النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٢٩٢ - [١٠] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((أَلَا
أُنُبِّكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرِ
لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُواَ
أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَّى، قَالَ: ((ذِكْرُ اللَّهِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّ أَنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ] (صحيح}
الشرح
٢٢٩٢- قوله: (أَلَا أُنَبِّكُمْ)، وفي رواية: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ)) وقوله: ((أَلَا)))
يحتمل أن يكون للتنبيه و(أُنَبِّكُمْ) استئناف بيان، والأظهر أنه مركب من ((لا)) النافية
واستفهام التقرير، كما يدل عليه قولهم الآتي: ((بَلَى))، (بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ)، أي:
أفضلها لكم. (وَأَزْكَاهَا)، أي: أنماها من حيث الثواب الذي يقابلها، وأظهرها من
حيث كمال ذاتها لا بالنظر إلى الثواب. (عِنْدَ مَلِيكِكُمْ) المليك بمعنى المالك
للمبالغة. وقال في ((القاموس)): الملك ككتف، وأمير وصاحب ذو الملك.
(وَأَرْفَعِهَا)، أي: أكثرها رِفعة بمقتضى السببية. (فِي دَرَجَاتِكُمْ)، أي: أكثرها
رفعًا لمنازلكم في الجنة. (وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ) بكسر الراء
وتسكن، أي: الفضة، أي: من صرفهما في سبيل الله ابتغاء مرضاته. قال الطيبي:
قوله: (وَخَيْرٍ) مجرور عطفًا على ((خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ) من حيث المعنى؛ لأن المعنى:
ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم وأنفسكم في سبيل الله، انتهى.
وقال ابن حجر: عطف على ((خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ)) عطف خاص على عام؛ لأن الأول
خير الأعمال مطلقًا، وهذا خير من بذل الأموال والأنفس، أو عطف مغاير، بأن
يراد بالأعمال الأعمال اللسانية، فيكون ضد هذا يعني مغايرة؛ لأن بذل الأموال
(٢٢٩٢) التِّرْ مِذِي (٣٣٧٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (٣٧٩٠) فِي ثَوَابِ التَسْبِيحِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
EX
٣٦١
والنفوس من الأعمال الفعلية انتهى. وقال الشوكاني: في تخصيص هذين العملين
الفاضلين - الإنفاق، والجهاد - بالذكر أيضًا بعد تعميم جميع الأعمال زيادة تأكيدًا
لما دلَّ عليه. (أَلَا أَنَبِّكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ)، وما بعده من فضيلة الذكر على كل
الأعمال، ومبالغة في النداء بفضله عليها ودفع لما يظن من أن المراد بالأعمال
هاهنا غير ما هو متناهٍ في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وهو الجهاد والصدقة بما هو
محبب إلى قلوب العباد فوق كل نوع من أنواع المال وهو الذهب والفضة.
(وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ)، أي: للجهاد والعدو يطلق على الجمع، ولذا
جمع ضميرٍ أعناقهم. (فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ)، أي: أعناق بعضهم. (وَيَضْرِبُوا)، أي:
بعضهم. (أَعْنَاقَكُمْ)، أي: كلكم أو بعضكم، يعني: خير لكم من بذل الأموال
والأنفس في سبيل الله بأن تجاهدوا الكفار.
(قَالُوا: بَلَى)، أي: أخبرنا، وفي رواية أحمد وابن ماجه قالوا: و((ما ذاك يا
رسول الله؟)) (قَالَ: ذِكْرُ اللهِ)، أي: هو ذكركم له سبحانه، وإطلاق الذكر يشمل
القليل والكثير مع المداومة وعدمها. وفي الحديث: دليل على أن الذكر أفضل
عند الله تعالى من جميع الأعمال التي يعملها العبد، وأنه أكثرها نماءً وبركة،
وأرفعها درجة، وفي هذا ترغيب عظيم، فإنه يدخل تحت الأعمال كل عمل يعمله
العبد كائنًا ما كان. قال السندي: أحاديث أفضل الأعمال مختلفة، وقد ذكر العلماء
في توفيقها وجوها من جملتها: أن الاختلاف بالنظر إلى اختلاف أحوال
المخاطبين، فمنهم: من يكون الأفضل له الاشتغال بعمل، ومنهم: من يكون
الأفضل له الاشتغال بآخر، يعني: فمن كان مطيقًا للجهاد قوي الأثر فيه شجاعًا
باسلا يحصل به نفع الإسلام، فأفضل أعماله الجهاد، ومن كان كثير المال غنيًّا
ينتفع الفقراء بماله فأفضل أعماله الصدقة، ومن كان غير متصف بأحد الصفتين
المذكورتين فأفضل أعماله الذكر ونحوه.
وقال الحافظ: المراد بذكر اللَّه في حديث أبي الدرداء: الذكر الكامل وهو ما
يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى،
وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلًا من غير استحضار
لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له.
١

٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنه جمع ذلك کمن یذکر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، و کل ذلك حال صلاته أو
في صيامه، أو تصدقه، أو قتاله الكفار مثلًا، فهو بلغ الغاية القصوى، والعلم عند
الله تعالی.
وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي: بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط
في تصحيحه، فمن لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه مثلًا، فليس عمله كاملًا،
فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية، ويشير إلى ذلك حديث: ((نَيَّةُ الْمُؤْمِنِ
أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ))، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في ((قواعده)): هذا الحديث
يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات بل قد يأجر الله
تعالى على قليل الأعمال، أكثر مما يأجر على كثيرها، فإذا الثواب يترتب على
تفاوت الرتب في الشرف، انتهى.
وقيل: لعل الخيرية والأرفعية في الذكر لأجل أن سائر العبادات من إنفاق
الذهب والفضة ومن ملاقاة العدو، والمقاتلة معهم إنما هي وسائل ووسائط تتقرب
العباد بها إلى اللَّه تعالى. والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى،
كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤) وقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾
[العنكبوت: ٤٥] فالذكر لب العبادات. وقال في ((حجة الله)) (ج٢ص٥٤): الأفضلية
تختلف بالاعتبار، ولا أفضل من الذكر باعتبار تطلع النفس إلى الجبروت، ولا
سيَّما في نفوس زكية لا تحتاج إلى الرياضات وإنما تحتاج إلى مداومة التوجه،
هذا. وقد بسط الغزالي الكلام في ذلك في آخر الباب الأول من كتاب الأذكار من
((إحياء العلوم)) فارجع إليه .
(رَوَاهُ مَالِك) في أواخر الصلاة. (وَأَحْمَدُ) (ج ٥ص ١٩٥) موصولًا ومنقطعًا وفي
(ج ٦ ص ٤٤٧) منقطعًا. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَابْنُ مَاجَهْ) في فضل الذكر،
وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ ص٤٩٦) وابن أبي الدنيا والطبراني في ((الكبير))،
والبيهقي في شعب الإيمان وابن شاهين في (الترغيب في الذكر))، وحسن إسناده
المنذري والهيثمي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ)
بالتخفيف. (عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ) يعني: والباقون رفعوه إلى النبي ◌َّ ولا يضر؛ لأن
الحكم لمن وصل لا لمن وقف؛ لأن مع الأول زيادة العلم بالوصل وزيادة الثقة

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٦٣
مقبولة، ولأن هذا مما لا يقال من قبل الرأي، فوقفه كرفع غيره، قاله القاري.
قلت: وفي سند ((الموطأ)) انقطاع أيضًا؛ فإنه رواه مالك عن زياد بن أبي زياد أنه
قال: قال أبوالدرداء: ((ألا أخبركم ... )) إلخ. ورواه أحمد (ج٥ص١٩٥)
والترمذي وابن ماجه وغيرهم من طريق زياد بن أبي زياد عن أبي بحرية، عن أبي
الدرداء، وفي الباب عن معاذ بن جبل عند أحمد. قال المنذري: بإسناد جيد، إلا
أن فيه انقطاعًا. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أن زياد بن أبي زياد لم
يدرك معاذًا وعن ابن عمر عند البيهقي في ((شعب الإيمان)).
٢٢٩٣ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِّ ◌ِلـ
فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: ((طُوبَى لَمَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ
ذِكْرِ اللهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٩٣- قوله: (طُوبَى)، فُعْلى من الطيب. (لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ) بضمتين على
ما هو الأفصح الوارد في كلامه سبحانه، وفي ((القاموس)): العمر بالفتح وبالضم
وبضمتين الحياة. (وَحَسُنَ عَمَلُهُ)، قال الطيبي: إن الأوقات والساعات كرأس
المال للتاجر، فينبغي أن یتجر فیما یربح فیه، و کلما کان رأس ماله کثیرًا كان الربح
أكثر فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله، فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم
يربح وخسر خسرانًا مبينًا، انتهى. قال ابن حجر: ((طوبى)) فعلى من الطيب،
والمراد بها: الثناء عليه والدعاء له بطيب حاله في الدارين، والأظهر أنه خبر؛ لأنه
في جواب: ((أي الناس خير))، ويمكن أن يكون المراد من ((طُوْبَى)) الجنة، أو
شجرة في الجنة تعم أهلها وتشمل محلها .
(٢٢٩٣) التِّرْ مِذِي (٣٣٧٥) (٢٣٢٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الزُّهْدِ بِنَحْوِهِ، وَبِاللَّفْظِ أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ (١٢٤٥)
فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ.

٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: وكان من الظاهر أن يجاب من طال عمره وحسن عمله، فالجواب
من الأسلوب الحكيم كأنه قال: غير خاف أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله
بل الذي يهمك أن تدعوا له فتصيب من بركته، انتهى. والأظهر: أنه إخبار عن
طيب حاله وحسن مآله فيكون متضمنًا للجواب ببلاغة مقاله، كذا في ((المرقاة)).
قلت: الرواية عند أحمد والترمذي بغير زيادة كلمة. (طُوْبَى))، وكذا ذكرها
الجزري بغير هذه الزيادة في ((جامع الأصول)) (ج١٢ ص٣٢١) فالجواب في
روايتهما على ما يقتضيه الظاهر.
(وَلِسَانُك) الواو للحالية. (رَطْبٌ) بفتح الراء وسكون الطاء، أي: قريب العهد
أو متحرك طري. (مِنْ ذِكْرِ اللهِ)، قال الطيبي: رطوبة اللسان عبارة عن سهولة
جريانه، كما أنَّ يبسه عبارة عن ضده، ثم إنَّ جريان اللسان عبارة عن مداومة
الذكر، فكأنه قيل: خير الأعمال مداومة الذكر، فهو من أسلوب قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] انتهى. وقيل: المقصود في الحديث:
الحث على الذكر القلبي والمداومة عليه، لكن لما كان الذكر اللساني دالًا عليه
ومنبئًا عنه، مثابًا عليه، اكتفى بذكره إقامة للدال مقام المدلول. وأمّا إذا اجتمعا
فهو أولى وأحری.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) فيه نظر، فإنَّ بين السياق الذي ذكره المصنف هاهنا تبعًا
(((المصابيح))، وبين سياق أحمد والترمذي فرقًا بيًِّا، فإن الترمذي أخرج الفصل
الأول فقط في باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن من كتاب الزهد بلفظ: إنَّ
أعرابيًا قال: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))،
وروى الفصل الثاني فقط بسنده الأول في فضل الذكر من الدعوات بالسياق الذي
يأتي في الفصل الثالث من هذا الباب. وأمَّا الإمام أحمد فروى الحديث بتمامه في
موضعين :
الأول: بلفظ: أتى النبيَّ وَّل أعرابيان، فقال أحدهما: من خير الرجال يا
محمد؟ قال: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، وقال الآخر: إن شرائع الإسلام قد
كثرت علينا، فبابٌ نتمسك به جامعٌ؟ قال: ((لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ)) .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
best
٣٦٥
والثاني: بلفظ: جاء أعرابيان إلى رسول اللّه وَله، فقال أحدهما: أيُّ الناس
خير؟ قال: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، وقال الآخر: يا رسول الله، إنَّ شرائع
الإسلام ... فذكر مثل السياق الآتي في الفصل الثالث، ونسب هذا الحديث في
((تنقيح الرواة)) للبغوي في ((شرح السنة))، والله أعلم. والحديث قد حسنه
الترمذي، وروى الجزء الأول أيضًا الطبراني في ((الكبير)) وأبو نعيم في ((الحلية))
كما في ((الجامع الصغير)). وروى نحوه أحمد ورجاله رجال الصحيح وابن حبَّان
في (صحيحه)) والبيهقي عن أبي هريرة والترمذي وصححه، وأحمد والدارمي
والطبراني والحاكم، والبيهقي عن أبي بكرة وأبو يعلى بإسناد حسن عن أنس
والحاكم عن جابر. وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأمَّا الجزء الثاني فسيأتي
تخريجه في الفصل الثالث.
٢٢٩٤ - [١٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((إِذَا مَرَرْتُمْ
بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا)) قَالُوا: وَمَّا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: ((حِلَقُ الذِّكْرٍ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٩٤ - قوله: (إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِیَاضِ الْجَنَّةِ) جمع روضة، وهي أرض مخضرة
بأنواع النبات، يقال لها بالفارسية: مرغزار، أي: بساتينها الموضوعة في الدنيا
المورثة للجنات العالية في العقبى، والمراد بها: مجالس الذكر ومواضعه، فهو
من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، أو بما يوصل إليه.
(فَارْتَعُوا) من رتع كمنع، رتعًا ورتوعًا ورتاعًا بالكسر، أكل وشرب ما شاء في
خصب وسعة، أو هو الأكل والشرب رغدًا أو في الريف أو بِشَرَهٍ، وهو كناية عن
أخذ الحظ الأوفر والنصيب الأوفى، يعني: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها
من الأذكار لما جاء: أن الجنة قيعان وغراسها أذكاره تعالى.
(٢٢٩٤) التِّرْمِذِي (٣٥١٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَنَسِ رَوَتَهُ .

٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حِلَقُ الذِّكْرِ)، أي: هي حلق الذكر. قال في ((النهاية)): الحلق بكسر الحاء وفتح
اللام: جمع الحلقة - بفتح الحاء وسكون اللام، مثل: قصعة وقصع - وهي
الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره. وقال في ((جامع الأصول)):
الحلقة بسكون اللام الشيء المستدير كحلقة الخاتم ونحوها، والمراد به:
الجماعة من الناس يكونون كذلك. وقال الجوهري: جمع الحلقة: حلق بفتح
الحاء على غير قياس، وحكى عن أبي عمرو أن الواحد حلقة بالتحريك والجمع
حلق بالفتح.
وقال ثعلب : كلهم يجيزه على ضعفه. شبه في هذا الحديث مجالس الذكر -
وفي حديث ابن عباس عند الطبراني مجالس العلم - برياض الجنة، وشبه
الاشتغال بالأذكار واكتساب العلم وهو علم الكتاب والسنة، وما يتوصل به إليهما
برتع الحيوانات في أنواع النبات بجامع النفع. قيل: هذا الحديث مطلق في
المكان والذكر، فيحمل على المقيد المذكور في باب: المساجد والذكر هو
سبحان الله والحمد لله ... إلخ. ذكره الطيبي، والأظهر حمله على العموم، وذكر
الفرد الأكمل بالخصوص لا ينافي عموم المنصوص. وقد تقدم شيء من الكلام في
هذا في شرح حديث أبي هريرة في باب المساجد فعليك أن تراجعه. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) في ((الدعوات)) وحسنه وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي في ((شعب
الإيمان)».
٢٢٩٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَعَدَ
مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّه فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا
يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٢٩٥- قوله: (كَانَتْ)، أي: القعدة. (عَلَيْهِ)، أي: على القاعد. (مِنَ
(٢٢٩٥) أَبُو دَاوُد (٤٨٥٦) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٢٣٧)
مُخْتَصَرًا.

٣٦٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
اللهِ)، أي: من جهة أمره وحكمه. (تِرَةٌ) بكسر التاء وتخفيف الراء، أي: حسرة
والموتور الذي قتل له قتيل ولم يدرك بدمه، وكذلك وتره حقه، أي: نقصه، وكلا
الأمرين معقب للحسرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، أي:
لن ينقصكم أعمالكم والهاء عوضا عن الواو المحذوفة، مثل عدة. وقال الجزري:
أصل الترة: النقص، ومعناها هاهنا: التبعة، يقال: وترت الرجل ترة على وزن
وعدته عدة. وقال النووي في ((الأذكار)): معناه: نقص. وقيل: تبعه، ويجوز أن
يكون حسرة، كما في الرواية الأخرى، انتهى. وهو منصوب على الخبرية، وروي
بالرفع على أن الكون تام.
(وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهِ كَانَتْ)، أي: الاضطجاعة. (مِنَ اللهِ تِرَةٌ)
بالوجهين. قال الطيبي: كانت في الموضعين رويت على التأنيث في أبي داود
و((جامع الأصول))، وفي الحديثين اللذين يليانه على التذكير فيهما فعلى رواية
التأنيث في ((كانت)) ورفع ((ترة)) ينبغي أن يؤول مرجع الضمير في ((كانت)) مؤنثًا إلى
القعدة أو الاضطجاعة فيكون (تِرَةٌ)) مبتدأ والجار والمجرور أي: ((عَلَيْهِ)) خبر،
والجملة خبر كانت. وأمَّا على رواية التذكير ونصب (ترة)) كما هو في ((المصابيح))
فظاهر، والجار متعلق بـ(ترة))، ويؤيد هذه الرواية الأحاديث الآتية بعد، انتهى.
قال القاري: ويمكن أن يقال: تأنيث كان لتأنيث الخبر. وقال الجزري: يجوز رفع
(تِرَة)) ونصبها على أنه اسم كان وخبرها.
قال القاري: ثم المراد بذكر المكانين استيعاب الأمكنة، كذكر الزمانين بكرة
وعشيًّا؛ لاستيعاب الأزمنة، يعني: من فتر ساعة من الأزمنة وفي مكان من الأمكنة
وفي حال من الأحوال من قيام وقعود واضطجاع كان عليه حسرة وندامة؛ لأنه ضيع
عظيم ثوابِ الذكر، كما ورد: ((لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ
يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ))، الحديث، أخرجه الطبراني والبيهقي عن معاذ، ثم في الحديث
أتى بـ(لَمْ)) في الجملة الأولى وبـ((لَا)) في الجملة الثانية؛ تفنًا، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب وسكت عنه. قال المنذري في ((الترغيب)): رواه أحمد
وابن أبي الدنيا والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) بنحوه وعزاه في ((تلخيص
السنن)) إلى النسائي. وقال : في إسناده محمد بن عجلان، وفيه مقال.

٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٩٦ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ
مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ حِيفَةِ حِمَارٍ ، وَكَأَنَ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشرح
٢٢٩٦ - قوله: (مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ
مِثْلِ حِيفَةِ حِمَارٍ)، أي: مثلها فيَّ النتن والقذارة؛ وذلك لغفلتهم عن الذكر؛ ولأن
المجلس لا يخلو عادة عن لغو الكلام وسقطه وعن الكلام في أعراض الناس. قال
الطيبي: أي: ما يقومون قيامًا إلا هذا القيام، وضمن ((قاموا)) معي تجاوزوا وبعدوا
فعدَّى بعن، يعني: لا يوجد عنهم قيام عن مجلسهم إلا كقيام المتفرقين عن أكل
الجيفة، التي هي غاية في القذر والنتن، والجيفة جثة الميت المنتنة.
قال ابن الملك: وتخصيص جيفة الحمار بالذكر؛ لأنه أدون الجيف من بين
الحيوانات التي تخالطنا، وفي هذا التشبيه غاية التنفير عن ترك ذكر الله تعالى في
المجالس، وإنه مما ينبغي لكل أحد أن لا يجلس في مجلس الغفلة ولا يلابس
أهله، وأنْ يفرَّ عنه كما يفر عن جيفة الحمار، فإن كل عاقل يفر عنها، ولا يقعد
عندها. (وَكَانَ)، أي: ذلك المجلس. (عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، أي: ندامة يوم القيامة
بسبب تفريطهم في ذكر اللَّه في ذلك المجلس، وذلك لما يظهر لهم في موقف
الحساب من أجور العامرين لمجالسهم بذكر الله تعالى فيتحسرون على كل لحظة
من أعمارهم لم يذكروا اللَّه فيها. و(حَسْرَةً) روي بالنصب على أنه خبر ((كَانَ))
وبالرفع على أنه اسم ((كَانَ))، أو على أن ((كان)) تامة، أي: وقع عليهم حسرة. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في الأدب وسكت عنه هو والمنذري. وقال النووي في ((الأذكار)) :
إسناده صحيح وأخرجه أيضًا النسائي وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))
(ص١٤٣) والحاكم (ج١ ص٤٩٢) وقال: حديث على شرط مسلم.
(٢٢٩٦) حديث صحيح.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَىِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٦٩
٢٢٩٧ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا
لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ
عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)).
[رَوَاهُ الَّْمِذِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٩٧ - قوله (وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِّهِمْ) تخصيص بعد تعميم. (إِلَّا كَانَ)،
أي: ذلك المجلس. (عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ)، أي: بذنوبهم السابقة
وتقصيراتهم اللاحقة .
وقال الطيبي: دلَّ على أن المراد بالترة: التبعة قال: وقوله: (فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ)،
من باب التشديد والتغليظ، ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة
من حصائد ألسنتهم. (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)، أي: كرمًا منه وفضلًا ورحمةً، وفيه:
إيماء بأنهم إذا ذكروا اللَّه لم يعذبهم حتمًّا بل يغفر لهم جزمًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق سفيان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وقال:
حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي وَّل من غير وجه، انتهى.
وأخرجه الحاكم (ج١ ص٤٩٦) من طريق عمارة بن غزية عن صالح. وقال : حديث
صحيح الإسناد وصالح ليس بالساقط، وتعقبه الذهبي فقال: صالح ضعيف. وقال
في ((الترغيب)) بعد ذكر تحسين الترمذي: ورواه بهذا اللفظ ابن أبي الدنيا
والبيهقي، انتهى. قلت: صالح مولى التوأمة صدوق اختلط بآخره، لا بأس برواية
القدماء عنه، ولقيه السفيانان بعد ما كبر وتغير وخرف كما في ((التهذيب))،
والظاهر: أن الترمذي حسنه لمتابعاته وشواهده، فقد ورد في كراهة القيام من
المجلس قبل ذكر الله أحاديث ذكرها الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص٧٩،
٨٠) من شاء الوقوف عليها رجع إليه .
(٢٢٩٧) التِّرْ مِذِي (٣٣٨٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
% CrOSOU nT

٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
KE eN ***** *
٢٢٩٨ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((كُلُّ كَلَام
ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٩٨- قوله: (كُلَّ كُلَام ابْنِ آدَمَ)، كذا في جميع النسخ بزيادة، (كُلُّ)،
وهكذا في ((المصابيح)) و((جامعَ الأصول)) و(الترغيب))، والذي في الترمذي وابن
ماجه: ((كَلَام ابْنِ آدَمَ»، أي: بدون لفظ. ((كُلَّ))، أو هكذا وقع في ((الوابل الصيب»
لابن القيم. (عَلَيْهِ)، أي: ضرره ووباله عليه ولو كان مباحًا، فإن أقله تطويل
الحساب، وقد يجر إلى المكروه أو المحرم، فيصير سببًا للعذاب، أو يورث الغفلة
عن الذكر فيكون وسيلة إلى نقص الثواب. وقيل: معنى ((عَلَيْهِ))، أي: يكتب عليه.
(لَا لَهُ)، أي: ليس له نفع فيه أو لا يكتب له ذكره تأكيدًا.
(إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ)، مما فيه نفع الغير من الأوامر الشرعية. (أَوْ نَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ)،
مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية. (أَوْ ذِكْرُ اللهِ)، أي: ما فيه رضا الله من
الأذكار الإلهية. قال القاري: وظاهر الحديث: أنه لا يظهر في الكلام نوع يباح
للأنام اللَّهُمَّ إلا أن يحمل على المبالغة، والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس
بسديد، وقد يقال: إن قوله: (لَا لَهُ)) تفسير لقوله: ((عَلَيْهِ))، ولا شك أن المباح ليس
له نفع في العقبى، أو يقال: التقدير: كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه
إلا المذكورات وأمثالها، فيوافق بقية الأحاديث المذكورة وهو مقتبس من قوله
تعالى: ﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ
النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وبه يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح، انتهى كلام القاري.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الزهد. (وَابْنُ مَاجَهْ) في ((الفتن)) كلاهما من طريق محمد بن
يزيد بن خنيس المكي عن سعيد بن حسان، عن أم صالح بنت صالح عن صفية بنت
شيبة عن أم حبيبة .
(٢٢٩٨) التِّرْمِذِي (٢٤١٢)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٧٤) عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي: غَرِيبٌ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٧١
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، وفي بعض نسخ الترمذي: حسن غريب
ونسبه المنذري في ((الترغيب)) لابن أبي الدنيا أيضًا. وقال بعد ذكر كلام الترمذي:
رواته ثقات وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح، انتهى.
قلت: وأم صالح بنت صالح، قال الحافظ في ((التقريب)): إنها لا يعرف حالها.
٢٢٩٩ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ بِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا
تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ،
وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٩٩ - قوله: (لَا تُكْثِرُوا) بضم التاء من الإكثار، كذا وقع في جميع النسخ
بصيغة الجمع، وهكذا في ((المصابيح)) و((جامع الأصول))، وكذا نقله المنذري في
((الترغيب)) وعلي المتقي في ((الكنز)) والنووي في ((الرياض)) والذي في نسخ
الترمذي الموجودة عندنا: ((لَا تُكْثِرِ)) بصيغة الإفراد. (الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ)، فیه:
إشارة إلى أن بعض الكلام مباح، وهو ما يعنيه.
(فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةٌ) بفتح القاف وسكون السين، أي: سبب
قساوة. (لِلْقَلْبِ)، وهي النُّبُوُّ عن سماع الحقِّ، والميلُ إلى مخالطة الخلق، وقلَّةُ
الخشية، وعدمُ الخشوع والبكاء، وكثرةُ الغفلة عن دار البقاء. (وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ
اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي)، أي: صاحبه، أو التقدير: أبعد قلوب الناس القلب القاسي،
أو أبعد الناس من له القلب القاسي. قال الطيبي: ويمكن أن يعبر بالقلب عن
الشخص؛ لأنه به كما قيل: ((المَرْأَ بِأَصْغَرَيْهِ))، أي: بقلبه ولسانه، فلا يحتاج إذًا
إلى حذف الموصول مع بعض الصلة قال تعالى: ﴿ثُمَّ فَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ
كَالِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ الآية [البقرة: ٧٤] وقال رَى: ﴿أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
صلى
قُلُوبُهُمْ﴾
[الحديد: ١٦ ] .
(٢٢٩٩) التِّرْمِذِي (٢٤١١) فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةً.

٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد وأخرجه أيضًا البيهقي وابن شاهين في ((الترغيب)) كما
في ((الكنز)). وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن
عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال المنذري في ((الترغيب))
بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن
غريب .
٢٣٠٠ - [١٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْتِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ:
نَزَّلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَبُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَتَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ: ((أَفْضَلُهُ
لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٣٠٠- قوله: (فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)، أي: ما
نزلت، أو نزلت هذه الآية في الذهب والفضة، وعرفنا حكمهما ومذمتهما. (لَوْ
عَلِمْنَا)، ((لَوْ)) للتمني. (أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ) مبتدأ وخبر، والجملة سدت مسد المفعولين
لـ(عَلِمْنَا) تعليقًا .
(فَتَتَّخِذَهُ) منصوب بإضمار أن بعد الفاء جوابًا للتمني، واللفظ المذكور
للترمذي. ولفظ أحمد (ج٥ص٢٧٨): فقال بعض أصحابه: قد نزل في الذهب
والفضة ما نزل فلو أنا علمنا أيُّ المال خير اتخذناه؟ قيل: السؤال، وإن كان عن
تعيين المال ظاهرًا لكنهم أرادوا ما ينتفع به عند تراكم الحوائج، فلذلك أجاب عنه
بما أجاب ففيه شائبة عن الجواب عن أسلوب الحكيم.
(فَقَالَ: أَفْضَلُهُ)، أي: أفضل المال، أو أفضل ما يتخذه الإنسان قنية. (لِسَانٌ
ذَاكِرٌ)، أي: بتحميد الله تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع
محامده وتلاوة القرآن. (وَقَلْبٌ شَاكِرٌ)، أي: على إنعامه وإحسانه. (وَزَوْجَةٌ
(٢٣٠٠) التِّرْ مِذِي (٣٠٩٤) فِي التَّفْسِيرِ عَنْ ثَوْبَانَ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
DEX-sa *:
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَىِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٧٣
مُؤْمِنَةٌ)، قال الطيبي: الضمير في ((أفضله)) راجع إلى المال على التأويل بالنافع،
أي: لو علمنا أفضل الأشياء نفعًا فنقتنيه، ولهذا السر استثنى الله من أتى الله بقلب
سليم من قوله: ﴿مَالُ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] والقلب إذا سلم من آفاته شكر الله تعالى،
فسرى ذلك إلى لسانه فحمد الله وأثنى عليه، ولا يحصل ذلك إلا بفراغ القلب
ومعاونة رفیق یعینه في طاعة الله، انتهى.
ولهذا قال: (تُعِينُهُ عَلَى إِيْمَانِهِ)، أي: على دينه بأن تذكره الصلاة والصوم
وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات، قال السندي: عد
المذكورات من المال لمشاركتها للمال، أي: في ميل قلب المؤمن إليها، وأنها
أمور مطلوبة عنده، ثم عدها من أفضل الأموال؛ لأن نفعها باق ونفع سائر الأموال
زائل، وبالجملة فالجواب من أسلوب الحكيم للتنبيه على أن هم المؤمن ينبغي أن
يتعلق بالآخرة، فيسأل عما ينفعه، وإن أموال الدنيا كلها لا تخلو عن شرِّ، انتهى.
قال القاري: ظاهر كلام الطيبي: إِن القلب مقدم على اللسان في نسخته، فبنى
عليه ما ذكر، وإلا فيقال: إذا ذكر الله بلسانه، سرى ذلك إلى جنانه، فشكر على
إحسانه فقدر الله تعالى له مؤنسة تعينه على إيمانه، انتهى. قلت: وقع في رواية
ابن ماجه، وكذا في رواية لأحمد بتقديم القلب على اللسان، ولفظهما: عن
ثوبان. قال: لما نزل في الفضة والذهب ما نزل. قالوا: فأيُّ المال نتخذ؟ قال
عمر: أنا أعلم ذلك لكم، قال: فأوضع على بعير، فأدركه وأنا في أثره، فقال: يا
رسول الله، أُّ المال نتخذ؟ قال: ((لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً
مُؤْمِنَةً تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥ ص٢٧٨ - ٢٨٢). (وَالتِّرْ مِذِيُّ) في تفسير سورة التوبة واللفظ
له. (وَابْنُ مَاجَهْ) في أبواب النكاح كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان.
قال الترمذي: حديث حسن سألت محمد بن إسماعيل، فقلت له: سالم بن أبي
الجعد سمع من ثوبان؟ فقال: لا، قلت له: ممن سمع من أصحاب النبي وَلاّ،
فقال: سمع من جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. وذكر غير واحد من أصحاب
النبي ئل، انتهى.
وقال الذهلي عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان ولم يلقه وبينهما معدان بن أبي

٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طلحة. وقال أبوحاتم: أدرك أبا أمامة ولم يدرك عمرو بن عبسة، ولا أبا الدرداء ولا
ثوبان کذا في (تهذيب التهذيب» (ج٣ص٤٣٢). قلت: والحدیث یؤيده ما رواه
الطبراني عن ابن عباس. قال المنذري بإسناد جيد - أن النبي ◌َّ قال: ((أَرْبَعُ مَنْ
أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَبَدَنَّا عَلَى الْبَلَاءِ
صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوْبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٧٥
الفصل الثالث
٢٣٠١ - [١٩] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي
الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ
إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهِ مَا أَجْلُّسَنَا غَيْرُهُ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ،
وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((مَا أَجْلَسَكُمْ هَهُنَا؟)) قَالُوا: جَلَسْنَا
نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: ((آللَّهِ مَا
أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟)) قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَلِكَ قَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ
أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ رَ يُبَاهِي بِكُمُ
الْمَلَائِكَةَ».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٣٠١- قوله: (خَرَجَ مُعَاوِيَةٌ) بن أبي سفيان. (عَلَى حَلْقَةٍ) بسكون اللام
وتفتح، أي: جماعة متحلقة. قال في ((المجمع)): الحلقة كالقصعة، وهي الجماعة
من الناس مستديرون. وقال الجزري: قوله: ((حَلْقَةٍ)) بسكون اللام: الشيء
المستدير كحلقة الخاتم ونحوها، والمراد به: الجماعة من الناس يكونون كذلك.
(فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟)، أي: ما السبب الداعي إلى جلوسكم على هذه الهيئة هاهنا؟
وهو استفهام. (قَالَ: آللهِ) بالمد والجر. قال السيد جمال الدين: قيل: الصواب:
بالجرِّ، لقول المحقق الشريف في ((حاشيته)): همزة الاستفهام، وقعت بدلًا عن
حرف القسم، ويجب الجر معها، انتهى. وكذا صحح في أهل سماعنا من
((المشكاة))، ومن ((صحيح مسلم)). ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)) بالنصب،
انتھی .
وقال الطيبي: قيل: ((آلله)) بالنصب، أي: أتقسمون بالله؟ فحذف الجار
(٢٣٠١) رَوَاهُ مُسْلِم (٢٧٠١).

٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأوصل الفعل، ثم حذف الفعل كذا في ((المرقاة)). وقال في ((اللمعات)): قد
يحذف حرف القسم فينصب بالإيصال، وقد يجر نحو: اللَّه لأفعلن، كذا ثم
أدخلت حرف الاستفهام فمد. وقيل: حرف الاستفهام صار بدلاً من حرف القسم
فيجر بها، ويرده جواز النصب بل هو الغالب والجر شاذ، وإدخال حرف الاستفهام
في الجواب بطريق المشاكلة، انتهى. (قَالُوا: آللهِ)، تقديره: أي أو نعم نقسم
بالله .
(مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ) فوقع الهمزة موقعها مشاكلة وتقريرًا لذلك كما قرره الطيبي،
وفي نسخ ((مسلم)) الموجودة عندنا: ((قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك))، وهكذا وقع
في بعض نسخ الترمذي. قَالَ، أي: معاوية. (أَمَا) بالتخفيف؛ للتنبيه. (إِنِّي) بكسر
الهمزة. (لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) بضم أوله وسكون الهاء وتفتح. قال في
((النهاية)): التَّهمة وقد تفتح الهاء فعلة من الوهم، والتاء بدل من الواو اتهمتة ظننت
فيه ما نسب إليه، أي: ما أستحلفكم تهمة لكم بالكذب، ولكني أردت المتابعة
والمشابهة، فيما وقع له ◌َّل مع الصحابة، وقدم بيان قربه منه عليه الصلاة والسلام
وقلة نقله من أحاديثه؛ دفعًا لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله فقال: (وَمَا كَانَ أَحَدٌ
بِمَنْزِلَتِي)، أي: بمنزلة قربي. (مِنْ رَسُولِ اللهِ يَّة)؛ لكونه محرمًا لأم حبيبة أخته
من أمهات المؤمنين؛ ولكونه من أجلَّاءٍ كتبة الوحي. (أَقَالَّ) خبر كان. (عَنْهُ)،
أي: عن رسول اللَّه وَّل حَدِيْئًا مِنِّي، أي: لاحتياطي في الحديث، وإلا كان مقتضى
منزلته أن يكون كثير الرواية. (وَمَنَّ) فعل ماض من المنِّ من باب نصر، أي:
أنعم. (بِهِ)، أي: بالإسلام. (عَلَيْنَا)، أي: من بين الأنام كما حكى الله تعالى عن
مقول أهل دار السلام: ﴿اْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اَللَّهُ﴾
[الأعراف: ٤٣] .
(قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) لعلَّه أراد به الإخلاص. (قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ
أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ)؛ لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين. (وَلَكِنَّهُ)، أي: الشأن.
(إِنَّ اللهَ وَّنْ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)، أي: فأردت أن أحقق بماذا كانت المباهاة،
فللاهتمام بتحقيق ذلك الأمر الإشعار بتعظيمه أستحلفكم. قال النووي: قوله: ((إِنَّ
اللهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))، معناه: يظهر فضلكم لهم ويريهم حسن عملكم ويثني
عليكم عندهم، وأصل البهاء: الحسن والجمال، وفلان يباهي بماله وأهله، أي:
يفتخر ويتجمل بهم على غيرهم ويظهر حسنهم، انتهى.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
Bese
٣٧٧
وقيل: معنى المباهاة بهم: أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي
هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم، وأهويتهم والشيطان وجنوده، ومع
ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة، وترك العبادة
والذكر، فاستحقُّوا أن يمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه،
وإنما هي منكم كالتنفس منهم، ففيها غاية الراحة والملائمة للنفس. قال الطيبي:
أي: فأردت أن أتحقق ما هو السبب في ذلك فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد لا
التهمة، كما هو الأصل في وضع التحليف؛ فإن من لا يتهم لا يحلف. قال ابن
القيم: هذه المباهاة من الله تعالى دليل على شرف الذكر عند الله ومحبته له، وأن
له مزية على غيره من الأعمال.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعوات وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ص٩٢) والترمذي في
الدعوات، وأخرج النسائي في آخر القضاء المسند منه فقط ونسبه في ((الكنز)) لابن
حبان أيضًا .
٢٣٠٢ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثِرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: ((لَا يَزَالُ
لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٣٠٢- قوله: (أَنَّ رَجُلًا)، هذا لفظ الترمذي، ولا بن ماجه: ((إنَّ أعرابيًّا)).
(إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَام)، قال الطيبي: الشريعة مورد الإبل على الماء الجاري،
والمراد: ما شرع الله وأظهره لعباده من الفرائض والسنن، انتهى. قال القاري:
والظاهر: إن المراد بها هاهنا: النوافل لقوله: (قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ) بضم المثلثة
ويفتح، أي: غلبت علي بالكثرة حتى عجزت عنها لضعفي.
(٢٣٠٢) التِّرْ مِذِي (٣٣٧٥) من حديث عبد الله بن بسر وفيه قصة، وقال: حَسَنٌ غريب.

٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ)، قال الطيبي: التنكير في بشيء للقليل المتضمن لمعنى
التعظيم كقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ومعناه: أخبرني بشيء
يسير مستجلب لثواب كثير، انتهى. (أَتَشَبَّثُ بِهِ) بتشديد الموحدة، أي: أتعلقُ به
وأعتصمُ وأستمسك، وهذا لفظ الترمذي، ولابن ماجه: ((فأنبئني منها بشيء أتشبث
به)). قال السندي: أي: ليسهل عليَّ أداؤها، أو ليحصل به فضل ما فات منها من
غير الفرائض ولم يرد الاكتفاء به عن الفرائض والواجبات، والله اعلم، انتهى.
وقال الطيبي: لم يرد أنه يترك ذلك رأسا ويشتغل بغيره فحسب، وإنما أراد أنه بعد
أداء ما افترض عليه يتشبث بما يستغني به عن سائر ما لم يفترض عليه. (قَالَ: لَا
يَزَالُ)، أي: هو أنَّه لا يزال. (لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ)، أي: طريًّا مشتغلًا قريب
العهد منه، وهو كناية عن المداومة على الذكر.
قال ابن القيم في ((الوابل الصيب)): الفائدة السابعة والخمسون للذكر: أنَّ
إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية أو مالية كحج التطوع،
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة: إنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله
وَالر فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم
يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم يحجون بها
ويعتمرون ويجاهدون، فقال: ((أَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ
مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ))، قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: ((تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ))، الحديث مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. فجعل الذكر عوضًا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم
يسبقونهم بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به فازدادوا إلى صدقاتهم
وعبادتهم بمالهم التعبد بهذا الذكر فحازوا الفضيلتين فنفسهم الفقراء، وأخبروا
رسول اللّه وَ له بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه،
فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وفي حديث عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابيٍّ فقال: يا رسول الله كثرت عليّ
خلال الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمر جامع يكفيني، قال: ((عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ
تعالى))، قال: ويكفيني يا رسول الله، قال: ((نَعَمْ وَيفضلُ عَنْكَ)). فدله الناصحِ وَل
على شيء يبعثه على شرائع الإسلام، والحرص، والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٧٩
ذكر الله تعالى شعاره أحبه وأحب ما يحب فلا شيء أحب إليه من التقرب بشرائع
الإسلام، فدله ﴾﴾ علی ما یتمکن به من شرائع الإسلام وتسهل به علیه، وهو ذکر
اللَّهُ وَّى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات واللفظ له. (وَابْنُ مَاجَهْ)، في فضل الذكر
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٨٨ ، ١٩٠) والحاكم (ج١ ص١٩٥) وابن حبان وابن
أبي شيبة. والحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم والذهبي. قال الحافظ :
وأخرج ابن حبان نحوه أيضًا من حديث معاذ بن جبل، وفيه أنه السائل عن ذلك.
وحديث عبد الله بن بسر عزاه الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ص٢٤١)
للترمذي فقط، وذكره بلفظ: إنَّ رجلًا قال: ((يا رسول الله، إنَّ أبواب الخير كثيرة
ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بشي أتشبث به ولا تكثر عليَّ فأنسى،
قال ... ))، وفي رواية: ((إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت وأنا قد كبرتٍُ فأخبرني
بشيء أتشبث به ولا تكثر عليَّ فأنسى، قال: ((لَّا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ تعالى)»،
انتهى. ولم أجد هذا السياق في ((جامع الترمذي)).
٢٣٠٣ - [٢١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ سُئِلَ: أَبِّ الْعِبَادِ
أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتُ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لَوْ
ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ، وَيَخْتَضِبَ دَمًّا، فَإِنَّ الذَّاكِرَ
لِلَّهِ أَفْضَّلُ مِنْهُ دَرَجَةً)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٣٠٣- قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ)، وفي مسند
الإمام أحمد: أنَّ أبا سعيد هو السائل عن ذلك. (وَأَرْفَعُ)، ليس هذا اللفظ في
((المسند))، ولا في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، نعم ذكره الجزري في ((جامع
الأصول)) وابن القيم في ((الوابل الصيب))، ونسبا الحديث للترمذي.
(٢٣٠٣) أَحْمَد (٧٥/٣)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٧٦) وقال: غريب.