النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا)، قيل: المراد بهم: المداومون على ذكره
ومكره(*)، والقائمون بالطاعة المواظبون على شكره. وقيل: المراد بهم: الذين
يأتون بالأذكار الواردة في جميع الأحوال والأوقات. (وَالذَّاكِرَاتُ)، أي: اللَّه
كثيرًا. قال القاري: وفي بعض النسخ، أي: من ((المشكاة)): (وَالذَّاكِرَاتُ) غير
موجودة، انتهى. قلت: وسقوطها هو الصواب، فإنها ليست عند أحمد ولا
الترمذي ولم يذكرها أحد ممن عزا الحديث للترمذي كالنووي في ((الأذكار))
والمنذري في ((الترغيب)) والجزري في ((جامع الأصول)) والسيوطي في ((الجامع
الصغير)) وابن القيم في ((الوابل الصيب)) وعلي المتقي في ((الكنز)) والشوكاني في
(تحفة الذاكرين)). ولم يذكرهن النبي ◌َّ مع إرادتهن تغليبًا للمذكر على المؤنث.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ)، وفي ((المسند)): قال: قلت: يا رسول الله، (وَمِنَ الْغَازِي فِي
سَبِيلِ اللهِ)، أي: الذاكِرون أفضل من غيرهم ومن الغازي أيضًا؟ قالوا ذلك تعجبًا.
(قَالَ)، أي: رسول اللّه ◌َ له في جوابه. (لَوْ ضَرَبَ)، أي: الغازي. (بِسَيْفِهِ فِي
الْكُفَّارِ)، هذا من قبيل: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيِها نَصْلِي، حيث جعل المفعول به مفعولًا
فيه مبالغة أن يوجد فيهم الضرب، ويجعلهم مكانًا للضرب بالسيف؛ لأن جعلهم
مكانًا للضرب أبلغ من جعلهم مضروبين به فقط. (وَالْمُشْرِكِينَ) تخصيص بعد
تعميم اهتمامًا بشأنهم فإنهم ضد الموحدين. (حَتَّى يَنْكَسِرَ)، أي: سيفه.
(وَيَخْتَضِبَ)، أي: هو أو سيفه. (دَمَّا)، وهو كناية عن الشهادة. (فَإِنَّ الذَّاكِرَ للهِ)
وفي ((المسند))، والترمذي: (لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللهَ)). (أَفْضَلُ مِنْهُ)، أي: من
الغازي. (دَرَجَةً) تحتمل الوحدة، أي: بدرجة واحدة عظيمة، وتحتمل الجنس
أي: بدرجات متعددة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣ ص٧٨). (والتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات
ونسبه في ((الكنز)) لأبي يعلى وابن شاهين أيضًا. قال المنذري: ورواه البيهقي
مختصرًا قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أعظم درجة؟ قال: ((الذَّاكِرُونَ اللهَ)).
(وَقَالَ)، أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، كذا في بعض النسخ
بزيادة لفظ ((حسن))، وفي بعضها: هذا حديث غريب، أي: بحذف لفظ ((حسن))،
كما في ((جامع الترمذي)) و((الترغيب)) و((الكنز))، وفي سنده ابن لهيعة وفيه كلام
معروف عن دراج عن أبي الهيثم. قال في ((التقريب)) في ترجمة دراج: إنه صدوق
وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
(*) هكذا بالأصل وهو تصحيف والصواب: وفكره، والله أعلم.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٨١
EXISE
٢٣٠٤ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((الشَّيْطَانُ
جَائِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَغْلِيقًا]
الشرح
٢٣٠٤- قوله: (الشَّيْطَانُ جَائِمٌ) بجيم ومثلثة، أي: لازم الجلوس ودائم
اللصوق من جثم الرجل أو الطائر أو الحيوان يجثم جثمًا وجثومًا، أي: تلبد
بالأرض ولزمها والتصق بها. (عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ)، أي: ابن آدم بقلبه
أو ذَكَّرَ قَلْبَهُ اللَّهَ.
(خَنَسَ) من باب ضرب ونصر، أي: انقبض الشيطان وتأخر وتنحى عنه،
ولكثرة هذا الوصف فيه سمي الخناس في سورة الناس. قال الجزري: الخنوس
التأخر والانقباض. (وَإِذَا غَفَلَ) بمعجمة وفاء، أي: هو أو قلبه عن ذكر الله.
(وَسْوَسَ)، أي: إليه الشيطان وتمكن تمكنًا تامًّا منه، وفيه: إيماء إلى أن الغفلة
سبب الوسوسة لا العكس، ووقع في حديث الحارث الأشعري، عند أحمد
والترمذي: ((وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ تعالى فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي
أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَّى إِلَى حِصْنٍ حَصِينٍ، فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمَّ، كَذَلِّكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ
نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ))، انتهى.
قال ابن القيم: لو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة؛ لكان حقيقًا
بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز
نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو یرصده،
فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر
وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سمي الوسواس الخناس، أي:
يوسوس في الصدور، (فَإِذَا ذَكَرَ اللهُ خَنَسَ)، أي: كف وانقبض، ثم ذكر عن ابن
(٢٣٠٤) الحديث ذكره البُخَارِي تعليقًا (٢٢٣/٦). قلت: ووصله الطبري (٣٥٥/١٥) هو عندهما
موقوف على ابن عباس في ((تفسيره)).

٣٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
عباس مثل حديث الباب موقوفًا عليه. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا)، أي: بلا ذكر سند.
قلت: في عزو هذا السياق المرفوع للبخاري نظر، فإنه ذكر في تفسير سورة الناس
معناه عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله لا مرفوعًا حيث قال: ويذكر عن ابن
عباس: ((الوسواس)) إذا وُلِدَ خنسه الشيطان - أي: أخره وأزاله عن مكانه؛ لشدة
نخسه وطعنه بإصبعه - فإذا ذكر اللَّه ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه.
قال الحافظ: إسناده إلى ابن عباس ضعيف، أخرجه الطبري والحاكم
(ج ٢ ص ٥٤١) وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف، ولفظه: ما من مولود إلا
على قلبه الوسواس، فإن ذكر الله خنس وإن غفل وسوس، وهو قوله تعالى:
﴿ اَلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (الناس: ٤] قلت: قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي، وعزاه الشوكاني في الفتح القدير لابن المنذر وابن
مردويه والضياء والبيهقي أيضًا، وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن
عباس بلفظ: يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه، فإذا عقل وذكر اسم الله
خنس وإذا غفل وسوس. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس. قال:
الوسواس هو الشيطان، يولد المولود والوسواس على قلبه فهو يصرفه حيث شاء،
فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل جثم على قلبه فوسوس. ولأبي يعلى والبيهقي في
((الشعب)) وابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي في ((النوارد)) من حديث أنس مرفوعًا:
قال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ خَنَسَ وَإِنْ نَسِيَ
الْتَقَمَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ)).
قال الحافظ: إسناده ضعيف، وقال الهيثمي: فيه عدي بن عمارة وهو ضعيف.
ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم. قال: سأل عيسى ظلِّ ربَّه أن يريه
موضع الشيطان من بني آدم فأراه، فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة
القلب، فإذا ذکر العبد ربه خنس، وإذا ترك مناه حدثه.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٨٣
٢٣٠٥ - [٢٣] وَعَنْ مَالِكِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ يَقُولُ:
((ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِينِ كَالْمُقَاتِلِ خَلْفَ الفَارِّينَ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الغَافِلِينَ
كَفُصْنِ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِيِ وَسَطِ الشَّجَرِ ، وذَاكِرُ اللهِ فِي
الغَافِلِنَ مَثَلَ مِصْبَاحِ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وذَاكِرُ اللَّهِ فِي الغَافِلِينَ يُرِيهِ اللَّهُ مَقْعَدَهُ
مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَّ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الغَافِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحِ
وَأَعْجَمْ)). وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ وَالْأَعْجَمُ: الْبَهَائِمُ(*).
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشرح
٢٣٠٥- قوله: (وَعَنْ مَالِكِ قَالَ: بَلَغَنِي) تقدم الكلام في بلاغات مالك
المذكورة في ((الموطأ))، وهذا البلاغ قد وصله أبونعيم وغيره كما سيأتي. (ذَاكِرُ
اللهِ فِي الْغَافِلِينَ)، أي: عن الذكر. (كَالْمُقَاتِلٍ)، أي: للكفار. (خَلْفَ الْفَارِّينَ)
بتشديد الراء، أي: المنهزمين الفارين من الزحف، إذا التحم الحرب في قتال
الكفار، وفي حديث ابن عمر عند أبي نعيم وغيره: ((كَالْمُقَاتِلِ عَنِ الْفَارِّينَ»، شبه
الذاكر الذي يذكر بين جمع لم يذكروا بالمجاهد الذي يقاتل بعد فرار أصحابه في
كون كل منهما قاهرًا للعدو، فالذاكر قاهر الشيطان وقامع لجنوده المسلطة على
القلب، كما أنَّ القاتل الصابر قاهر وقامع لجنود الكفار ففيه تشبيه المعقول
بالمحسوس .
(وَذَاكِرُ اللهِ) كرره؛ لينيط به في كل مرة غير ما أناط به في الأخرى؛ إعلامًا بأنه
أمر عظيم له فوائد متعددة مستقلة. (فِي الْغَافِلِينَ)، أي: فيما بينهم فالجار ظرف،
أي: بينهم أو محله الرفع على أنه صفة، والتقدير: الذاكر الكائن في الغافلين.
(كَغُصْنِ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ)، قال القاري: أي: بجنب الأشجار اليابسة.
(وَفِي رِوَايَةٍ)، هذه هي رواية ابن عمر عند أبي نعيم وغيره.
(٢٣٠٥) مَالِك في ((الموطَّأ)) بلاغًا.
(*) رَزين.

٣٨٤
see
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِثْلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ) بفتح السين المهملة ويسكن، أي:
الشجر اليابس، زاد في حديث ابن عمر: ((الَّذِي قَدْ تَحَاثَّ مِنَ الصَّرِيدِ))، أي:
تساقط من شدة البرد، فقد تهيأت حينئذ للحرق بالنار، فكذا الغافل عن ذكر الله
متهيء للمؤاخذة والعذاب، فشبه فيه الذاكر بغصن أخضر مثمر، أو شجرة خضراء
مثمرة. والغافل بيابس تهيأ للحرق.
(وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ مِثْلَ مِصْباح فِي بَيْتٍ مُظْلِم)، فإن الذكر نور وسرور
والغفلة ظلمة وغيبة. قال الطيبي: شبه الذَّاكر الذي يذكرَّ اللَّه بين جماعة لم يذكروا
بالمجاهد الذي يقاتل الكفار بعد فرار أصحابه منهم، فالذاكر قاهر لجند الشيطان
وهازم له، والغافل مقهور منهزم منه. ثم شبه بالغصن الأخضر الذي يعد للاثمار،
والغافل باليابس الذي يهيأ للإحراق. ثم شبه ثالثًا بالمصباح في مجرد كونه مضيئًا
في نفسه، والغافل في البيت المظلم في مجرد الظلمة.
(يُرِيهِ اللهُ) وفي حديث ابن عمر: (يُعَرِّفُهُ اللهُ))، بضم أوله وشدة الراء
المكسورة. (مَقْعَدَهُ)، أي: وما أعد له. (مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٍّ) جملة حالية وليست
هذه الجملة في حديث ابن عمر. قال العزيزي: يحتمل أن يكون ذلك في النوم.
وقال القاري: لعلَّ الإراءة بالمكاشفة، أو بنزول الملائكة عند النزع؛ لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ تَخَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
﴾ [فصلت: ٣٠]. (يُغْفَرُ لَهُ)، أي: ذنوبه. (بِعَدَدِ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ
كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَم)، المراد بالأعجم هنا: كل دابة لا نطق لها، وفي رواية للبيهقي
من حديثٌّ ابن عَّمر: (وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ نَصِيحِ وَأَعْجَم،
وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ نَظْرَةً لَا يُعَذِّبُهُ أَبَدًا، وَذَاكِرُ اللهِ فِيِّ السُّوقِ لَّهُ
بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُورٌ يَوْمَ يَلْقَى اللهَ)).
(رَوَاهُ رَزِينٌ)، قال في ((التنقيح)): الحديث ذكره رزين في ((جامعه)) ولا يوجد في
شيء من أصوله الستة، يعني: ((صحيحي البخاري ومسلم)) و((الموطأ لمالك))
و((جامع أبي عيسى الترمذي)) و((سنن أبي داود السجستاني)) و((سنن أبي
عبد الرحمن النسائي))، وهذا يدل على خطأ ما وقع في ((نسخة جامع الأصول))
المطبوعة بمصر سنة ١٣٦٨ من عزو هذا الحديث لـ((موطأ الإمام مالك))، فقد رقم

٣٨٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
في أوله ((ط)) علامة لإخراج مالك له في ((موطئه)). وقال في آخره: أخرجه
((الموطأ)) هذا، وذكره علي المتقي في ((الكنز)) (ج ١ ص٣٨٦) من حديث ابن عمر،
ونسبه لأبي نعيم في ((الحلية)) والبيهقي في الشعب وابن صهري في أماليه وابن
شاهين في ((الترغيب)) وابن النجار. قال: وقال ابن شاهين: هذا حديث صحيح
الإسناد حسن المتن غريب الألفاظ، انتهى.
وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) بعد عزوه لأبي نعيم والبيهقي: وفي إسناده
عمران بن مسلم القصير. قال البخاري: منكر الحديث. وقال الحافظ العراقي:
سنده ضعيف، ولعله يشير إلى كون في إسناده هذا الرجل، انتهى. ورواه الطبراني
في ((الكبير)) و(الأوسط)) والبزار عن ابن مسعود مختصرًا: ((ذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ
بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الفَارِّينَ))، قال الهيثمي (ج٩ص ٨٠): رجال ((الأوسط)) وثقوا.
وقال العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح.
٢٣٠٦ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ
مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٣٠٦ - قوله: (مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))،
وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج ٥ ص٢٤٤) عزوًّا لـ((الموطأ)) فقط، والذي جاء
في نسخ ((الموطأ)) الموجودة: ((ما عمل ابن آدم من عمل))، وهكذا ذكر في ((جامع
الأصول)) (ج ١٠ ص٣١٥) وقال في آخر الحديث: أخرجه ((الموطأ)) والترمذي،
وللترمذي: ((ما شيء أنجى)). ولابن ماجه: ((ما عمل امرؤٌ بعمل)). ورواه أحمد
(ج ٥ص٢٣٩) بلفظ: ((ما عمل آدميٌّ عملًا قطَّ)). والحاكم بلفظ: ((ما عمل آدميُّ
من عمل)). و((مَا)) في ((مَا عَمِلَ)) نافية. و(عَمَلًا)) مفعول مطلق، أو مفعول به على
أن ((عَمِلَ))، بمعنى: كسب، أي: فعل عملا من أعمال البر، ويؤيد هذا ما وقع في
رواية: من عمل. (أَنْجَى لَهُ)، قال في ((الحرز الثمين)): أفعل تفضيل من الإنجاء لا
(٢٣٠٦) مَالِك (٢٤/٢١١/١)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٧٧)، وابن مَاجَهْ (٣٧٩٠) عنه.

٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من النجاة؛ لأنَّ النجاة من الخلاص، والمعنى هنا على ((التلخيص))(*)، وهو معنى
الإنجاء وبناء أفعل التفضيل على هذا الوزن من باب الإفعال قیاس عند سيبويه،
ويؤيده كثرة السماع كقولهم: هو أعطاهم للدينار وأنت أكرم لي من فلان، وهو
عند غيره سماع مع كثرته. ونقل عن المبرد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من
جميع المزيد فيه كأفعل واستفعل وغيرهما كذا أفاده الشيخ الرضي، انتهى.
(مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ)، من الأولى: صلة ((أَنْجَى))، والثانية: تفضيليَّةُ،
أي: فجميع أعمال الخير تنجي من عذاب الله، لكن الذكر أعظم إنجاء من غيره
بأيِّ صيغة كان من صيغ الذكر وهذا؛ لأن سائر العبادات وسائل ووسائط يتقرب بها
إلى الله تعالى، والذكر هو المقصود الأسنَى والمطلوب الأعلَى. قال ابن عبد البر:
فضائل الذكر كثيرة لا يحيط بها كتاب، وحسبك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الضَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، انتهى. وزاد في رواية
الطبراني في ((الكبير)) وابن أبي شيبة في ((المصنف)): قالوا: يا رسول الله، ولا
الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلُ اللهِ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى
يَنْقَطِعَ))، قاله ثلاث مرات. (رَوَاهُ مَالِك) في باب: ما جاء في ذكر اللَّه من كتاب
الصلاة. (وَالتِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)، في فضل الذكر من (الدعوات))، وكذا الحاكم
(ج ١ ص٤٩٦) ومثله لا يقال من قبل الرأي، فهو في حكم المرفوع، قاله القاري.
قلت: روى أحمد (ج٥ص٢٣٩) وابن أبي شيبة والطبراني في الكبير وابن عبد البر
والبيهقي قول معاذ هذا مرفوعًا. قال المنذري في ((الترغيب)): رواه أحمد بإسناد
جيد إلا أن فيه انقطاعًا. وقال الهيثمي (ج ١٠ ص٧٣) بعد أن عزاه لأحمد: رجاله
رجال الصحيح، إلا أن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذًا، انتهى.
قلت : يدل على ذلك رواية أحمد حيث وقع فيها: عن زياد بن أبي زياد مولی
عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل، أنه قال: قال رسول الله
وَلّر ... إلخ. والحديث ذكره الحافظ في ((بلوغ المرام)). وقال: أخرجه ابن أبي
شيبة والطبراني بإسناد حسن، وفي الباب عن جابر عند الطبراني في ((الأوسط))
و((الصغير)). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
(*) لعل الصواب: التخليص.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
**** *
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٨٧
٢٣٠٧ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَِّ: ((إِنَّ اللَّهَ
تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ)) .
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٣٠٧ - قوله: (إِنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي)، أي: عونًّا ونصرًا وتأييدًا
وتوفيقًا، فهذه معية خاصة تفيد عظمة ذكره تعالى، وإنه مع ذاكره برحمته ولطفه
وإعانته، والرضا بحاله، وتحصيل مرامه. قال ابن القيم: الفائدة الثانية والأربعون
للذكر: أن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة غير
معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة، والنصرة
والتوفيق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ [النحل: ١٢٨] ﴿وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ٢٤٩]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]
وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر، كما في الحديث الإلهي: ((أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا
ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ)) وأثر آخر: ((أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي ... )) إلخ. والمعية
الحاصلة للذاكر: معية لا يشبهها شيء، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن
والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة، وإنما تعلم بالذوق وهي
مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد،
بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود، وإلا وقع في حلولٍ يضاهيء به
النصارى، أو اتحاد يضاهيء به القائلين بوحدة الوجود تعالى اللَّه عمَّا يقول
الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
(إِذَا ذَكَرَنِي) في سنن ابن ماجه: ((إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي))، وفي (الكنز)) و((بلوغ المرام))
و((الوابل الصيب)): ((مَا ذَكَرَنِي)). (وَتَحَرَّكَتْ بِي)، أي: بذكري، (شَفَتَاهُ)، قال
الطيبي: فيه: من المبالغة ما ليس في قوله: إذا ذكرني باللسان، هذا إذا كان الواو
للحال. وأمَّا إذا كان للعطف، فيحتمل الجمع بين الذكر باللسان والقلب، وهذا
(٢٣٠٧) رَوَاهُ الْبُخَارِي رَضِلَّهُ.

٣٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التأويل أولى؛ لأن المؤثر النافع هو الذكر باللسان مع حضور القلب، وأمَّا الذكر
باللسان والقلب لاهٍ، فهو قليل الجدوى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) تعليقًا الحديث ذكر الحافظ في ((بلوغ المرام)).
وقال: أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البخاري تعليقًا، انتهى. وفيه
نظر؛ فإنَّ الحديث بهذا السياق ليس في نسخ البخاري الموجودة عندنا لا مسندًا
ولا معلقًا، وليس هو في ((جامع الأصول)) أيضًا ولم ينسبه أحد إلى البخاري، نعم
هو في البخاري - في كتاب التوحيد - بلفظ: ((يَقُولُ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا
مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ... )) إلخ. وقد تقدم في الفصل
الأول من هذا الباب والحديث ذكره المنذري في ((الترغيب)). وقال: رواه ابن
ماجه واللفظ له وابن حبان في ((صحيحه))، وعزاه في ((الكنز)) (ج ١ ص٧٣٣) لأحمد
وابن ماجه والحاكم وابن عساكر. قلت: أخرجه الحاكم (ج١ ص٤٩٦) من حديث
أبي الدرداء. وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وفي إسناده عند ابن
ماجه محمد بن مصعب القُرقُساني.
قال في ((الزوائد)): قال فيه صالح بن محمد: هو ضعيف في الأوزاعي، لكن
رواه ابن حبان في (صحيحه)) من طريق أيوب بن سويد عن الأوزاعي أيضًا، وأيوب
ابن سويد ضعيف، انتهى. قلت : قال أحمد: حديث القرقساني عن الأوزاعي
مقارب .
وقال الحاكم: أبو أحمد روى عن الأوزاعي أحاديث منكرة وليس بالقوي
عندهم. وقال الحافظ في ((التقريب)): هو صدوق كثير الغلط.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٨٩
٢٣٠٨ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالَةٌ وَصِقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرَ اللَّهِ، وَمَاَ مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابٍ
اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) قَالُوا: ولَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَّ: ((وْلَا أَنْ يَضْرِبَ
بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ)).
[رَوَاهُ الْبَيهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
الشرح
٢٣٠٨- قوله: (لِكُلِّ شَيْءٍ)، أي: مما يصدأ حقيقةً أو مجازًا.
(صِقَالَةُ) بكسر الصاد، أي: انجلاء. وقيل: أي: تجلية وتصفية.
قال في ((المصباح)): صقلت السيف ونحوه صَقْلًا من باب قتل وصقالًا أيضًا
بالكسر: جلوته. (وَصِقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ)، قال الطيبي: صدء القلوب: الرين
[المطففين: ١٤] بمتابعة الهوى،
١٤
في قوله تعالى: ﴿كَلَّ بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
المعني بها في قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتَ مَنِ اَتَخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فكلمة: ((لَا إِلهَ))
تخليها، وكلمة: ((إلَّا اللهُ)) تجليها، والله أعلم.
وقال ابن القيم تحت هذا الحديث: لا ريب أنَّ القلب يصدأ كما يصدأ النحاس
والفضة وغيرهما وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرأة البيضاء، فإذا ترك
صدأ، فإذا ذكر جلاه. وصدأ القلب بأمرين؛ بالغفلة، والذنب، وجلاؤه بشيئين:
بالاستغفار، والذكر، فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه،
وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدأ لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه،
فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ
أظلم فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه صدأ واسود وركبه
الرَّان، فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقًّا ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات
القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتِّباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان
بصره، انتهى .
(٢٣٠٨) روَاه البَيْهَقِي في الدعوات.

٣٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال بعض العارفين: إن کان القلب صافيًا مجليًّا من كلُّ كدر ارتسمت فيه صور
المعارف والعلوم وكان محلًّا لكل خير، وإلا بأن كان ملونًا مدنسًا بالمعاصي لم
يقبل شيئًا من ذلك كالمرأة التي ركبها الصدأ. (وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى)، أي: له.
(مِنْ عَذَابِ اللهِ)، قال المناوي: كذا في كثير من النسخ، أي: من الجامع
الصغير لكن رأيت نسخة المؤلف - يعني: السيوطي - بخطه: ((مِنْ عَذَابٍ))
بالتنوين. (قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ) بالرفع. (قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)، يعني :
الجهاد المجرد عن ذكر الله تعالى.
(قَالَ: وَلَا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ)، أي: هو أو سيفه وقوله: (وَلَا أَنْ
يَضْرِبَ)، هكذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وذكر المنذري في ((الترغيب))
وابن القيم في ((الوابل الصيب)) بلفظ: ((وَلَوْ أَنْ يَضْرِبَ))، والسيوطي في الجامع
الصغير وعلي المتقي في ((الكنز)) بلفظ: ((وَلَوْ أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ)).
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، قال المنذري: رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي
من رواية سعيد بن سنان واللفظ له. وقال العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
٣٩١
٢ - كِتَابُ أسْمَاءِ اللَّهِ تَعَاَلَى
(كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى) قال اللَّهِ وَى: ﴿وَلِلَِّ اَلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَِّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال البغوي في (المعالم التنزيل)): الإلحاد في
أسمائه تسمية بما لا ينطق به كتاب ولا سنة. وقيل: الإلحاد في أسمائه يكون على
ثلاثة أوجه: إمَّا بالتغيير كما فعله المشركون، فإنهم أخذوا اسم اللات من الله،
والعزَّى من العزيز، ومناة من المنان، أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من
عندهم لم يأذن اللَّه بها، أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض، انتهى.
وقال تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُوْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
﴾ [طه: ٨] .
اعلم: أنَّ اسمه تعالى ما يصح أن يطلق عليه وذلك باعتبار ذاته كـ((الله))، أو
باعتبار صفة من صفاته السلبية كـ((القدوس)) والأول أو الحقيقة الثبوتية كـ((العليم
والقادر))، أو الإضافة كـ((الحميد والملك)) أو باعتبار فعل من أفعاله كـ((الخالق
والرازق)).
قال القرطبي: أسماء اللَّه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته ولا تركيب لا محسوسًا
كالجسميات ولا عقليًّا كالمحدودات، وإنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات
الزائدة على الذات، ثم هي من جهة دلالتها على أربعة أضرب:
الأول: ما يدل على الذات مجردة كالجلالة، فإنه يدل عليه دلالة مطلقة غير
مقيدة، وبه يعرف جميع أسمائه، فيقال: الرحمن مثلًا من أسماء الله، ولا يقال:
اللَّه من أسماء الرحمن؛ ولهذا كان الأصح إنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة.
الثاني: ما يدل على الصفات الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير.
الثالث: ما يدل على إضافة أمر ما إليه كالخالق والرازق .
الرابع: ما يدل على سلب شيء عنه، كالعلي والقدوس، وهذه الأقسام الأربعة
منحصرة في النفي والإثبات، انتهى.

٣٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الغزالي: الاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة، والمسمى هو
المعنى الموضوع له الاسم، والتسمية وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى أو إطلاقه
عليه. وقد يطلق الاسم ويراد به المعنى، فالمراد بالاسم: هو المسمى على التقدير
الثاني، وغير المسمى على التقدير الأول، فلذلك اختلف في أن الاسم هو المسمى
أو غيره، ومحل هذا المبحث - وأن صفاته تعالى عين ذاته أو غيرها - كتب
العقائد، ولم يتكلف السلف في ذلك؛ تورعًا وطلبًا للسلامة ولنا فيهم أسوة،
واختلف في الأسماء الحسنى هل هي توقيفية بمعنى: أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من
الأفعال الثابتة لله أسماء إلا إذا ورد نص إمَّا في الكتاب أو السنة؟
فقال الفخر الرازي: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت المعتزلة
والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق اللَّه جاز إطلاقه عليه،
يعني: أنه يصح أن يطلق على اللَّه كل اسم يصح معناه فيه، والأفهام الصحيحة
البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات.
قال الراغب: وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح، ولو ترك الإنسان وعقله
لما جسر أن يطلق عليه عامة هذه الأسماء التي ورد الشرع بها إذ كان أكثرها على
حسب تعارفنا، يقتضي أعراضًا إمَّا كمية نحو العظيم والكبير، وإمّا كيفية نحو
((الحي والقادر))، أو زمانًا نحو (القديم والباقي))، أو مكانًا نحو ((العلي والمتعالي))
أو انفعالًا نحو ((الرحيم والودود))، وهذه معان لا تصح عليه تََُّّ على حسب ما هو
متعارف بيننا، وإن كان لها معان معقولة عند أهل الحقائق من أجلها صح إطلاقها
عليه رجل .
وقال القاضي أبوبكر الباقلاني والغزالي: الأسماء توقيفية دون الصفات. قال:
هذا هو المختار، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ولا صفة توهم نقصًا،
ولو ورد ذلك نصًّا فلا يقال: ماهد، ولا زارع، ولا فالق، ولا نحو ذلك، وإن ثبت
﴿أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ
في نحو قوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]،
وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] ونحوها ولا يقال له: ماكر ولا بناء، وإن ورد مكر الله: ﴿وَالسَّمَآءَ
بَيَْهَا﴾ [الذاريات: ٤٧]، وقال أبو القاسم القشيري: أسماء اللَّه تؤخذ توقيفًا من الكتاب
والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه وما لم يرد لا يجوز

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
٣٩٣
ولو صح معناه، وقال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف
به نفسه، فيقول: يا رحيم لا يا رفيق، ويقول: يا قوي لا يا جليد. قال الحافظ :
والضابط: إن كل ما أذن الشرع أن يدعى به، سواء كان مشتقًّا أو غير مشتق، فهو
من أسمائه وكل ما جاز أن ينسب إليه سواء كان مما يدخله التأويل أولًا، فهو من
صفاته ويطلق عليه أسماء أيضًا. وقال الحليمي: إن أسماء اللَّه التي ورد بها الكتاب
والسنة وإجماع العلماء على تسميته بها منقسمة بين عقائد خمسٍ :
الأولى: إثبات الباري ردًّا على المعطلين، وهي الحي، والباقي، والوارث وما
في معناها .
الثانية: إثبات وحدانيته لتقع البراءة عن الشرك، وهي الكافي، والعلي، والقادر
ونحوها .
والثالثة: تنزيهه ردًّا على المشبهة، وهي القدوس والمجيد والمحيط وغيرها.
والرابعة: اعتقادًا أنَّ كل موجود من اختراعه ردًّا على القول بالعلة والمعلول
وهي الخالق والباري والمصور وما يلحق بها .
والخامسة: إثبات أنه مدبر لما اخترعه ومصرفه على ما يشاء لتقع البراءة من
قول القائلين بالطبائع أو بتدبير الكواكب، أو بتدبير الملائكة، وهي القيوم والعليم
والحکیم وشبهها .

٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٣٠٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَّةِ: ((إِنَّ لِلَّهِ
تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ))(*).
الشرح
٢٣٠٩- قوله: (إِنَّ للهِ تعالى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) بالنصب على التمييز. قال
الخطابي: فيه دليل على أن أشهر أسمائه تعالى: ((اللَّه)) لإضافة هذه الأسماء إليه،
وقد روي أنَّ ((الله)) هو اسمه الأعظم. وقال ابن مالك: ولكون اللَّه اسمًا علمًا،
وليس بصفة. قيل: في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله، وهو
من قول الطبري على ما حكاه النووي إلى الله ينسب كل اسم له، فيقال: الكريم
من أسماء الله، ولا يقال: من أسماء الكريم - الله.
قال القسطلاني: ولما كانت معرفة أسماء الله تعالى، وصفاته توقيفية إنما تعرف
من طريق الوحي والسنة، ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما لم يهتد إليه مبلغ علمنا،
ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما يرد به التوقيف في ذلك، وإن جوزه
العقل، وحكم به القياس كان الخطأ في ذلك غير هين والمخطيء فيه غير معذور
والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعًا باشتباه
تسعة وتسعين في زلة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وسبعين، أو سبعة وتسعين، أو
تسعة وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور، أكده حسمًا للمادة
(٢٣٠٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٣٩٢)، ومُسْلِم (٦ / ٢٦٧٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسائي
في الكبرى (٧٦٥٩) فِي النَّعُوثِ، وَسَاقَ التِّرْ مِذِي (٣٥٠٧) الأَسْمَاءَ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
٣٩٥
وإرشادًا إلى الاحتياط بقوله: (مِائَةً) بالنصب على البدلية. (إِلَّا وَاحِدًا)، أي: إلَّا
اسمًا واحدًا.
وقال في ((فتوح الغيب)): قوله: ((مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا)) تأكید وفذلكة؛ لئلا يزاد على ما
قلے
وَرَدَ، كقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفيه رفع التصحيف، فإن تسعة تصحف
بسبعة وتسعين بسبعين بالموحدة فيهما. وقيل: أتى بذلك للتنصيص على العدد
المقصود على وجه المبالغة. وقيل: إنما قال ذلك؛ لئلا يتوهم العدد على
التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه في الخط. قال السندي: وهذا مبني على معرفته
وَلَه رسم الخط، وأن كونه أميًّا لا يتأتي معرفة ذلك إلا بالإلهام من الله تعالى،
انتهى. وقوله: ((إِلَّا وَاحِدًا)) بالتذكير في أكثر الروايات ويروى واحدة بالتأنيث.
قال ابن مالك: أنث باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة، واختلف في هذا
العدد، هل المراد به: حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة أو إنها أكثر من ذلك،
ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة، فذهب الجمهور إلى الثاني.
ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، فقال: ليس في الحديث حصر لأسماء الله تعالى
وليس معناه: أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث:
أن هذه الأسماء التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد: الإخبار عن
دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء. ويؤيده قوله ◌َّ في حديث ابن
مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ
نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِك، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأَتَّرْتَ بِهِ فِي عِلْم
الْغَيْبِ عِنْدََ))، وعند مالك عن كعب الأحبار في دعائه: ((وأسألك بأسمائكَ
الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم)). ولابن ماجه من حديث عائشة: أنها دعت
بحضرة النبي وَ ﴾ بنحو ذلك.
وقال الخطابي: في هذا الحديث: إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد،
وليس فيه منع ما عداها في الزيادة، وإنما التخصيص؛ لكونها أكثر الأسماء وأبينها
معاني، وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله: ((مَنْ أَحْصَاهَا)) لا قوله: ((لله))، وهو
كقولك: لزيد ألف درهم أعدها للصدقة أو لعمرو مائة ثوب من زاره ألبسه إياها .
وقال القرطبي في المفهم والتوربشتي في ((شرح المصابيح)) نحو ذلك. وبالغ

٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعضهم في تكثير الأسماء الحسنى، حتى قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)» حاكيًا
عن بعض أهل العلم: إنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم.
قلت: وذهبت بعضهم إلى حصرها في التسعة والتسعين.
قال ابن حزم: من زاد شيئًا في الأسماء على التسعة والتسعين من عند نفسه فقد
ألحد في أسمائه، واحتج لذلك بالتأكيد في قوله وَ له: ((مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا))، قال: لأنه
لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم، فيبطل
قوله: ((مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا))، وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم؛ لأن الحصر
المذكور عند الجمهور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادَّعى أن الوعد
وقع لمن أحصى زائدًا على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم
زائد، وأمَّا الحكمة في القصر على العدد المخصوص المذكور، فذكر الفخر
الرازي عن الأكثر: أنه تعبد لا يعقل معناه. وقيل: الحكمة فيه أنها في القرآن، كما
في بعض طرقه. وقال آخرون: الأسماء الحسنى مائة على درجات الجنة استأثر الله
تعالى منها بواحدة وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدًا، فكأنه قال: مائة،
ولكن واحد منها عند الله .
وقال بعضهم: ليس الاسم المكمل للمائة مخفيًّا، بل هو الجلالة وبه جزم
السهيلي، فقال: الأسماء الحسنى مائة على عدد درجات الجنة، والذي يكمل
المائة اللَّه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فالتسعة
والتسعون لله، فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة، وقيل غير ذلك. (مَنْ أَحْصَاهَا)،
وفي رواية لمسلم: ((مَنْ حَفِظَهَا))، وفي رواية للبخاري: (لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ
الْجَنَّةَ)). قال الشوكاني: وهذا اللفظ يفسر معنى قوله: (أَحْصَاهَا)، فالإحصاء هو
الحفظ. وقيل: أحصاها قرأها كلمة كلمة كأنه يعدها. وقيل : أحصاها علمها وتدبر
معانيها واطلع على حقائقها، وقيل: أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها والتفسير
الأول هو الراجح المطابق للمعنى اللغوي، وقد فسرته الرواية المصرحة بالحفظ
كما عرفت. وقال النووي: قال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها وهذا
هو الأظهر لثبوته نصًّا في الخبر. وقال في ((الأذكار)): هو قول الأكثرين. وقال
الخطابي: الإحصاء في هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: وهو أظهرها أن يعدها حتى يستوفيها يريد أنه لا يقتصر على بعضها لكن

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
٣٩٧
يدعو اللَّه بها كلها ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب.
ثانيها: المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]،
والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر
معانيها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: الرزاق، وثق بالرزق وكذلك سائر الأسماء.
ثالثها: المراد: العقل والإحاطة بمعانيها من قول العرب: فلان ذو حصاة،
أي: ذو عقل ومعرفة. وقيل: معنى أحصاها: عرفها؛ لأن العارف بها لا يكون إلا
مؤمنًا والمؤمن يدخل الجنة. وقال ابن الجوزي: فيه خمسة أقوال؛ أحدها: من
استوفاها حفظًا .
والثاني: من أطاق العمل بمقتضاها مثل أن يعلم أنه سميع فيكف لسانه عن
القبيح.
والثالث: من عقل معانيها .
والرابع: من أحصاها علمًا وإيمانًا. والخامس: أن المعنى من قرأ القرآن حتى
يختمه؛ لأن جميع الأسماء فيه.
وقال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أنَّ من حصل له إحصاء هذه الأسماء
على أحد هذه المراتب مع صحة النية، أنه يدخل الجنة. قال السندي: كأنه مبني
على إرادة المعاني كلها من المشترك لا بشرط الاجتماع بل على البدلية، والله
أعلم، والمحققون على أن معنى ((أَحْصَاهَا)): حفظها. قلت: وهذا هو الراجح.
(دَخَلَ الْجَنَّةَ)، ذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا؛ لوقوعه وتنبيهًا على أنه، وإن لم
يقع فهو في حكم الواقع؛ لأنه كائن لا محالة. (وَفِي رِوَايَةٍ) للبخاري في
الدعوات. (وَهُوَ)، أي: ذاته تعالى. (وَتْرٌ)، ولمسلم: ((وَاللهِ وَتْرٌ))، وفي أخرى
له: ((أَنَّهُ وَتْرٌ))، والوتر: بفتح الواو وكسرها الفرد، ومعناه في حق الله تعالى: أنه
الواحد الذي لا شريك له في ذاته، ولا نظير ولا انقسام.
(يُحِبُّ الْوَثْرَ)، من كل شيء، وقيل: هو منصرف إلى من يعبد الله بالوحدانية،
والتفرد على سبيل الإخلاص، وقيل: المراد: يحب من الأذكار والطاعات ما هو
على عدد الوتر، ويثيب عليه لاشتماله على الفردية. وقيل: يحب الوتر؛ لأنه أمر

٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات، كما في الصلوات الخمس ووتر الليل
وإعداد الطهارة وتكفين الميت والطواف والسعي بين الصفا والمروة، ورمي
الجمار في الحج ونصاب المعشرات والورق، والإبل في الزكاة وفي كثير من
المخلوقات كالسماوات والأرض وأيام الأسبوع، انتهى. وقال القرطبي: الظاهر:
أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه، فيكون معناه: أنه
وتر يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له أنه أمر به وأثاب عليه، ويصلح ذلك
لعموم ما خلقه وترًا من مخلوقاته.
G تنبيه:
قد طعن أبوزيد البلخي في صحة الحديث، بأن دخول الجنة ثبت في القرآن
مشروطًا ببذل النفس والمال، فكيف يحصل بمجرد حفظ ألفاظ تعد في اليسر
مدة .
وتعقب: بأنَّ الشرط المذكور ليس مطردًا ولا حصر فيه، بل قد تحصل الجنة
بغير ذلك، كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد أن فاعله يدخل الجنة. وأمَّا
دعوى إن حفظها يحصل في اليسر مدة، فإنما يرد على من حمل الحفظ والإحصاء
على معنى أن يسردها عن ظهر قلب. فأمَّا من أوَّله على بعض الوجوه المتقدمة،
فإنه يكون في غاية المشقة، ويمكن الجواب عن الأول: بأن الفضل واسع، كذا
في (الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الدعوات، وأخرجه البخاري أيضًا في الشروط وفي
التوحيد دون قوله: (هُوَ وَتْرٌ ... ) إلخ. والحديث رواه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢١٤،
٢٥٨، ٢٦٧) والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن حبان في (صحيحه))
وغيرهم.

201 44:47
-.. . "
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
٣٩٩
الفصل الثاني
٢٣١٠ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ لِلَّهِ
تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكَ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ،
الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ،
الْوَهَّابُ، الرِّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الزَّافِعُ،
الْمُعِزُّ، الْمُذِلَّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ،
الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ،
الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ،
الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ،
الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْبِيِ، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ،
الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ،
الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْوَالِي، الْمُتَعَالِ، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ،
الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ،
الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، الَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ،
الرَّشِیدُ، الصَّبُورُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيِ))، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشرح
٢٣١٠ - قوله: (إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا)، ليس الغرض الحصر، بل نصَّ
على ذلك لما رتبه عليه فغيرها من الأسماء، وإن حصل على إحصائه ثواب عظيم إلا
أنه ليس فيه هذه الخصوصية. (مَنْ أَحْصَاهَا)، قال الجزري: الإحصاء: العدد
والحفظ، والمراد: من حفظها على قلبه، وقيل: المراد: من استخرجها من كتاب
(٢٣١٠) التِّرْ مِذِي (٣٥٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: ((غَرِيبٌ)).