النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SOME
ee
خمس وعشرين سنة، وهي أيام الشاب. (عَاقِلٌ)، تعي المراد، أشار به إلى غزارة
علمه وشدة تحقيقه. (لَا نَتَّهِمُكَ) بتشديد التاء، أي: لا ندخل عليك التهمة لعدالتك
في شي مما تنقله، يقال: اتهمه بكذا كافتعله، أدخل عليه التهمة وظنه به، والتهمة
بفتح الهاء وسكونها اسم من الاتهام وما يتهم عليه، وأشار به إلى عدم كذبه، وأنه
صدوق .
(وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ وَله)، قال الحافظ: ذكر له أربع صفات
مقتضية خصوصيته بذلك: كونه: شابًّا فيكون أنشط لما يطلب منه، وكونه: عاقلاً
فيكون أوعى له، وكونه: لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه: كان يكتب الوحي
فيكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن
مفرقة.
(فَتَبَّعِ الْقُرْآنَ) أمر من باب التفعل. (فَاجْمَعْهُ) بصيغة الأمر، أي: جمعًا كليًّا في
مصحف واحد، وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في
موضع واحد. (فَوَ اللهِ)، أي: قال زيد: فو الله. (لَوْ كَلَّقُونِي)، أي: أبوبكر وعمر
ومن تبعهما، أو بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو المراد به: أبوبكر والجمع
للتعظيم. (نَقْلَ جَبْلِ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ) نقله. (أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ)، قال
الحافظ: كأنه جمعً أولًا باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده
بذلك، ووقع في رواية: ((لو كلفني)) بالإفراد أيضًا. وإنما قال زيد بن ثابت ذلك
لما خشيه من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه لكن اللَّه تعالى يسر له ذلك. (قَالَ)،
أي: زيد. (قُلْتُ) لهم. (كَيْفَ تَفْعَلُونَ؟)، وفي رواية: كيف تفعلان؟ (فَلَمْ يَزَلْ أَبُو
بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي)، أي: يذكر أبوبكر السبب وأنا أدفعه.
(فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ) حال من الفاعل أو المفعول، أي: حال كوني أجمعه
وقت التتبع من الأشياء التي عندي وعند غيري. (مِنَ الْعُسُبِ) بضم المهملتين ثم
موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في
الطرف العريض، وقيل: العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه
الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف، ووقع في رواية ابن عيينة عن
الزهري: القصب، والعسب، والكرانيف، وجرائد النخل، والكرانيف جمع
كرناف، وهي أصول سعف النخل تبقى في الجذع بعد قطع السعف من النخلة،

٢٤١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
ووقع في رواية للبخاري: ((من الرقاع والأكتاف))، والرقاع بكسر الراء جمع رقعة،
وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف، وهو العظم العريض
الذي يكون في أصل كتف الحيوان، كانوا إذا جف كتبوا فيه، وفي رواية: وقطع
الأديم، وفي رواية ابن أبي داود: والصحف. (واللَّخَافِ) بكسر اللام ثم خاء
معجمة خفيفة وآخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، وهي
الحجر الأبيض الرقيق. وقيل: الخزف.
وقال الخطابي: اللخاف صفائح الحجارة الرقاق، وفي رواية ابن أبي داود:
والأضلاع. وعنده من وجه آخر، والأقتاب، بقاف ومثناة وآخره موحدة جمع قتب
بفتحتين، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وعند ابن أبي
داود أيضًا في المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عمر
فقال: من كان تلقى من رسول اللّه وَ له شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون
ذلك في الصحف والألواح والعسب. قال: وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد
شاهدان، وهذا يدل على أن زيدًا: كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد
به من تلقاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط .
وعند ابن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنَّ أبا بكر قال لعمر
ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله
فاكتباه. ورجاله ثقات مع انقطاعه. وكأن المراد بالشاهدين: الحفظ والكتاب، أو
المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللّه وَله، أو
المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم
أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ◌َّ لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال
في آخر سورة التوبة كما سيأتي لم أجدها مع غيره؛ أي لم أجدها مكتوبة مع غيره
لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطي: أو المراد: أنهما يشهدان
على أن ذلك مما عرض على النبي وَّر عام وفاته، كما يستفاد مما أخرجه ابن أشتته
في المصاحف وابن أبي شيبة في ((فضائله)) من طريق ابن سيرين عن عبيدة
السلماني. قال: القراءة التي عرضت على النبي ◌ّ في العام الذي قبض فيه هي
القراءة التي يقرأها الناس اليوم، وأخرج ابن اشته أيضًا عن ابن سيرين قال: كان

٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جبريل يعارض النبي وّلّ كل سنة في شهر رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض
فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه العرضة الأخيرة. قال البغوي:
يقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة. التي بين فيها ما نسخ وما بقي وكتبها
للرسول وعليه وقرأها عليه وكان يقري الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر
وعمر وجمعه، وولاء عثمان کتب المصاحف، انتهى.
(وَصُدُورِ الرِّجَالِ)، أي: الحفاظ منهم، والواو بمعنى مع، أي: أكتبه من
المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور. قال القسطلاني: المراد بصدور
الرجال: الذين جمعوا القرآن وحفظوه في صدورهم كاملًا في حياته وَله، كأبي بن
كعب ومعاذ بن جبل، فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرها تقريرًا على تقرير،
انتهى. وقال في ((اللمعات)): قوله: (وَصُدُورِ الرِّجَالِ)، هذا هو الأصل المعتمد
ووجدانه من العسب واللخاف وغيرها تقرير على تقرير، وقوله: لَمْ أَجِدْهَا مَعَ
غَيْرِهِ، يعني: مكتوبة لا محفوظة، وكذا ما ورد في بعض الروايات إنهم يحلفون
من عنده آية من القرآن، أو قام على ذلك شاهد أنَّ المراد به: التأكيد والتحقيق
والمبالغة في الاحتياط، وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب كأبي بن كعب،
ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء وغيرهم، حافظين له في حياته ومَله، أقول: لا شبهة
أن القرآن كان معلومًا بالقطع ومعروفًا عندهم ومتميزًا عمَّا سواه وكان مجمعًا عليه
ومقطوعًا به، لا أنه كان مشتبهًا وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر أو ينكر كونه
قرآنًا ويثبت بالحلف والشهادة حاشا من ذلك، وكانوا يبدون عن تأليف معجز
ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي وَلّ ثلاث وعشرين سنة فكان عن
تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شي من صحفه، انتهى.
(حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بضم الخاء وفتح الزاء.
(الأَنْصَارِيِّ) النجاري. قال الحافظ: وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن
إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن عبيد عن زيد بن ثابت مع خزيمة بن ثابت،
أخرجه أحمد والترمذي، ووقع في رواية شعيب عن الزهري، كما تقدم في سورة
التوبة عند البخاري، مع خزيمة الأنصاري. وقد أخرجه الطبراني في ((مسند
الشاميين)) من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه خزيمة بن ثابت الأنصاري.

٢٤٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
وكذا أخرجه ابن أبي داود، من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، وقول من
قال: عن إبراهيم بن سعد مع أبي خزيمة أصُّ، وقد تقدم البحث فيه في تفسير
سورة التوبة وإن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في
الأحزاب، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل: مع خزيمة، ومن
قائل: مع أبي خزيمة، ومن شاك فيه يقول: خزيمة، أو أبي خزيمة، والأرجح: أنَّ
الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من
الأحزاب خزيمة. وأبو خزيمة هذا هو: ابن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم
ابن مالك بن النجار، مشهور بكنيته لا يعرف اسمه، شهد بدرًا وما بعدها من
المشاهد، وتوفي في خلافة عثمان رَفوافقتَهُ وهو أخو مسعود بن أوس. وقيل: هو
الحارث بن خزيمة. وفيه نظر، وأما خزيمة فهو ابن ثابت بن الفاكه الخطمي
الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين، جعل رسول اللّه ◌َل شهادته كشهادة
رجلين يكنى أبا عمارة شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكانت راية خطمة بيده
يوم الفتح، شهد صفين مع علي روشتة وقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين، روى عنه ابناه
عبد الله، وعمارة، وجابر بن عبد الله.
(لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) بالجر على البدلية، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره لما
تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها
حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي وَله، وإنما كان زيد يطلب
التثبت عمن تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها
كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع: المبالغة في الاستظهار والوقوف عند ما كتب بين
يدي النبي ◌َّر، ولقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت، وعمر، وأبو خزيمة، وأبي
بن كعب كما ورد ذلك في الروايات. (لَقَدْ جَاءَكُمْ) بدل من (آخِرَ)، (فَكَانَتِ
الصُّحُفُ)، أي: التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن. (عِنْدَ أَبِي بَكْرِ حَتَّى تَوَفَّاهُ
اللهُ)، في ((موطأ)) ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بنَّ عبد الله بن
عمر قال: جمع أبوبكر القرآن في قراطيس، وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى
حتى استعان عليه بعمرِ ففعل. (ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ)، أي: ثم كانت عند عمر بن
الخطاب مدة حياته. (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةً بِنْتِ عُمَرَ)، أي: ثم بعد عمر كانت عند حفصة
بنت عمر في خلافة عثمان إلى أن شرع عثمان في كتابة المصحف. وإنما كانت عند
حفصة؛ لأن عمر أوصى بذلك فاستمر ما كان عنده عندها إلى أن طلبه منها من له

٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طلب ذلك. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في تفسير سورة براءة، وفضائل القرآن، والأحكام،
والتوحيد. وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٠ - ١٣) والترمذي في تفسير سورة
التوبة، وعزاه في ((التنقيح)) للنسائي، والطيالسي، وابن سعد، وابن أبي داود،
وابن المنذر، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي أيضًا.
٢٢٤٣ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَنَّ خُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى
عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَ بِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ،
فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَّلَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى،
فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَقْصَةَ: أَنْ أَرْسِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي
الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَقْصَةُ إِلَّى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ
ثَابِتٍ وَعَبْدَاللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ
هِشَام فَتَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثِ: إِذَا
اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بِنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا
نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ
الصُّحُفَ إِلَّى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَّ إِلَى كُلِّ أَفُقِ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا
سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَّفٍ أَنْ يُحْرَقَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَأَخْبَرَنِ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِّنَ
الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ يَقْرَأُ بِهَا،
فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٤٣ - قوله: (قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ)، أي: المدينة في خلافته. (وَكَانَ)، أي:
(٢٢٤٣) رَوَاه البُخَارِي (٤٩٨٧) (٤٩٨٨) فيه بطوله.

١٨
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢٤٥
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
HE
عثمان. (يُغَازِي)، أي: يغزي. (أَهْلَ الشَّام) بالنصب على المفعولية. (فِي فَتْح
أَرْمِينِيَةَ وَاذْرِ بِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ)، أي: كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراقَ
لغزو أرمينية وآذر بيجان وفتحهما. قال الحافظ: إن أرمينية فتحت في خلافة عثمان
وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل
الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على، ذلك وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر
حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على
أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق. وإرمينية بكسر الهمزة وسكون الراء
وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثم نون مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد
تثقل .
وقال ابن السمعاني: بفتح الهمزة. قال أبوعبيد: هي بلد معروف يضم كورًا
كثيرة. وقيل: مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط. وقال ابن السمعاني: هي من
جهة بلاد الروم، يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مياهها وشجرها المثل.
وقيل: إنها من بناء أرمين من ولد يافث بن نوح والنسبة إليها أرميني بفتح الهمزة.
قال الرشاطي: افتتحت سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان رَضِ قْتَهُ على يد سلمان بن
ربيعة. وآذر بيجان، قال الحافظ: بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء.
وقيل: بسكون الذال وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم
خفيفة وبعد الألف نون، وحكى ابن مكي كسر أوله وضبطها صاحب ((المطالع))
ونقله عن ابن الأعرابي بسكون الذال وفتح الراء، بلد كبير من نواحي جبال
العراق، وهي الآن تبريز وقصباتها وهي تلي أرمينية من جهة غربيها، واتفق
غزوهما في سنة واحدة، واجتمع في غزوة كل منهما أهل الشام وأهل العراق
والذي ذكرته الأشهر في ضبطها، وقد تمد الهمزة وقد تحذف، وقد تفتح
الموحدة، وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى حكاه الهجري، وأنكره الجواليقي،
انتهى. وقال الكرماني: الأشهر عند العجم آذر بيجان بالمد والألف بين الموحدة
والتحتانية هو بلدة تبریز وقصباتها. وقال القسطلاني : هو اسم اجتمعت فيه خمس
موانع من الصرف: العجمة، والتعريف، والتأنيث، والتركيب، ولحاق الألف
والنون وهو إقليم واسع، ومن مشهور مدنه تبريز، وهو صقع جليل ومملكة
عظيمة. (فَأَفْزَعَ) من الإفراغ. (حُذَيْفَةَ) بالنصب مفعوله. (اخْتِلَافُهُمْ) بالرفع

٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فاعله، أي: أوقعه في الفزع والخوف اختلاف أهل العراق وأهل الشام. (فِي
الْقِرَاءَةِ)، أي: قراءة القرآن، وذكر الحافظ هنا روايات توضح ما كان فيهم من
الاختلاف، حيث قال وقع في رواية: ((فيتنازعون في القرآن حتى سمع حذيفة من
اختلافهم ما ذعره)). وفي رواية: ((فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون
بينهم فتنة))، وفي رواية: ((إن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان
فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس، قال: وما ذاك؟ قال: غزوت فُرج أرمينية،
فإذا أهل الشام يقرؤن بقراءة أبيٍ بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا
أهل العراق يقرؤن بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر
بعضهم بعضًا. وفي رواية: إنه سمع رجلًا يقول: قراءة عبد الله بن مسعود وسمع
آخر يقول: قراءة أبي موسى الأشعري فغضب ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
هكذا كان من قبلكم اختلفوا والله لأركبن إلى أمير المؤمنين. وفي رواية: إن اثنين
اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقرأ هذا
((وأتموا الحج والعمرة للبيت)) فغضب حذيفة واحمرت عيناه. وفي رواية: قال
حذيفة: يقول أهل الكوفة: قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة: قراءة أبي
موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين؛ لأمرته أن يجعلها قراءة واحدة.
(أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ) أمر من الإدراك بمعنى التدارك، ومعناه بالفارسية: دریاب
أمت راودستكيري كن. (قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ)، أي: القرآن. (اخْتِلَافَ
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) بالنصب، أي: كاختلافهم في التوراة والإنجيل إلى أن حرفوا
وزادوا ونقصوا. (فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطاب. (أَنْ أَرْسِلِي
إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ) التي كان أبوبكر أمر زيدًا بجمعها و کانت بعد ما جمعه عند أبي بكر
حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر كما تقدم. (نَنْسَخْهَا)
بالجزم ويرفع، أي: ننقلها في المصاحف ثم نردها بضم الدال وفتحها. (إِلَيْك)
والمصاحف جمع مصحف. قيل: الفرق بين الصحف والمصحف إن الصحف
هي الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة
كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض فلما نسخت ورتب
بعضها إثر بعض صارت مصحفًا. وقد جاء عن عثمان إنه إنما فعل ذلك بعد أن

٢٤٧
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
استشار الصحابة فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال :
قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا
عن ملأ منا. قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي
خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا؟ قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع
الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا: فنعم ما رأيت.
(فَأَمَرَ) عثمان. (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) هو الأنصاري والبقية قرشيون وتقدم ترجمة زيد
ابن ثابت في (ص١٢٥) من الجزء الأول. (وَعَبْدَاللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) تقدم ترجمته في
(ص٦٦٢) من الجزء الأول. (وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ) سبق ترجمته في (ص٣٤٣) من
الجزء الثاني. (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) بن المغيرة المخزومي المدني
له رؤية وكان من كبار ثقات التابعين روى عن أبيهً وعمر وعثمان وعلي وأبي هريرة
وحفصة وعائشة وأم سلمة وآخرين، وروى عنه أولاده أبوبكر وعكرمة والمغيرة
والشعبي وآخرون ذكره ابن سعد فيمن أدرك النبي وَلّ ورآه ولم يحفظ عنه شيئًا.
قال الواقدي: أحسبه كان ابن عشر سنين حين قبض النبي ◌َّ وجزم بذلك
مصعب الزبيري. قالت عائشة: كان عبد الرحمن رجلًا سريًّا. وقال ابن سعد: كان
من أشراف قريش مات أبوه في طاعون عمواس، فخلف عمر بن الخطاب على
امرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة فكان عبد الرحمن في حجره مات سنة ثلاث
وأربعين، ووقع في النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) عبد الله بدل عبد الرحمن وهو
غلط. (فَنَسَخُوهَا)، أي: الصحف، أي: ما في الصحف التي أرسلتها حفصة إلى
عثمان. (فِي الْمَصَاحِفِ)، أي: المتعددة في ((كتاب المصاحف)) لابن أبي داود من
طريق محمد بن سيرين. قال: جمع عثمان اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار
منهم أبي بن كعب، وفي رواية مصعب بن سعد فقال عثمان: من أكتب الناس؟
قالوا: كاتب رسول اللَّه ◌َ له زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ وفي رواية:
أفصح قالوا: سعيد بن العاص قال عثمان: فليمل سعيد. وليكتب زيد. ووقع عند
أبي داود تسمية جماعة ممن كتب أو أملى، منهم مالك بن أبي عامر جد مالك بن
أنس وكثير بن أفلح، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس. قال
الحافظ بعد ذكرهم: فهؤلاء تسعة عرفنا تسميتهم من الاثنى عشر، وكأن ابتداء

٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى
من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق
فأضافوا إلى زيد من ذكر ثم استظهروا بأبي بن كعب في الإملاء، وقد شق على ابن
مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر هذا
الحديث: إن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا
معشر المسلمين! أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد
أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت. وأخرج ابن أبي داود من
طريق خمير بن مالك سمعت ابن مسعود يقول: لقد أخذت من في رسول اللَّه وَله.
سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان، ومن طريق أبي وائل عن ابن
مسعود بضعًا وسبعين سورة، والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله
بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، وأيضًا فإن
عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر وأن يجعلها
مصحفًا واحدا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم
لكونه كان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره. وقد أخرج
الترمذي في آخر الحديث المذكور عن ابن شهاب قال: بلغني إنه كره ذلك من
مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل الصحابة، انتهى كلام الحافظ.
(وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ)، يعني: عبد الله وسعيد أو عبد الرحمن؛
لأن الأول: أسدى، والثاني: أموي، والثالث: مخزومي، وكلها من بطون
قريش. (فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ)، وفي رواية: في عربية من عربية القرآن، وزاد
الترمذي في روايته. قال ابن شهاب: فاختلفوا يومئذ في التابوت، والتابوه، فقال
القرشيون: التابوت وقال زيد: التابوه، فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه
التابوت، فإنه نزل بلسان قريش. (فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ)، أي: لغة قريش. قال
القاضي أبوبكر بن الباقلاني: معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش، أي:
معظمه وإنه لم تقم دلالة قاطعة أن جميعه بلسان قريش فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر
دون ربيعة أو هما دون اليمن، أو قريشًا دون غيرهم فعليه البيان؛ لأن اسم العرب

٢٤٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
BEcomeaxx:
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
يتناول الجميع تناولًا واحدًا ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخر أن يقول: نزل
بلسان بني هاشم مثلًا؛ لأنهم أقرب إلى النبي وَ ل ◌ّ نسبًا من سائر قريش. وقال
أبوشامة: يحتمل أن يكون قوله: نزل بلسان قريش، أي: ابتداء نزوله ثم أبيح أن
يقرأ بلغة غيرهم. كما تقدم تقريره في شرح حديث ((نزل القرآن على سبعة أحرف))،
انتهى. وتكملته أن يقال: إنه نزل أولًا بلسان قريش أحد الحروف السبعة، ثم نزل
بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلًا وتيسيرًا كما سبق بيانه، فلما جمع
عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى
الأحرف فحمل الناس عليه؛ لكونه لسان النبي وَل﴿ ولما له من الأولوية المذكورة.
(فَفَعَلُوا) ذلك كما أمرهم.
قال القاري: فإن قيل: فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى زيد ولم يفعل ذلك
أبوبكر؟ قلت: كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل
بها، وذلك على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك
القراءات فَجَمْعُ أبي بكر غير جمع عثمان، فإن قيل: فما قصد بإحضار تلك
الصحف؟ وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظة قلت: الغرض بذلك سد باب
المقال، وأن يزعم زاعم أن في المصحف قرآنًا لم یکتب؛ ولئلا یری إنسان فيما
كتبوه شيئًا مما لم يقرأ به، فينكره فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه. (حَتَّی
إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفُ إِلَى حَفْصَةَ)، فكانت عندها
حتى توفيت فأخذها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبل معاوية فأمر بها
فشققت. وقال: إنما فعلت هذا؛ لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في
شأن هذه الصحف مرتاب، رواه ابن أبي داود وغيره، ووقع في رواية فشقها
وحرقها، وفي أخرى فغسلها غسلًا. قال الحافظ: ويجمع بأنه صنع بالصحف
جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق، ويحتمل أن يكون خرقها بالخاء
المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها. (وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقِ) بضمتين، أي: ناحية
ويجمع على آفاق. (بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا)، وفي رواية: فأرسل إلى كل جند من
أجناد المسلمين بمصحف، واختلف في عدة المصاحف التي اكتتبها عثمان،
فالمشهور إنها خمسة أرسل منها أربعة وأمسك واحدًا. وقال الداني في ((المقنع)) :
أكثر العلماء إنها أربعة أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة. وآخر للشام، وترك

٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واحدًا عنده. وقال أبوحاتم السجستاني فيما رواه عنه ابن أبي داود: كتبت سبعة
مصاحف إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة
واحدًا .
(وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ)، أي: بما سوى المصحف الذي استكتبه والمصاحف التي
نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة وردها إليها، ولهذا استدرك
مروان الأمر بعدها وأعدمها أيضًا خشية أن يقع لأحد منهم توهم أن فيها ما يخالف
المصحف الذي استقر الأمر عليه كما تقدم. (مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلُّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ
أَنْ يُحْرَقَ) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
يحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف. ووقع
في رواية سويد بن غفلة عن علي قال: لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا
خيرًا، ومن طريق مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان
المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. قال ابن بطال: في
هذا الحديث: جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وإن ذلك إكرام لها
وصون عن وطئها بالأقدام. وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس إنه كان يحرق
الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت، وكذا فعل عروة وكرهه إبراهيم. وقال ابن
عطية: هذا، أي: التحريق كان في ذلك الوقت، وأما الآن فالغسل أولى إذا دعت
الحاجة إلى إزالته. قال العيني: وقال أصحابنا الحنفية: إن المصحف إذا بلي
بحيث لا ينتفع به يدفن في مكان طاهر بعيد عن وطء الناس. وقال القاري: يتعين
الغسل، بل ينبغي أن يُشرب ماؤه. قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد نقل كلام
العيني: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو في الإحراق دون الدفن ولهذا اختار
عثمان رََِّهُ ذلك دون هذا، والله تعالى أعلم.
قلت: وإحراقه بقصد صيانته بالكلية لا امتهان فيه بوجه، بل فیه دفع سائر صور
الإهانة، فهو الأولى بل المتعين، وأمَّا القول بتعيين الغسل ففساده ظاهر مع أنه لا
يمكن في الأوراق المطبوعة كما لا يخفى. قال البغوي في ((شرح السنة)): في هذا
الحديث: البيان الواضح أن الصحابة ﴿ه جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من
غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتفاق منهم من غير أن يقدموا شيئًا أو
يؤخروه، بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ

٢٥١
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القَرْآن
8ess
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بتوقيف جبريل تغليّل على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب.
وقال أبوعبد الرحمن السلمي: كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت
والمهاجرين والأنصار واحدة، وهي التي قرأها النبي ◌َّ على جبريل مرتين في
العام الذي قبض فيه، وكان زيد شهد العرضة الأخيرة وكان يقريء الناس بها حتى
مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف. قال
السفاقسي: فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شيء من القرآن بذهاب حملته إذ أنه
لم يكن مجموعًا في موضع واحد، وجمع عثمان لما كثر الاختلاف في وجوه
قراءته حين قرؤا بلغاتهم حتى أدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضًا، فنسخ تلك
الصحف في مصحف واحد مقتصرًا من اللغات على لغة قريش إذ هي أرجحها كذا
في شرح البخاري للقسطلاني.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أي: الزهري، وهذه القصة موصولة بالإسناد الذي روي به
الحديث الأول، أي: قصة جمع عثمان ونسخه القرآن في المصاحف. وقد رواها
البخاري موصولة مفردة في الجهاد، وفي المغازي في باب غزوة أحد وفي تفسير
سورة الأحزاب. (فَأَخْبَرَنِي) هذا لأبي ذر ولغيره وأخبرني بالواو. (خَارِجَةُ بِنُ زَيْدِ
ابْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري النجاري أبو زيد المدني من كبار ثقات التابعين أدرك زمن
عثمان وسمع أباه وغيره من الصحابة وهو أحد فقهاء المدينة السبعة روى عنه
الزهري وغيره مات سنة مائة، وقيل: سنة تسع وتسعين. (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه. (زَيْدُ بْنُ
ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ) بفتح القاف.
(آيَةً مِنَ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا)، أي: أنا والقرشيون الثلاثة. (الْمُصْحَفَ)،
أي: المصاحف في زمن عثمان لا في زمن أبي بكر؛ لأن الذي فقده في خلافة أبي
بكر الآيتان من آخر سورة براءة. (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقْرَأُ بِهَا)، قال
الحافظ: هذا يدل على أن زيدًا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر
على حفظه لكن فيه إشكال؛ لأن ظاهره إنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن
إنما يثبت بالتواتر والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أن فقده فقد وجودها
مكتوبة لا فقد وجودها محفوظة عنده وعند غيره. ويدل على هذا قوله في حديث
جمع القرآن: فأخذت أتتبعه من الرقاع والعسب، انتهى. (فَالْتَمَسْنَاهَا)، أي:

٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eese
طلبناها. (مَعَ خُزَيْمَةَ) بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين. (بَنِ ثَابِتٍ) بن الفاكه.
(الْأَنْصَارِيِّ) الخطمي الأوسي المعروف بذي الشهادتين من كبار الصحابة شهد
بدرًا مع علي يوم صفين، فلما قتل عمار بن ياسر جرد سيفه فقاتل حتى قتل، وتقدم
شيء من ترجمته في شرح حديث زيد بن ثابت، وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي
وجد معه آخر التوبة كما بين هناك.
(﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) من الثبات مع النبي وَلَّ
والمراد: إلى آخر الآية. (فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ)، قال القاري: فيه
إشكال وهو أنه بظاهره يدل على أن تلك الآية ما كانت موجودة في الصحف - أي:
الأولى التي كتبت في الجمع الأول جمع أبي بكر - وإنما كتبت في المصحف بعد
ذلك - أي: في زمن عثمان - وهذا مستبعد جدًّا، فالصواب: أن يراد بالمصحف:
الصحف التي كتبت في الجمع الأول ويكون ضمير المتكلم بالنون تعظيمًا، انتهى.
قلت: قد وقع في نسخة القسطلاني من ((صحيح البخاري)) الصحف بدل
المصحف. قال القسطلاني: قوله: (فِي الصُّحُفِ) بضم الصاد من غير ميم في
الفرع، والذي في اليونينية بالميم، انتهى. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية إبراهيم بن
إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب: إن فقده آية الأحزاب إنما كان في خلافة أبي
بكر، وقد جزم بذلك ابن كثير لكن هذا كله يخالف ما حققه الحافظ في (الفتح))،
حيث قال تحت هذا الحديث: ظاهر حديث زيد بن ثابت هذا إنه فقد آية الأحزاب
من الصحف التي كان نسخها في خلافة أبي بكر حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت.
ووقع في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع إن فقده إياها إنما كان في خلافة أبي
بكر وهو وهم منه، والصحيح ما في الصحيح، وأن الذي فقده في خلافة أبي بكر
الآيتان من آخر براءة. وأمَّا التي في الأحزاب ففقدها لما كتب المصحف في خلافة
عثمان، وجزم ابن كثير بما وقع في رواية ابن مجمع وليس كذلك والله أعلم،
انتھی .
وتأول الحديث بعضهم بوجه يرتفع به الإشكال الذي أبداه القاري إذ قال: إن
زيد بن ثابت قد التزم في كتابته الأولى أي: في جمعه القرآن وكتابته في الصحف
في عهد أبي بكر أن يسمع الآية من جماعة من الحفاظ ويجدها مكتوبة عند اثنین،
ولا يكتفي بمجرد الحفظ دون الكتابة ولا بمجرد وجدانها مكتوبة عند واحد إلا أنه

٢٥٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
لم يجد آخر سورة براءة مكتوبًا إلا عند أبي خزيمة، وإن كان قد سمعه من جماعة
من الحفاظ وكان يحفظه بنفسه أيضًا، ووقع مثل هذا التفرد حين كتبت الصحف في
المصاحف في عهد عثمان، وكان هذا التفرد في آية (﴿مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾) الآية،
وكان زيد قد التزم في كتابته الثانية أيضًا مثل ما التزمه في الأولى مع أمر زائد، وهو
العرض والمقابلة مع الصحف التي كتبت أولًا، أي: في عهد أبي بكر فاتفق أنه لم
يجد آية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ) مكتوبة عند اثنين، وإن كانت مكتوبة في المصحف
ومحفوظة في صدور الرجال، والله أعلم. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب جمع القرآن
من فضائل القرآن. وأخرجه أيضًا الترمذي في تفسير سورة التوبة والبيهقي
(ج ٢ ص ٤١، ٤٢) ونسبه في ((التنقيح)) للنسائي وابن سعد وابن أبي داود وابن
الأنباري والبيهقي وابن حبان أيضًا.
G تنبيه:
قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان: أنَّ جمع أبي
بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في
موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي اَثار.
وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤه بلغاتهم على اتساع
اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ
تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة
قريش محتجًّا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج
والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة،
وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها. وقال الحارث المحاسبي:
المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس
على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين
والأنصار؛ لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات،
فأمَّا قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف
السبعة التي أنزل بها القرآن، فأمَّا السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال
علي: لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان، كذا في ((الإتقان)).

SCENE
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٤٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ
عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ
بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيَةِ﴾
وَوَضَعْتُمُوِهَا فِي السَّبْعِ الطَّوَلِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ،
فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: ((ضَعُوا هَؤُلَاءٍ
الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا)) فَإِذَا نَزَلْتْ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَيَقُولُ:
(ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا)) وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ
أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا
شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَلَمْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
قَرَنْتُ وَلَمْ أَكْتُبْ السَّطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَظِ﴾ وَوَضَعْتُهَا فِي
السَّبْعِ الطَّوَلِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشرح
٤٤ ٢٢ - قوله: (قُلْتُ لِعُثْمَانَ) بن عفان. (مَا حَمَلَكُمْ)، أي: ما الباعث لكم؟
(عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ) بفتح الميم، أي: قصدتم، وهذا لفظ أحمد، وعند الترمذي وأبي
داود: ما حملكم إن عمدتم، أي: بدون (عَلَى)، (إِلَى الأَنْفَالِ)، أي: سورة
الأنفال. (وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي) المثاني من القرآن ما كان من سوره أقل من المئين،
فإنهم قسموا القرآن إلى أربعة أقسام وجعلوا لكل قسم منه اسمًا، فقالوا: أول
القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين، أي: ذوات مائة آية ونحوها، ثم المثاني
ثم المفصل. والسبع الطول: هي من البقرة إلى الأعراف ست سور، واختلف في
السابعة؛ فقيل: الفاتحة عدت منها مع قصرها لكثرة معانيها. وقيل: مجموع
الأنفال وبراءة فهما كالسورة الواحدة، ولذا لم يفصل بينهما ببسملة وسيأتي مزيد
الكلام في ذلك، ويقال للقسم الثاني: المئون أيضًا، وسميت بذلك؛ لأن كل
(٢٢٤٤) أَحْمَد (١/ ٥٧)، وأَبُو دَاوُد (٧٨٦) في الحروف، والتِّرْمِذِي (٣٠٨٦) في القراءت عنه.

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
Se
Beex
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القَرْآنِ
٢٥٥
سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها وهي إحدى عشرة سورة، والمثاني ما لم
يبلغ مائة آية وهي عشرون سورة سميت بذلك؛ لأنها ثنت المئين، أي: كانت
بعدها فهي لها ثوان، والمئون لها أوائل.
قال في ((النهاية)): المثاني السورة التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كان
المئين جعلت مبادي والتي تليها مثاني، انتهى. ويسمى جميع القرآن مثاني؛
لاقتران آية الرحمة بآية العذاب. وقيل: لأن فيه بيان القصص الماضية فهو ثان لما
تقدمه. وقيل: لتكرار القصص والمواعظ فيه. وقيل: لغير ذلك وتسمى الفاتحة
مثاني، أي: لأنها تثني في الصلاة. وقيل: لغير ذلك وقد بسطه في ((الإتقان))
(ج ١ ص٥٣) فراجعه إن شئت، وأمّا المفصل فسمي بذلك؛ لكثرة الفصول التي
بين السور بالبسملة. وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالمحكم أيضًا.
(وَإِلَى بَرَاءَةٌ) هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على
العشرة ذكرها السيوطي في ((الإتقان)) (ج١ ص٥٤).
(وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ)؛ لكونها مائة وثلاثين آية والمئين جمع المائة، وأصل المائة
مائي كمعي والهاء عوض عن الياء، وإذا جمعت المائة قلت: مئون ولو قلت:
مئات جاز. (فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا)، أي: جمعتموهما. (وَوَضَعْتُمُوهَا) كذا وقع في رواية
أحمد والترمذي، ولأبي داود: فجعلتموهما بضمير التثنية، وفي بعض النسخ من
((سنن أبي داود)): فجعلتموها، أي: بضمير الوحدة، فضمير التثنية باعتبار أنهما
سورتان وضمير الوحدة بإعتبار أنهما سورة واحدة من حيث المعنى والقصة. (فِي
السَّبْعِ الطّوَلِ) بضم ففتح، قال ابن الأثير: جمع الطولى مثل الكبر في ((الكبرى))،
وهذاَ البناء يلزمه الألف واللام والإضافة، وهذا عند الترمذي وأبي داود وفي رواية
أحمد الطوال، أي: بكسر الطاء وبالألف بعد الواو.
(مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ) تكرير للتأكيد. قال القاري: توجيه السؤال: إن الأنفال
ليست من السبع الطول لقصرها عن المئين؛ لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها
لعدم الفصل بينها وبين براءة. قلت: المراد بقول ابن عباس: إن الأنفال سورة
قصيرة من المثاني، أي: السورة التي لا تبلغ آيها مائة؛ لأنها سبع وسبعون آية
فجعلتموها داخلة في السبع الطول، وبراءة سورة طويلة؛ لأنها مائة وثلاثون آية

٢٥٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
فينبغي لها أن تكون من الطول فجعلتموها من المئين، ثم بعد تقدير هذا الجعل لم
تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ﴾ فكأنه سأل سؤالين وأجاب
عثمان بما حاصله: إنه وقع الاشتباه في أمر هاتين السورتين، فإنه يحتمل أن تكونا
سورة واحدة، وعلى هذا فيصح وضعها في السبع الطول، وعدم كتابة البسملة
بينهما ويحتمل أن تكونا سورتين فصح وضع الفاصلة بينهما بالبياض لمكان الاشتباه
والاحتمال لعدم القطع بكونهما سورة واحدة فافهم. (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ مِمَّا يَأْتِي
عَلَيْهِ الزَّمَانُ)، أي: الزمان الطويل ولا ينزل عليه شيء وربما يأتي عليه الزمان.
(وَهُوَ)، أي: النبي ◌َّه والواو للحال. (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بصيغة المجهول وذكره الجزري
بلفظ التأنيث فيكون معلومًا. (السُّوَرُ) كذا للترمذي، وعند أحمد: من السور.
(ذَوَاتُ الْعَدَدِ) صفة للسور على الروايتين، أي: السور المتعددة، أو ذوات
الآيات المتعددة. (وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ)، في ((جامع الترمذي)): فكان إذا نزل
عليه الشيء، ولأحمد: وكان إذا أنزل عليه الشيء، أي: من القرآن. (دَعَا بَعْضَ مَنْ
كَانَ يَكْتُبُ)، أي: الوحي وهذا لفظ الترمذي، وعند أحمد: يدعوا بعض من يكتب
عنده، ولفظ أبي داود: كان النبي ◌َّ مما تنزل عليه الآيات فيدعوا بعض من كان
يكتب له. (فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيْهَا كَذَا وَكَذَا فَإِذَا
نَزَّلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيْهَا كَذَا وَكَذَا)،
هذا لفظ الترمذي، ووقع عند أحمد ذكر الأمر بالوضع ثلاث مرات. وهذا زيادة
جواب تبرع به رَوَّهُ للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي وعليه الإجماع
والنصوص المترادفة. أمَّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في ((البرهان))
وأبو جعفر بن الزبير في (مناسبته))، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع
بتوقيفه ◌َّله، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، انتهى. وأمَّا النصوص
الدالة على ذلك تفصيلاً أو إجمالًا، فقد سردها السيوطي في ((الإتقان))
(ج ١ ص ٦٠، ٦١)، وأمَّا ترتيب السورة على ما هو عليه الآن فهل هو توقيفي أيضًا،
أو هو باجتهاد من الصحابة ففيه خلاف فذهب طائفة من العلماء إلى الثاني منهم
مالك والقاضي أبوبكر في أحد قوليه وابن فارس، وذهب جماعة إلى الأول منهم
القاضي في أحد قوليه وأبو بكر بن الأنباري والبغوي وأبو جعفر النحاس وابن

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القَرْآن
٢٥٧
الحصار والكرماني والطيبي، إن شئت الوقوف على أقوال هؤلاء وعلى النصوص
التي احتجوا لما ذهبوا إليه فارجع إلى ((الإتقان)) (ج١ ص٦٢، ٦٣).
قال الزركشي في ((البرهان)): والخلاف بين الفريقين لفظي؛ لأن القائل بالثاني
يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك:
إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ◌ُّ مع قوله بأن ترتيب السور
باجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إسناد فعلي؟
بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر وسبقه إلى ذلك أبوجعفر بن الزبير. وقال البيهقي
في ((المدخل)): كان القرآن على عهد النبي وَلّ مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب
إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان، يعني: الذي نحن في شرحه ومال السيوطي إلى
قول البيهقي حيث قال في ((الإتقان)) (ج ١ ص ٦٣) بعد بسط الخلاف وسرد أقوال
العلماء في ذلك: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع
السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال، انتهى. والقول الراجح المعول عليه عندنا
هو: ما ذهب إليه البغوي وابن الأنباري والكرماني وغيرهم أن ترتيب المصحف
على ما هو عليه الآن تولاه النبي وليس كما أخبر به جبرائيل عن أمر ربه فجميع السور
ترتيبها توقيفي، و کل ما يدل على خلاف هذا فهو مدفوع، وحديث ابن عباس الذي
نحن في شرحه مدخول أيضًا كما ستعرف.
(وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ) كذا عند الترمذي، ولأحمد: ما أنزل، أي:
من الإنزال ولأبي داود من أول ما نزل عليه. (بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرٍ
الْقُرْآنِ نُزُولًا)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) بزيادة (نُزُولًا) بعد
لفظ (الْقُرْآنِ)، وهكذا ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٢ ص٢٣٢)
والسيوطي في ((الإتقان)) (ج ١ ص ٦٠) والشوكاني في ((فتح القدير)) (ج ٢ ص٣١٦)
وكذا وقع في رواية البيهقي (ج٢ ص ٤٢) ولم يقع هذا اللفظ عند أحمد والترمذي،
ولا ذكره الحافظ في ((الفتح))، ولفظ أبي داود: وكانت براءة من آخر ما نزل من
القرآن. قال القاري: أي: فهي مدنية أيضًا وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية
والآخرية، فهذا أحد وجوه الجمع بينهما، ويؤيده ما وقع في رواية بعد ذلك
فظننت أنها منها، وكأن هذا مستند من قال: إنهما سورة واحدة وهو ما أخرجه

٢٥٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو الشيخ عن دوق وأبو يعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا
يقولون: إن براءة من الأنفال، ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقها،
ورد بتسمية النبي ◌َّ لكل منها باسم مستقل، قال القشيري: الصحيح أن التسمية
لم تكن فيها؛ لأن جبريل ماليّل لم ينزل بها فيها، وعن ابن عباس: لم تكتب البسملة
في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف، وعن مالك: إن أولها لما سقط سقطت
معه البسملة، فقد ثبت إنها كانت تعدل البقرة لطولها. وقيل: إنها ثابتة أولها في
مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك، انتهى. قلت: قوله: فظننت أنها منها.
ثابت في هذه الرواية عند الثلاثة الذين عزى إليهم، الحديث، وكذا عند الحاكم
والبيهقي، والظاهر: أنَّ المصنف تبع في ذلك الجزري حيث ذكر هذا الحديث في
((جامع الأصول)) بدون تلك الجملة.
(وَكَانَتْ قِصَّتُهَا)، أي: الأنفال. (شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا)، أي: براءة ويجوز العكس
قاله القاري. قلت: في رواية ابن حبان: فوجدت قصتها شبيهًا بقصة الأنفال وهذا
وجه آخر معنوي، ولعلَّ وجه كون قصتها شبيهة بقصتها أن في الأنفال ذكر العهود،
وفي البراءة نبذها فضمت إليها .
(وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا)، أي: لم يبين لنا رسول اللَّه وَلهأنَّ التوبة من الأنفال، أو
ليست منها. (فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ)، أي: لما ذكر من عدم تبيينه ووجود ما ظهر لنا من
المناسبة بينهما. (قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ)، أي: بينهما وسقط هذا اللفظ في جميع
النسخ من ((المشكاة)) وهو ثابت عند الثلاثة، والمصنف تبع في ذلك الجزري.
(سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ﴾)، أي: لعدم العلم بأنها سورة مستقلة؛
لأن البسملة كانت تنزل عليه وقّية للفصل ولم تنزل ولم أكتب.
(وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطَّوَلِ)، أي: ولكن فصلت بينهما بسطر لا كتابة فيه
للاشتباه في أمرهما. قالَ الطيبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة
وكمل السبع الطول بها. قلت: حاصل الكلام هنا: أن ترك البسملة لعدم الجزم
بكونهما سورتين، وجعل الفرجة والفصل بينهما بالبياض لعدم الجزم بكونهما
سورة واحدة، وأمَّا الوضع في الطول فلأنهما إن كانتا سورتين فلا بأس في
وضعهما هناك. فقد تخلل بعض المئين في المثاني كسورة الرعد وسورة إبراهيم،

٢٥٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
وإن كانتا سورة واحدة فهي في محلها بخلاف ما لو وضعتها في المثاني، فإن
وضعها ثمة لم يكن مناسبًا فلذلك أخرتها عن الست الطوال وقدمتها على المئين
لأجل الاشتباه. ثم قيل: السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور،
ولكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس: إنها البقرة والأعراف وما بينهما. قال
الراوي: وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة، فإنها من السبع
المثاني، أو هي السبع المثاني ونزلت سبعتها منزلة المئين، ويحتمل أن تكون
الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها، وصح عن ابن جبير إنها يونس، وجاء
مثله عن ابن عباس ولعلَّ وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من
المثاني، وإن كلا منهما سورة أو هما سورتان كذا في ((المرقاة)).
قال الحافظ: هذا الحديث يدل على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفًا،
ولما لم يفصح النبي بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادًا منه رضي اللَّه
تعالى عنه. يعني: فيكون دليلًا على أن ترتيب بعض السور كان من اجتهاد
الصحابة، لا بتوقيف النبي ◌ّية، لكن الحديث ليس مما يصلح أن يؤخذ به في
ترتيب القرآن الذي يطلب فيه التواتر.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ١ ص ٥٧). (وَالتِّرْ مِذِيُّ) في تفسير سورة التوبة. (وَأَبُو دَاوُدَ) في
باب من جهر بؤسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ﴾ من كتاب الصلاة، وأخرجه
أيضًا الحاكم (ج٢ ص٢٢١ - ٣٣٠) والبيهقي (ج٢ ص٤٢) وابن حبان
(ج ١ ص١٨٦، ١٨٧) وابن أبي داود في ((كتاب المصاحف)) (ص٣١، ٣٢)
كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي عن ابن عباس ونسبه
السيوطي أيضًا في ((الدر المنثور)) (ج ٣ص ٧٠) لابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر
وابن الأنباري وأبي عبيد وغيرهم. والحديث قد حسنه الترمذي. وقال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وسكت عليه أَبُو دَاوُدَ.
وقال المنذري في ((مختصر السنن)): أخرجه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن
لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد الفارسي قد
روى عن ابن عباس غير حديث. ويقال هو يزيد بن هرمز وهذا الذي حكاه الترمذي
هو الذي قاله عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وذكر غيرهما أنهما اثنان، وأن