النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال الهيثمي (ج١٠ ص١٥٩): وهو عند الترمذي طرف منه، قال: ورجال أحمد وأبي يعلى، وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة. (وَالتِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي في ((الكبرى)) والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في ((الشعب)) كما في ((فتح القدير)) (ج٣ص ٤١٠) والحاكم (ج١ ص٥٠٥)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وزاد الحاكم في طريق عنده، فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله: ((أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ وَلَّ: ﴿وَتَجَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾)) (الأنبياء: ٨٨] ورواه ابن جرير بلفظ : (اسْمُ اللهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِي بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى دَعْوَةُ يُوْنُسِ بْنِ مَتَّى))، قلت: يا رسول الله هل ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ((هِيَ لْيُونُسَ خَاصَّةً وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً إِذَا دَعَوْا بِهِ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]))، فهو شرط من الله لمن دعاه. كِتَابُ الدَّعَوَاتِ كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ٤٢١ الفصل الثالث ٢٣١٥ - [٧] عَنْ بُرَيْدَةَ رَو ◌َهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ الْمَسْجِدَ عِشَاءً، فَإِذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَقُولُ: هَذَا مُرَاءٍ؟ قَالَ: ((بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ) قَالَ: وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَهِ يَتَسَمَّعُ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُوسَى يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهِدَُكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْيَوْمَ لِي أَخْ صَدِيقٌ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ وَه . [رَوَاهُ رَزِینُ] الشرح ٢٣١٥- قوله: (عِشَاءً)، أي: وقت عشاء، أو لصلاة عشاء. (فَإِذَا) للمفاجأة. (أَتَقُولُ) قال ابن حجر: أي: أترى؟ وهو أولى من قول الشارح، يعني: الطيبي، أي: أتعتقد أو أتحكم لرواية ((شرح السنة)): أتراه مرائيًا؟ (هَذَا)، أي: هذا الرجل. (مُرَاءٍ)، أي: يقرأ للسمعة والرياء، بقرينة رفع صوته المحتمل، أن يكون كذلك. (مُنِيبٌ)، أي: راجع من الغفلة إلى الذكر. (قَالَ: وَأَبُو مُؤْسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ)، أي: قال بريدة: قلت ذلك لرسول الله، والحال أن أبا موسى هو الذي يقرأ، فالرجل المذكور في صدر الحديث هو أبو موسى كما صرح به في رواية أحمد و((شرح السنة)) ومحمل قول بريدة: (أَتَقُولُ: هَذَا مُرَاءٍ) عدم معرفته به قبل ذلك، والحديث ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٥ص٢٢) عن رزين وفيه، قال: أبو موسى الأشعري، يقرأ ... إلخ، أي: بسقوط الواو قبل أبو موسى، والظاهر: أن الحذف من الناسخ. (٢٣١٥) ذكرَه رَزِين. قلتُ: ووصلَهُ الحارثُ (١٠٦٠) عن أنسٍ رَو ◌َّهُ . ٤٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (يَتَسَمَّعُ) من باب التفعل، فهو من التسمع لا من الاستماع. (ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُؤْسَى يَدْعُو)، لعلّه في التشهد أو بعد الصلاة. قال ابن حجر: علم منه أن قراءته مع رفع صوته كانت وهو قائم. (فَقَالَ)، أي: أبو موسى في دعائه. (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدَُ)، أي: أعتقد فيك، قاله القاري. وفي رواية أحمد: ((اللَّهُمَّ إني أسألك بأني أشهد)). (أَحَدًا صَمَدًا) منصوبان على الاختصاص، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٩) إلى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٩] وفي شرح السنة معرفان مرفوعان على أنهما صفتان لله ذكره القاري، قلت: وكذا وقعا معرفين مرفوعين في رواية أحمد. (لَقَدْ سَأَلَ)، أي: أبو موسى الأشعري. (أُخْبِرُهُ) بحذف الاستفهام، وفي رواية أحمد: ألا أخبره. (بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ) من مدحه ومدح دعائه. (فَقَالَ لِي)، أي: أبو موسى فرحًا بما ذكرته له. (أَنْتَ الْيَوْمَ لِي)، أي: في هذا الزمان. (أَخْ صَدِيقٌ)، أي: الجامع بين الأخوة والصداقة، وسقط لفظ الأخ في ((جامع الأصول))، وهو غير موجود أيضًا في رواية أحمد. (حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) حال أو استئناف بيان، وفيه إشعارًا بأنَّ الباعث له على المؤاخاة هو تحديثه بحديث رسول اللَّه وَل لا تضمنه لمدحه، ولو كان ذلك أيضًا ليس فيه بأس؛ لأن تبشيره به من لسان رسول اللَّه وقل له سعادة عظيمة ليس فيه محل عجب، أو تزكية للنفس كذا في ((اللمعات)). (رَوَاهُ رَزِينٌ)، أي: ذكره رزين في تجريده هكذا مطولًا بدون سند. قلت: ويدل كلام ابن حجر والقاري، أنه رواه البغوي في ((شرح السنة)) بسنده هكذا مطولًا، ورواه أحمد في ((مسنده)) (ج٥ص٣٤٩) عن عثمان بن عمر، أنا مالك بن مغول، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرج بريدة عشاءً، فلقيه النبي ◌ََّ، فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت رجلٍ يقرأ، فقال النبي وَّهِ: ((أَتْرَاهُ مُرَائِيًّا؟»، فأسكت بريدة، فإذا رجل يدعو، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال النبيِ وَ الَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ))، أو قال: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقْدَ سَأَلَ اللهَ بِسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سَأَلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِي بِهِ أَجَابَ))، قال: فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء، فلقيه النبي وَلّ فأخذ بيده فأدخله المسجد، فإذا صوت الرجل يقرأ، فقال النبي وَله: ((أَتَقُولُهُ مُرَاءٍ؟))، فقال بريدة: أتقوله مرائيًا يا رسول ٤٢٣ كِتّابُ الدَّعَوَاتِ كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الله؟ فقال النبيِ وَثّ: ((لَا، بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ))، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد، فقال رسول اللَّه وَّ: ((إِنَّ الْأَشْعَرِيَّ - أو - إِنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ قَيْسٍ أُعْطِي مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرٍ دَاوُدُ))، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله، قال: ((بَلَى فَأخبره)) فأخبرته فقال: أنت لي صديق أخبرتني عن رسول اللّه ◌َلّل بحديث، انتهى. وأصل الحديث عند الأربعة وأحمد أيضًا وابن حبان وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والحاكم والبيهقي، كما تقدم وسبق أيضًا عن الحافظ، أنه قال حديث بريدة: أرجح ما ورد في الاسم الأعظم من حيث السند هذا، وقد ذكر المصنف في تعيين الاسم الأعظم كما ترى أربعة أحاديث. وقد ورد في ذلك أحاديث أخرى، منها: حديث أبي أمامة وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث أسماء، ومنها: حديث ابن عباس عن النبي وَ ◌ّه قال: ((اسْمُ اللهِ الأَعْظَم الَّذِي إِذَا دُعِي بِهِ أَجَابَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْثِيَّ اُلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾)) [آل عمران: ٣٦] إلى آخر الآية. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه حنش بن فرقد وهو ضعيف. قال المناوي: وفي إسناده، أيضًا محمد بن زكريا السعداني، وثقه ابن معين، وقال أحمد: ليس بالقوي، وقال النسائي والدار قطني: ضعيف. وفي إسناده أيضًا أبو الجوزاء وفيه نظر. ومنها: حديث ابن عباس أيضًا عن النبي وَّ: (اسْمُ اللهِ الأَعْظَم فِي آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ))، أخرجه الديلمي، ذكره الشوكاني في (تحفة الذاكرين)) (ص٥٢) وسكت عنه. وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على أن لله تعالى اسمًا أعظم إذا سأل به أعطى وإذا دعي به أجاب. وقد أنكره بعض أهل العلم، وذهب إلى أنه لا وجود له، كما سيأتي والقول الراجح، قول من أثبته وهم الجمهور، وأحاديث الباب حجة على المنكرين. قال الحافظ في الفتح: قد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء الإلهية على بعض؛ لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل. وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء اللَّه كلها عظيمة. وعبارة أبي جعفر الطبري: اختلف الآثار في تعيين الاسم SCENE ٤٢٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأعظم، والذي عندي: أنَّ الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم. وقال ابن حبان: الأعظية الواردة في الأخبار، إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به: مزيد ثواب القارئ، وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به ربه مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله - تعالى -، فإن من تأتي له ذلك استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق وعن الجنيد وعن غيرهما. وقال آخرون: استأثر اللَّه تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه وأثبته آخرون معينًا، واضطربوا في ذلك. وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا: الأول: الاسم الأعظم هُوَ نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتجَّ له بأن من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل له: أنت قلت: كذا، وإنما يقول: «هو» یقول تأدبًا معه. الثاني: ((اللهُ))؛ لأنه اسم لم يطلق على غيره؛ ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه. الثالث: ((اللهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)»، ولعلَّ مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة : أنها سألت النبي وَّ أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصَلَّتْ ودعت: اللَّهُمَّ إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ... الحديث. وفيه: أنه وَالر قال: ((إنه لفي الأسماء التي دعوت بها)). قال الحافظ: وسنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى. الرابع: ((الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد، يعني: حديثها المذكور في الباب. الخامس: الحيُّ الْقَيُّومُ، أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة، يعني: حديثه الذي ذكرنا في شرح حديث أسماء، وقواه الفخر الرازي، واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. ٤٢٥ كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كِتَابُ الدَّعَوَاتِ السادس: ((الحقَّانُ المثَّانُ بَدِيعُ السَّمواتِ والأَرْضِ ذُو الجلالِ والإكرام الحيُّ القیومُ، ورد ذلك مجموعًا في حديث أنس عند أحمد والحاکم وأصله عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان. السابع: بديعُ السمواتِ والأرضِ ذُو الجلالِ والإكرام، أخرجه أبو يعلى من طريق السري بن يحيى عن رجل من طي، وأثنى عليه قال: كنت أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم، فأريته مكتوبًا في الكواكب في السماء. الثامن: ذُو الجلال والإكرام أخرج الترمذي من حديث معاذ بن جبل قال: سمع النبيِ وَله رجلًا يقول: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام، فقال: ((قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ))، واحتجَّ له الفخر بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية؛ لأنَّ في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفِي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات. التاسع: ((اللهُ لَا إِلَهَ إلَّا هو الأحدُ الصمدُ الَّذي لم يلدْ ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد))، أخرجه أَبُو دَاوُدَ والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث بريدة وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. العاشر: رَبَّ، رَبِّ أخرجه الحاكم عند أبي الدرداء وابن عباس بلفظ: اسم الله الأكبر رب رب. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة: ((إذا قال العبدُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، قَالَ اللهُ تعالى لَبَّيْكَ عَبْدِي سَلْ تُعْطَ))، رواه مرفوعًا وموقوفًا. الحادي عشر: ((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ))، فذكر حديث سعد المذكور في الباب. الثاني عشر: نقل الفخر الرازي عن زين العابدين: أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم هو اللَّه اللَّه الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. الثالث عشر: هو مخفي في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة المتقدم لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى، فقال لها وَّ: ((إِنَّهُ لَفِي الأَسْمَاءِ الَّتِي دَعَوْتِ بِهَا». الرابع عشر: كلمة التوحيد نقله عياض عن بعض العلماء، انتهى كلام الحافظ باختصار يسير. وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)): قد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولًا قد أفردها السيوطي بالتصنيف. قال ابن حجر: وأرجحها من حيث السند: اللَّه لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم یکن له کفوًا أحد، انتهى. ٤٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٣ - بَابُ ثُوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّخْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ) تخصيص بعد تعميم من باب ذكر اللَّه رَّمن، والمرادَ: بيان الأحاديث التي وردت في فضل قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وثوابه، ومعنى التسبيح: تنزيه الله تعالى عمَّا لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل وسمات الحدوث مطلقًا. وقد يطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر ويطلق، ويراد به الصلاة النافلة. وقال ابن الأثير: وأصل التسبيح التنزيه من النقائص، ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعًا يقال: سبحته أسبحه تسبيحًا وسبحانًا، أي: برَّأَ ونزه، ويقال أيضًا للذكر والصلاة النافلة: سبحة، يقال: قضيت سبحتي والسبحة من التسبيح، كالسخرة من التسخير. ٤٢٧ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ الفصل الأول ٢٣١٦ - [١] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)). - وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأَتَ))(*). [صحيح، رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٣١٦ - قوله: (أَفْضَلُ الْكَلَام)، أي: كلام البشر، أمَّا كلام الله تعالى فهو أفضل مطلقًا، وأمَّا الاشتغال، فهو بالقرآن أفضل إلا بالذكر في وقت مخصوص، فهو أفضل من الاشتغال بالقرآن، فالكلام في مقامين، نفس الكلام والاشتغال، أي: صرف الوقت. قال النووي: هذا الحديث وما أشبهه محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل، وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأمَّا المأثور في وقت أو حال أو نحو ذلك، فالاشتغال به أفضل. انتهى. وقال القاري: ((أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ))، أي: أفضل كلام البشر؛ لأن الرابعة لم توجد في القرآن ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((هِي أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَهِي مِنَ الْقُرْآنٍ))، أي: غالبها، يعني: إن الثلاثة الأول، وإن وجدتَ في القرآن لكن الرابعة لم توجد فيه، فقوله: ((هِي مِنَ الْقُرْآنِ)»، مبني على التغليب. قلت: أراد القاري بقوله عليه الصلاة والسلام، ما رواه أحمد (ج٥ص ٢٠) عن سمرة بلفظ: ((أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ، وَهِي مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَضُرَُّكَ بِأَيِّهِنَّ (٢٣١٦) ابْنُ حِبَّانَ (٨٣٩) عَنْ سَمُرَةَ بَهَذَا اللَّفْظِ، وفيه: لا تُبَالِي بَأَيهِنَّ بَدَأت ... وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِم (٢١٣٧). (*) مُسْلِم (١٢/ ٢١٣٧)، وَالنَّسَائِي في الكُبرى (١٠٦٨١) عَنْهُ. ٤٢٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بَدَأْتَ)) الحديث. وقيل: معنى ((هِي مِنَ الْقُرْآنِ))، أي: متفرقة فيه لا مجتمعة، لورود ((سبحان الله حين تمسون)) ولمجيء الحمد لله كثيرًا، ولقوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وأمَّا قوله: الله أكبر فغير موجود بهذا المبنى، لكنه بحسب المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ومن قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَلَِّرْ [المدثر: ٣]، ومأخوذ من قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومن قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [التوبة: ٧٢]، والحاصل: أنَّ المجموع بهذا الترتيب ليس من القرآن، ولذا قال الجزري: أي: كل منها جاءت في القرآن. انتهى . قال القاري: ويحتمل، أي: قوله: (أَفْضَلُ الْكَلَام)، في حديث الباب أن يتناول كلام اللَّه أيضًا، فإنها موجودة فيه لفظًا، إلا الرابعة، فإنها موجودة معنى وأفضليتها مطلقًا؛ لأنها هي الجامعة لمعاني التنزيه والتوحيد وأقسام الثناء والتحميد، وكل كلمة منها معدودة من كلام الله، وهذا ظاهر معنى ما ورد هي من القرآن، أي: كلها. انتهى. (سُبْحَانَ اللهِ) سبحان اسم مصدر وهو التسبيح. وقيل: بل ((سبحان)) مصدر؛ لأنه سمع له فعل ثلاثي وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد يفرد، وإذا أفرد منع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون كقوله: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ وجاء منونًا كقوله: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ وَقبلَنَا سبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ فقيل: صرف ضرورة، وقيل: هو بمنزلة ((قبل وبعد)) إن نوى تعريفه؛ بقي على حاله، وإن نكر أعرب منصرفًا وهذا البيت يساعد على كونه مصدرًا لا اسم مصدر لوروده منصرفًا، ولقائل القول الأول أن يجيب بأن هذا نكرة لا معرفة وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية، والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظهار تقديره: سبحت الله سبحانًا كسبحت الله تسبيحًا. فهو واقع موقع المصدر. وعن الكسائي أنه منادى تقديره: يا سبحانك، ومنعه جمهور النحويين وهو مضاف إلى المفعول، أي: سبحت الله، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل، أي: نزه اللَّه نفسه، والأول هو المشهور. ٤٢٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (وَالْحَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ)، قال المناوي: وإنما كانت هذه الكلمات الأربع أفضل الكلام؛ لأنها تتضمن تنزيهه تعالى عن كل ما يستحيل عليه ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كماله، وانفراده لوحدانيته واختصاصه بعظمته وقدمه المفهومين من أكبريته. وقال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: أسماء الله الحسنى التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسوله وّ له مندرجة في أربع كلمات هن الباقيات الصالحات : الكلمة الأولى: قوله: ((سُبْحَانَ اللهِ))، ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله تعالى وصفاته فما كان من أسمائه سلبًا، فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس، وهو الطاهر من كل عيب والسلام، وهو الذي سلم من كل آفة . الكلمة الثانية: قوله: ((الْحَمْدُ للهِ))، وهي مشتملة على ضروب الكمال لذاته وصفاته، فما كان من أسمائه متضمنًا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحت الكلمة الثانية، فقد نفينا بقولنا: ((سُبْحَانَ اللهِ)) كل عيب عقلناه، و كل نقص فهمناه، وأثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه، وكل جلال أدر كناه، ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا : ((اللهُ أَكْبَرُ))، وهي الكلمة الثالثة: بمعنى أنه أجل مما نفيناه، وأثبتناه، وذلك معنى قوله وَّ: ((لَا أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، فما كان من أسمائه متضمن المدح فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي، فهو مندرج تحت قولنا: ((اللَّه أكبر))، فإذا كان في الوجود مَنْ هذا شأنه، نفينا أن يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره، فحققنا ذلك بقولنا: لا إله إلا الله. وهي الكلمة الرابعة: فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمنًا للجميع على الإجمال كالواحد الأحد ذي الجلال والإكرام، فهو مندرج تحت قولنا: لا إله إلا الله. وإنما استحق العبودية، لما وجب له من أوصاف الجمال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعده العادون، كذا ذكره السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (ج٥ص٨٦، ٨٧) وفي الحديث: ((إن أفضل الكلام هذه الكلمات ٤٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأربع))، وظاهره يعارض ما سيأتي من حديث أبي ذر، سئل رسول اللَّه وَلَ أَيُّ الكلام أفضل؟ فقال: ((سُبْحَانَ وَبِحَمْدِهِ))، وما سيأتي في الفصل الثاني من حديث جابر: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ))، وأيضًا حديث أبي ذر هذا يدل على أفضلية التسبيح مطلقًا وهو مخالف لحديث جابر، فإنه يدل على أفضلية التهليل مطلقًا، وقد جمع القرطبي بما حاصله، إن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله، فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها بدليل حديث سمرة عند مسلم: ((أَحَبُّ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ لَا يَضُرَُّكَ بِأَبِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ))، ويحتمل أن يكتفى في ذلك بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى؛ لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه، فقد عظمه، ومن عظمه فقد نزهه. انتهى . وقيل: يحتمل أن يجمع بأن تكون ((مِنْ)) مضمرة في قوله: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ))، وفي قوله: ((أَفْضَلُ الْكَلَام))، وكذا في قوله الآتي: ((أَحَبُّ الْكَلَام))، بناء على أن لفظ ((أفضل)) و((أحب)) متساويان في المعنى. قلت: ويؤيد ذلك ما وَقعٍ في رواية أحمد (ج ٥ ص١١): ((أَرْبَعٌ مِنْ أَطْيَبِ الْكَلَامِ وَهُنَّ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَضُرَُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ))، وقالِ الشوكاني في (تحفة الذاكرين)) (ص٢٤٣) تحت رواية سمرة: ((أَحَبُّ الْكَلَام إِلَّى اللهِ أَرْبَعٌ)). إلخ. في الحديث: دليل على أن هذه الأربع الكلمات أحب إلى الله تعالى، ولا ينافيه ما سيأتي من أن ((سبحان الله وبحمده))، أحب الكلام إلى الله؛ لأن التسبيح والتحميد هن من جملة هذه الأربع المذكورة هنا. (وَفِي رِوَايَةٍ: أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ)، أي: أربع كلمات. ((سُبْحَانَ اللهِ))، أي: اعْتقد تنزهه عن كل ما لا يليق بجمال ذاته وكمال صفاته، وهذا بمنزلة التخلية؛ ولذا أردفه بما يدل على أنه المتصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى المستحق لإظهار الشكر وإبداء الثناء، وهو بمنزلة التحلية، ولذا قال: ((وَالْحَمْدُ للهِ»، ثم أشار إلى أنه متوحد في صفاته السلبية ونعوته الثبوتية، فقال: ((وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، ثم أومأ إلى أنه لا يتصور كنه كبريائه وعظمة إزاره وردائه بقوله: ((وَاللهُ أَكْبَرُ))، ثم قال: (لَا يَضُرَُّكَ بِأَيِّهِنَّ)، أي: بأي الكلمات. (بَدَأَتَ)، أي: لا يضرك أيها الآتي بهن في حيازة ثوابهن؛ لأن كلًّا منها مستقل فيما قصد بها من بيان جلال ٦٧:٧٢٧٧ ٥٠٠ - ahbent almenohon 7 noen ٤٣١ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ الله وكماله، ولكن الترتيب المذكور أفضل وأكمل للمناسبة الظاهرة من تقديم التنزيه، وإثبات التحميد ثم الجمع بينهما بكلمة التوحيد المشتملة على التسبيح والتحميد، ثم الختم بكون سبحانه أكبر من أن يعرف حقيقة تسبيحه وتحميده. قال ابن الملك: يعني: بدأت بسبحان الله، أو بالحمد لله، أو بلا إله إلا الله، أو بـ ((الله أكبر)) جاز، وهذا يدل على أن كل جملة منها مستقلة لا يجب ذكرها على نظمها المذكور لكن مراعاتها أولى؛ لأن المتدرج في المعارف يعرفه أولًا بنعوت جلاله التي تنزه ذاته عمَّا يوجب نقصًا، ثم بصفات كماله، وهي صفاته الثبوتية التي بها يستحق الحمد، ثم يعلم أن من هذا صفته لا مماثل له ولا يستحق الألوهية غيره فيكشف له من ذلك أنه أكبر، إذ كل شيء هالك إلا وجهه. انتهى. قال الشوكاني: واعلم أن هذه الواو الواقعة بين هذه الكلمات هي واقعة لعطف بعضها على بعض كسائر الأمور المتعاطفة، فهل يكون الذكر بها بغير واو فيقول الذاكر: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا اللَّه، الله أكبر، أو يكون الذكر بها مع الواو فيقول الذاكر: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والظاهر الأول؛ لأن النبي ◌َّ أخبرهم بأنهم يقولون كذا وكذا، فالمقول هو المذكور من دون حرف العطف كسائر التعليمات الواردة عنه وَائل. انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، فيه: نظر، فإن الرواية الأولى ليست في ((صحيح مسلم)). إنما روي مسلم الرواية الثانية فقط في باب: كراهة التسمية بالأسماء القبيحة من كتاب الآداب. وأمَّا الرواية الأولى، فأخرجها ابن ماجه في فضل التسبيح ونسبها في التنقيح لابن أبي شيبة وابن حبان أيضًا، وأخرجها أحمد (ج٥ص٢٠) وزاد («بَعْدَ الْقُرْآنِ))، ((وَهِيَ مِنَ الْقُرآنِ)) ورواها أيضًا أحمد عن رجل من أصحاب النبي وَّر. قال المنذري: رواته محتج بهم في ((الصحيح)). وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح والرواية الثانية أخرجها أيضًا أحمد (ج٥ص١٠، ٢١) ونسبها في الكنز والتنقيح لابن أبي شيبة وابن حبان والطبراني في الكبير وابن شاهين في الترغيب والنسائي في اليوم والليلة أيضًا. ٤٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣١٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: (لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٣١٧ - قوله: (أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، أي: من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها. وقيل: هو كناية عن المخلوقات كلها . قال ابن العربي: أطلق المفاضلة بين قول هذه الكلمات وبين ما طلعت عليه الشمس. ومن شرط المفاضلة؛ استواء الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر وأجاب بما حاصله أن ((أفعل)) قد يراد به أصل الفعل لا المفاضلة، كقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا مفاضلة بين الجنة والنار، أو أنَّ الخطاب واقع على ما استقرَّ في نفس أكثر الناس، فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها، وأنها المقصود، فأخبر بأنها عنده خير مما تظنون أنه لا شيء مثله أو لا شيء أفضل منه. وقيل: يحتمل أن يكون المراد: إن هذه الكلمات أحب إلي من أن یکون لي الدنيا فأتصدق بها . والحاصل: إن الثواب المترتب على قول هذا الكلام أكثر من ثواب من تصدق بجميع الدنيا لو فرض أنه ملكها . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعوات، وكذا الترمذي وذكره الجزري في الحصن ونسبه لمسلم والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة وأبي عوانة. (٢٣١٧) مُسْلِم (٣٢/ ٢٦٩٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٩٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٧١) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٤٣٣ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ٢٣١٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٣١٨ - قوله: (سُبْحَانَ اللهِ) منصوب على المصدرية بفعل محذوف، أي: أسبح الله سبحانًا، يعني: أنزهه من كل نقص. (وَبِحَمْدِهِ)، قال القاري: الباء للمقارنة والواو زائدة، أي: أسبحه تسبيحًا مقرونًا بحمده، أو متعلق بمحذوف، عطف الجملة على الأخرى، معناه: أسبح الله وأبتدئ بحمده، أو أثني بثنائه. وقال العيني: الواو فيه للحال، تقديره: أسبح الله متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي بالتسبيح. (فِي يَوْمٍ)، قال الطيبي: أي: في يوم مطلق لم يعلم في أي وقت من أوقاته، فلا يقيد بشيءً منها. وقال المظهر: ظاهر الإطلاق يشعر بأنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال ذلك مائة مرة، سواء قالها متوالية أو متفرقة، في مجالس أو بعضها، أول النهار وبعضها آخر النهار لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار، وزاد في الحديث الآتي من قال حين يصبح وحين يمسي، ويأتي في ذلك ما ذكره صاحبٍ المظهر من أن الأفضل أن يقول ذلك متواليًا في أول النهار وفي أول الليل. (حُطَّتْ) بصيغة المجهول، أي: وضعت ومحيت. (خَطَايَاهُ)، أي: غفرت ذنوبه. قال القاري: أي: الصغيرة ويحتمل الكبيرة. وقال العيني: أي: من حقوق الله؛ لأن حقوق الناس لا تنحط إلا باسترضاء الخصوم. وقال الباجي: يريد أن يكون كفارة له، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. (وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) الزبد بفتحتين . ما يعلو الماء ونحوه عند هيجانه من الرغوة، ومعناه بالفارسية: كفك آب وشير وسيم وجزآن، والمراد به: الكناية عن المبالغة في الكثرة. (٢٣١٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٦٤٠٥) فِي صِفَةِ إِبْلِيسٍ، مُسْلِم (٢٨/ ٢٦٩١) فِي الدَّعَوَاتِ، وابن مَاجَهْ (٣٨١٢) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ. ٤٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال الطيبي: وهذا وأمثاله كنايات يعبر بها عن الكثرة عرفًا. قال عياض: قوله: ((حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))، مع قوله في التهليل في حديث أبي هريرة الآتي وهو تاسع أحاديث الباب ((مُحِيتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ))، قد يشعر بأفضلية التسبيح على التهليل، يعني؛ لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة، وقد قال في حديث التهليل، ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به)). فيحتمل أن يجمع بينهما بأن التهليل المذكور أفضل ويكون ما فيه من زيادة كتب الحسنات ومحو السيئات، ثم ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب، وكونه حرزًا من الشيطان زائدًا على فضل التسبيح وتكفيره جميع الخطايا؛ لأنه قد ثبت: ((أنَّ من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار))، وقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا عمومًا بعد حصر ما عدد منها خصوصًا، مع ما يبقى له من زيادة عتق الرقاب الزائدة على الواحدة، ومع ما فيه من زيادة مائة درجة، وكونه حرزًا من الشيطان. ويؤيده ما سيأتي في حديث جابر، أن: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللـهُ))، مع الحديث الآخر إنه: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبُّونَ قَبْلِي))، وقيل: إنه الاسم الأعظم، وهي كلمة التوحيد والإخلاص، كذا ذكره الحافظ والنووي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٣٠٢) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي وابن ماجه وأبو عوانة، ونسبه في ((التنقيح)) للنسائي وابن حبان أيضًا. ٢٣١٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ] الشرح ٢٣١٩ - قوله: (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةً مَرَّةٍ)، قال القاري: أي: فيهما بأن يأتي ببعضها في هذا وببعضها في هذا، أو في (٢٣١٩) مُسْلِم (٢٦٩٢/٢٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٦٩) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٩١) فِي الأَدَبِ، وَالَّسَائِي فِي الكبرى (١٠٤٠٣) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٤٣٥ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ كل واحد منهما، وهو الأظهر. (لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ)، أي: القائل. (بِهِ) وهو قول المائة المذكورة. (إِلَّا أَحَدٌ قَالَ: مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ)، قال في ((اللمعات)): لا بد من تمحل في بيان معناه، بأن يقال: تقديره: لم يأت أحد بمساو ولا جاء بأفضل مما جاء، إلا أحد، قال: مثل ما قال، فإنه أتى بمثله أو أحد زاد عليه، فإنه أتى بأفضل منه، والله أعلم. وقال القاري: وأجيب عن الاعتراض المشهور: بأنَّ الاستثناء منقطع أو كلمة ((أو)) بمعنى الواو. قال الطيبي: أي يكون ما جاء به أفضل من كل ما جاء به غيره إلا مما جاء به من قال مثله أو زاد عليه. قيل: الاستثناء منقطع والتقدير لم يأت أحد بأفضل مما جاء به، لكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساواته فلا يستقيم أن يكون متصلاً، إلا على تأويل نحو قوله: وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيس وقيل: بتقدير: لم يأت أحد بمثل ما جاء به، أو بأفضل مما جاء به، إلخ والاستثناء متصل كذا في ((المرقاة)). فإن قلت: كيف يجوز الزيادة؟ وقد قالوا: إن تحديدات الشرع في الأعداد لا يجوز التجاوز عنها؟ قلنا: لما صرح في الحديث بجواز الزيادة؛ علم أنه ليس من ذلك القبيل كأعداد الركعات ونحوها، فعدم جواز الزيادة في الأعداد ليس كليًّا، أو المراد: زاد عليه من أعمال الخير فافهم، كذا في ((اللمعات)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، فيه نظر، فإن الحديث لم يخرجه البخاري. وقد ذكره المنذري في ((تلخيص السنن)) والجزري في ((الحصن)) والنابلسي في ((ذخائر المواريث)) ولم ينسبه أحد منهم للبخاري. وقال المناوي في ((الكشف)) كما في ((تنقيح الرواة)): رواه مسلم والترمذي كلاهما في ((الدعوات))، وصححه الترمذي وأَبُو دَاوُدَ في ((الأدب)) والنسائي في ((اليوم والليلة)) ولم يخرجه البخاري. انتهى. قلت: أخرجه الترمذي، وكذا ابن السني في ((اليوم والليلة)) (ص٢٧) بلفظ الكتاب. وأمَّا أَبُو دَاوُدَ فأخرجه في ((الأدب)) بلفظ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَإِذَا أَمْسَى كَذَلِكَ، لَمْ يُوَافِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ بِمِثْلِ مَا وَافَى)). قالَ المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه أتم منه ونسب الجزري لفظ التسبيح المذكور في أبي داود للحاكم وابن حبان وأبي عوانة أيضًا، والله أعلم. ٤٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣٢٠ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٣٢٠ - قوله: (كَلِمَتَانٍ)، أي: كلامان، يعني: جملتان مفيدتان، والكلمة تطلق على الكلام، كما يقال كلمة الإخلاص وكلمة الشهادة، وقال السندي: المراد بالكلمة: اللغوية أو العرفية لا النحوية. انتهى. وهو خبر مقدم وما بعده صفة بعد صفة، والمبتدأ ((سُبْحَانَ اللهِ))، إلى آخره، والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ، فإن من جملة الأسباب المقتضية لتقديم المسند: تشويق السامع إلى المسند إليه، كما نص عليه أهل المعاني، فكلما طال الكلام في وصف الخبر؛ حسن تقديمه؛ لأن كثرة الأوصاف الجميلة تزيد السامع شوقًا إلى المسند إليه، فيكون أوقع في النفس وأدخل في القبول؛ لأن الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب، ولا يخفى أن هذا متحقق في هذا الحديث، بل هو أحسن من المثال الذي أوردوه بكثير، وهو قول الشاعر: شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا قال السندي: الظاهر: أنَّ قوله: ((كَلِمَتَانٍ)) خبر لقوله: ((سُبْحَانَ اللهِ))، إلخ. قدم على المبتدأ؛ لتشويق السامع إليه، وذلك؛ لأن ((كَلِمَتَانٍ)) نكرة و((سُبْحَانَ اللهِ))، إلخ معرفة؛ لأنه أريد به نفسه، واللفظ إذا أريد به نفسه يكون معرفة حقيقة عند من قال بوضع الألفاظ لأنفسها وحكمًا عند من ينفيه، والمعرفة لا تكون خبر النكرة عند غالب النحاة. انتهى. وبعضهم جعل ((كَلِمَتَانٍ)) مبتدأ و((سُبْحَانَ اللهِ))، إلخ الخبر؛ لأن سبحان لازم الإضافة إلى مفرد، فجرى مجرى الظروف والظروف لا (٢٣٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٥٦٣) فِي التَّوْحِيدِ، مُسْلِم (٢٦٩٤)، والتِّرْمِذِي (٣٤٦٧) فِي الدُّعَاءِ،، والنَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٦٦) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وابن مَاجَهْ (٣٨٠٦) فِي ثَوَابٍ التَّسْبِيحِ. ٤٣٧ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ تقع إلا خبرًا ورجحه الكمال بن الهمام قال: لأنه مؤخر لفظًا والأصل عدم مخالفة وضع الشيء محله بلا موجبٍ؛ ولأن ((سبحان الله)) إلخ محط الفائدة بنفسه بخلاف ((كلمتان)) فإنه إنما يكون محطًّا للفائدة بواسطة وصفه بالخفة على اللسان والثقل في الميزان والمحبة للرحمن، ألا ترى أن جعل ((كلمتان)) الخبر غير بيِّن؛ لأنه ليس متعلق الغرض الإخبار منه وَ ل عن ((سبحان الله)) إلى آخره إنهما كلمتان، بل بملاحظة وصف الخبر بما تقدم، أعني: خفيفتان ثقيلتان حبيبتان، فكان اعتبار ((سبحان الله)) إلى آخره خبرًا أولى. انتهى. وللنظر في بعضه مجال. فتأمل. (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللَّسَانِ)، أي : تجريان عليه بالسهولة للينِ حروفهما، فالنطق بهما سريع؛ وذلك لأنه ليس فيهما من حروف الشدة المعروفة عند أهل العربية وهي الهمزة والباء الموحدة، والتاء المثناة الفوقية، والجيم، والدال، والطاء المهملتان والقاف والكاف، ولا من حروف الاستعلاء أيضًا وهي الخاء المعجمة والصاد والضاد والطاء والظاء والغين المعجمة والقاف سوى حرفين الباء الموحدة والظاء المعجمة، ومما يستثقل أيضًا من الحروف: الثاء المثلثة والشين المعجمة وليستا فيهما، ثم إن الأفعال أثقل من الأسماء وليس فيهما فعل، وفي الأسماء أيضًا ما يستثقل كالذي لا ينصرف وليس فيهما شيء من ذلك، وقد اجتمعت فيهما حروف اللين الثلاثة الألف والواو والياء، وبالجملة الحروف السهلة الخفيفة أكثر من العكس . (ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ) حقيقة، قال الحافظ: وصفهما بالخفة والثقل؛ لبيان قلة العمل وكثرة الثواب، قال السندي: خفتهما: سهولتهما على اللسان؛ لقلة حروفهما، وحسن نظمهما، واشتمالهما على الاسم الجليل الذي يذعن الطباع في ذكره كأنهما في ذلك كالحمل الخفيف، الذي يسهل حمله وثقلهما في الميزان؛ لعظم لفظهما قدرًا عند الله. وقال الطيبي: الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يخف على الحامل من بعض المحمولات، ولا يشق عليه، فحذف ذکر المشبه به وأبقى شيئًا من لوازمه وهو الخفة. وأمّا الثقل، فعلى حقيقته عند أهل السنة؛ لأن الأعمال تتجسم عند الميزان، والميزان: هو الذي يوزن به في القيامة ٤٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أعمال العباد وفي كيفيته أقوال، والأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين والله تعالى يجعل الأعمال كالأعيان موزونة. وقيل: توزن صحائف الأعمال، وأمَّا الأعمال فإنها أعراض والأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بثقل ولا خفة ويقويه حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه. وفيه: ((فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة)). انتهى. وقيل: تجعل الأعمال في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن. قال الحافظ: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أَبُو دَاوُدَ والترمذي وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْقَلُ مِنْ خُلُقِ حَسَنٍ))، قلت: القول باستحالة وزن الأعمال معللًا بأنها لا تقوم بأنفسها بل تفنى - سخيف جدًّا، بل هو باطل قد أبطله أصحاب العلوم الطبيعية اليوم، وحققوا أن الأقوال لا تفنى، بل تكون باقية في الخلاء يمكن اختطافها وهم بصدد اختراع آلات ميكانية يسهل بها القبض عليها. وفي الحديث: إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفوس ثقيلة، وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان، فلا ينبغي التفريط فيه. وقد روي في الآثار أن عيسى عَالَلّ سئل ما بال الحسنة تثقل والسيئة تخف؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها؛ فلذلك خفت عليكم، فلا يحملنك على فعلها خفتها، فإن بذلك تخف الموازين يوم القيامة. (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ)، كذا وقع بتقديم ((خَفِيفَتَانٍ))، وتأخير ((حَبِیبَتَانِ)) عند البخاري في الدعوات وفي الإيمان والنذور، وكذا عند أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان. ووقع في التوحيد عند البخاري بتقديم ((حَبِيبَتَانِ)) وتأخير ((فَقِيلَتَانٍ))، وهي تثنية حبيبة بمعنى محبوبة؛ لأن فيهما المدح بالصفات السلبية التي يدل عليها التنزيه، وبالصفات الثبوتية التي يدل عليها الحمد، وقال السندي: معنى (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ)): أنهما موصوفتان بكثرة المحبوبية عنده تعالى تفيده الأحاديث الأخر مثل: (أَحَبَّ الْكَلَام إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيم))، وإلا جميع الذكر محبوب عنده تعالى. ٤٣٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وقيل: المراد: محبوبية قائلهما ومحبة الله للعبد: إرادة إيصال الخير له والتكريم، وخص الرحمن من الأسماء الحسنى؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، ويجوز أن يقال: اختصاص ذلك؛ لإقامة السجع؛ أعنى: الفواصل وهي من محسنات الكلام على ما عرف في علم البديع، وإنما نهي عن السجع ما كان متكلفًا أو متضمنًا لباطل، كسجع الكهان، لا ما جاء عن غير قصد أو تضمن حقًّا. قال الكرماني: فإن قيل: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا سيَّما إذا كان موصوفه معه نحو رجل قتيل وامرأة قتيل، فلم عدل عن التذكير إلى التأنيث؟ فالجواب عن ذلك جائز لا واجب وأيضًا فهو، أي: وجوب ذلك في المفرد لا المثنى أو أنثهما؛ لمناسبة الخفيفة والثقليلة؛ لأنهما بمعنى الفاعلة لا المفعولة. وقيل: هذه التاء لنقل اللفظ عن الوصفية إلى الاسمية. (سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيم)، هكذا وقع عند البخاري في الأيمان والنذور وفي التوحيد بتقديم ((سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)) على ((سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيم))، وكذا وقع عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، ووقع عند البخاري في الدعوات بتقديم ((سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيم)) على ((سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))، وكذلك وقع عند الترمذي. قال السندي: الواو في ((وَبِحَمْدِهِ)) للحال بتقدير و((أنا متلبس بحمده). وقيل: للعطف، أي: أنزهه وأتلبس بحمده. وقيل: زائدة، أي: أسبحه متلبسًا بحمده. وفي الحديث: الاعتناء بشأن التسبيح أكثر من التحميد، لكثرة المخالفين فيه، وذلك من جهة تكريره بقوله: ((سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)). وقد جاءت السنة به على أنواع شتى كما في ((صحيح مسلم)) وغيره من كتب ((السنن)) و((المسانيد)) و((الجوامع)) و((المعاجم)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الدعوات، وفي الأيمان والنذور، وفي التوحيد في باب قول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وهو آخر حديث في صحيح البخاري، وأخرجه مسلم في الدعوات، ورواه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣٢) والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وابن أبي شيبة .