النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفارسي غير ابن هرمز، وأن ابن هرمز ثقة، والفارسي لا بأس به، انتهى كلام
المنذري. قلت: يزيد بن هرمز من رجال مسلم متفق على توثيقه، ويزيد الفارسي
من رجال السنن، قال أبوحاتم عنه: لا بأس به كما في ((التهذيب)) (ج ١١ ص ٣٧٤).
وقال في ((التقريب)): إنه مقبول. ونقل الحافظ حديث ابن عباس هذا في ((الفتح))
(ج ٢٠ ص ٤٣٧) في معرض الاحتجاج به على كون ترتيب الآيات في كل سورة
توقيفًا وكون ترتيب بعض سور القرآن من اجتهاد الصحابة، وهذا يدل على أن
الحديث حسن أو صحيح عنده، وعليه يدل صنيع البيهقي في ((المدخل)) والسيوطي
في ((الإتقان)) كما سبق، وذكره الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) وفي ((فضائل القرآن))
ولم يتكلم فيه، وكذا نقله الشوكاني في ((تفسيره)) من غير كلام فيه، ولم أجد أحدًا
من العلماء المتقدمين والمتأخرين إنه ضعفه أو أشار إلى ضعفه غير أن البخاري ذكر
يزيد الفارسي هذا، في كتاب ((الضعفاء الصغير)) (ص٣٧) وضعف الحديث جدًّا
العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر وبسط الكلام في ذلك، ولنورد كلامه فإنه مهم
جدًّا. والمسألة تحتاج إلى عناية كبيرة، فإن هذا الحديث مما يتطرق به
المستشرقون وعبيدهم المتفرنجون إلى الطعن والتشكيك في ثبوت القرآن وترتيبه،
فإن التواتر المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن بلغه رسول الله والله لأ مته سورًا
معروفة مفصلة مبينة مواضعها، يفصل بين كل سورتين منها بالبسملة إلا في أول
براءة؛ لأن جبريل لم ينزل بها فيها ليس لعثمان رَوُنَّهُ ولا لغيره أن يرتب فيه شيئًا،
ولا أن يبين موضع سورة أو يثبت البسملة ويتركها برأيه.
قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج١ ص٣٢٩، ٣٣٠)
تحت هذا الحديث: في إسناده نظر كثير، بل هو عندي ضعيف جدًّا، بل هو حديث
لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على يزيد الفارسي الذي رواه عن ابن عباس
تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة وهو ثقة، قال: ويزيد الفارسي هذا اختلف فيه أهو
يزيد بن هرمز أم غيره؟ قال البخاري في ((التاريخ الكبير)): قال لي علي: قال
عبد الرحمن: يزيد الفارسي هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحيي فلم يعرفه قال :
وكان يكون مع الأمراء. وفي ((تهذيب التهذيب)): قال ابن أبي حاتم: اختلفوا هل
هو يعني ابن هرمز يزيد الفارسي أو غيره؟ فقال ابن مهدي وأحمد: هو ابن هرمز
وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، وسمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز
٢٦١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْع الْقُرْآن
هذا ليس بيزيد الفارسي هو سواه، وذكر البخاري أيضًا في كتاب ((الضعفاء الصغير))
(ص٣٧) وقال نحوًا من قوله في ((التاريخ الكبير))، فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد
برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولًا حتى شبه على مثل ابن مهدي وأحمد
والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في ((الضعفاء)) فلا يقبل
منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر
القطعي قراءة وسماعًا وكتابة في المصاحف، وفيه: تشكيك في إثبات البسملة في
أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا
قلنا: إنه حديث لا أصل له، تطبيقًا للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة
الحديث. قال السيوطي في ((تدريب الراوي)) (ص٩٩): في الكلام على أمارات
الحديث الموضوع أن يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو
الإجماع القطعي.
وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): ومنها: ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون
مناقضًا لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. وقال الخطيب في
كتاب ((الكفاية)) (ص٤٣٢) : - ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم
القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل
مقطوع به - وكثيرًا يضعف أئمة الحديث راويًا لانفراده برواية حديث منكر يخالف
المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف المشهور من الروايات فأولى أن نضعف
يزيد الفارسي هذا بروايته هذا الحديث منفردًا به إلا أن البخاري ذكره في
((الضعفاء))، وينقل عن يحيى القطان أنه كان يكون مع الأمراء ثم بعد كتابة ما تقدم
وجدت الحافظ ابن كثير نقل هذا الحديث في ((التفسير))، وفي كتاب ((فضائل
القرآن)) المطبوع آخر التفسير، ووجدت أستاذنا العلامة السيد محمد رشيد رضا -
رحمة الله عليه - علق عليه في الموضعين: فقال في الموضع الأول بعد الكلام على
يزيد الفارسي: فلا يصح أن يكون ما انفرد به معتبرًا في ترتيب القرآن الذي يطلب
فيه التواتر. وقال في الموضع الثاني : - فمثل هذا الرجل لا يصح أن تكون روايته
التي انفرد بها مما يؤخذ به في ترتيب القرآن المتواتر - وهذا يكاد يوافق ما ذهبنا
إليه فلا عبرة بعد هذا كله في هذا الموضع بتحسين الترمذي، ولا بتصحيح
الحاكم، ولا بموافقة الذهبي، وإنما العبرة للحجة والدليل والحمد لله على
التوفيق، انتهى كلامه باختصار يسير .
٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩ - كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
(كِتَابُ الدَّعَوَاتِ) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهو
مصدر يراد به الدعاء وهو هنا السؤال، يقال: دعوت الله، أي: سألته. قال
القاري: الدعوة بمعنى الدعاء، وهو طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئًا على جهة
الاستكانة، انتهى. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في ((شرح الأسماء الحسنى)) ما
ملخصه: جاء الدعاء في القرآن على وجوه؛ منها: العبادة ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
[البقرة: ٢٣] .
يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُكَ﴾ [يونس:١٠]. ومنها: الاستغاثة ﴿وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم﴾
ومنها: السؤال ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ومنها: القول دعواهم فيها
﴿َدَعْوَنِهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] والنداء ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] والثناء ﴿قَلِ ادْعُواْ
K
اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
اعلم: أن الدعاء والتضرع من أشرف أنواع الطاعات وأفضل العبادات أمر الله
تعالى به عباده فضلًا وكرمًا وتكفل لهم بالإجابة، وحكى القشيري في ((الرسالة))،
الخلاف في المسألة فقال: اختلف الناس في أن الأفضل الدعاء أم السكوت
والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء في نفسه عبادة قال رَّه: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ))،
وقال: ((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها، ثم هو حق الحق
سبحانه وتعالى، فإن لم يستحب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه؛
لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية. قال الحافظ: وهذا القول هو الذي ينبغي ترجيحه؛
لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار. وقالت
طائفة: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم والرضا بما سبق به القدر أولى
لما في التسليم من الفضل.
قال الحافظ: وشبهتهم أن الداعي لا یعرف ما قدر له فدعاؤه إن كان على وفق
المقدور فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن
الأول: أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني: أنه
٢٦٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة، وفائدة الدعاء
تحصيل الثواب بامتثال الأمر ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء؛
لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها. قال القشيري: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون
صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضى بقلبه ليأتي بالأمرين جميعًا. قال: الأولى: أن
يقال الأوقات مختلفة ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وهو الأدب،
وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب. وإنما يعرف ذلك
بالوقت فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى به، وإذا وجد إشارة إلى
السكوت فالسكوت أتم. قال الحافظ: القول الأول: أعلى المقامات أن يدعو
بلسانه ويرضى بقلبه، والثاني: لا يتأتى من كل أحد بل ينبغي أن يختص به الكمل
قال القشيري: ويصح أن يقال ما كان للمسلمين فيه نصيب أو لله تَّالَ فيه حق
فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وعبر ابن بطال
عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعوا لغيره ويترك لنفسه، يعني: إن دعا
لغيره من المسلمين فحسن، وإن دعا لنفسه فالأولى تركه.
قال النووي في ((شرح مسلم)): القول باستحباب الدعاء مطلقًا هو القول الصحيح
الذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، ودليلهم
ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء وفعله، والإخبار عن الأنبياء صلوات اللَّه
وسلامه عليهم أجمعين بفعله. وقال في ((الأذكار)): المذهب المختار الذي عليه
الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف أن
ج
الدعاء مستحب. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] وقال
تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥] والآيات في ذلك كثير مشهورة. وأمَّا
الأحاديث الصحيحة فهي أشهر من أن تشهر، وأظهر من أن تذكر، واعلم: أن
للدعاء آدابًا يجب على الداعي مراعاتها، وقد ذكرها الجزري في ((الحصن))
والنووي في ((الأذكار)) وبسط الكلام عليها مع البحث عن أدلتها الشوكاني في
((تحفة الذاكرين))، وكذا الغزالي في ((الإحياء)) والزبيدي، في شرحه فعليك أن
تراجع هذه الكتب، وسيأتي التنبيه على بعض آداب الدعاء وشرائطه في شرح
أحاديث الباب.
٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الغزالي في ((الإحياء)) (ج١ ص١٩٨): فإن قلت: فما فائدة الدعاء مع أن
القضاء لا مرد له؟ فاعلم: أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد
البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج
النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء
يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يجعل السلاح. وقد
قال تعالى: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ولا أن لا يسقي الأرض بعد بث البذر،
فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب
بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على
تفاصيل الأسباب على التدريج، والتقدير: هو القدر والذي قدر الخير قدره
بسبب، والذي قدر الشر قدر لدفعه سببًّا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من
انفتحت بصيرته. ثم في الدعاء من الفائدة - أي: زيادة على الفائدة التي هي
الإتيان بالسبب في رد البلاء - ما ذكرناه في الذكر وهو حضور القلب مع الله تعالى
وهو منتهى العبادات.
ولذلك قال ◌َله: ((الدُّعَاءُ مُخَّ الْعِبَادَةِ))، والغالب على الخلق إنه لا تنصرف
قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة، فإن الإنسان إذا مسه الشر
فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى اللَّه ◌َك
بالتضرع والاستكانة، فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ولذلك صار
البلاء موكلًا بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل؛ لأنه يرد القلب بالافتقار
والتضرع إلى الله وتمنع من نسيانه ويذكر بنعمته وإحسانه.
٢٦٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الفصل الأول
٢٢٤٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لِكُلِّ
نَبِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
لِأَمَِّي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ
شَيْئًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرَ مِنْهُ] {صحيح}.
الشرح
٢٢٤٥ - قوله: (لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ)، قال النووي: معناه: أن كل نبي له
دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها. وأمَّا باقي دعواتهم فهم على طمع
من إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب، وذكر القاضي عياض: أنه يحتمل
أن يكون المراد: لكل نبي دعوة لأمته كما في الروايتين الأخيريتين، يعني: من
روايات مسلم بلفظ: ((لِكُلُّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ»، وبلفظ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ
دَعَاهَا لِأَمَّتِهِ))، والمراد: إن لكل منهم دعوة عامة مستجابة في حق الأمة، إمَّا
بإهلاكهم، وإمَّا بنجاتهم. وأمَّا الدعوات الخاصة، فمنها: ما يستجاب، ومنها:
ما لا يستجاب. وقيل: معناه: أنَّ لكل منهم دعوة تخصه لدنياه، أو لنفسه
كقول نوح: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا: ﴿فَهَبْ لِى مِن لَُّنكَ وَلِيًّا
يَرِثُنِى﴾ [مريم: ٥] وقول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَلْبَغِ لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص٣٥]
حكاه ابن التين. (فَتَعَجَّلَ كُلَّ نَبِيِّ دَعْوَتَهُ)، أي: استعجل في دعوته المقطوع
بإجابتها. (وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي)، أي: ادخرت دعوتي المقطوع بإجايتها وجعلتها
خبيئة من الاختباء وهو الستر. ووقع في رواية للشيخين: ((وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِىءَ))،
وفي حديث أنس عند البخاري: ((فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي)). قال الحافظ: وكأنه ◌َّ أراد أن
(٢٢٤٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٣٠٤)، والتِّرْ مِذِي (٣٦٠٢) فِي الدَّعَوَاتِ، ومُسْلِم (١٩٩/٣٣٨)،
(١٩٨/٣٣٤)، (١٩٨/٣٣٥)، (١٩٨/٣٣٦) فِي الإِيمَانِ، وابنُ ماجَهْ (٤٣٠٧) فِي الزُّهْدِ، كُلُّهُمْ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يؤخرها، ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به فجزم به. (شَفَاعَةً لِأُمَّتِي)،
أي: أمة الإجابة، يعني: لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة
الشفاعة، أو حال كونها شفاعة.
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أي: مؤخرة إلى ذلك اليوم، وفي نسخة: ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) على
أنه ظرف للَشفاعة قاله القاري. قلت: وفي ((صحيح مسلم)): ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، أي:
بدون إلى وكذا وقع في ((المصابيح))، وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول))
(ج ١١ ص ١٢٢)، فالظاهر: أن ما وقع في أكثر نسخ ((المشكاة)) بذكر ((إلى)) غلط
من النساخ فهي، أي: الشفاعة. (نَائِلَةٌ)، أي: واصلة حاصلة.
(إِنْ شَاءَ اللهُ)، قاله وَلِّ على جهة التبرك والامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ
لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]. (مَنْ مَاتَ) في محل
نصب على أنه مفعول به ل(نَائِلَةٌ)، (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) حال من فاعل (مَاتَ).
(شَيْئًا)، أي: من الأشياء، أو من الإشراك وهي أقسام؛ عدم دخول قوم النار،
وتخفيف لبثهم فيها، وتعجيل دخولهم الجنة، ورفع درجات فيها. قال ابن بطال:
في هذا الحديث: بيان فضل نبينا وَّليل على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه
وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضًا دعاء عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره
ممن تقدم. وقال ابن الجوزي: هذا من حسن تصرفه وَ له ؛ لأنه جعل الدعوة فيما
ينبغي ومن كثرة كرمه؛ لأنه آثر أمته على نفسه ومن صحة نظره؛ لأنه جعلها
للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين.
وقال النووي: فيه كمال شفقة النبي ◌َّليل على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في
مصالحهم المهمة فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجتهم. وأمَّا قوله: (فَهِيَ
نَائِلَةٌ)، إلخ. ففيه: دليل لمذهب أهل الحق أهل السنة: أن كل من مات غير مشرك
بالله تعالى لا يخلد في النار ولو مات مصرًّا على الكبائر، يعني: ففيه رد على من
أنكر ذلك، ويرى أن الشفاعة لرفع الدرجات وغيره، ولا شفاعة لأهل الكبائر بل
هم مخلدون في النار.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أواخر الإيمان. (وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرَ مِنْهُ)، فقد رواه في أول
٢٦٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الدعوات بلفظ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِىءَ دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي فِي
الْآخِرَةِ»، وفي باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد بلفظ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ فَأُرِيدُ
إِنْ شَاءَ اللهُ أَنْ أَخْتَبِىَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وأخرجه مسلم مطولًا كما
في ((المشكاة)) ومقتصرًا أيضًا كما عند البخاري. وأخرجه أحمد في مواضع منها:
في (ج ٢ ص ٢٧٥)، ومنها: في صحيفة همام بن منبه (ج٢ ص٣١٣) ومالك في
أواخر الصلاة والترمذي في الدعوات، وابن ماجه في ذكر الشفاعة، والخطيب في
((تاريخ بغداد)) (ج٣ ص٤٢٤، ج ١١ ص ١٤١) وفي الباب عن أنس عند الشيخين
وجابر عند مسلم، وابن عباس ضمن حديث مطول عند أبي يعلى وأحمد
(ج ١ ص ٢٨١ - ٢٩٥) وعبد الله بن عمرو بن العاص ضمن حديث أيضًا عند أحمد
(ج ٢ ص ٢٢٢) وعبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني وعبد الرحمن بن أبي عقيل
الثقفي عند الحاكم، والطبراني والبزار، وأبي سعيد عند أحمد والبزار وأبي يعلى
والطبراني وأبي ذر عند البزار، وأبي موسى عند أحمد والطبراني وابن عمر عند
الطبراني .
٢٢٤٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ
عِنْدَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ،
جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَةً، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيَْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٢٤٦ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ)، وقع في رواية لمسلم في أول
الحديث: ((اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَ
اللهِ))، إلخ. وأخرج مسلم من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت: دخل
على رسول اللَّه وي ليه رجلان فكلماه بشي ولا أدري ما هو، فأغضباه فسبهما ولعنهما
(٢٢٤٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٣٦١)، ومُسْلِم (٩٠/ ٢٦٠١) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّفْظُ
لِمُسْلِمٍ.
٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فلمَّا خرجا قلت له: فقال: ((أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ فَأَتُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا))، وقوله: (اتَّخَذْتُ)، كذا
في جميع النسخ بلفظ الماضي، وفي ((المصابيح)): (أَتَّخِذُ))، أي: بصيغة المضارع
كما في ((صحيح مسلم))، وهكذا نقله الجزري (ج ١١ ص ٣٣٠) نعم وقع في روايات
أخرى لمسلم: ((اتَّخَذْتُ))، أي: بصيغة الماضي.
(عِنْدَكَ عَهْدًا)، أي: أخذت منك وعدًا أو أمانًا. (لَنْ تُخْلِفَنِيهِ) من الإخلاف؛
لأن الكريم لا يخلف وعده قيل: أصل الكلام إني طلبت منك حاجة اسعفني بها ولا
تخيبني فيها، فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضية ووضع لن
تخلفنيه موضع لا تخيبني. وقيل: وضع العهد موضع الوعد؛ مبالغة وإشعارًا بأنه
وعد لا يتطرق إليه الخلف كالعهد، ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة
التأكيد. وقيل: أراد بالعهد الأمان، والمعنى أسألك أمانًا لن تجعله خلاف ما
أترقبه وأرتجيه بأن تجعل ما بدر مني مما يناسب ضعف البشرية إلى مؤمن من أذية
أنحوها نحوه أو دعوة أدعو بها عليه قربة تقربه بها إليك، فإنما أنا بشر أتكلم في
الرضا والغضب فلا آمن أن أدعو على مسلم فيستضر به، وهذه الرأفة التي أكرم الله
بها وجهه حتى حظي بها المسيء فما ظنك بالمحسن، وإنما وضع الاتخاذ موضع
السؤال تحقيقًا للرجاء بأنه حاصل إذا كان موعودًا بإجابة الدعاء، ولهذا قال: ((لَنْ
تُخْلِفَنِيهِ))، أحل العهد المسؤول محل الشيء الموعود. ثم أشار إلى أن وعد الله لا
يتأتى فيه الخلف فإن الألوهية تنافيه.
(فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)؛ تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه صلوات الله وسلامه عليه، يعني:
فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأغضب نادرًا في بعض الأحيان بحكم البشرية .
(فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ)، وفي رواية: ((فَأَيُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، وهو بيان وتفصيل لما
كان يلتمسه وَ له بقوله: (اتَّخَذْتُ عِنْدََ ◌َّهْدًا).
(آذَيْتُهُ)، أي: بأي نوع من أنواع الأذى. (شَتَمْتُهُ)، إلخ. بيان لقوله: (آذَيْتُهُ)
وتفصيل له، ولذا لم يعطف. ومن ثم أفرد الضمير في فاجعلها ردًّا إلى الأذية.
(لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ)، أي: ضربته. قال الطيبي: ذكر هذه الأمور، أي: أنواع الإيذاء الثلاثة
على سبيل التعداد من غير عاطف كقولك: واحد اثنان ثلاثة، وقابلها بما يقابلها من
٢٦٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
أنواع التعطف، والألطاف متناسقة، أي: بإثبات العاطف ليجمعها بإزاء كل واحد
من تلك الأمور على سبيل الاستقلال، وليس من باب اللف والنشر، انتهى. قلت:
وقع في الروايات الأخرى ذكر هذه الأمور بلفظ: ((أَوْ)) ففي رواية لمسلم: ((فَأَيُّمَا
مُؤْمِنِ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَارَةً وَقُرْبَةً))، وفي أخرى له: ((فَأَيُّمَا رَجُلٍ
مِنَ الَّمُسْلِمِينَ سَبَيْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا زَكَاةً وَرَحْمَةً))، وفي حديث عائشة:
((فَأَتُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ زَكَاةً وَأَجْرًا)) .
(فَاجْعَلْهَا)، أي: تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية. وقيل: أي:
الكلمات المفهمة شتمًا أو نحو لعنة. (لَهُ)، أي: لمن آذيته من المؤمنين. (صَلَاةً)،
أي: رحمة ورأفة تخصه بها وإكرامًا وتلطفًا وتعطفًا توصله به إلى المقامات العلية.
(وَزَكَاةً)، أي: طهارة له من الذنوب ونماء وبركة في الأعمال والأموال. (وَقُرْبَةً
تُقَرِّبُهُ)، أي: تجعل ذلك المؤمن مقربًّا. (بِهَا)، أي: بتلك القربة، أو بكل واحدة
من الصلاة وأختيها. (إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: ولا تعاقبه بها في العقبى. ووقع في
حديث أنس عند مسلم تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل، ولفظه: ((إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ
مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلِ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ))، وفيه قصة لأم سليم.
قال النووي: في الحديث: بيان ما كان عليه ◌َّليه من الشفقة على أمته، والاعتناء
بمصالحهم والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم. ورواية أنس تبين المراد
بباقي الروايات المطلقة، وإنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة، ونحو ذلك
إذا لم يكن أهلًا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه، وما كان مسلمًا وإلا فقد دعا
وَّل على الكفار والمنافقين، ولم يكن ذلك رحمة لهم. قلت: وهذا هو الجواب
عمَّا استشكل بأنه لعن جماعة كثيرة منها المصور والعشار، ومن ادَّعى إلى غير أبيه
والمحلل والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وغيرهم. فيلزم أن يكون لهم رحمة
وطهورًا، فالمراد في الحديث: من لم يكن أهلًا لذلك ومن لعنه في حال غضبه
على مقتضى ضعف البشرية، فمن فعل منهيًّا عنه فلا يدخل في ذلك. فإن قيل:
كيف يدعو وَّه بدعوة على من ليس لها بأهل، أو يسبه، أو يلعنه، أو نحو ذلك
أجيب بأن المراد بقوله: ليس لها بأهل عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما
٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه، يعني: أن المراد: ليس بأهل لذلك عند الله
وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له وَلهل استحقاقه لذلك
بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك فكأنه يقول: من كان باطن
أمره عندك إنه ممن ترض عنه فاجعل دعوتي التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى
حاله حينئذ طهورًا وزكاة، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه؛ لأنه وَلّ كان متعبدًا
ومأمورًا بالحكم بالظواهر وحساب الناس في البواطن على اللَّه فإنه هو المتولي
للسرائر. فإن قيل: فما معنى قوله: ((وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ))، فإن هذا يشير
إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب، لا أنها على مقتضى الشرع فيعود
السؤال. فالجواب: إنه يحتمل أنه وَالجيل أراد أنَّ دعوته عليه، أو سبه، أو جلده كان
مما خير فيه بين أمرين عقوبة للجاني؛ أحدهما: هذا فعله، والثاني: تركه والزجر
له بأمر آخر سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى حمله وبعثه على أحد الأمرين
المخیر فیهما وهو سبه أو لعنه أو جلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجًا من حكم
الشرع. ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في
ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى اللَّه وطلبًا للاستجابة. وأشار عياض إلى ترجيح هذا
الاحتمال فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي،
لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد
للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم: عقري حلقي، وتربت يمينك، وفي قصة أم
سليم المذكورة في حديث أنس عند مسلم الذي أشرنا إليه: لا كبرت سنك، وفي
حديث معاوية عند مسلم أيضًا: (لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ)) ونحو ذلك لا يقصدون بشيء
من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ◌َّير أن يصادف شيء من ذلك الإجابة وأشفق من
موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه وسأله أن يجعل ذلك القول رحمة
وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا. وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان
ولم يكن وَلجر فاحشًا ولا متفشخًا ولا لعانًا ولا منتقمًا لنفسه.
قال الحافظ: وهذا الاحتمال الذي أشار عياض إلى ترجيحه حسن إلا أنه يرد
عليه قوله: (جَلَدْتُهُ)، فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد،
وقد ساق الجمع مساقًا واحدًا إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه. ويحتمل أن
يقال إنه كان لا يقول ولا يفعل وَّلل في حال غضبه إلا الحق لكن غضبه الله قد يحمله
٢٧١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
على تعجيل معاقبه مخالفة وترك الاغضاء والصفح، ويؤيده حديث عائشة: ما
انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، وهو في الصحيح.
قال الحافظ: فعلى هذا فمعنى قوله: ((لَيْسَ لَهَا بِأَهْلِ))، أي: من جهة تعين
التعجيل قال. وفي الحديث: كمال شفقته يدل على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته
حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم، وهذا كله في حق المعين في زمنه
واضح. وأمَّا ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه فما
أظنه يشمله والله أعلم، انتهى. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الدعوات، ومسلم
في الأدب واللفظ المذكور لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٤٣) وأبو يعلى
وقد جاء هذا الحديث من طرق مختلفة اللفظ باتفاق المعنى، فقد ورد عن عائشة
وجابر وأنس عند مسلم وعن أبي سعيد عند أبي يعلى وسمرة بن جندب عند
الطبراني وأبي الطفيل عامر بن واثلة عند الطبراني أيضًا وأنس وعائشة أيضًا عند
أحمد بغير السياق الذي في ((صحيح مسلم)).
٢٢٤٧ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَاَ
يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلَيَعْزِمْ
مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا مُكْرِهَ لَهُ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٤٧ - قوله: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ)، أي: طلب من اللَّه وسأله شيئًا. (فَلَا يَقُلْ:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ)، إلخ. قال في ((المفاتيح)): نهى عن قول: (إِنْ شِئْتَ) في
الدعاء؛ لأن هذا شك في قبول الدعاء، ولأن لفظ: (إِنْ شِئْتَ) إذا قلته لأحد معناه:
إني جعلت الخيرة إليك، يعني: لم يكن قبل قولك: إن شئت مختارًا، بل لو لم
تقل: إن شئت كان يلزم عليه قبول الدعاء شاء أو لم يشأ، فإذا قلت: إن شئت جعلته
مخيرًا وهذا لا يجوز في حق اللَّه وَالَ فإنه لا حكم لأحد عليه وليس لأحد أن
يكرهه، بل هو فعال لما يريد. فكيف يجوز أن يقال له: إن شئت؟ بل يعزم السائل
(٢٢٤٧) البُخَارِي (٧٤٧٧).
٢٧٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسألته وليسأل من غير شك وتردد، بل ليكن متيقنًا في قبول الدعاء، فإن الله كريم
لا بخل عنده وقدير لا يعجز عن شيء، انتهى.
وقال الباجي: معنى الحديث: لا يشترط مشيئة باللفظ، فإن ذلك أمر معلوم
متيقن إنه لا يغفر إلا أن يشاء ولا يصح غير هذا، فلا معنى لاشتراط المشيئة؛ لأنها
إنما تشترط فيمن يصح منه أن يفعل دون أن يشاء بالإكراه وغيره مما تنزه اللَّه سبحانه
عنه. وقد بين ذلك وَّر في آخر الحديث بقوله: ((فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ))، انتهى. مع أنه
يتضمن إيهام الاستغناء الغير اللائق بمقام الدعاء والسؤال، فاللائق بالمقام تر که،
والنهي للتحريم، أو للتنزيه فيه خلاف.
قال الحافظ: قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ أعطني إن شئت
وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له؛ لأنه لا يفعل إلا
ما شاءه وظاهره إنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر. وحمل النووي النهي في
ذلك على كراهة التنزيه، وهو أولى يؤيده حديث الاستخارة. قال: وقال الداودي:
لا يقل إن شئت كالمستثني ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وكأنه أشار بقوله:
كالمستثنى إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا للاستثناء لا يكره وهو جيد، انتهى.
(ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ)، أي: ونحو ذلك فالمذكور كله أمثلة.
(وَلْيَعْزِمْ) بكسر الزاء. (مَسْأَلَتَهُ)، أي: ليطلب جازمًا من غير شك وتردد، والمراد
بالمسألة: الدعاء. وقد وقع في رواية لأحمد ومسلم: ((الدُّعَاءِ))، يقال: عزم الأمر
وعليه عقد ضميره على فعله وصمم عليه، وعزم الرجل جدَّ في الأمر. قال
الجزري: عزمت على الأمر إذا عقدت قلبك عليه وجددت في فعله، والعزم الجد
والقطع، على فعل الشيء ونفي التردد عنه، والمعنى: لا تكن في دعائك مترددًا،
بل اجزم المسألة، انتهى.
وقال غيره: عزم المسألة الشدة في طلبها، والجزم بها من غير ضعف في الطلب
ولا تعليق على مشيئة ونحوها، يعني: هو أن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك
بمشيئة الله تعالى. وقيل: هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة. وقال الداودي:
(لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ))، أي: يجتهد ويلح، ولا يقل: إن شئت كالمستثني ولكن دعاء
البائس الفقير. قلت: وأخرج الطبراني: فِي ((الدُّعَاءِ)) قال الحافظ: بسند رجاله
ثقات إلا أن فيه عنعنة بقية عن عائشة مرفوعًا: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ))،
٢٧٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
قال ابن بطال: في الحديث: إنه ينبغي للدَّاعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على
رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعوا كريمًا.
وقال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه، يعني: من التقصير
فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين ﴿قَالَ أَنِظِرْفِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
: [الأعراف: ١٤]. (إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) استئناف فيه معنى التعليل، وفي رواية لمسلم :
((فَإِنَّ اللهَ صَانِعُ مَا شَاءَ)). (وَلَا مُكْرِهَ) بكسر الراء، وفي حديث أنس عند الشيخين:
((لَا مُسْتَكْرِه))، من الاستكراه، وهما بمعنى وقوله: (وَلَا مُكْرِهَ)، كذا وقع في أكثر
النسخ بذكر العاطف، وفي بعضها: ((لَا مُكْرِه)»، أي: بحذفه، وهكذا في البخاري،
وكذا في ((المصابيح)) و((جامع الأصول)). (لَهُ)، أي: لله على الفعل أو لا يقدر أحد
أن يكرهه على فعل أمر أراد تركه، ولا حكم لأحد عليه، بل يفعل ما يشاء فلا معنى
لقوله: (إِنْ شِئْتَ)؛ لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة فلا حاجة إلى التقييد به مع
أنه موهم لعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل، أو لاستعظامه على الفاعل على
المتعارف بين الناس.
وقال الحافظ: المراد: أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب
منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء
إلا برضاه. وأمَّا اللَّه سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة. وقيل:
المعنى: أي سبب المنع أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه
والأول أولى، انتهى. وقد تقدم أن للدعاء شروطًا وآدابًا كثيرة، وقد ذكر في هذا
الحديث ما هو من أهم آدابه وأفرده بالذكر اهتمامًا بشأنه.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد إلا أنه ليس فيه
قوله: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ) بل أول الحديث: ((لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ))، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ... )،
إلخ. وأخرجه في الدعوات مختصرًا بلفظ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ
شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ))، وأخرج مسلم نحوه
وكذا أحمد ومالك والترمذي وأَبُو دَاوُدَ والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة، وفي
الباب عن أنس عند أحمد والشيخين والنسائي وأبي سعيد عند ابن أبي شيبة
والبخاري في ((الأدب المفرد)).
٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٤٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا
يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِ إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّعْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» .
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٢٤٨ - قوله: (إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ)، أي:
مثلًا. (وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ)، أي: ليجزم بالمسألة. (وَلْيُعَظِّم) بالتشديد. (الرَّغْبَةَ)، أي:
الميل فيه بالإلحاح. قال الحافظ: معنى قوله: (ليُعَظِّمَ الرَّغْبَةَ)، أي: يبالغ في ذلك
بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير
ويؤيده ما في آخر هذه الرواية: (فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ)، انتهى.
(فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شِيْءٌ أَعْطَاهُ) الضمير المنصوب في (أَعْطَاهُ) يرجع إلى شيء،
يعني: لا يعظم عليه إعطاء شيء، بل جميع الموجودات في أمره يسير وهو على كل
شيء قدير، يقال: تعاظم زيدًا هذا الأمر، أي: كبر وعظم عليه وعسر عليه. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد)) وابن حبان وأبو عوانة.
٢٢٤٩ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ
يَدْعُ بِثْمِ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا
الاِسْتِعْجَاَلُ؟ قَالَ: يَقُولُ: ((قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي،
فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٢٤٩ - قوله: (يُسْتَجَابُ) بصيغة المجهول من الاستجابة بمعنى الإجابة.
(٢٢٤٨) أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ (٢٦٧٩/٩) فِیهِ.
(٢٢٤٩) مُسْلِم (٢٧٣٥/٩٢) فِي الدُّعَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَعْضُهُ فِي الْبُخَارِي (٦٣٤٠).
٢٧٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
قال الشاعر :
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
(لِلْعَبْدِ)، أي: بعد شروط الإجابة وقوله: (يُسْتَجَابُ)، كذا وقع فى جميعِ
النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) وكذا في ((المصابيح))، ولمسلم: ((لَا يَزَالُ
يُسْتَجَابُ))، وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) والحافظ والقسطلاني في
((شرحيهما)). (مَا) ظرف ليستجاب بمعنى المدة، أي: مدة كونه. (لَمْ يَدْعُ بِإِثْم)،
أي: بمعصية مثل أن يقول: اللَّهُمَّ قدرني على قتل فلان وهو مسلم ليس مستوَجبًا
للقتل، أو اللَّهُمَّ ارزقني الخمر أو الفلانة وهي محرمة علیه ویرید زناها.
(أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم)، أي: بالقطع بينه وبين أقاربه مثل أن يقول: اللَّهُمَّ بعد بيني
وبين أبي وأمي أوَّ أخي وما أشبه ذلك، فهو تخصيص بعد تعميم. قال الجزري:
القطيعة الهجر والصّد والرحم والأقارب والأهلون، والمراد: أن لا يصل أهله
ويبرَّهم ويحسن إليهم. (مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)، وفي رواية: ((مَا لَمْ يَعْجَلْ)) بفتح التحتية،
والجيم بينهما عين ساكنة من سمع يعني: يقبل دعاؤه بشرط أن لا يستعجل. قال
الطيبي: الظاهر ذكر العاطف في قوله: (مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) لكنه ترك؛ تنبيها على
استقلال كل من القيدين، أي: يستجاب ما لم يدع بإثم يستجاب ما لم يستعجل.
(قَالَ)، أي: النبيِ نََّ. (يَقُولُ)، أي: الداعي. (قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ)، أي:
مرة بعد أخرى، يعني: مرات كثيرة فتكرار. (دَعَوْتُ)؛ للاستمرار، أي: دعوت
مرارًا كثيرًا. (فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي) قال القاري: أي: لم أر آثار استجابة دعائي،
وهو إمَّا استبطاء أو إظهار يأس وكلاهما مذموم، أمّا الأول فلأن الإجابة لها وقت
معين كما ورد، أن بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإجابة أربعين سنة.
وأمَّا القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون مع أن الإجابة على أنواع:
منها: تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب. ومنها: وجوده في وقت آخر
لحكمة اقتضت تأخيره. ومنها: دفع شر بدله أو إعطاء خير آخر خير من مطلوبه.
ومنها: ادخاره لیوم یکون أحوج إلى ثوابه، انتهى.
قلت: المراد بالاستجابة في الحديث وفي قوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠] وقوله: ﴿أَجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] ما هو أعم من تحصيل
*
٢٧٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، فكل داع يستجاب له بشروط الإجابة
لكن تتنوع الإجابة فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعوضه. وقد ورد في ذلك حديث
صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رفعه: ((مَا عَلَى
الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ مِثْلَهَا))، ولأحمد من
حديث أبي هريرة: (إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَّهُ))، وسيأتي حديث أبي
سعيد في الفصل الثالث: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيْهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِم إِلَّا
أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَّجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَّهُ فِي الآخِّرَةِ،
وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا))، وإلى ذلك أشار القاري، وأشار إليه أيضًا ابن
الجوزي بقوله: اعلم: أن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير
الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك
الطلب من ربه، فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض، وفي رواية
للشيخين وغيرهما: ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ - أي: يجاب دعاء كل واحد منكم إذا سم
الجنس المضاف يفيد العموم على الأصح - مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ : - بيان لقوله:
يعجل - دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)) - بضم المثناة التحتية وفتح الجيم - .
قال الباجي: قوله: ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ))، إلخ. يحتمل معنيين: أن يكون بمعنى
الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة. والثاني: الإخبار عن جواز وقوعها، فإذا كانت
بمعنى الإخبار عن الوجوب فالإجابة تكون لأحد الثلاثة أشياء: إمّا أن يعجل ما
سأل فيه، وإمَّا أن يكفر عنه به، وإمَّا أن يدخر له، فإذا قال: دعوت فلم يستجب لي
بطل وجوب أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها. وإذا كان بمعنى
جواز الإجابة فالإجابة تكون حينئذ بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول
الداعي قد دعوت فلم يستجب لي؛ لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين
والسخط، انتهى.
(فَيَسْتَحْسِرُ)، أي: ينقطح ويمل ويفتر وهو بمهملات استفعال من حسر إذا أعي
وتعب وانقطع عن الشيء. وقال الجزري: الاستحسار الاستنكاف عن السؤال
وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف نظره، يعني: أن الداعي إذا تأخرت إجابته
تضجر ومل فترك الدعاء واستنكف، انتهى. (عِنْدَ ذَلِكَ)، أي: عند رؤيته عدم
الاستجابة في الحال.
٢٧٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
(وَيَدَعُ) بفتح الدال المهملة. (الدُّعَاءَ)، أي: يتركه مطلقًا أو ذلك الدعاء. قال
المظهري: من كان له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه؛ لأن الدعاء عبادة حصلت
الإجابة، أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الإجابة، إمَّا
لأنه لم يأت وقتها، فإن لكل شيء وقتًا مقدرًا في الأزل فما لم يأت وقته لا يكون
ذلك الشيء، وإمَّا لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا، وإذا لم يقبل دعاؤه
يعطيه الله في الآخرة من الثواب عوضه، وإمَّا أن يؤخر قبول دعائه ليلح ويبالغ في
الدعاء، فإن الله تعالى يحب الإلحاح في الدعاء مع ما في ذلك من الانقياد
والاستسلام وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر
الدعاء يوشك أن يستجاب له فلا ينبغي أن يترك الدعاء.
وقال ابن بطال: المعنى: أنه يسأم فيترك الدعاء كالمانِّ بدعائه، أو إنه أتى من
الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة
ولا ينقصه العطاء. وفي هذا الحديث: أدب من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب
ويديم الدعاء ولا يستبطىء الإجابة ولا ييأس منها، لما في ذلك من الانقياد
والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأَنا أشدُّ خشية أن أُحرم
الدعاء من أن أحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر الآتي في الفصل
الثاني: ((مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ))، الحديث.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرج أيضًا مالك والبخاري والترمذي وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه نحوه
مختصرًا ومطولًا بألفاظ، وفي الباب عن أنس عند أحمد وأبي يعلى والبزار
والطبراني، وفيه أبوهلال الراسبي وهو ثقة، وفيه خلاف وبقية رجال أحمد وأبي
يعلى رجال الصحيح، وعن عبادة بن الصامت أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه
مسلمة بن علي وهو ضعيف كذا في ((مجمع الزوائد».
٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٢٥٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكْ مُؤَكَّلٌ
كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرِ، قَالَ الْمَلَُكَ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٢٥٠- قوله: (دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِم)، أي: الشخص الشامل للرجل
والمرأة. (لِأَخِيهِ)، في الدين، أي: المسلم. (بِظَهْرِ الْغَيْبِ)، أي: في غيبة
المدعو له وفي السر. قال القاري: الظهر مقحم للتأكيد، أي: في غيبة المدعو له
عنه، وإن كان حاضرًا معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه.
(مُسْتَجَابَةٌ)، يعني: إذا دعا مسلم لمسلم بخير في غيبة، أي: بحيث لا يشعر ولو
كان حاضرًا في المجلس يستجاب دعاؤه؛ لأن هذا الدعاء أبلغ في الإخلاص لله
تعالى، وليس للرياء ولا لطمع عوض وما كان كذلك يكون مقبولًا. قال الطيبي:
موضع بظهر الغيب نصب على الحال من المضاف إليه؛ لأن الدعوة مصدر أضيف
إلى فاعله، ويجوز أن يكون ظرفًا للمصدر وقوله: (مُسْتَجَابَةٌ) خبر لها. (عِنْدَ
رَأْسِهِ)، أي: الداعي. (مَلَك) جملة مستأنفة مبينة لسبب استجابة دعا الشخص
بالغيب. وتخلف الإجابة لعائق من عدم أكل الحلال، أو عدم صدق نية مثلًاً.
(مُؤَثَّلٌ)، أي: بتأمين دعائه، أو بالدعاء له عند دعائه لأخيه. (كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ
بِخَيْرٍ)، أي: أو دفع شر. (آمِينَ)، أي: استجب له يا رب دعاءه لأخيه فقوله:
(وَلَكَّ)، فيه: التفات، أو استحباب اللّه دعاءك في حق أخيك ولك أيها الداعي.
(بِمِثْلِ) بكسر الميم وإسكان المثلثة وتنوين اللام يقال: هو مثله ومثيله بزيادة
الياء، أيّ: عديله سواء، يعني: ولك مثل ما دعوت به لأخيك، قال الطيبي: الباء
زائدة في المبتدأ كما في بحسبك درهم، انتهى. قال النووي: في هذا الحديث:
(٢٢٥٠) مُسْلِم (٨٨/ ٢٧٣٣) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (٢٨٩٥) فِي الحَجِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
٢٧٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت
هذه الفضيلة ولو دعا لجميع المسلمين، فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض
السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب
ويحصل له مثلها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص١٩٥) وأَبُو دَاوُدَ في
أواخر الصلاة وابن ماجه في الحج، والبخاري في ((الأدب المفرد)) وابن أبي شيبة
وأبو عوانة وابن حبان، وفي الباب عن أنس أخرجه البزار، وعن أم كرز أخرجه
أبوبكر في ((الغيلانيات)) وعن أبي هريرة أخرجه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)).
٢٢٥١ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: (لَا تَدْعُوا عَلَى
أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكَّمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ
سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وذَكَرَ حَدِيثَ ابْنَ عَبَّاسٍ: ((اتَّقِ دَغْوَةَ المَظْلُوم)). فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ] (صحيح}
الشرح
٢٢٥١ - قوله: (لَا تَدْعُوا)، أي: دعاء سوء. (عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، أي: بالهلاك
والويل ونحو ذلك عند التضجر في مصيبة المرض أو الموت مثلًا. (وَلَا تَدْعُوا عَلَى
أَوْلَادِكُمْ)، أي: بالعمى واللعن ونحو ذلك وقد كثرت وغلبت هذه البلية في النساء
فإنهن يدعون على أولادهن عند الضجر والملال.
(وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ)، قال القاري: أي: من العبيد والإِماء بالموت وغيره.
قلت: زاد في رواية أبي داود: ((وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ)) قبل قوله: ((وَلَا تَدْعُوا عَلَى
أَمْوَالِكُمْ)) فالظاهر: أنَّ المراد بالأموال في رواية مسلم: ما هو الأعم من العبيد
والإ ماء.
(لَا تُوافِقُوا) نهي للداعي، أي: وعلة النهي، أي: لا تدعوا على من ذكر لئلا
(٢٢٥١) مُسْلِم (٧٤/ ٣٠٠٩) فِي آخِرِ كِتَابِهِ، وَأَبُو دَاوُد (١٥٣٢) فِي الصَّلَاةِ عَنْ جَابِرٍ .