحيح، رواه كلهم من طريق أبي إسحاق، عن
الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة. قال الترمذي: وقد رواه شعبة عن أبي
إسحاق عن الأغر عنهما نحوه بمعناه، ولم يرفعه شعبة، وكذا قال الذهبي في
((تلخيص المستدرك)) أوقفه شعبة وغيره. انتهى.
قلت: ولا يضر وقف من وقفه؛ فإن الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة، ولو
سلم، فهو مرفوع حكمًا؛ لأن الحكم المذكور فيه مما لا مسرح للاجتهاد فيه.
٢

٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٣٤ - [١٩] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ عَلَى
امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَّى، أَوْ حَصَّى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَّلَ: ((أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ
عَلَيْكِ مِنْ هَذَا، أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ
عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا
هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مِثْلَ
ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٣٣٤ - قوله: (عَلَى امْرَأَةٍ)، أي: محرم له، أو كان ذلك قبل نزول الحجاب
على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية. (وَبَيْنَ يَدَيْهَا) الواو للحال. (نَوَّى) اسم جمع
النواة وهي عظم التمر. (أَوْ حَصَّى) اسم جمع لحصاة وهي الأحجار الصغيرة و ((أَوْ))
للشك من الراوي. (تُسَبِّحُ)، أي: المرأة. (بِهِ)، أي: بما ذكر من النوى أو
الحصى، وهذا لفظ أبي داود، والترمذي: و((بين يديها نواة))، أو قال: ((حصاة
تسبِّح بها)). وفيه: دليل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، قيل: وكذا
بالسبحة؛ لعدم الفارق بين المنظومة والمنثورة، وهذا لتقريره وَل المرأة على ذلك
وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، كذا قيل، وعندي فيه
نظر؛ لأن الحديث ضعيف، وإن حسنه الترمذي وصححه الحاكم والذهبي ولم
يثبت عد التسبيح بالحصى أو النوى مرفوعًا من فعله أو قوله أو تقريره وَّ، والخير
إنما هو في اتباع ما ثبت عنه، لا في ابتداع من خلف.
(فَقَالَ)، أي: النبيِ وََّ. (أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ)، أي: أخف وأسهل. (مِنْ
هَذَا)، أي: من هذا الجمع والتعداد. (أَوْ أَفْضَلُ؟)، قيل: ((أو)) للشك من سعد أو
ممن دونه. وقيل: بمعنى الواو. وقيل: بمعنى ((بل)). قال القاري: وهو الأظهر.
قلت: وقع في بعض نسخ الترمذي: ((وَأَفْضَلُ))، أي: بالواو، وهذه النسخة تؤيد
(٢٣٣٤) أَبُو دَاوُد (١٥٠٠) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٦٨) فِي الدَّعَوَاتِ، وَقال التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ.

٤٦٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
أن ((أو)) الواقعة في أبي داود، وبعض نسخ الترمذي بمعنى الواو.
قال الطيبي: وإنما كان أفضل؛ لأنه اعتراف بالقصور، وإنه لا يَقْدِرُ أَنْ يُحْصِىَ
ثناؤه، وفي العد بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء.
قال القاري: وفيه: أنه لا يلزم من العد هذا الإقدام ثم ذكر وجوهًا أخرى
للأفضلية، ولا يخلو واحد منها عن خدشة ولا يخفى ذلك على المتأمل. (سُبْحَانَ
اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ)، فيه: تغليب لكثرة غير ذوي العقول الملحوظة في المقام. (عَدَدَ
مَا بَيْنَ ذَلِك)، أي: ما بين ما ذكر من السماء والأرض من الهواء والطير والسحاب
وغيرها. (عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ)، أي: خالقه، أو خالق له فيما بعد ذلك، واختاره ابن
حجر وهو الأظهر، لكن الأدق الأخفى ما قال الطيبي: أي: ما هو خالق له من
الأزل إلى الأبد، والمراد: الاستمرار، فهو إجمال بعد التفصيل؛ لأن اسم الفاعلِ
إذا أسند إلى الله تعالى يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلى الأبد، كما تقول: الله
قادر عالم، فلا تقصد زمانًا دون زمان.
(وَاللهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِك)، قال الطيبي: منصوب نصب عدد في القرائن السابقة على
المصدر. وقال بعض الشراح: بنصب ((مِثْلَ))، أي: الله أكبر عدد ما هو خالقه،
أي: بعدده فجعل مرجع الإشارة إلى أقرب ما ذكر، والظاهر: أن المشار إليه جميع
ما ذكر، فيكون التقدير: اللَّه أكبر عدد ما خلق في السماء، والله أكبر عدد ما خلق
في الأرض، والله أكبر عدد ما خلق بين ذلك، والله أكبر عدد ما هو خالق، ذكره
القاري، قال: والأظهر: إن هذا من اختصار الراوي، فنقل آخر الحديث بالمعنى؛
خشية الملالة بالإطالة، ويدل على ما قلنا بعض الآثار أيضًا. انتهى.
وقال في ((اللمعات)): المثل منصوب، نصب عدد في القرائن السابقة، وهذا ما
عبارة عن العبارة السابقة، أي: قال: اللَّه أكبر عدد ما خلق في السماء، إلخ. أو
قال: لفظ (مِثْلَ ذَلِكَ) بدل (عَدَدَ مَا خَلَقَ). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَأَبُو
دَاوُدَ) في أواخر الصلاة وأخرجه أيضًا النسائي في اليوم والليلة، وابن حبان في
((صحيحه) والحاكم (ج ١ ص٥٤٨) كلهم من طريق عمرو بن الحارث، عن سعيد
ابن أبي هلال، عن خزيمة، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها. وقال
الترمذي: حديث حسن، وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ، ونقل المنذري تحسين الترمذي
وأقره. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*CcINe :* were
قلت: في تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم والذهبي نظر، فإن خزيمة هذا
مجهول. قال الذهبي نفسه في ((الميزان)): خزيمة لا يعرف، تفرد عنه سعيد بن أبي
هلال، وكذا قال الحافظ في ((التقريب)): إنه لا يعرف وسعيد بن أبي هلال مع ثقته،
حكى الباجي عن أحمد أنه اختلط، فأنى للحديث الصحة أو الحسن.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من
((المشكاة)). قال القاري: وفي نسخة ((حسن غريب))، قلت: وهذه هي الصواب؛
لموافقتها لما وقع في ((جامع الترمذي)) ولما نقله المنذري في ((تلخيص السنن)) وفي
((الترغيب)).
٢٣٣٥ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ، وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ؛ كَانَ كَمَنْ حَجَّ
مِائَةَ حَجَّةٍ، وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ، وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ؛ كَانَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى
مِائَةٍ فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ هَلَّلَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ، وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ؛ كَانَ
كَمَنْ أَعْتَقُّ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ، وَمِائَةً
بِالْعَشِيِّ؛ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ، إِلَّ مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ،
أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٣٣٥ - قوله: (مَنْ سَبَّحَ اللهَ مِائَةً)، أي: من قال: سبحان الله مائة مرة.
(بِالْغَدَاةِ، وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ)، أي: أول النهار، وأول الليل، أو في الملوين. (كَانَ
كَمَنْ حَجَّ مِائَةَ حَجَّةٍ)، أي: نافلة دل الحديث على أن الذكر بشرط الحضور مع الله
بسهولته أفضل من العبادات الشاقة بغفلة، ويمكن أن يكون الحديث من باب
إلحاق الناقص بالكامل، مبالغة في ((الترغيب))، ويراد التساوي بين التسبيح
المضاعف بالحجج غير المضاعفة. والله أعلم.
(٢٣٣٥) التِّرْ مِذِي (٣٤٧١) (٤/ ١٤١٧) فِي الدَّعَوَاتِ عن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَقَالَ:
غَرِيبٌ.

٤٦٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
(كَانَ كَمَنْ حَمَلَ) بالتخفيف، أي: أركب مائة نفس. (عَلَى مِائَةِ فَرَسِ فِي سَبِيلِ
اللهِ)، أي: في نحو الجهاد، إمَّا صدقة، أو عارية، وفي الترمذي بعد هذا: أو قال:
((غَزَا مِائَةَ غَزَاةٍ))، وهو شك من الراوي. (وَمَنْ هَلَّلَ اللهَ)، أي: قال: لا إله إلا الله.
(كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ)، فيه: تسلية للذاكرين من الفقراء العاجزين عن العبادات
المالية المختصة بها الأغنياء. (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) بضم الواو وسكون اللام
وبفتحهما يقع على الواحد والثنية والجمع، فإن قلت: ما وجه تخصيص كونه من
ولد إسماعيل ظلِّل. قلت: لأن من كان من ولده له فضل على عتق غيره، وذلك أن
محمد أو إسماعيل وإبراهيم - صلوات الله وسلامه عليهم - بعضهم من بعض،
وقال الطيبي: قوله: ((مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ))، تتميم ومبالغة في معنى العتق؛ لأن فك
الرقاب أعظم مطلوب، وكونه عن عنصر إسماعيل الذي هو أشرف الخلق نسبًا
أعظم وأمثل.
(لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَومَ أَحَدٌ)، أي: يوم القيامة. (بِأَكْثَرَ)، أي: بثواب أكثر، أو
المراد: بعمل أفضل، وإنما عبر بأكثر؛ لأنه معنى أفضل. (مِمَّا أَتَّى بِهِ)، أي: جاء
به أو بمثله. قيل: ظاهره: أنَّ هذا أفضل من جميع ما قبله، والذي دلت الأحاديث
الصحيحة الكثيرة، إنَّ أفضل هذا: التهليل، فالتحميد، فالتكبير، فالتسبيح،
فحينئذ يؤول بأن يقال: لم يأت في ذلك اليوم أحد غير المهلل والحامد المذكورين
أكثر مما أتى به.
(إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ)، الكلام فيه كما مر في حديث أبي
هريرة في الفصل الأول. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) في سنده
الضحاك بن حمرة بضم الحاء وسكون الميم وفتح الراء المهملة الأملوكي بضم
الهمزة الواسطي، روي عن عمرو بن شعيب وغيره، قال الحافظ في ((التقريب)): إنه
ضعيف. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي
والدولابي: ليس بثقة. وقال البرقاني عن الدارقطني: ليس بالقوي يعتبر به. وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن شاهين في ((الثقات)): وثقه إسحاق بن راهويه، انتهى مختصرًا. وقال
الذهبي في ((الميزان)): قال النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث

٤٧٠
peserx Xness
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مجهول. وقال ابن معين: ليس بشيء. ثم ذكر الذهبي هذا الحديث، ثم قال: رواه
الترمذي عن محمد بن وزير الواسطي عن أبي سفيان الحميري عن الضحاك بن
حمرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحسنه فلم يصنع شيئًا .
٢٣٣٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ
اللَّهِ حِجَابٌ، حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ]
الشرح
٢٣٣٦ - قوله: (التَّسْبِیحُ نِصْفُ الْمِیزَانِ)، أي: ثوابه بعد تجسمه يملأ نصف
الميزان، والمراد به: إحدى كفَّتيه الموضوعة؛ لوضع الحسنات فيها. (وَالْحَمْدُ
للهِ يَمْلَؤُهُ)، أي: الميزان كله لو وضع فيه وحده، فيكون أفضل من التسبيح،
ويكون ثوابه ضعف ثواب التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان والحمد لله وحده
يملؤه، أي: يملأ كفتيه، أو المراد: أن الحمد لله يملأ نصفه الآخر، أي: لو وضع
ثوابه في الكفة الأخرى بعد وضع ثواب التسبيح في إحدى كفتيه؛ امتلأ الميزان،
فيكون ثواب الحمد كثواب التسبيح؛ لأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان
فيملآن الميزان معًا، فيكونان متساويين. قال الطيبي: في الحديث توجيهان:
أحدهما: أن يراد: التسوية بين التسبيح والتحميد، بأن كل واحد منهما يأخذ
نصف الميزان فيملآن الميزان معًا، وذلك؛ لأن الأذكار التي هي أم العبادات
البدنية تنحصر في نوعين؛ أحدهما: التنزيه، والآخر: التحميد، والتسبيح
يستوعب القسم الأول، والتحميد يتضمن القسم الثاني.
وثانيهما: أن يراد: تفضيل الحمد على التسبيح، وأن ثوابه ضعف ثواب
التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان والتحميد وحده يملؤه وذلك؛ لأن الحمد
(٢٣٣٦) التِّرْمِذِي (٣٥١٨) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: غريب.

٤٧١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
35
المطلق إنما يستحقه من كان مبرأ عن النقائص، منعوتًا بنعوت الجلال وصفات
الإكرام، فيكون الحمد شاملًا للأمرين وأعلى القسمين؛ وإلى الوجه الأول
الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللَّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي
الْمِيزَانِ))، وإلى الثاني: بقوله صلوات اللَّه عليه: ((بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ))، أقول: يؤيد
معنى الترجيح الترقي في قوله: ولا إله إلا اللَّه ليس لها حجاب؛ لأن هذه الكلمة
اشتملت على التنزيه والتحميد لله تعالى كما مر، وعلی نفي ذلك عما سواه صريحًا
ومن ثم جعل من جنس آخر؛ لأن الأولين دخلا في معنى الوزن والمقدار في
الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلى الله تعالى من غير حاجز ولا مانع. انتهى
كلام الطيبي.
واستشكل ظاهر الحديث: بأن التحميد إذا كان يملأ الميزان، فبقية الأعمال
كيف توزن؟ وظاهر الأحاديث الواردة في وزن الحسنات والسيئات، أن جميع
الأعمال الحسنة توضع في كفة واحدة. والسيئات بأسرها في الأخرى، وأجيب:
بأنه يحتمل أن تجعل تلك الأعمال والأذكار عند الوزن في صور وأجسام صغيرة،
ومع ذلك لا يتفاوت وزنها ولا يزاحم بعضها بعضًا، والله أعلم. (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
لَيْسَ لَهَا دُونَ اللهِ حِجَابٌ)، أي: ليس لقبولها حجاب يمنعها عنه؛ لاشتمالها على
التنزيه والتحميد ونفي السوي صريحًا .
(حَتَّى تَخْلُصَ) بضم اللام. (إِلَيْهِ)، أي: تصل إليه وتنتهي إلى محل القبول،
والمراد بهذا وأمثاله: سرعة القبول والإجابة، وكثرة الأجر والإثابة، وفيه: دلالة
ظاهرة أن لا إله إلا اللَّه أفضل من سبحان الله والحمد لله. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من
طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبدالله بن يزيد،
عن عبدالله بن عمرو. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بِالْقَوِيِّ)، أي:
إسناده ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن زياد ضعيف وإسماعيل بن عياش صدوق في
روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم.

٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٣٣٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَا قَالَ
عَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مُخْلِصًا قَطَّ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، حَتَّى يُقْضِيَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)).
الشرح
٢٣٣٧ - قوله: (مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا)، أي: حال كونه مخلصًا
من قلبه؛ لا منافقًا ولا مرائيًا. (قَطَّ) كذا في جميع النسخ مِن ((المشكاة)) أي وقع قط
بعد قوله: ((مُخْلِصًا))، وفي الترمذي: ((مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ قَطَّ مُخْلِصًا))، أي:
وقع لفظ ((قَطَّ)) قبل (مُخْلِصًا))، وهكذا وقع في ((الترغيب)) و((جامع الأصول))
و ((الحصن)) و((الجامع الصغير)).
(إِلَّا فُتِحَتْ) بصيغة المجهول مخففًّا وقد يشدد. (لَهُ)، أي: لهذا الكلام أو
القول. (أَبْوابُ السَّمَاءِ)، أي: فلا تزال كلمة الشهادة صاعدة. (حَتَّى يُفْضِيَ) بضم
الياء وكسر المعجمة بصيغة المعلوم من الإفضاء، أي: يصل وقوله: (يُفْضِيَ)
بالياء، كذا وقع في جميع النسخ من المشكاة، وهكذا نقله في ((الترغيب)) و((جامع
الأصول))، وفي الترمذي: (تُفْضِيَ))، أي: بالتاء، وهكذا الحصن و((الجامع
الصغير)). (إِلَى الْعَرْشِ)، أي: ينتهي إليه. (مَا اجْتَنَبَ)، أي: صاحبه. (الْكَبَائِرَ)،
أي: وذلك مدة تجنب قائلها الكبائر من الذنوب.
قال الطيبي: الحديث السابق دلَّ على تجاوزه من العرش حتى انتهى إلى الله
تعالى، والمراد من ذلك: سرعة القبول والاجتناب عن الكبائر شرط للسرعة لا
لأجل الثواب والقبول، انتهى، أو لأجل كمال الثواب ومراتب القبول؛ لأن السيئة
لا تحبط الحسنة بل الحسنة تذهب السيئة كذا في ((المرقاة))، وفي الحديث تحذير
عن ارتكاب الكبائر، وإشعار إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
ج
٠٠يرو
الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
(٢٣٣٧) التِّرْمِذِي (٣٥٩٠) فِي الدُّعَاءِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٦٩) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ.

٤٧٣
set
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
er:9
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) نسبه الجزري في ((الحصن)) للترمذي والنسائي والحاكم.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، وفي الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهكذا في
((الترغيب)) و((شرح الجامع الصغير)) للعزيزي.
٢٣٣٨ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((لَقِيتُ
إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَّ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ
الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرَبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا]
الشرح
٢٣٣٨ - قوله: (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ)، أي: الخليل عليه الصلاة والسلام. (لَيْلَةَ
أُسْرِيَ بِي)، قال القاري: بالإضافة، وفي نسخة: يعني: من المشكاة بتنوين
((لَيْلَةً))، أي: ليلة أسري فيها بي، وهي ليلة المعراج. (فَقَالَ)، أي: إِبراهيم، وهو
في محله من السماء السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. (أَقْرِئْ أَمَّتَك) أمر من
الإقراء، أي: بلغهم وأوصلهم.
(مِنِّي السَّلَامَ)، يقال: أقرأ فلان فلانًّا السلام، وأقرأ ظلَّ، أي: أبلغه إياه، كأنه
حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. قال القاري: وفي نسخة:
يعني: من المشكاة ((اقْرَأْ))، أي: بكسر الهمزة، وفتح الراء من القراءة، أي:
أبلغهم من جانبي السلام، وفيه: ما قيل، إنه يقال في الأمر منه: اقْرَأْ عليه السلام،
وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقرأه السلام. قال القاري: لكنْ في الصحاح
والقاموس: أَنَّ قَرأهُ السلامَ وَأَقْرأهُ السلامَ بمعنَّى. (طَيِّبَةُ التَّرْبَةِ) بضم التاء وسكون
الراء وهي التراب، فإن ترابها المسك والزعفران، ولا أطيب منهما. (عَذْبَةُ
الْمَاءِ)، أي: ماؤها طيب لا ملوحة فيه.
(٢٣٣٨) التِّرْمِذِي (٣٤٦٢) فِي الدُّعَاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأَنَّهَا) بفتح الهمزة وتكسر، أي: الجنة. (قِيعَانٌ) بكسر القاف جمع قاع، وهي
الأرض المستوية الخالية من الشجر. (وَأَنَّ) بالوجهين. (غِرَاسَهَا) بكسر الغين
المعجمة جمع غرس بالفتح، بمعنى المغروس، والضمير إلى القيعان. قال القاري:
جمع غرس بالفتح: وهو ما يغرس، أي: يستره تراب الأرض من نحو البذر لينبت بعد
ذلك، وإذا كانت تلك التربة طيبة، وماؤها عذابًا كان الغراس أطيب، لا سيَّما.
والغرس الكلمات الطيبات، وهن الباقيات الصالحات، والمعنى: أعلمهم بأن هذه
الكلمات ونحوها سبب لدخول قائلها الجنة؛ ولكثرة أشجار منزله فيها؛ لأنه كلما
كررها نبت له أشجار لعددها. انتھی .
قال التوربشتي: الغرس، إنما يصلح في التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب،
أي: أعلمهم أنَّ هذه الكلمات تورث قائلها الجنة، وأن الساعي في اكتسابها لا
يضيع سعيه؛ لأنها المغرس الذي لا يتلف ما استودع فيه. قال الشيخ الدهلوي:
واستشكل: بأنه يدل على أن أرضها خالية عن الأشجار والقصور؛ وهو خلاف
مدلول الجنة. وأجيب: بأنه لا يدل على أنها الآن قيعان بل على أنها في نفسها
قيعان، والأشجار فيها مغروسة بجزاء الأعمال، أو المراد: إن الأشجار فيها لما
كانت لأجل الأعمال، فكأنه غرست بها فافهم.
وقال الطيبي: في هذا الحديث إشكال؛ لأنه يدل على أن أرض الجنة خالية عن
الأشجار والقصور، ويدل قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقوله:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] على أنها غير خالية عنها؛ لأنها إنما سميت جنة
لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها، وتركيب الجنة دائر على معنى
الستر، وإنها مخلوقة معدة، والجواب: أنها كانت قيعانًا ثم إن الله تعالى أوجد
بفضله وسعة رحمته فيها أشجارًا وقصورًا على حسب أعمال العاملين لكل عامل ما
يختص به بحسب عمله، ثم إن اللَّه تعالى لما يسره لما خلق له من العمل؛ لينال به
ذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز؛ إطلاقًّا للسبب على
المسبب. انتھی.
وأجيب أيضًا: بأنه لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الأشجار
والقصور؛ لأن معنى كونها قيعانًا أن أكثرها مغروس وما عداه منها أمكنة واسعة بلا
غرس؛ لينغرس بتلك الكلمات، ويتميز غرسها الأصلي الذي بلا سبب وغرسها
المسبب عن تلك الكلمات.

٤٧٥
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، قال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه
الترمذي والطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) وزاد: ((وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ))،
روياه من طريق عبد الواحد بن زياد عن عبدالرحمن بن إسحاق عن القاسم بن
عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود. (وَقَالَ)، أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
غَرِيبٌ إِسْنَادًا)، وفي ((الجامع)) للترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه من
حديث ابن مسعود.
قال المنذري: أبو القاسم هو عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود وعبدالرحمن
هذا لم يسمع من أبيه، وعبدالرحمن بن إسحاق هو أبوشيبة الكوفي واوٍ، ورواه
الطبرانيِ أيضًا بإسناد واوٍ من حديث سلمان الفارسي ولفظه: قال: سمعت
رسول اللَّه وَلَه يقول: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قِيعَانًا، فَأَكْثِرُوا مِنْ غَرْسِهَا))، قالوا: يا
رسول الله، وما غرسها؟ قال: ((سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ
أَكْبَرُ))، انتهى. قلت: ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص٨٩ - ٩٠)،
وقال: فيه الحسين بن علوان وهو ضعيف.
٢٣٣٩ - [٢٤] وَعَنْ يُسَيْرَةَ رَّا - وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ - قَالَتْ:
قَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ وَله: ((عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ
بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَّا تَغْفُلْنَ فَتَنْسِينَ الرَّحْمَةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٣٣٩ - قوله: (وَعَنْ يُسَيْرَةَ) بمثناة تحتية مضمومة وسين وراء مهملتين
مفتوحتين بينهما مثناة تحتية ساكنة. ويقال: أسيرة بالهمزة في أوله بدل الياء، أم
ياسر بمثناة تحت وكسر سينٍ مهملة، ويقال: بنت ياسر، وتكنى أم حميضة.
(وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ)، الأول المبايعات. وقيل: من الأنصار. قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)): ذكرها ابن سعد في ((النساء الغرائب من غير الأنصار)). وقال
ابن حبان وابن مندة وأبونعيم وابن عبدالبر: كانت من المهاجرات.
(٢٣٣٩) أَبُو دَاوُد (١٥٠١) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٨٣) فِي الدُّعَاءِ عن يُسَيرَةُ بِنْتِ يَاسِرٍ .

٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: قد أخرج أحمد والترمذي وابن سعد من طريق هانئ بن عثمان عن أمه
حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة وكانت من المهاجرات: قالت: قال رسول الله
وَهِ: ((عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيح)) الحديث. وفي رواية الحاكم: وكانت إحدى
المهاجرات، وهذا يؤيد ما قاله ابن حبان ومن وافقه. (قَالَ لَنَا)، أي: معشر
النساء. (رَسُولُ اللهِ نََّ) زاد في ((المسند)) بعده: ((يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ))، (عَلَيْكُنَّ)
اسم فعل بمعنى الزمن وأمسكن. (بِالتَّسْبِيح) أي: بقول: سبحان الله.
(وَالتَّهْلِيلِ)، أي: قول: لا إله إلا الله. (وَالتَّقْدِيَسِ)، أي: قول: سبحان الملك
القدوس، أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
(وَاعْقِدْنَ) بكسر القاف، أي: عددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه.
(بِالْأَنَامِلِ)، أي: بعقدها أو برؤوسها، يقال: عقد الشيء بالأنامل عَدَّهُ. قال
الطيبي: حرضهن النبي وَلّ على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن؛ ليحط عنها
بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب. انتهى.
والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات التي فيها الظفر، كذا في
((القاموس))، والظاهر: أن يراد بها: الأصابع من باب إطلاق البعض، وإرادة الكل
عكس ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَِعَهُمْ فِي ءَاذَانِم﴾ [البقرة: ١٩] لإرادة المبالغة.
(فَإِنَّهُنَّ)، أي: الأنامل كسائر الأعضاء. (مَسْئُولَاتٌ)، أي: يُسْأَلْنَ يوم القيامة عما
اكتسبن، وبأي شيء استعملن .
(مُسْتَنْطَقَاتٌ) بفتح التاء، أي: متكلمات بخلق النطق فيها، فيشهدن لصاحبهن،
أو عليه بما اكتسبه من خير أو شر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (?
﴾ [النور: ٢٤]، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ
وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] وفيه حث على استعمال الأعضاء فيما يرضي الرب تعالى،
وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام. (وَلَا تَغْفُلْنَ) بضم الفاء والفتح لحن،
أي: عن الذكر، يعني: لا تتركن الذكر.
(فَتَنْسِيْنَ الرَّحْمَةَ) بفتح التاء بصيغة المعروف من النسيان، أي: فتتركن
الرحمة، والمراد بنسيان الرحمة نسيان أسبابها، أي: لا تتركن الذكر، فإنكن لو
تركتن الذكر لحرمتن ثوابه، فكأنكن تركتن الرحمة، قال تعالى: ﴿فَذْكُرُونِيّ ﴾ [البقرة:
١٥٢]، أي: بالطاعة ﴿أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، أي: بالرحمة. ويجوز أن يكون ((تنسين))

٤٧٧
ges
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
بضم المثناة الفوقية بصيغة المجهول من الإنساء، ونصب ((الرَّحْمَةَ)) على المفعول
الثاني، والمعنى: لا تغفلن عن الذكر بأن تتركنه فتنسين من الرحمة وتحرمن ثواب
الذكر. قال الطيبي: لا تغفلن نهي لأمرين، أي: لا تغفلن عما ذكرت لكن من
اللزوم على الذكر، والمحافظة عليه. والعقد بالأصابع توثيقًا وقوله: ((فَتَنْسَيْنَ))
جواب: لَوْ، أي: إنكن لو تغفلن عما ذكرت لَكِنَّ لتركتن سدى عن رحمة الله،
وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١] أولا يكن
منكن الغفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، فعبر بالنسيان عن ترك الرحمة، كما في
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ اُلْيَوْمَ نُسَى﴾ [طه: ١٢٦]. انتهى.
قال الشوكاني: والحديث يدل: على مشروعية عقد التسبيح بالأنامل. وقد
أخرج أَبُو دَاوُدَ والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن عبدالله بن
عمرو، قال: رأيت رسول اللّه وَ ل يعقد التسبيح بيده، زاد في رواية لأبي داود
وغيره: بيمينه. وقد علل رسول اللَّه ◌َ ليل ذلك في حديث يسيرة، بأن الأنامل
مسئولات مستنطقات، يعني: أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه
الحيثية أولى من السبحة والحصى. قلت: ويدل على جواز عد التسبيح بالنوى
والحصى. حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم، وحديث صفية قالت: دخل عليَّ
رسول اللّهِ وَ له وبين يديَّ أربعة آلات نواة أسبح بها. الحديث. أخرجه الترمذي
والحاكم وصححه السيوطي.
قال الشوكاني: هذان الحديثان يدلان: على جواز عد التسبيح بالنوى
والحصى، وكذا بالسبحة؛ لعدم الفارق؛ لتقريره وَليو للمرأتين على ذلك وعدم
إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز. وقد وردت بذلك آثار ثم
ذكرها من شاء الوقوف عليها رجع إلى ((النيل)) (ج٢ ص٢١١)، قلت: حديث سعد
قد قدمنا أنه ضعيف. وأمَّا حديث صفية فهو أيضًا ضعيف ضعفه الترمذي، بقوله:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي عن
كنانة مولى صفية عن صفية، وليس إسناده بمعروف، وأمّا الحاكم، فقال: صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي وتبعه السيوطي واغتر به الشوكاني، وهذا منهم عجيب،
فإن هاشم بن سعيد هذا أورده الذهبي في ((الميزان)). وقال: قال ابن معين: ليس

٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
بشيء. وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه. ولهذا قال الحافظ في
((التقريب)): ضعيف.
فائدة: اعلم: أن للعرب طريقة معروفة في عقود الحساب تواطؤوا عليها، وهي
أنواع من الآحاد والعشرات والمئين والألوف. أمَّا الآحاد، فللواحد عقد الخنصر
إلى أقرب ما يليه من باطن الكف وللاثنين عقد البنصر معها كذلك، وللثلاثة عقد
الوسطى معها كذلك، وللأربعة حل الخنصر، وللخمسة حل البنصر معها دون
الوسطى، وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل، وللسبعة بسط الخنصر إلى
أصل الإبهام مما يلي الكف، وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك، وللتسعة بسط
الوسطى فوقها كذلك، وأمَّا العشرات فلها الإبهام والسبابة، فللعشرة الأولى عقد
رأس الإبهام على طرف السبابة، وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى،
وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة، وللأربعين ترك
الإبهام على العقد الأوسط من السبابة، وعطف الإبهام إلى أصلها، وللخمسين
عطف الإبهام إلى أصلها، وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس
الأربعين، وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة. ورد طرف
السبابة إلى الإبهام، وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها، وبسط الإبهام على
جنب السبابة من ناحية الإبهام، وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها
بالإبهام. وأمَّا المئين، فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى والألوف كالعشرات
في اليسرى، كذا في ((سبل السلام)) (ج ١ ص ٣٠٦، ٣٠٧) وفي تفصيل هذه الطريقة
المعروفة عند العرب وتوضيحها رسالة لطيفة في اللغة الأردية اسمها: ((عقد أنامل))،
وهي ترجمة ما ذكره صاحب: ((غياث اللغات))، (ص٢٩١، ٢٩٢) بالفارسية.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) واللفظ للترمذي، وفي رواية أبي داود: أنَّ النبي ◌َله
أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهن
مسئولات مستنطقات. وأخرج أحمد (ج٦ ص٣٧١) والنسائي في ((الكبرى)) وابن
سعد والحاكم، والطبراني بلفظ الترمذي. وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه
من حديث هانئ بن عثمان. انتهى. وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ والمنذري. وقال الذهبي :
صحيح .

٤٧٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِلِ وَالتَّكْبِيرِ
الفصل الثالث
٢٣٤٠ - [٢٥] عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى
رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا
شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا
حَوَّلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم)) فَقَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ فَقَالَ:
(قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِي)). شَكَ الرَّاوِي
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
فِي (عَافِي)).
الشرح
٢٣٤٠ - قوله: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ)، أي: بدوي. (عَلَّمْنِي كَلَامًا)، أي: ذكرًا.
(أَقُولُهُ)، أي: ألازم وأداوم عليه. (اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) منصوب بفعل محذوف، أي:
كبرت كبيرًا، أو ذكرت كبيرًا، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة كقولك: زيد أبوك
عطوفًا. (وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا) صفة مفعول مطلق، أي: حمدًا كثيرًا.
(الْعَزِيزِ الْحَكِيم)، وفي رواية البزار: ((الْعَلِيِّ الْعَظِيم))، وهو المشهور على
الألسنة. (فَقَالَ)، أي: الأعرابي، وفي مسلم: ((قال))َ بدون الفاء، وكذا في
((المسند))، وهكذا وقع في ((الترغيب)) و((جامع الأصول)). (فَهَؤُلَاءِ)، أي:
الكلمات، وفي ((المسند)): هؤلاء وهكذا في ((الترغيب)) و((الجامع)). (لِرَبِّي)، أي:
موضوعة لذكره. (فَمَالِي)، أي: من الدعاء لنفسي. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) بمحو
السيئات. (وَارْحَمْنِي)، أي: بتوفيق الطاعات. (وَاهْدِنِي)، أي: لأحسن
الأحوال. (وَارْزُقْنِي)، أي: المال الحلال. (وَعَافِي)، أي: من الابتلاء بما
يضر في المآل.
(شَكَ الرَّاوِي) هو موسى الجهني الراوي للحديث عن مصعب بن سعد عن
أبيه. (فِي عَافِي)، أي: في إثباته ونفيه. والراجح: إثباته؛ لأن الحديث رواه مسلم
(٢٣٤٠) مُسْلِمٌ (٢٦٩٦) عنه.