النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤٠
x Xeese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المعاداة والصفح عمن يجهل عليه. وأجيب: بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة
والمعاملة الدنيوية مثلًا، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب كالرافضي في
بغضه لأبي بكر، والمبتدع في بغضه للسني، فتقع المعاداة من الجانبين. أما من
جانب الولي فلله تعالى وفي الله، وأمّا من جانب الآخر فظاهر، وكذا الفاسق
المتجاهر يبغضه الولي في الله ويبغضه الآخر لإنكاره عليه وملازمته لنهيه عن
شهواته .
وقيل: لا يحتاج إلى هذا التكلف، فإذا قلنا: إن فاعل يأتي بمعنى الفعل كما في
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بمعنى: أسرعوا حصل
الجواب، ويؤيد هذا قوله: ((مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا))، كما تقدم. (فَقَدْ آذَنْتُهُ) بمد الهمزة
وفتح المعجمة بعدها نون، أي: أعلمته من الإيذان وهو الإعلام. (بِالْحَرْبِ) أي:
بمحاربتي إياه، ووقع في حديث عائشة: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلّ مُحَارَبَتِي))،
وفي حديث معاذ عند ابن ماجه وأبي نعيم، كما في ((الفتح)): ((فَقَدْ بَارَزَ اللهَ
بِالْمُحَارَبَةِ))، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي. وحديث أنس عند أبي
يعلى والبزار: ((فَقَدْ بَارَزَنِي))، وقد استشكل وقوع المحاربة وهي مفاعلة من
الجانبين والمخلوق في أسر الخالق. والجواب: إنه من المخاطبة بما يفهم، فإن
غاية الحرب الهلاك والله لا يغلبه غالب، فكان المعنى: فقد تعرض لإِهلاكي إياه،
فأطلق الحرب وأراد لازمه، أي: أعمل به ما يعمله العدو المحارب. قال
الفاكهاني: هذا تهديد شديد؛ لأن من حاربه اللَّه أهلكه، وهو من المجاز البليغ؛
لأن من كره من أحب الله خالف الله، ومن خالف الله عانده ومن عانده أهلكه،
وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله
أكرمه الله.
(وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي)، أي: المؤمن. (بِشَيْءٍ)، أي: من الطاعة. (أَحَبَّ إِلَيَّ)
بفتح أحب، صفة لقوله: (بِشَيْءٍ))، فهو مفتوح في موضع جر وبالرفع على أنه خبر
مبتدأ محذوف، أي: هو أحب. (مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) سواء كان عينًا أو كفاية ظاهرًا
أو باطنًا، ويستفاد منه: أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله، وأن قرب العبد
إلى ربه بأداء الفرائض أتم وأكمل مما يحصل بأداء النوافل؛ لأن انعزال العبد عن
اختياره في امتثال الأمر أشد في أداء الفرائض، فإن النوافل يهديها العبد إلى الرب

٣٤١
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
Ex
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بالاختيار والتبرع، ويحصل في الأول فناء الذات، وفي الثاني فناء الصفات، قال
الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين،
وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل، فلهذا كانت
أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبًا، وأيضًا الفرض كالأصل والأس والنفل كالفرع
والبناء وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر
وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، فكان التقرب بذلك
أعظم العمل .
(وَمَا يَزَالُ) بلفظ المضارع، وفي رواية: ((وَمَا زَالَ))، (عَبْدِي)، أي: القائم
بالفرائض. (يَتَقَرَّبُ)، أي: يطلب زيادة القرب. (إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ)، أي: التطوع من
جميع أصناف العبادات، يعني: مع محافظته على الفرائض. (حَتَّى أَحْبَيْتُهُ)، أي:
حبًّا كاملًا، لجمعه بين الفرائض والنوافل. قال الحافظ: ظاهره: إن محبة الله
للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل، قد استشكل بما تقدم أولًا أنَّ الفرائض
أحب العبادات المتقرب بها إلى الله، فكيف لا تنتج المحبة، والجواب: إن المراد
من النوافل: ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها، ويؤيده أن في
رواية أبي أمامة: ((ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَنْ تُدْرَِكَ مَا عِنْدِي إِلَّا بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ)).
وقال الفاكهاني: معنى الحديث: إنه إذا أدى الفرائض ودام على إتيان النوافل من
صلاة وصيام وغيرهما؛ أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.
وقال ابن هبيرة: يؤخذ قوله من قوله: ((مَا تَقَرَّبَ ... )) إلى آخره، أن النافلة لا تقدم
على الفريضة؛ لأن النافلة إنما سميت نافلة؛ لأنها تأتي زائدة على الفرائض فما لم
تؤد الفريضة لا تحصل النافلة، ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك
تحققت منه إرادة التقريب، وقد تبين بذلك أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع
ممن أدى الفرائض لا من أخل بها. (فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ) لتقربه إليَّ بما ذكر. (فَكُنْتُ) ، كذا
في أكثر النسخ الحاضرة من ((المشكاة)): ((حَتَّى أَحْبَيْتُهُ فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ فَكُنْتُ)) وفي
المصابيح ((حَتَّى أُحِبَّهُ - أي: بضم أوله - فَإِذَّا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ)) وهكذا وقع في البخاري
من رواية الشكميهني ولأبي ذر: ((حَتَّى أَحْبَيْتُهُ، فَكُنْتُ))، وكذا وقع في نسخة القاري
من ((المشكاة)). (سَمْعَهُ الَّذِيِ يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ) بضم الياء، وفي رواية
من حديث عائشة: (عَيْنَهُ الّتِي يُبْصِرُ بِهَا)) وفي أخرى: ((عَيْنَيِهِ اللّتَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا))

٣٤٢
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالتثنية وكذا قال في الأذن واليد والرجل. (وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ) بفتح الياء وكسر
الطاء، أي: يأخذ. (بِهَا وَرِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا) زاد في حديث عائشة: ((وفؤاده
الذي يعقل به ولسانه الذي يتكلم به)) ونحوه في حديث أبي أمامة، وقد استشكل
كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ... إلخ؟ وأجيب بأوجه أحدها:
أنه ورد على سبيل التمثيل والمعنى: كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري فهو يحب
طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
ثانيها: أن المعنى إن كُلِّيَّتَهُ مشغولة بِي، فلا يصغى بسمعه إلا إلى ما يرضيني،
ولا يبصر ببصره إلا ما أمرته به، ولا يبطش بيده إلا في ما يحل له، ولا يسعى برجله
إلا في طاعتي.
ثالثها: أن المعنى: أجعل له مقاصده كأنه ينالها ويراها بسمعه وبصره ... إلخ.
رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.
خامسها: قال الفاكهاني: وسبقه إلى معناه ابن هبيرة هو فيما يظهر لي أنه على
حذف مضاف، والتقدير: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل
استماعه وحافظ بصره كذلك ... إلخ.
سادسها: يحتمل معنى آخر أدق من هذا الذي قبله، وهو أن یکون سمعه بمعنی
مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل فلان أملي بمعنى مأمولي،
والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا
بمناجاتي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي،
ورجله كذلك.
وقال الطوفي: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله، أنَّ هذا مجاز وكناية عن نصرة
العبد، وتأييده وعنايته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي
يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: ((فَبِي يَسْمَعُ، وَبِيِ يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ وَبِي
يَمْشِي))، وقال الخطابي: هذه أمثال، والمعنى: توفيق الله لعبده في الأعمال التي
يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها، بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن
مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه
ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله، وإلى هذا

٣٤٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
نحى الداودي حيث قال: هذا كله من المجاز، يعني: أنه يحفظه كما يحفظ العبد
جوارحه؛ لئلا يقع في مهلكة، ومثله قال الكلاباذي، وعبر بقوله: أحفظه فلا
يتصرف إلا في محابيٍّ؛ لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه منه.
وقال التوربشتي: معناه: أجعل سلطان حبي غالبًا عليه حتى يسلب عنه الاهتمام
بشيء غير ما يقربه إليَّ، فيصير منخلعًا عن الشهوات، ذاهلاً عن الحظوظ
واللذات، حيثما تقلب وأينما توجه لقي اللَّه تعالى بمرأى منه ومسمع، لا تطور
حول حاله الغفلة، ولا يحول دون شهوده الحجبة. ولا يعتري ذكره النسيان، ولا
يخطر بباله الأحداث والأعيان، يأخذ بمجامع قلبه حب اللَّه، فلا يرى إلا ما يحبه،
ولا يسمع إلا ما يحبه، ولا يفعل إلا ما يحبه، ويكون اللَّه سبحانه في ذلك له يدًا،
ومؤيدًا ، وعونًا ووكيلًا، يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عما لا يرضاه، وحقيقة
هذا القول ارتهان كُلَّيِةِ العبد بمراضي الله، وحسن رعاية الله له، وذلك على سبيل
الاتساع وهو شائع في كلام العرب إذا أرادوا اختصاص الشيء بنوع من الخصوصية
والاهتمام به والعناية والاستغراق فيه والوله إليه.
سابعها: قاله الخطابي أيضًا: قد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء
والنجح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح
المذكورة. وقال بعضهم وهو منتزع مما تقدم: لا يتحرك له جارحة إلا في الله
ولله، فهي كلها تعمل بالحق للحق، وأسند البيهقي في الزهد عن أبي عثمان
الجيزي أحد أئمة الطريق، قال: معناه: كنت أَسْرَعُ إلى قضاء حوائجه من سمعه في
الاستماع وعينه في النظر ويده في اللمس ورجله في المشي. قيل: وزعم الاتحادية
أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، واحتجوا بمجيء جبريل في صورة دحية
قالوا: فهو روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر، قالوا: فاللَّه أقدر على أن
يظهر في صورة الوجود الكلي أو بعضه - تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا
- وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة
والباطنة حتى يصفى من الكدورات أنه يصير في معنى الحق - تعالى الله عن ذلك
- وأنه يفنى عن نفسه جملة حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه
المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا في شهوده، وإن لم
تعدم في الخارج وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة

٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المطلقة لقوله في بقية الحديث: ((وَلَئِنْ سَأَلَنِي))، ((وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي)) فإنه كالصريح
في الرد عليهم، كذا في الفتح.
(وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ)، أي: ما سأل وهو بفتح اللام وضم الهمزة ونون التأكيد
الثقيلة. (وَلَيْنِ اسْتَعَاذَنِي) بنون الوقاية، وفي بعض النسخ بالموحدة وهو أظهر
معنى، والأول أشهر رواية، قاله في ((اللمعات))، وقال الحافظ: ضبطناه بوجهين
الأشهر بالنون بعد الذال المعجمة، والثاني: بالموحدة. (لَأَعِيذَنَّهُ)، أي: مما
يخاف، وقد استشكل بأن جماعة من العباد والصلحاء دعوا وبالغوا ولم يجابوا،
والجواب: إن الإجابة تتنوع، فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع لكن
يتأخر لحكمة فيه، وتارة قد يقع الإجابة، ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون
في المطلوب مصلحة ناجزة، وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها. وقد
تمسك بهذا الحديث بعض الجهلة من أهل التجلي والرياضة، فقالوا: القلب إذا
كان محفوظًا مع الله كانت خواطره معصومة من الخطأ، وتعقب ذلك أهل
التحقيق من أهل الطريق فقالوا: لا يلتفت إلى شيء من ذلك إلا إذا وافق الكتاب
والسنة، والعصمة إنما هي للأنبياء ومن عداهم فقد يخطىء، فقد كان عمر رَضِ لْنَهُ
رأس الملهمين، ومع ذلك فكان ربما رأى الرأي فيخبره بعض الصحابة بخلافه
فيرجع إليه ويترك رأيه، فمن ظن أنه يكتفي بما يقع في خاطره عما جاء به الرسول
عليه الصلاة والسلام، فقد ارتكب أعظم الخطأ. وفي الحديث أن من أتى بما
وجب عليه وتقرب بالنوافل لم يرد دعاؤه؛ لوجود هذا الوعد الصادق المؤكد
بالقسم وقد تقدم الجواب عما يتخلف من ذلك.
(وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ) وفي حديث عائشة:
(تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ))، ووقع في ((الحلية)) في ترجمة وهب بن منبه إني لأجد في كتب
الأنبياء أن اللَّه تعالى يقول: ((مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ قَطَّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ)،
فإن قيل: التردد هو التخير بين أمرين لا يدرى أيهما أصلح وهو محال على الله
تعالى. أجيب: بأن المراد من لفظًا التردد في هذا الحديث إزالة كراهة الموت من
العبد المؤمن بلطائف يحدثها الله له ويظهرها حتى تذهب الكراهة التي في نفسه
بما يتحقق عنده من البشرى برضوان الله وكرامته، وهذه الحالة يتقدمها أحوال
كثيرة من مرض وهرم وفاقة وزمانة وشدة بلاء يهون على العبد مفارقة الدنيا،

٣٤٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
***
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
ويقطع عنها علاقته حتى إذا أیس عنها تحقق رجاؤه بما عند الله فاشتاق إلى دار
الكرامة فأخذه المؤمن عما تشبث به من حب الحياة شيئًا فشيئًا بالأسباب التي أشرنا
إليها، يضاهي ويشبه فعل المتردد من حيث الصنعة، فشبه بفعل المتردد وأدخل في
أفراده مبالغة وعبر عنه بالتردد، ولما كان النبي ◌َّ- هو المخبر عن اللَّه وعن صفاته
وأفعاله بأمور غير معهودة لا يكاد السامع يعرفها على ما هي عليه، أذن له أن يعبر
عنها بألفاظ مستعملة في أمور معهودة تعريفًا للأمة، وتوقيفًا لهم بالمجاز على
الحقيقة، وتقريبًا لما ينأى عن الإفهام، وتقريرًا لما يضيق عن الإفصاح به نطاق
البيان وذلك بعد أن عرفهم ما يجوز على اللَّه وما لا يجوز، قاله التوربشتي.
وقال الخطابي: التردد في حق اللَّه غير جائز والبذاء عليه في الأمور غير سائغ،
ولكن له تأويلان أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء
يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها: ويدفع عنه مكروهها فيكون ذلك من
فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا
بلغ الكتاب أجله؛ لأن اللَّه قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه. والثاني:
أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس
المؤمن، كما روي في قصة موسى ◌ِالَّلا، وما كان من لطمة عين ملك الموت
وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف اللّه على
العبد ولطفه به وشفقته عليه، وعبر ابن الجوزي عن الثاني، بأن التردد للملائكة
الذين يقبضون الروح، وأضاف الحق ذلك لنفسه؛ لأن ترددهم عن أمره قال: وهذا
التردد ينشأ عن إظهار كرامة المؤمن على ربه، فإن قيل: إذا أمر الملك بالقبض
کیف یقع منه التردد.
فالجواب من وجوه؛ منها: إن معنى التردد: اللطف به كأن الملك يؤخر القبض
فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه، فلم يبسط يده
إليه، فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بُدَّأ من امتثاله. ومنها: إن الملك يتردد فيما لم يحد
له فيه الوقت، كأن يقال: لا تقبض روحه إلا إذا رضي. وقيل: معنى الحديث: ما
أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن
أتوقف فيه وأريد ما أعددت له من النعيم والكرامات؛ حتى يسهل عليه ويميل قلبه

٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إليه شوقًّا إلى أن ينخرط في سلك المقربين ويتبوأ في أعلى عليين، قاله القاضي.
وقيل: هذا خطاب لنا بما نعقل، والمقصود تفهيمنا تحقيق المحبة للولي
والدلالة على شرفه ورفعة منزلته حتى لو تَأَتَّى أنه تعالى لا يذيقه الموت الذي حتمه
على عباده لفعل، ولهذا المعنى ورد لفظ التردد كما أن العبد إذا كان له أمر لا بد له
أن يفعله بحبيبه لكنه يؤلمه، فإن نظر إلى ألمه أنكف عن الفعل وإن نظر إلى أنه لا بد
له منه أن يفعله لمنفعته أقدم عليه، فيعبر عن هذه الحالة في قلبه بالتردد، فخاطب
اللَّه الخلق بذلك على حسب ما يعرفون، ودلهم به على شرف الولي عنده، ورفعة
درجته. وقيل: المراد: أنه يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج بخلاف سائر
الأمور، فإنها تحصل بمجرد قوله: كن، سريعًا دفعة، ذكره الكرماني. وقيل:
الصواب فيه أن يؤمن به على ما يليق بعظمة الله تعالى وشأنه، ولا يتوهم ولا يقال:
كيف فلا حاجة إلى التأويلات التي ذكروها، والله اعلم.
(يَكْرَهُ الْمَوْتَ)، قال القاري: استئناف جوابًا عما يقال: ما سبب التردد؟
والمراد: أنه يكره شدة الموت بمقتضى طبعه البشرى. (وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) بفتح
الميم والمهملة بعدها همزة ففوقية مصدر ساء الأمر فلانًا، أي: أحزنه. قال ابن
الملك: أي: إيذاءه بما يلحقه من صعوبة الموت وكربه. وقال ابن حجر: أي:
أكره ما يسوؤه؛ لأني أرحم به من والديه لكن لا بد له منه؛ لينتقل من دار الهموم
إلى دار النعيم والمسرات، فعلته به إيثارًا لتلك النعمة العظمى والمسرات الكبرى
كما أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكلفه من العلم وغيره وإن شق عليه نظرًا
لکماله الذي یترتب على ذلك، انتهى.
قال القاري: وهو خلاصة كلام الطيبي، وحاصل كلامهم أن إضافة المساءة من
باب إضافة المصدر إلى مفعوله، والظاهر أنها مضافة إلى فاعله، والمعنى: أكره
مساءته لكراهة الموت، فإنه لا ينبغي أن يكره الموت بل يحبه فإن من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، انتهى. وقال الجنيد: الكراهة
هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته و کربه وليس المعنى إني أكره له الموت؛
لأنَّ الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته، انتهى، وعبر بعضهم عن هذا بأن
الموت حتم مقضي وهو مفارقة الروح للجسد ولا تحصل غالبًا إلا بألم عظيم جدًّا،

٣٤٧
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَجَّلْ وَالتَّقْرُّبِ إِلَيْهِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
فلما كان الموت بهذا الوصف واللّه يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة،
ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة؛ لأنها تؤدي إلى أرذل العمر
وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين، كذا في ((الفتح)). (وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)، كذا
وقعت هذه الزيادة في بعض نسخ المشكاة موافقًا لما في ((المصابيح)) وسقطت من
بعضها كنسخة القاري التي أخذها في شرحه، وكنسخة ((أشعة اللمعات)) للشيخ
الدهلوي وليست أيضًا في البخاري. قال القاري: وفي نسخة صحيحة من
((المشكاة)): ((وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ))، وكذا في أصل ميرك وهو كذا في ((شرح المصابيح))
لا بن الملك .
وقال ابن حجر كما في رواية، وقال الحافظ: زاد محمد بن مخلد يعني: عند
الذهبي عن ابن كرامة - شيخ البخاري - في آخر الحديث: ((وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)).
ووقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث وهب بن منبه المقطوع عند أحمد في الزهد،
وأبي نعيم في الحلية. قال القاري: والمعنى: ولا بد للمؤمن من الموت فلا معنى
للكراهة أو ولهذا لا أدفع عنه الموت. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب التواضع من كتاب
الرقاق. قال: حدثنا محمد بن عثمان بن کرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا
سليمان بن بلال، حدثنا شريك بن عبد الله بن نمر، عن عطاء عن أبي هريرة. قال
الذهبي: في ترجمة خالد بن مخلد من ((الميزان)) (ج ١ ص ٣٠٠، ٣٠١): قال
أحمد: له مناکیر. وقال أبوحاتم: یکتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن سعد: منكر
الحديث مفرط في التشيع. وقال أَبُو دَاوُدَ: صدوق ولكنه يتشيع، وذكره ابن عدي
ثم ساق له عشرة أحاديث استنكرها. قال الذهبي: ومما انفرد ما رواه البخاري في
((صحيحه) عن ابن كرامة عنه، وذكر حديث أبي هريرة: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ... ))
إلخ. وساقه من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري
فيه، ثم قال: فهذا غريب جدًّا، ولولا هيبة ((الجامع الصحيح)) لعددته في منكرات
خالد بن مخلد وذلك لغرابة لفظه؛ ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ ولم
يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد ولا أخرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في ((مسند
أحمد)). انتهى. قلت: شريك هذا قد وثقه ابن سعد وأَبُو دَاوُدَ.
وقال النسائي و ابن معين: لا بأس به واحتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس
في حديث الإسراء مواضع شاذة. وأمَّا خالد بن مخلد فقد وثقه العجلي وصالح بن

SEENx
٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
محمد جزرة، وعثمان بن أبي شيبة وابن حبان. وقال ابن عدي: هو من المكثرين
لا بأس به. وقال الأزدي: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل
الصدق ولا يلتفت إلى قول أبي حاتم: لا يحتج به؛ لأنه جرح مبهم. وأمَّا التشيع
والمناكير.
فقال الحافظ في مقدمة ((الفتح)) في ذكر خالد هذا: قلت: أمَّا التشيع فقد قدمنا
إنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه. وأمَّا
المناكير فقد تتبعها ابن عدي من حديثه وأوردها في ((كامله)) وليس فيها شيء مما
أخرجه البخاري بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث
أبي هريرة: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ... )) الحديث.
وقال في ((الفتح)) (ج ٢٦ ص ١٤٥) بعد ذكر كلام الذهبي المتقدم: قلت: ليس هذا
الحديث في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد
مردود، ومع ذلك فشريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضًا، ولكن للحديث طرق
أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا منها عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد، وابن
أبي الدنيا وأبونعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن
ميمون، عن عروة عنها، وذكر ابن حبان وابن عدي أنه تفرد به وقد قال البخاري :
إنه منكر الحديث. ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي وعن ابن عباس
أخرجه الطبراني وسندهما ضعيف. وعن أنس أخرجه أبويعلى والبزار والطبراني
وفي سنده ضعف أيضًا. وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرًا وسنده حسن
غريب، وعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجه وأبونعيم في ((الحلية)) مختصرًا وسنده
ضعيف أيضًا، وعن وهب بن منبه مقطوعًا أخرجه أحمد في ((الزهد)) وأبو نعيم في
((الحلية))، انتهى. هذا وقد بسط الكلام في تخريج هذا الحدیث وشرحه ابن رجب
الحنبلي في ((شرح الأربعين النووية)) (ص٢٥٩، ٢٦٠) فارجع إليه إن شئت.

٢٢٩٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ
فِي الطَّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا
إِلَى حَاجَتِكُمْ))، قَالَ: ((فَيَحُقُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، قَالَ:
((فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - مَا يَقُولُ عِبَادِي))؟ قَالَ: ((يَقُولُونَ:
يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: هَلْ
رَأَوْنِي؟)) قَالَ: ((فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوَْكَ))، قَالَ ((فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟))
قَالَ: (فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْلَكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ
لَكَ تَسْبِيحًا))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ))، قَالَ:
(يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا))، قَالَ:
(فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا
حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً))، قَالَ: ((فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟)) قَالَ:
(يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ))، قَالَ: (يَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((يَقُولُونَ: لَا ، وَاللَّهِ يَا
رَبِّ، مَا رَأَوْهَا)) قَالَ: (يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا
كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، أَوْ أَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ
غَفَرْتُ لَهُمْ))، قَالَ: ((يَقُولُ مَلَكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ؛ إِنَّمَا
جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]
- وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ، قَالَ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضُلًا، يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ
الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَأُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا
وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ»، قَالَ: ((فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِثْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادَِ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ،
وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِّي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ
جَتَتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَيْ رَبّ، قَالَّ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا
جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّا يَسْتَجِيرُونِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارَِ.
(٢٢٩٠) أخرجه البخاريُّ (٦٤٠٨)، ومُسْلم (٢٦٨٩).

ERLS:
٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا:
يَسْتَغْفِرُونَكَ))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ
مِمَّا اسْتَجَارُوا))، قَالَ: ((يَقُولُونَ: رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ
مَعَهُمْ))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)).
الشرح
٢٢٩٠ - قوله: (إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً)، أي: من المقربين غير الحفظة المرتبين مع
الخلائق بل هم سيارة سياحة في الأرض، لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حِلَقُ
الذكر. (يَطُوفُونَ)، أي: يدورون. (فِي الطَّرُقِ)، أي: طرق المسلمين. (يَلْتَمِسُونَ
أَهْلَ الذِّكْرٍ)، أي: يطلبون مجالستهم. وقيل: أي: يطلبون من يذكر الله من بني
آدم ليزوروهم ويدعوا لهم ويستمعوا إلى ذكرهم، وفي الرواية الآتية: ((يَبْتَغُونَ
مَجَالِسَ الذِّكْرِ))، وفي حديث جابر بن عبد اللَّه عند أبي يعلى والبزار: ((إِنَّ للهِ سَرَايَا
مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَقِفُ وَتَحِلَّ بِمَجَالِسِ الذِّكْرٍ)). (تَنَادَوْا) بفتح الدال، أي: نادی بعض
تلك الملائكة بعضًا قائلين.
(هَلُمُّوا)، أي: تعالوا مسرعين. (إِلَى حَاجَتِكُمْ)، أي: إلى ما تطلبون من
استماع الذكر وزيارة الذاكر، فإنَّا قد وجدنا جماعة من أهل الذكر. وفي رواية
أحمد والترمذي: ((إِلَى بِغْيَتِكُمْ))، بكسر الباء وضمها مع سكون الغين وفتح الياء
مخففة، وبفتح الباء وكسر الغين مع تشديد الياء المفتوحة، أي: إلى مطلوبكم
ومرغوبكم، وقوله: ((هَلُّمُّوا)) ورد على لغة أهل نجد أنها تثنى وتجمع وتؤنث،
ولغة أهل الحجاز بناء لفظها على الفتح وبقاؤه بحاله مع المثنى والجمع والمؤنث
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلّ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. (قَالَ)، أي: النبي ◌َّ .
(فَيَحُقُّونَهُمْ) بفتح التحتية، وضم الحاء وتشديد الفاء من الحف وهو الاشتمال
حول شيء، أي: يطوفون بهم ويدورون حولهم من جوانبهم. (بِأَجْنِحَتِهِمْ). قال
المظهري: الباء للتعدية، أي: يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال الطيبي:
الظاهر إنها للاستعانة، كما في قولك: كتبت بالقلم، أي: يطيفونهم ويحدقون بهم

٣٥١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
بأجنحتهم؛ لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة. (إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا)، وفي رواية: ((إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا))، قال الطيبي: أي: يقف بعضهم
فوق بعض إلى السماء الدنيا. (فَيْسَأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ)، أي: بالذاكرين من
الملائكة. قال الطيبي: ((وَهُوَ أَعْلَمُ)) حال والأحسن أن تكون معترضة أو تتميمًا صيانة
عن التوهم، يعني: لتوهم أن تكون الحال منتقلة، والحال أنها مؤكدة. وفائدة
السؤال مع العلم بالمسئول إظهار شرف بني آدم وصلاحهم، والتعريض بالملائكة
بقولهم في بني آدم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ... ﴾ [البقرة: ٣٠] إلخ.
(مَا يُقُولُ عِبَادِي؟) الإضافة للتشريف. (يَقُولُونَ)، أي: الملائكة.
(يُسَبِّحُونَكَ)، أي: عبادك يسبحونك. (وَيَحْمَدُونَكَ) بالتخفيف (وَيُمَجِّدُونَكَ)
بتشديد الجيم، أي: يذكرونك بالعظمة، أو ينسبونك إلى المجد وهو الكرم. قال
الجزري: التمجيد: التعظيم، والمجيد: الشريف العظيم، وفي رواية مسلم الآتية
ذكر ((التهليل)) بدل (التمجيد))، وفي حديث أنس عند البزار: ((يُعَظِّمُونَ آَلَائِكَ
وَيَتْلُونَ كِتَابَكَ، وَيُصَلُّونَ عَلَى نَبِّكَ مُحَمَّدٍ نَّهِ، وَيَسْأَلُونَكَ لِآخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ))، قال
الحافظ: ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر، وإنها التي تشتمل
على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما، وعلى تلاوة
كتاب اللَّه ◌َلَ وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث
النبوي، ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة في هذه
المجالس نظر. والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما،
والتلاوة فحسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من
جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى، انتهى.
قلت: وقال العيني: قوله: ((أَهْلَ الذِّكْرٍ))، أي: في قوله: (يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ
الذِّكْرِ)، يتناول الصلاة وقراءة القرآن وتلاوة الحديث وتدريس العلوم، ومناظرة
العلماء، انتهى. فاختلف الحافظ والعيني في أن المراد بمجالس الذكر وأهل
الذكر الخصوص أو العموم، فاختار الحافظ الخصوص؛ نظرًا إلى ظاهر ألفاظ
الطرق المذكورة، واختار العيني العموم؛ نظرًا إلى أن ما في هذه الطرق من ألفاظ
الذکر تمثیلات.

٣٥٢
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): والظاهر هو الخصوص كما قال الحافظ، والله
تعالى أعلم. (قَالَ)، أي: النبيِ وَهُ. (فَيَقُولُ)، أي: الله. (كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي)، أي:
لو رأوني كيف يكون حالهم في الذكر. (وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا)، أي: تعظيمًا، وزاد
في رواية: (تَحْمِيدًا))، وفي أخرى: ((وَأَشَدَّ لَكَ ذِكْرًا))، (وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا)، فيه:
إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة والمحبة . (فَمَا يَسْأَلُونَ؟)، أي :
مني، وفي رواية: (فَمَا يَسْأَلُونِي))، وفي أخرى: ((فَمَا يَسْأَلُونَنِي))، (وَهَلْ رَأَوْهَا)،
أي: الجنة. (كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً)؛ لأن الخبر
ليس كالمعاينة. (فَمِمَّ)، أي: من أيَّ شيء، حذفت ألف ((مَا)) وأبقيت الفتحة على
الميم، فإنه يجب حذف ألف مَا الاستفهامية إذا جرت، وإبقاء الفتحة على الميم
دليلاً عليها نحو: ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكِرَهَ ﴾﴾ [النازعات: ٤٣]، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ،
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام
والخبر .
(فَأَشْهِدُكُمْ) من الأشهاد، أي: أجعلكم شاهدين. (أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ)، أي:
بذكرهم، فـ ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. (فِيْهِمْ فُلَانٌ) كناية عن اسمه
ونسبه. (لَيْسَ مِنْهُمْ)، أي: من الذاكرين. قال القاري: حال من المستتر في
الخبر. وقيل: من فلان على مذهب سيبويه. (إِنَّمَا جَاءَ)، أي: إليهم. (لِحَاجَةٍ)،
أي: دنيوية له، فجلس معهم يريد الملك بهذا إنه لا يستحق المغفرة. (هُمُ
الْجُلَسَاءُ) جمع جليس. (لَا يَشْقَى) بفتح الياء، أي: يصير شقيًّا. (جَلِيسُهُمْ)، أي:
مجالسهم. قال الطيبي: أي: هم جلساء لا يخيب جليسهم عن كرامتهم فيشقى،
انتهى. وفي الحديث: فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك
وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى عليهم؛ إكرامًا لهم، ولو
لم يشاركهم في أصل الذكر وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه: إن
السؤال قد يصدر من السائل، وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول؛ لإظهار
العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته.
وقيل: إن في خصوص سؤال اللَّه الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قوله:
﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ [البقرة: ٣٠]
فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس، مع ما سلط

٣٥٣
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان وكيف عالجوا ذلك، وضاهوكم في
التسبيح والتقديس. وقيل: إنه يؤخذ من هذا الحديث إن الذكر الحاصل من بني
آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة؛ لحصول ذكر الآدميين مع كثرة
الشواغل، ووجود الصوارف، وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك
کله، كذا في ((الفتح)).
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في أواخر الدعوات من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي
صالح عن أبي هريرة، وكذا أخرجه ابن حبان من هذا الطريق ومن طريق الفضيل
بن عياض عن الأعمش، قال الحافظ: لم أره من حديث الأعمش إلا بالعنعنة لكن
اعتمد البخاري على وصله؛ لكون شعبة رواه عن الأعمش - عند أحمد - فإن شعبة
كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين للتدليس إلا بما تحقق إنهم سمعوه، انتهى.
والحديث أخرجه أحمد (ج٢ ص٢٥٢) ومسلم والطيالسي من طريق وهيب عن
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقد ذكر المصنف لفظ مسلم بعد
ذلك وأخرجه أحمد أيضًا (ج٢ ص٢٥١) والترمذي نحو رواية مسلم من طريق أبي
معاوية عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري
بالشك، وهذا الشك من الأعمش، كما صرح في رواية أحمد، والظاهر إن
الأعمش استيقن بعد ما شك، أو شك بعد ما استيقن، ولا أثر لهذا الشك على
صحة الحديث كما هو بديهي.
(وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ: قَالَ: إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً) بتشديد الياء من السير، أي:
سياحون في الأرضِّ، قال في ((اللسان)): والسيارة القافلة، والسيارة: القوم
يسيرون، أنث على معنى الرفقة والجماعة، وفي رواية أحمد (ج٢ ص٢٥١)
والترمذي: ((إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ))، بفتح السين المهملة وتشديد الياء
التحتية من قولهم: ساح في الأرض إذا ذهب فيها وسار، وأصله من سيح الماء
الجاري. ((فُضُلًا))، زاد في رواية أحمد والترمذي وابن حبان: ((عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ))،
وقوله: ((فُضُلًا)) صفة بعد صفة للملائكة وهو بضمتين وسكون الثاني تخفيفًا، جمع
فاضل كنزل ونازل أي زيادة عن الملائكة الحفظة وغيرهم المرتبين مع الخلائق لا
وظيفة لهم إلا حِلَقُ الذكر. قال النووي: ضبطوا ((فُضُلًا)) على أوجه؛ أحدها وهو
أرجحها وأشهرها في بلادنا: فضلًا بضم الفاء والضاد، والثانية: بضم الفاء

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإسكان الضاد ورجحها بعضهم وادَّعى أنها أكثر وأصوب، والثالثة: بفتح الفاء
وإسكان الضاد، والرابعة: (فَضْلٌ)) بضم الفاء والضاد، ورفع اللام على أنه خبر
مبتدأ محذوف، والخامسة: فضلاء بالمد جمع فاضل، قال العلماء: معناه على
جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع
الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر، انتهى.
وقوله: ((عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ)) بضم الكاف وتشديد التاء المثناة جمع كاتب، والمراد
بهم: الكرام الكاتبون وغيرهم المرتبون مع الناس.
(يَبْتَغُونَ)، أي: يطلبون. قال النووي: ضبطوه على وجهين؛ أحدهما: يتتبعون
بالعين المهملة من التتبع وهو البحث عن الشيء والتفتيش، والثاني: يبتغون بالغين
المعجمة، من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح. (قَعَدُوا مَعَهُمْ)، أي: مع
الذاكرين. (وَحَقَّ بَعْضُهُمْ)، أي: بعض الملائكة. (بَعْضًا)، أي: بعضًا آخر
منهم. (بِأَجْنِحَتِهِمْ)، أي: باستعانتها. (حَتَّى يَمْلَأُوا)، أي: الملائكة. (مَا بَيْنَهُمْ)،
أي: ما بين الذاكرين. (فَإِذَا تَفَرَّقُوا)، أي: أهل الذكر. (عَرَجُوا)، أي: الملائكة
من عرج يعرج إذا صعد إلى فوق. (وَصَعِدُوا) بكسر العين. (إِلَى السَّمَاءِ)، أي:
السابعة، (وَهُوَ أَعْلَمُ)، أي: بهم كما في بعض النسخ من المشكاة، وكما وقع في
((صحيح مسلم)): (مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِثْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ) قوله: ((مِنْ عِنْدِ
عِبَادِك))، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وكذا وقع في ((المصابيح))
و((الترغيب)) للمنذري، والذي في ((صحيح مسلم)): ((مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ))، وهكذا
نقله الجزري والحافظ، وفيه: غاية تشريف لبني آدم حال كونهم، (فِي الْأَرْضِ)،
وفي رواية أحمد والترمذي: ((فَيَقُولُ اللهُ: أَيُّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ))، (مَاذَا
يَسْأَلُونِّي) بتشديد النون وتخفف، ويروى أيضًا: ((مَاذَا يَسْأَلُونَنِي))، وفي رواية
أحمد والترمذي: ((فَأَيُّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ)). (وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟) قال الطيبي: جواب
((لَوْ)) ما دل عليه كيف؛ لأنه سؤال عن الحال، أي: لو رأوا جنتي ما يكون حالهم
في الذكر.
(وَيَسْتَجِيرُونَكَ) عطف على ((وَيَسْأَلُونَكَ))، والجملة من السؤال، والجواب:
فيما بينهما معترضة، أي: يستعيذونك. قال الجزري: الاستجارة طلب الجوار،
والإِجارة الحماية والدفاع والمنعة عن الإنسان. (وَمِمَّا)، كذا في جميع النسخ من

٣٥٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَنِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
((المشكاة))، وهكذا في نسخ مسلم من طبعات الهند و((جامع الأصول))
(ج ٥ص٢٣٨) ووقع في النسخ المصرية من ((صحيح مسلم)) ((وَمِمَّ))، أي: بحذف
الألف وإبقاء الفتحة على الميم، وكذا نقله المنذري في ((الترغيب)) والحافظ في
((الفتح))، وهذا هو الصواب، والظاهر أن الأول خطأ من النساخ. (يَسْتَجِيرُونِي)
بالوجهين، ويروى أيضًا: ((يَسْتَجِيرُونَ))، (مِنْ نَّارَِ)، أي: يطلبون الأمان منها.
(يَسْتَغْفِرُونَك)، أي: أيضًا، وفي بعض النسخ: ((وَيَسْتَغْفِرُونَكَ))، بالعطف موافقًا
لما في ((صحيح مسلم)). (قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا)، قال القاري: لعل
العدول عن الواو إلى الفاء؛ لترتب الإعطاء على المغفرة. قلت: قوله: (فَأَعْطَيْتُهُمْ)
بالفاء كذا وقع في جميع النسخ من ((المشكاة)) والذي في ((صحيح مسلم)):
((وَأَعْطَيْتُهُمْ))، أي: بالواو، وهكذا في ((المصابيح)) و(الترغيب)) و((جامع الأصول))
و((الفتح)) والظاهر أن ما وقع في ((المشكاة)) خطأ من الناسخ.
(وَأَجَرْتُهُمْ) مِن أجاره يجيره، إذا آمنه من الخوف. (يَقُولُونَ: رَبِّ!) أي: يا
رب !. (عَبْدٌ خطّاءٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة والمد، أي: كثير
الخطأ والذنب، أو ملازم الخطايا غير تارك لها، وهو من أبنية المبالغة. قال
القاري: بدل من فلان. (إِنَّمَا مَرَّ)، أي: لحاجة. (فَجَلَسَ مَعَهُمْ)، قال الطيبي: في
التركيب: تقديم وتأخير، أي: إنما فلان مرَّ، أي: ما فعل فلان إلا المرور
والجلوس عقبه، يعني: ما ذكر اللَّه تعالى. (فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ)، أي: أيضًا. قال
الطيبي: الواو للعطف وهو يقتضي معطوفًا عليه، أي: قد غفرت لهم وله، ثم أتبع
((غَفَرْتُ)) تأكيدًا وتقريرًا. (هُمُ الْقَوْمُ)، قال الطيبي: تعريف الخبر يدل على
الكمال، أي: هم القوم كل القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة، فيكون قوله :
(لَا يَشْقَى بِهِمْ)، أي : بسببهم وببركتهم.
(جَلِيسُهُمْ)؛ استئنافًا لبيان المقتضى؛ لكونهم أهل الكمال، وفي هذه العبارة
مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين. فلو قيل: يسعد بهم جليسهم؛ لكان
ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود، وفي
الحديث: فضيلة الجلوس مع أهل الذكر وإن لم يشاركهم، وفضل مجالسة
الصالحين وبركتهم.

٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٩١ - [٩] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْر
فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا تَقُولَُّ
قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا
خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا
كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرِ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ حَتَّى
دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ الَّلَّهِ بِهِ، فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه: ((وَمَا ذَاَكَ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدََ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا
رَأْيَ عَيْنِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدَِ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ، وَالْأَوْلَادَ، وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا
كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ
عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا
حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٢٩١ - قوله: (وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون
التحتية. (الْأُسَيِّدِيِّ)، قال النووي: ضبطوهَ بوجهين؛ أصحهما وأشهرهما ضم
الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة، والثاني: كذلك إلا أنه بإسكان الياء ولم
يذكر القاضي عياض إلا هذا الثاني، وهو منسوب إلى بني أسيد، بطن من بني
تميم، انتهى. وقال الفتني في ((المغني)): الأسيدي بمضمومة ومفتوحة وشدة تحتية
مكسورة وسكونها، والشدة عند المحدثين للأصل، وتسكينها عند أهل اللغة
للخفة منسوب إلى أسيد بن عمرو بن تميم بن مر، ومنه حنظلة بن الربيع، انتهى.
وقال ابن عبد البر: بنو أسيد بن عمرو بن تميم من أشراف بني تميم وهو أسيد
بكسر الياء وتشديدها، انتهى. وحنظلة هذا هو حنظلة بن الربيع بن صيفي - بفتح
الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة - التميمي المعروف بحنظلة الكاتب؛ لأنه كتب
(٢٢٩١) مُسْلِم (٢٦٧٥/٢٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٥١٤)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٣٩) فِي الزُّهْدِ عَنْ حَنْظَلَةَ
الگّاتِبِ.

٣٥٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
ESr
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَىِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
للنبي وَّ الوحي، ففي مسلم والترمذي من طريق أبي عثمان النهدي عن حنظلة
وكان من كتاب النبي وقال وهو ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب، وليس هو
حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، أرسله النبي إلى أهل الطائف وشهد القادسية
ونزل الكوفة وتخلف عن علي في قتال أهل البصرة يوم الجمل، ونزل قرقيسياء
حتى مات في خلافة معاوية ولا عقب له. (لَقِيَنِي أَبُوبَكْرٍ)، وفي الترمذي: أنه مر
بأبي بكر وهو - أي: حنظلة - يبكي. (كَيْفَ أَنْتَ یَا حَنَّظَلَةُ؟) سؤال عن الحال،
أي: كيف استقامتك على ما تسمع من النبي ◌َّ أهي موجودة أم لا؟ قاله القاري.
وقال الطيبي: أي: أتستقيم على الطريق أم لا .
(نَافَقَ حَنْظَلَةُ)، أي: صار منافقًا وأراد نفاق الحال لا نفاق الإيمان. قال الطيبي:
فيه تجرید؛ لأن أصل الكلام نافقت، فجرد من نفسه شخصًا آخر مثله فهو يخير عنه
لما رأى من نفسه ما لا يرضي لمخالفة السر العلن والحضور الغيبة. وقال
الجزري: النفاق ضد الإخلاص وأراد به في هذا الحديث إنني في الظاهر إذا كنت
عند النبي ◌ُّ أخلصت، وإذا انفردت عنه رغبت في الدنيا، وتركت ما كنت عليه،
فكأنه نوع من الظاهر والباطن، وما كان يرضى أن يسامح به نفسه، وكذلك كان
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يؤاخذون أنفسهم بأقل الأشياء.
وقال النووي: معناه: إنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في
مجلس النبي وقٍّ﴾ ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا
خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه
من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقًّا، فأعلمهم النبي وَلَّه إنه ليس بنفاق وأنهم لا
یکلفون الدوام علی ذلك.
(قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجب أو تبرئة وتنزيه. (مَا تَقُولُ؟) قال الطيبي: ((مَا))
استفهامية وقوله: ((تَقُولُ)) هو المتعجب منه، يعني: عجبت من قولك هذا الذي
حكمت فيه بالنفاق على نفسك. (قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ﴾)، أي: لا عجب
في ذلك لأنا نكون عنده، وأتى بضمير الجمع؛ لأن من المعلوم أنه لا بد في
الحاضرين من يشابه حنظلة في ذلك ولم يقل : نافقنا؛ لئلا يتوهم العموم الشامل
للخصوص. (يُذَكِّرُنَا) بالتشديد، أي: يعظنا. (بِالنَّارِ)، أي: بعذابها تارة.

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالْجَنَّةِ)، أي: بنعيمها أخرى؛ ترهيبًا وترغيبًا، أو يذكرنا اللَّه بذكرهما أو
بقربهما. (كَأَنَّا)، أي: حتى صرنا كأنا. (رَأَيَ عَيْنٍ) بالنصب، أي: كأنا نرى اللَّه أو
الجنة والنار رأي عين، فهو مفعول مطلق بإضمار نرى، وروي بالرفع، أي: كأنا
راؤون الجنة والنار بالعين على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل، ويصح كونه الخبر
للمبالغة کرجل عدل.
قال القاضي: ضبطناه ((رأيُ عين)) بالرفع، أي: كأنا بحال من يراهما بعينه.
قال: ويصح النصب على المصدر أي: نراهما رأي عين. (عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ
وَالْأَوْلَادَ) بالفاء والسين المهملة، أي: خالطناهم ولاعبناهم وعالجنا أمورهم
واشتغلنا بمصالحهم. قال الهروي وغيره: معناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا
به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا. (وَالضَّيْعَاتِ)، أي: الأراضي والبساتين،
جمع ضيعة بالضاد المعجمة المفتوحة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو
صناعة .
قال الهروي في ((الغريبين)): ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من صناعة أو نخل
أو غلة أو غيرها كذلك أسمعنيه الأزهري، قال شمر: ويدخل فيها الحرفة
والتجارة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول كذا. (نَسِينَا) بدل اشتمال من ((عَافَسْنَا))، أو
هو جواب إِذَا وجملة عَافَسْنَا بتقدير قد حال، قاله القاري. وللترمذي: ((وَنَسِينَا))،
(كَثِيرًا)، أي: نسينا كثيرًا مما ذكرنا به أو نسيانًا كثيرًا، كأنا ما سمعنا منه شيئًا قطُّ،
وهذا أنسب بقوله: ((رَأَيَ عَيْنٍ))، ((وَمَا ذَاكَ؟))، أي: وما سبب ذلك القول؟ (لَوْ
تَدُومُونَ)، أي: في حال غيبتكم مني. (عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي)، أي: من صفاء
القلب والخوف من الله تعالى.
(وَفِي الذِّكْرٍ)، قال الطيبي: عطف على خبر كان الذي هو عندي. وقال ابن
الملك: الواو بمعنى ((أو)) عطف على قوله: ((مَا تَكُونُونَ))، أو على ((عِنْدِي)»، أي:
لو تدومون في الذكر، أو على ما تكونون في الذكر وأنتم بعداء مني من الاستغراق
فيه. (لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ)، قيل: أي: علانية، وإلا فكون الملائكة يصافحون
أهل الذكر حاصل. وقال ابن حجر: أي: عيانًا في سائر الأحوال.
(عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ)، قال الطيبي: المراد: الدوام. (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ،

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
ExE
بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ رَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ
٣٥٩
***
سَاعَةً وَسَاعَةً)، أي: ساعة كذا وساعة كذا، يعني: ساعة في الحضور تؤدون فيها
حقوق ربكم، وساعة في الغيبة والفتور تقضون فيها حظوظ أنفسكم لينتظم بذلك
أمر الدين والمعاش، وفي كل منهما رحمة على العباد. قال في ((المفاتيح)): أي:
لا يكون الرجل منافقًا بأن يكون في وقت على غاية الحضور وصفاء القلب وفي
الذكر، وفي وقت لا يكون بهذه الصفة، بل لا بأس بأن يكون ساعة في الذكر
وساعة في الاستراحة والنوم والزراعة، ومعاشرة النساء والأولاد وغير ذلك من
المباحات .
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: قال ذلك ثلاث مرات، وهو يحتمل أن يكون قوله: ((وَلَكِنْ یَا
حَنْظَلَةُ! سَاعَةً وَسَاعَةً)) أو قوله: ((سَاعَةً وَسَاعَةً))، ويحتمل أن يكون المراد: تثليث
لفظ ساعة، أي: ساعة في الحضور في الذكر وساعة في حق النفس خاصة وساعة
في العاقبة، واختار الطيبي الثاني. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في التوبة وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٤ ص١٧٨) والترمذي وابن ماجه في الزهد.