النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
توافقوا. (مِنَ اللهِ سَاعَةً)، أي: ساعة إجابة. (يُسْأَلُ)، أي: اللـه. (فِيْهَا عَطَاءً)
بالنصب على أنه مفعول ثان. قال القاري: وفي نسخة، يعني: من ((المشكاة))
بالرفع على أنه نائب الفاعل لـ(يُسْأَلُ)، انتهى. وفي رواية أبي داود: ((لَا تُوَافِقُوا مِنَ
اللهِ سَاعَةَ نَيْلِ فِيْهَا عَطَاءٌ))، قال المظهر: العطاء ما يعطي من خير أو شر وأكثر
استعمال العطاء يكون في الخير، والمعنى: هاهنا يسأل فيها مسألة.
(فَيَسْتَجِيبُ) بالرفع عطفًا على (يُسْأَلُ)، أو التقدير: فهو يستجيب. (لَكُمْ)،
يعني: لا تدعوا دعاء سوء على ما ذكر مخافة أن يصادف دعوتكم ساعة إجابة
فيستجاب دعاؤكم السوء، ثم تندموا على ما دعوتم ولا ينفعكم الندامة، يعني: لا
تدعوا إلا بخير. وقيل: (فَيَسْتَجِيب) منصوب؛ لأنه جواب (لَا تُوَافِقُوا)، قال
الطيبي: جواب النهي من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك، على مذهب، أي:
مذهب الكسائي ويحتمل أن يكون مرفوعا، أي: فهو يستجيب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أثناء حديث جابر الطويل في آخر صحيحه، وأخرجه أيضًا أَبُو
دَاوُدَ في أواخر الصلاة، وفي الباب عن أم سلمة بلفظ: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا
بِخَيْرِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ))، وقد تقدم في باب ما يقال عند من
حضره الموت (ج١ ص٤٤٩).
(وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنَ عَبَّاسِ: اتَّقٍ)، أي: احذر. (دَعْوَةَ الْمَظْلُوم)، أي: لا تظلم
أحدًا بأن تأخذ منه شيئًا ظلَّمًا أو تمنع أحدًا حقه تعديًّا، أو تتكلمَ في عرضه افتراء
حتى لا يدعوا عليك، وتمام الحديث: ((فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
(فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ)، في أوله لكونه في ضمن حديث طويل هناك، فأسقطه
للتكرار ونبّه عليه لا لكون الحديث أنسب بذلك الكتاب حتى يرد السؤال
والجواب.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٨١
PAGE
الفصل الثاني
٢٢٥٢ - [٩] عَنِ الْتُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)). ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشرح
٢٢٥٢- قوله: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) هذه الصفة المقتضية للحصر من جهة
تعريف المسند إليه، ومن جهة تعريف المسند، ومن جهة ضمير الفصل تقتضي أن
الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها، وإلى هذا أشار بقوله: ((الدُّعَاءُ مُخُ
الْعِبَادَةِ)»، قال الطيبي: معنى الحديث: أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، إذ
الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات
إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦] حيث عبر عن عدم
الافتقار والتذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء
ذلك الاستكبار الصغار والهوان .
وقيل: لا وجه لحمل العبادة على المعنى اللغوي ولا فائدة فيه، والأقرب أن
يقال: إن العبادة سواء كانت دعاء أم غيره لا يخلو أن يقصد بها استدعاء رضوان الله
تعالى واستدفاع سخطه، أو يقصد بها غرض دنيوي محض كالتوسعة في الرزق
ليتنعم والشفاء من المرض ليتخلص من الألم، وعلى كل فذلك القصد يصح أن
يسمى دعاء؛ لأنه دعاء قلبي وإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء وجدنا
الشارع قد شرع الدعاء في كل منهما بما يوافق ذلك القصد فصار الدعاء عبارة عن
الأمرين، السؤال باللسان والقصد بالجنان؛ لأن الدعاء باللسان إنما هو ترجمة
(٢٢٥٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ أَبُو دَاوُد (١٤٧٩)، والتِّرْمِذِي (٢٩٦٩) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي في
((الكُبرى)) (١١٤٦٤)، وابْنُ مَاجِهْ (٣٨٢٨) فِ التَّفْسِيرِ .
٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لذلك القصد، فإذا صحَّ هذا فإننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة وهو القصد القلبي
وترجمته اللسانية لم يبق من العبادة إلا صورتها. ولا شك أن القصد القلبي مع
الترجمة عنه أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة مجردة عن ذلك،
ولهذا صح أنَّ ((الدعاء مخ العبادة))، وهو معنى قوله: إن الدعاء هو العبادة على
وزان قوله: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ))، وقد يتوسع في هذا فيقال: إن صورة العبادة كالصوم
دعاء بالحال، وبهذا يصح إن العبادات كلها دعاء. وقال ميرك: أتى بضمير الفصل
والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة،
ومعناه: إن الدعاء معظم العبادة كما قال ◌َّ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ))، أي: معظم أركان
الحج الوقوف بعرفة.
قال القاري في ((شرح الحصن)) بعد نقل كلام ميرك: والأظهر أن الحصر حقيقي
لا ادعائي، فإن إظهار العبد العجز، والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله تعالى
قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب، كريم غني لا بخل له ولا فقر ولا
احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده هو عين العبادة بل مخها،
انتھی .
(ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) ذكر الآية بعد الحدیث على وجه
ج
البيان؛ لأن في الآية الأمر بالدعاء والقيام بحكم الأمر هو العبادة. قال القاري:
قيل: استدل بالآية على أن الدعاء عبادة؛ لأنه مأمور به والمأمور به عبادة.
وقال القاضي البيضاوي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق
أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى معرض
عمن سواه لا يرجو، ولا يخاف إلا منه استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر
مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء
على الشرط، والمسبب على السبب وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها،
ويقرب منه قوله: ((مُخَّ الْعِبَادَةِ))، أي: خالصها. وقيل: الاستدلال بالآية بتمامها
وذلك؛ لأن أول الكلام مسوق للدعاء، فالمناسب به أن يقول: إن الذين يستكبرون
عن دعائي، فإطلاق العبادة في موضع الدعاء ويدل على أن الدعاء عبادة.
قال الحافظ: هذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وأجاب عنها
٢٨٣
2218
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
من ذهب إلى أن الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء بأن آخرها دل على أن
المراد بالدعاء : - أي: في الآية - العبادة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ﴾ واستدلوا بحديث النعمان يعني الذي نحن في شرحه. وأجاب الجمهور -
أي: الذين قالوا: بترجيح الدعاء على التفويض - بأن الدعاء من أعظم العبادة،
فهو كالحديث الآخر: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ))، أي: معظم الحج وركنه الأكبر، ويؤيده
حديث: ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))، وقد تواردت الآثار عن النبي ◌َّ بالترغيب في الدعاء
والحث عليه.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأمَّا
قوله بعد ذلك عن عبادتي فوجه الربط أنَّ الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عن
العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء
استكبارًا، ومن فعل ذلك كفرًا، وأمَّا من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه
الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار أرجح من الترك لكثرة
الأدلة الواردة في الحث عليه، انتهى.
قلت: الأمر في الآية: للاستحباب والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا بل على
تركه استكبارًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في تفسير
سورتي البقرة والمؤمن وفي الدعوات. وقال: هذا حديث حسن صحيح. (وَأَبُو
دَاوُدَ) في أواخر الصلاة وسكت عنه. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
(وَالنَّسَائِيُّ) في ((الكبرى)). (وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعاء وأخرجه أيضًا البخاري في
((الأدب المفرد)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم
(ج ١ ص٤٩١) والطبراني في كتاب ((الدعاء)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه أبويعلى من حديث البراء كما في ((الكنز)).
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٥٣ - [٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ «الدُّعَاءُ مُخُ
الْعِبَادَةِ)) .
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشرح
٢٢٥٣- قوله: (الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ)، المخ بالضم نقي العظم والدماغ
وشحمة العين وخالص كل شيء، والمعنى: إن الدعاء لب العبادة وخالصها،
وذلك؛ لأنَّ الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد
والإخلاص ولا عبادة فوقهما.
قال ابن العربي: وبالمخ تكون القوة للأعضاء فكذا الدعاء مخ العبادة به تتقوى
عبادة العابدين، فإنه روح العبادة.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث
ابن لهيعة، انتهى. وابن لهيعة فيه مقال مشهور، وأخرج البخاري في الأدب المفرد
عن أبي هريرة مرفوعًا: ((أَشْرَفُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ)).
٢٢٥٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٥٤ - قوله: (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ) بالنصب على أنه خبر ليس، أي: أكثر
كرامة، أي: شرفًا، يعني: أعلى قدرًا وأرفع درجة. وقيل: أي : أفضل وأشرف.
(عَلَى اللهِ)، أي: عند الله. (مِنَ الدُّعَاءِ)، أي: من حسن السؤال والطلب؛ لأن فيه
(٢٢٥٣) التِّرْ مِذِي (٣٣٧١) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
(٢٢٥٤) التِّرْ مِذِي (٣٣٧٠)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٢٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٢٨٥
*
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته، والمعنى: ليس شيء من
أنواع العبادات القولية أكرم عند اللَّه من الدعاء؛ لأن شرف كل شيء يعتبر في بابه
فلا يرد أن الصلاة أفضل العبادات البدنية، ولا يتوهم أنه مناف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣) وقيل: الأظهر أن الدعاء أفضل من جميع
الأذكار والطاعات.
وقيل: المراد بقوله: (أَكْرَمَ) أسرع قبولًا وأنفع تأثيرًا. وقيل: يمكن أن يراد
بالدعاء: الدعاء إلى الله تعالى فيكون المعنى: أكرم الأعمال هو الهداية إلى الله
تعالى التي هي وظيفة الرسل والعلماء النائبين عنهم، وهذا معنى صحيح ولا يظهر
فیه إشكال فتأمل .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعوات وأخرجه أيضًا أحمد، والبخاري في
((الأدب المفرد)) وفي ((التاريخ)) وابن حبان والحاكم (ج١ ص ٤٩٠). (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد
وأقره الذهبي. قال الشوكاني: وإنما لم يصححه الترمذي؛ لأن في إسناده عمران
ابن داور القطان ضعفه النسائي وأَبُو دَاوُدَ ومشاه أحمد. وقال ابن القطان: رواته
كلهم ثقات إلا عمران، وفيه خلاف، انتهى. قلت: عمران هذا قال البخاري فيه :
إنه صدوق يهم، ووثقه عفان والعجلي.
وقال الساجي والحاكم: صدوق، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أحمد:
أرجو أن يكون صالح الحديث وضعفه أَبُو دَاوُدَ والنسائي. وقال ابن معين: ليس
بالقوي. وقوله: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ غَرِيبٌ)، كذا وقع في النسخ المطبوعة في
الهند من ((المشكاة)) وفي النسخة التي على هامش ((المرقاة))، وهكذا نقله
الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) وليس في نسخ الترمذي الموجودة عندنا لفظ
حسن، وكذا لم يقع في متن ((المرقاة)) ولم يذكره البغوي أيضًا والحديث لا ينزل
عن درجة الحسن.
٢٨٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٥٥ - [١١] وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((لَا
يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّ الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٥٥ - قوله: (لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ) بالنصب على المفعولية. (إِلَّ الدُّعَاءُ)، قال
القاري أخذًا عن التوربشتي: القضاء هو الأمر المقدر. وتأويل الحديث: إنه إن
أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه، فإذا وفق للدعاء دفعه الله
عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه يوضحه، قوله في
الرقى: ((هو من قدر الله))، وقد أمر بالتداوي والدعاء مع أن المقدور كائن لخفائه
على الناس وجودًا وعدمًا. ولما بلغ عمر الشام وقيل له: إنَّ بها طاعونًا رجع. فقال
أبو عبيدة: أتفر من القضاء يا أمير المؤمنين؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم!
نفر من قضاء الله إلى قضاء الله أو أراد برد القضاء، إن كان المراد حقيقته تهوينه
وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل، يؤيده قوله في الحديث الآتي: ((إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ
مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ))، انتهى.
وقيل: هكذا كله تكلف، وحقيقة المعنى: أنَّ المراد بالقضاء: القضاء الذي علق
رده بالدعاء وجعل الدعاء سببًا لرده، فإن القضاء لا ينافي السبب والمسبب، فمن
جملة القضاء أن يكون شيء سببًا لحصول شيء، أو يكون سببًا لرده فالدعاء ورد
البلاء به من قدر الله تعالى فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مقيدًا بأن لا يدعوه،
فإن دعاءه اندفع عنه فالدعاء كالترس والبلاء كالسهم.
(وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرُ) بضم الميم وتسكن. (إِلَّا الْبِرُّ) بكسر الباء وهو الإحسان
والطاعة. والظاهر: أنه يزاد حقيقة قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَصُ مِنْ
عُمُرِةٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وقال: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِتٌ وَعِندَهُ: أُمُّ الْكِتَبِ
* [الرعد: ٣٩] والمعنى: أنه لو لم يكن بارًّا لقصر عمره من القدر الذي كان إذا بر،
والتفاوت إنما يظهر في التقدير المعلق لا فيما يعلم الله تعالى إن الأمر يصير إليه،
(٢٢٥٥) التِّرْ مِذِي (٢١٣٩) فِي القَدَر عَنْ سَلْمَانَ.
٢٨٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
فإن ذلك لا يقبل التغيير، ولا يخفى ما بين الحصرين المستفادين من الجملتين من
التناقض فيجب حمل القدر، أي: المقدر في الجملة الأولى على غير العمر
فليتأمل ذكر في الكشاف إنه لا يطول عمر الإنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته
أن يكتب في اللوح إن لم يحج فلان أو يغز فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره
ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به
الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون، وذكر نحوه في ((معالم
التنزيل))، وقيل معناه: إذا برَّ لا يضيع عمره فكأنه زاد، وقيل: قدر أعمال البر سببًا
لطول العمر كما قدر الدعاء سببًا لرد البلاء، فالبر على الوالدين وبقية الأرحام يزيد
في العمر، إما بمعنى أنه يبارك له في عمره فييسر له في الزمن القليل من الأعمال
الصالحة ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير فالزيادة مجازية؛ لأنه يستحيل في
الآجال الزيادة الحقيقية.
قال الطيبي: اعلم أن الله تعالى إذا علم أن زيدًا يموت سنة خمس مائة استحال أن
يموت قبلها أو بعدها فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم اللَّه تزيد أو تنقص
فتعين تأويل الزيادة أنَّها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكّل بقبض
الأرواح، وأمره بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت
في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق علمه في كل شيء وهو بمعنى
﴾ [الرعد: ٣٩] وعلى ما
قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ: أُمُ الْكِتَبِ
ذكر يحمل قوله عزوجل: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] فالإشارة
بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل
الثاني إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ
لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] والحاصل: أن القضاء المعلق يتغير. وأمَّا
القضاء المبرم فلا يبدل ولا يغير، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في القدر. وقال: حديث حسن غريب. قال الشوكاني:
وصححه ابن حبان ولم يصححه الترمذي؛ لأن في إسناده أبا مودود البصري واسمه
فضة بكسر أوله وتشديد المعجمة. قال أبوحاتم: ضعيف. قلت: فضة أبو مودود
بصري مشهور بكنيته. قال الحافظ في ((التقريب)): فيه لين. قال الشوكاني:
وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) والضياء في ((المختارة))، ومثله حديث ثوبان
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذي أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في ((الكبير)) والحاكم في ((المستدرك))
(ج ١ ص٤٩٣ِ) وابن حبان في ((صحيحه)): ((لَا يَرُدُّ الْقَدْرَ إِلَّ الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي
الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ))، انتهى. قلت: حديث
ثوبان أخرجه أيضًا ابن ماجه في السنة والفتن. قال في ((الزوائد»: سألت شيخنا أبا
الفضل العراقي عن هذا الحديث فقال: حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح
الإسناد وأقره الذهبي.
٢٢٥٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((إِنَّ الدُّعَاءَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلَّ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ».
الشرح
٢٢٥٦ - قوله: (إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ)، أي: من بلاء نزل بالرفع إن كان
معلقًا وبالصبر إن کان محکمًا فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره، أو يرضيه به
حتى لا يكون في نزوله متمنيًّا خلاف ما كان، بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا
بالنعماء. (وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ)، أي: بأن يصرفه عنه ويدفعه منه، أو يمده قبل النزول
بتأييد من عنده يخف معه أعباء ذلك إذ أنزل به. (فَعَلَيْكُمْ)، أي: إذا كان هذا شأن
الدعاء فالزموا. (عِبَادَ اللهِ)، أي: يا عباد الله. (بِالدُّعَاءِ)؛ لأنه من لوازم العبودية
التي هي القيام بحق الربوبية.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وكذا الحاكم (ج١ ص٤٩٣) كلاهما من رواية
عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر
القرشي وهو ضعيف في الحديث، قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه،
انتهى. والحديث قال الحافظ في ((الفتح)): في سنده لين. وسكت عنه الحاكم.
وقال الذهبي في ((مختصره)): قلت: عبد الرحمن واه، وقال المنذري في
((الترغيب)): هو ذاهب الحديث.
(٢٢٥٦) التِّرْ مِذِي (٣٥٤٨) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٢٨٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٢٥٧ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
الشرح
٢٢٥٧ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ص٢٣٤). (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)، وكذا
الطبراني كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
حسين المكي عن شهر بن حوشب عن معاذ بلفظ: ((لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَلَكِنِ
الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ))، قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص١٤٦): شهر بن حوشب لم يسمع من معاذ ورواية
إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة، انتهى. قلت: ورواه أيضًا البزار عن
معاذ بن جبل، وفيه: إبراهيم بن خيثم وهو متروك، ورواه البزار أيضًا والطبراني
في ((الأوسط)) والحاكم (ج ١ ص ٤٩٢) عن عائشة.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي : بأن زكريا ابن منظور أحد رجاله
مجمع على ضعفه. وقال الهيثمي (ج ٧ص٢٠٩، ج١٠ ص ١٤٦): زكريا بن منظور
وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات. (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا)، أي: حديث ابن عمر. (غَرِيبٌ) ومع غرابته فهو ضعيف كما
تقدم .
٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٥٨ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((مَا مِنْ
أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ مَا لَمْ يَدْعُ
بِثْمِ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٥٨ - قوله: (إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا سَأَلَ)، أي: إن جرى في الأزل، تقدير:
إعطائه ما سأل. (أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوْءٍ مِثْلَهُ)، أي: دفع عنه من البلاء عوضًا مما
منع قدر مسئوله إن لم يجر التقدير. قال الطيبي: فإن قلت: كيف مثل جلب النفع
بدفع الضرر؟ وما وجه التشبيه؟ قلت: الوجه ما هو السائل مفتقر إليه وما هو ليس
مستغني عنه. وقال ابن حجر: أي: يدفع الله عنه سوءًا تكون الراحة في دفعه بقدر
الراحة التي تحصل له لو أعطى ذلك المسئول فالمثلية باعتبار الراحة في دفع ذلك
وجلب هذا. (مَا لَمْ يَدْعُ بِثْم)، أي: بمعصية. (أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم) تخصيص بعد
تعمیم .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) لم يحكم الترمذي عليه بشيء من الصحة أو الضعف وفي سنده
ابن لهيعة، وفي الباب عن عبادة بن الصامت. أخرجه الترمذي وصححه هو
والحافظ في ((الفتح))، ونسبه المنذري والحافظ للحاكم أيضًا، وعن أبي سعيد
أخرجه أحمد، وسيأتي في الفصل الثالث وعن أبي هريرة أخرجه أحمد. قال
المنذري: بإسناد لا بأس به والترمذي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
٢٩١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٢٥٩ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضَِّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةٍ:
((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٥٩ - قوله: (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا،
وهكذا وقع في ((الترغيب)) للمنذري و((الجامع الصغير)) و((كنز العمال)). قال
القاري: وفي نسخة، يعني: من ((المشكاة)) أبي مسعود بالياء بدل النون، انتهى.
وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) للجزري (ج ٥ص١٩) وهو غلط من الناسخ
والصواب ابن مسعود فإن الحديث من مسند عبد الله بن مسعود كما وقع مصرحًا
بذلك في ((جامع الترمذي))، وهكذا ذكره الحافظ في ((الفتح)). (سَلُوا اللهَ مِنْ
فَضْلِهِ)، أي: بعض فضله فإن فضله واسع وليس هناك مانع .
(فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ)، أي: من فضله. وقال الطيبي: أي: لا يمنعكم شيء
من السؤال فإن الله يحب أن يسأل من فضله؛ لأن خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة
سحاء الليل والنهار فلما حثَّ على السؤال، هذا الحث البليغ وعلم أن بعضهم
يمتنع من الدعاء لاستبطاء الإجابة قال: (وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَج)، أي: إذا
سألتم وأبطئت عنكم الإجابة فلا تضجروا؛ لأن انتظار الفرج من أفضل العبادة،
والفرج بفتحتين بالفارسية كشايس، يقال: فرج الله الغم عنه، أي: كشفه وأذهبه.
قال القاري: انتظار الفرج، أي: ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بالصبر وترك
الشكاية إلى غيره تعالى، وكونه أفضل العبادة؛ لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن مردويه وابن أبي الدنيا كلهم من طريق حماد بن
واقد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. (وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ليست هذه الجملة في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، بل فيها بعد
(٢٢٥٩) التِّرْ مِذِي (٣٥٧١) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ .
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تمام الحديث. هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وحماد بن واقد ليس
بالحافظ وروى أبو نعيم - الفضل بن دكين - هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم
ابن جبير عن رجل عن النبي ◌َلّ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، انتهى
كلام الترمذي.
قلت: حماد بن واقد العيشي أبو عمرو الصفار البصري، قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمته : قال ابن معين: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال أبوزرعة: لين الحديث. له عند الترمذي حديث واحد وهو في انتظار الفرج
وأعلَّه، انتهى مختصرًا. وإنما رجح الترمذي حديث أبي نعيم؛ لأن أبا نعيم وهو
الفضل بن دكين ثقة ثبت. وأمَّا حماد بن واقد فضعيف كما عرفت آنفا والرجل
المبهم في طريق أبي نعيم يحتمل أن يكون صحابيًّا ويحتمل أن يكون تابعيًّا، وعلى
الثاني يكون هذا الطريق مرسلًا، وفي الباب عن أنس بلفظ: ((إِنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ
انْتِظَارُ الْفَرَج)) أخرجه البزار. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ ص ١٤٧):
وفيه من لم أعرفه.
٢٢٦٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: «مَنْ لَمْ
يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٦٠ - قوله: (مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)؛ لأن ترك السؤال تكبر
واستغناء، وهذا لا يجوز للعبد، ولنعم ما قيل:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَتَرَى ابْنَ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وقال الطيبي: وذلك؛ لأن اللَّه يحب أن يسأل من فضله فمن لم يسأل الله
يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، انتهى. قال الحافظ: ويؤيده حديث ابن
مسعود رفعه: ((سَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ))، أخرجه الترمذي، وفي
(٢٢٦٠) التِّرْمِذِي (٣٣٧٣) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٢٩٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الحديث: دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات وأعظم
المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجه
والبزار والحاكم (ج ١ ص٤٩١) وابن أبي شيبة كلهم من رواية أبي صالح الخوزي
بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي عن أبي هريرة، وهذا الخوزي مختلف
فيه ضعفه ابن معين وقواه أبوزرعة، وظن الحافظ ابن كثير أنه أبوصالح السمان
فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي في الأطراف
بأن أبا صالح هو الخوزي وقع في رواية البزار والحاكم عن أبي صالح الخوزي
سمعت أبا هريرة كذا في ((الفتح)) (ج٢٦ ص١٩، ٢٠).
٢٢٦١ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رِ﴿يَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَئِ: ((مَنْ
فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا -
يَعْنِي: أَحَبَّ إِلَيْهِ - مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٢٦١ - قوله: (مَنْ فُتِحَ) بصيغة المفعول. (لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ)، أي: بأن
. وفق؛ لأن يدعو اللَّه كثيرًا مع وجود شرائطه وحصول آدابه. (فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ
الرَّحْمَةِ)، يعني: أنه يجاب لمسئوله تارة ويدفع عنه مثله من السوء أخرى كما في
رواية ابن أبي شيبة: ((فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْإِجَابَةِ))، وفي رواية الحاكم: ((فُتِحَتْ لَهُ
أَبْوَابُ الْجَنَّةِ))، ورواية الكتاب أعم وأشمل.
(وَمَا سُئِلَ) بصيغة المجهول. (اللهُ) بالرفع نائب الفاعل. (شَيْئًا) وفي رواية
الحاكم: ((وَلَا يَسْأَلُ اللهَ عَبْدٌ شَيْئًا))، (يَعْنِي: أَحَبَّ إِلَيْهِ)، كذا في جميع النسخ
الحاضرة، وهكذا في ((المصابيح)) و((جامع الترمذي)) وهكذا نقله المنذري في
((الترغيب))، أي: بزيادة لفظة (يَعْنِي) قبل (أَحَبَّ)، ولا توجد هذه اللفظة في ((جامع
الأصول)) و((الحصن)) و((الكنز)) و((تحفة الذاكرين)) وليست أيضًا في رواية الحاكم.
(٢٢٦١) التِّرْ مِذِي (٣٥٤٨) فِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٢٩٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: (أَحَبَّ إِلَيْهِ) تقييد للمطلق بـ(يَعْنِي) وفي الحقيقة صفة (شَيْئًا)،
انتهى. قلت: قوله: (يَعْنِي) من كلام بعض الرواة وذكر ذلك؛ لأنه لم يحفظ ولم
يستحضر لفظ الحديث بعد قوله: (شَيْئًا) فرواه بالمعنى، فما بعد يعني نقلٍ ورواية
بالمعنى، و (شَيْئًا) مفعول مطلق، و(أَحَبَّ إِلَيْهِ) صفته، وإن في قوله: (مِنْ أَنْ يَسْأَلَ
الْعَافِيَةَ) مصدرية، والمعنى: ما سئل اللَّه سؤالًا أحب إليه من سؤال العافية،
ويجوز أن يكون (شَيْئًا) مفعولًا به، أي: ما سئل الله مسؤلا أحب إليه من العافية
وزيد أن يسأل اهتمامًا بشأن المسئول وللإيذان بأن الأحب إليه سؤال العافية لا
ذاتها .
قال الطيبي: إنما كانت العافية أحب؛ لأنها لفظة جامعه لخير الدارين من
الصحة في الدنيا والسلامة فيها. وفي الآخرة؛ لأن العافية أن يسلم من الأسقام
والبلايا وهي الصِّحَّة ضد المرض، انتهى. وقيل: المراد بالعافية السلامة عن
جميع الآفات الظاهرة والباطنة في الدنيا والآخرة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وكذا الحاكم (ج ١ ص٤٩٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن
أبي بكر القرشي المليكي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال الترمذي:
حديث غريب، والمليكي ضعيف في الحديث. وقال الحاكم : حديث صحيح
الإسناد وتعقبه الذهبي بأن المليكي ضعيف. وقال المنذري: هو ذاهب الحديث.
وقال الحافظ: في سنده لين. وقد صحَّحه مع ذلك الحاكم.
٢٢٦٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ
سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٦٢- قوله: (مَنْ سَرَّهُ)، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور. (أَنْ
يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ) جمع الشديدة وهي الحادثة الشاقة. وقال الجزري:
(٢٢٦٢) التِّرْمِذِي (٣٣٨٢) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٢٩٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الشديدة كل ما يمر بالإنسان من مصائب الدنيا، وفي الترمذي زيادة: ((وَالْكُرَبِ))
بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس لشدته.
(فَلْيُكْثِرِ) أمر من الإكثار.
(الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدود، أي: في حالة الصحة
والفراغ والعافية. قال الجزري: الرخاء السعة في العيش وطيبه وهو ضد الشدة،
انتهى. والمعنى: فليلازم الدعاء في حال الصحة والرفاهية والسلامة من المحن،
فإنَّ من شيمة المؤمن الحازم أن يريش السهم قبل أن يرمي ويلتجىء إلى اللّه قبل
مس الاضطرار إليه بخلاف الكافر والفاجر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَانَ
ضُرُّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوّاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ الآية [الزمر: ٨]
وقال: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
(13)﴾ [يونس: ١٢] .
كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَُّ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وكذا الحاكم (ج ١ ص٥٤٤)، وقال: حديث صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي. قال المنذري في ((الترغيب)): ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة
ومن حديث سلمان، وقال في كل منهما: صحيح الإسناد.
٢٢٦٣ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ
مُؤْقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ غَافِلِ لَاءٍ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٢٦٣ - قوله: (وَأَنْتُمْ مُوْقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ)، المراد: ملزومه، أي: ادعوا الله،
والحال أنكم ملتبسون بالصفات التي هي سبب في الإجابة. قال التوربشتي: أي:
كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون فيها الإجابة وذلك إتيان المعروف واجتناب
المنكر وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء وآدابه حتى تكون الإجابة على قلوبكم
(٢٢٦٣) التِّرْ مِذِي (٣٤٧٩) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أغلب من الرداء، والمراد: ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة؛ لأنَّ الدَّاعي إذا لم يكن
متحققًّا في الرجاء لم يكن رجاؤه صادقًا، وإذا لم يكن الرجاء صادقًا لم يكن الدعاء
خالصًا والداعي مخلصًا، فإن الرجاء هو الباعث على الطلب ولا يتحقق الفرع إلا
بتحقق الأصل. وقيل: لا بد من اجتماع المعنيين إذ كل منهما مطلوب لرجاء
الإجابة .
وقال المظهر: المعنى: ليكن الداعي ربه على يقين بأن الله تعالى يجيبه؛ لأن رد
الدعاء إما لعجز في إجابته، أو لعدمٍ كرم في المدعو، أو لعدم علم المدعو بدعاء
الداعي، وهذه الأشياء منتفية عن اللَّه تعالى فإن الله جل جلاله عالمٌ كريمٌ قادرٌ لا
مانع له من الإجابة، فإذا علم الداعي أنه لا مانع لله في إجابة الدعاء فليكن موقنًا
بالإجابة. فإن قيل: قد قلتم: إن الداعي ليكن موقنا بالإجابة واليقين إنما يكون إذا
لم يكن الخلاف في ذلك الأمر، ونحن قد نرى بعض الدعاء يستجاب وبعضها لا
يستجاب فكيف يكون للداعي يقين. قلنا: الداعي لا يكون محرومًا عن إجابة
الدعاء البتة؛ لأنه يعطى ما يسأل وإن لم يكن إجابته مقدرًا في الأزل لا يستجاب
دعاؤه فيما يسأل، ولكن يدفع عنه السوء مثل ما يسأل كما جاء في الحديث أو يعطي
عوض ما يسأل يوم القيامة من الثواب والدرجة؛ لأن الدعاء عبادة ومن عمل عبادة
لا يجعل محرومًا من الثواب، انتهى. (مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ) بالإضافة وتركها، أي:
معرض عن اللَّه أو عمَّا يسأله. (لَاوٍ) من اللهو، أيَّ: لاَعَب بما سأله أو مشتغل بغير
الله، وهذا عمدة آداب الدعاء ولهذا خص بالذكر.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١ ص٤٩٣) وفي سندهما صالح بن
بشير بن وداع البصري القاص الزاهد المعروف بالمري بضم الميم وتشديد الراء
وهو ضعيف. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، وقال الحاكم: حديث مستقيم الإسناد
تفرد به صالح المرى وهو أحد زهاد أهل البصرة. قال المنذري: لا شك في زهده
لكن تركه أَبُو دَاوُدَ والنسائي، انتهى. قلت: وقال البخاري: منكر الحديث،
وضعفه الجمهور. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله
قال: ((الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهُا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ وَكَ أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ
وَأَنْتُمْ مُؤْقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دُعَاؤُوهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ))،
٢٩٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
أخرجه أحمد (ج٢ ص١٧٧) وحسن المنذري والهيثمي إسناده، ويؤيده ما روى
الطبراني من حديث ابن عمر بنحو ذلك. قال الهيثمي (ج١٠ ص١٤٨) بعد ذكره:
وفيه بشير بن ميمون الواسطي وهو مجمع على ضعفه.
٢٢٦٤ - [٢٠] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا
سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسَّأَلُوهُ بِظُهُورِهَا)).
[ رواه أبو داود]
الشرح
٢٢٦٤ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح الياء السكوني بفتح السين. قال
في ((التقريب)): صحابي قليل الحديث، انتهى. وقال سلمان بن عبد الحميد شیخ
أبي داود: لمالك بن يسار عندنا صحبة. قال المنذري في ((مختصر السنن)) والحافظ
في ((الإصابة)) وفي نسخة من ((السنن)): مَا لمالك بزيادة مَا النافية. وقال أبو القاسم
البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث ولا أدري له صحبةً أَوْ لَا، انتهى.
وقال المصنف: قد اختلف في صحبته. (إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ) شيئًا من جلب نفع.
(فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ) جمع الكف، أي: مع رفعها إلى السماء. (وَلَا تَسْأَلُوهُ
بِظُهُورِهَا)، قال ابن حجر: لأنَّ اللائق لطالب شيء يناله أن يمدَّ كفه إلى المطلوب
ويبسطها متضرعًا ليملأها من عطائه الكثير المؤذن به رفع اليدين إليه جميعًا، أمّا
من سأل رفع شيء وقع به من البلاء، فالسنة أن يرفع إلى السماء ظهر كفيه اتِّباعًا له
عليه الصلاة والسلام وحكمته التفاؤل في الأول: بحصول المأمول، وفي الثاني:
بدفع المحظور، انتهى. قلت: يدل على هذا الفرق ما ذكرنا في (ج ٢ ص ٣٩٤) من
حديث السائب بن خلاد عن أبيه: أن النبي ◌َليّ كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه،
وإذ استعاذ جعل ظاهرهما إليه أخرجه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال
مشهور. وقيل: جعل ظهر الكف فوق بطنها مخصوص بالاستسقاء كقلب الرداء.
واستدل لذلك بما تقدم في الاستسقاء من حديث أنس، أن النبي وَالّ استسقى فأشار
(٢٢٦٤) أَبُو دَاوُد (١٤٨٦) فِي الصَّلَاةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ .
٢٩٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بظهر كفيه إلى السماء رواه مسلم، وفيه: أنه ليس فيه ما يدل على اختصاص ذلك
بالاستسقاء، وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني، قال الهيثمي
(ج ١٠ ص١٦٩): ورجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطي وهو ثقة.
٢٢٦٥ - [٢١] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ،
وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ)).
[رَوَاهُ دَاوُدَ]
الشرح
٢٢٦٥ - قوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ)، إلخ. أي: زاد في حديث ابن
عباس بعد قوله: (بِظُهُورِهَا فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ)، (قَالَ)، أي:
رسول اللَّه ◌َله: (سَلُوا اللهَ بِبُطُونِ أَكُفَّكُمْ)؛ لأن هذه هيئة السائل الطالب المنتظر
للأخذ إذ عادة من طلب شيئًا من غيره أن يمد يده إليه ليضع ما يعطيه له فيها.
(فَإِذَا فَرَغْتُمْ)، أي: من الدعاء. (فَامْسَحُوا بِهَا)، أي: بأكفكم. (وُجُوهَكُمْ)،
فإنها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها إليها. قال في اللمعات: أي: تبركًا بما
فاض من أنوار الإجابة وإيصالها إلى الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأقربها أولى،
انتهى. وفيه: استحباب مسح اليدين بالوجه عقب الدعاء. واتفقوا على ذلك خارج
الصلاة. وأمَّا في الصلاة؛ فقال البيهقي (ج٢ ص٢١٢) بعد رواية أثر عمر في رفع
اليدين في القنوت: أمَّا مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن
أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يُروى عن بعضهم في الدعاء خارج
الصلاة، وقد روي فیه عن النبي پټ حدیث فیه ضعف - یشیر إلی حدیث ابن عباس
- وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأمَّا في الصلاة فهو عمل لم يثبت
بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس. فالأولى أن يفعله ويقتصر على ما فعله
السلف ◌ّ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة، انتهى.
(٢٢٦٥) أَبُو دَاوُد (١٤٨٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا .
٢٩٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. وحديث مالك بن يسار أخرجه البغوي وابن
أبي عاصم وابن السكن والمعمري في ((اليوم والليلة)) وابن قانع كلهم من طريق
ضمضم بن زرعة الحضرمي الشامي عن شريح بن عبيد عن أبي ظبية عن أبي بحرية
عنه. وقد اقتصر أَبُو دَاوُدَ على ذكر كلام شيخه في مالك بن يسار. ونقل المنذري
بعد ذكره اختلاف النسخة التي أشرنا إليه وكلام البغوي، ثم قال: وفي إسناده
إسماعيل بن عياش - راوي الحديث عن ضمضم - وقد تكلم فيه غير واحد وصحح
بعضهم روايته عن الشاميين، وفي إسناده أيضًا ضمضم بن زرعة الحضرمي وهو
شامي وثقه يحيى بن معين، انتهى. وحديث ابن عباس رواه أَبُو دَاوُدَ من طريق
عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله
ابن عباس. قال أَبُو دَاوُدَ: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها
واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا، انتهى. قلت: عبد الله بن يعقوب
ابن إسحاق .
قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: وهو مجهول الحال. وقال في ((مبهماته)):
عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب يقال هو أبو المقدام هشام بن
زياد. وقال في ((مبهمات التهذيب)): عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن محمد بن
كعب القرظي عن ابن عباس الحديث مشهور برواية أبي المقدام هشام بن زياد عن
محمد بن كعب، انتهى. قلت: وأبوالمقدام هشام بن زياد ضعيف متروك.
والحديث رواه ابن ماجه في الدعاء والحاكم (ج١ ص٥٣٦) من طريق صالح بن
حسان عن محمد بن كعب، وصالح هذا ضعيف متروك، وحديث ابن عباس
وأخرجه أيضًا البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج ٢ ص ٢١٢) من طريق أبي داود ثم نقل
كلام أبي داود المتقدم.