النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ آخر غير قراءتي، الحديث. وفي رواية عند الطبري: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فضرب في صدري، فقال: ((اللَّهُمَّ اخْسَأُ عَنْهُ الشَّيْطَان)). (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللـهِ بِ ◌ّهِ مَا قَدْ غَشِيَنِي)، أي: اعتراني وحصل لي من وسوسة الشيطان ونزغته. (ضَرَبَ فِي صَدْرِي)، قال القاضي: ضربه ◌َّ في صدره؛ تثبيتًا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم. (فَفِضْتُ) بكسر الفاء الثانية وسكون الضاد المعجمة. (عَرَقًّا) بالتحريك تمييز، أي: فجري وسال عرقي من جميع بدني، من فاض الماء يفيض فَيْضًا؛ إذا كثر حتى سال وهذا أبلغ من ((فاض عرقي))، فإن في الأول إشارة إلى أن العرق فاض منه، حتى كأن النفس فاضت منه، ومثله قول القائل: سألت عيني دمعًا. (وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا)، أي: خوفًا. قيل: تمييز، والأظهر إن نصبه على المفعول له؛ قاله القاري. قال التوربشتي: الفرق بالتحريك: الخوف، أي: أصابني من خشية الله والهيبة فيما قد غشيني ما أوقفني موقف الناظر إلى الله إجلالًا وحياء. وقال الطيبي: كان أبي رَوَّهُ من أفضل الصحابة ومن الموقنين وإنما طرأ عليه ذلك التلويث بسبب الاختلاف نزغة من الشيطان، فلما أصابته بركة ضربه وَّخلال بيده على صدره، ذهبت تلك الهاجسة وخرجت مع العرق فرجع إلى اليقين، فنظر إلى الله تعالى خوفًا وخجلا مما غشيه من الشيطان. (فَقَالَ لِي)، أي: تسكينًا وتبيينًا. (أَرْسِلَ إِلَيَّ) على بناء المجهول، أي: أرسل اللَّه جبريل، وفي بعض النسخ من ((المشكاة)) على بناء المعلوم، أي: أرسل اللَّه إليَّ قاله القاري، قلت: وعند أحمد: ((إِنَّ رَبِّي تبارك وتعالى أَرْسَلَ إِلَيَّ)). (أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ) بلفظ الأمر، أو المتكلم المعلوم. قال الطيبي: ((أَن)) مفسرة، وجوز كونها مصدرية على مذهب سيبويه وإن كانت داخلة على الأمر. (فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ)، أي: جبريل إلى اللَّه تعالى. (أَنْ هَوِّنْ)، أي: سهل ويسر. قال القاري: ((أَنْ)) مصدرية ولا يضر كون مدخولها أمرًا؛ لأنها تدخل عليه عند سيبويه، أو مفسرة لما في ((رددت)) من معنى القول، يقال: رد إليه إذا رجع، قلت: قال الأبي: ((أن)) مفسرة؛ لأن ((رددت)) في معنى القول، وهو رجع، أي: فرجعت إليه القول ((أن ٢٢١ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ هوِّن)) من معنى قوله في الحديث الآخر - عند مسلم - فقلت: ((أَسَأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ)). (فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ) ماض مجهول أو معلوم، أي: رد اللَّه إليَّ الرسالة الثانية. (اقْرَأْهُ) بصيغة الأمر أو المتكلم وهو بدون ((أن)) في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وفي مسلم: ((أَنِ اقْرَأْهُ))، أي: بإثبات ((أن)) وكذا نقله في ((جامع الأصول)) (ج٣ ص٣٤) وهكذا وقع في ((مسند الإمام أحمد)) و((السنن)) للبيهقي. (فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، كذا في هذه الرواية، وهي رواية عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن أَبيِّ بن كعب، ووقع في طريق مجاهد عن ابن أبي ليلي عند مسلم أيضًا بعده ثم جاءه الرابعة، فقال: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ))، قال النووي: هذا مما يشكل معناه. وأقرب ما يقال في الجمع بين الروايتين: إنَّ قوله في الرواية الأولى: ((فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِئَةَ))، المراد بالثالثة: الأخيرة، وهي الرابعة، فسماها ثالثة مجازًّا، وحملنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الثانية: أن الأحرف السبعة إنما كانت في المرة الرابعة، وهي الأخيرة ويكون قد حذف في الرواية الأولى أيضًا بعض المرات، انتهى. (وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا)، قال النووي: هذا يدل على سقط في الرواية الأولى ذكره بعض الرواة الثلاث، وقد جاءت مبينة في الرواية الثانية. انتهى. أي: لك بمقابلة كل دفعة رجعت إلى و((رَدَدْتُكَهَا)) بمعنى: أرجعتك إليها، بحيث ما هونت على أمتك من أول الأمر. (مَسَأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا)، أي: إجابة مسألة، أي مسألة كانت. وقال النووي: معناه: مسألة مجابة قطعًا. وأمَّا باقي الدعوات فمرجوة ليست قطعية الإجابة. وقال الأبي: تقدم - أي: في كتاب الإيمان - ما في حديث: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ))، إن معناه: أن تلك الدعوة محققة الإجابة وأن غيرها على الرجاء، وأن كونها محققة الإجابة لا يمنع من قبول غيرها، ومن قبول غيرها هذا الحديث؛ لأنه لو لم تكن الأولى والثانية هنا مقبولتين؛ لم يكن لقوله لك بكل ردة مسألة فائدة. وقال الطيبي: أي: ينبغي لك أن تسألنيها، فأجيبك إليها. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَمَّتِي)، قالها مرتين، قيل: الأولى لأهل الكبائر، والأخرى لأهل الصغائر. وقيل العكس. وقيل: لما انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مُفَرِّط ٢٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ومُفْرِط استغفر ◌َّهِ للمقتصد المَفَرِّط في الطاعة، وأخرى للظالم المُفْرِط في المعصية، أو الأولى للخواص؛ لأنَّ كل أحد لا يخلو عن تقصير ما في حقه تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّا أَمَرَؤُ ﴾ [عبس: ٢٣) والثانية للعوام، أو الأولى في ٢٣ الدنيا، والأخرى في العقبي. (وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ)، أي: المسألة الثالثة، وهي الشفاعة الكبرى. (لِيَوْم)، أي: لأجلٍ يومٍ أو إلى يوم. (يَرْغَبُ إِلَيَّ) بتشديد الياء، أي: يحتاج إلى شَّفاعتي. (الْخَلْقُ كُلَّهُمْ) حين يقولون: نفسي نفسي. (حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ثَلَّا) بالرفع معطوف على (الْخَلْقُ)، وفيه: دليل على رفعة إبراهيم على سائر الأنبياء وتفضيل نبينا على الكل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلي، عن أبي بن كعب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ص١٢٧، ١٢٨، ١٢٩) والبيهقي (ج٢ص ٣٨٣) وأخرجه أَبُو دَاوُدَ والنسائي في الصلاة والطحاوي في ((مشكله)) (ج٤ ص١٩١) ومسلم وأحمد (ج٥ ص١٢٧) أيضًا من طريق مجاهد، عن ابن أبي ليلي نحوه. ٢٢٣٦ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلَّْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ)) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَخْرُفَ، إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ تَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفَُّ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٢٣٦ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ)، قال الحافظ: هذا مما لم يصرح ابن عباس بسماعه من النبي وَّ، وكأنه سمعه من أبي بن كعب، فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب نحوه، والحديث مشهور عن أبي، أخرجه مسلم وغيره من حديثه كما (٢٢٣٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ البُخَارِي (٤٩٩١) فِي بَدْءِ الخَلْقِ، مُسْلِم (٨١٩/٢٧٢) فِي الصَّلَاةِ. كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٢٣ تقدم وسيأتي أيضًا. (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ) ◌َلَّ القرآن. (عَلَى حَرْفٍ) واحد، أي: أولًا. (فَرَاجَعْتُهُ)، أي: اللَّه أو جبريل، وفي رواية أُبِّ المتقدمة: ((فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي))، وفي رواية له عند مسلم أيضًا: ((إِنَّ أَمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ)). (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ)، أي: اطلب من اللَّه الزيادة، أو اطلب من جبريل أن يطلب من الله الزيادة في الأحرف للتوسعة والتخفيف. (وَيَزِيدُنِي)، أي: ويسأل جبريل ربه تعالى، فيزيدني. (حَتَّى انْتَهَى)، أي: طلب الزيادة والإجابة أو أمر القرآن. (إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، أي: أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه منها. وقد تقدم الكلام في المراد منه وتحقيق ما هو الراجح منه، وفي رواية سليمان بن صرد عن أبي عند عبد الله بن أحمد (ج ٥ ص١٢٤) قال رسول اللَّه وَّهِ: ((يَا أُبَُّّ، إِنَّ مَلَكَيْنِ أَتْيَانِي فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْرَأُ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، فَقُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: اقْرَأُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، قَالَ: اقْرَأْ عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، فَقُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ، قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: اقْرَأُ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ، قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: اقْرَأُ عَلَى سِتَّةٍ، قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ، قَالَ: اقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَالْقُرْآنُ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)) . (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ)، أي: الزهري راوي الحديث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. (بَلَغَنِي) وجعل في رواية أحمد والبيهقي القول الآتي من كلام الزهري نفسه حيث وقع فيها عقب الحديث. قال الزهري: وإنما هذه الأحرف ... إلخ. (إِنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ) بالنصب على الوصفية. وقيل: بالجر على الإضافة . (فِي الْأَمْرِ تَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَام)، كذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة)) والذي في ((صحيح مسلم)): ((فيَّ الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام»، وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج٣ص٣٨) والفتح، وعند الطحاوي: ((أن تلك السبعة الأحرف إنما تكون في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام))، ولأحمد والبيهقي: ((وإنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، وليس يختلف في حلال ولا حرام))، ومعنى هذا الكلام: أنَّ مرجع الجميع واحد في المعنى، وإن اختلف اللفظ في هيئته، وأمَّا الاختلاف بأن يصير ٢٢٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المثبت منفيًّا والحلال حرامًا، فذلك لا يجوز في القرآن. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وهذا لما كان من عند الله، فلم يجدوا فيه اختلافًا يسيرًا، وكأن ابن شهاب قصد بذلك رد ما سبق في شرح حديث عمر من قول طائفة في بيان معنى الحديث: أن المراد بالأحرف السبعة: أن القرآن أنزل على سبعة أصناف من الكلام. واختلف القائلون به؛ فقيل: أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، واحتجوا بما ذكرنا هناك من حديث ابن مسعود، وعند أبي عبيد وغيره مرفوعًا: قال: «كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ یَنْزِلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةٍ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ زَاجِرٌ وَ آمِرٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ))، الحديثُ. وقد تقدم أن هذا الحديث منقطع، وأجاب عنه آخرون من جهة النظر، فقال البيهقي: إنَّ صحَّ فمعنى قوله: في هذا الحديث سبعة أحرف، أي: سبعة أوجه كما فسرت في الحديث، وليس المراد: الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الواحدة تقرأ على الوجهين وثلاثة وأربعة إلى سبعة؛ تهوينا وتيسيرًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة. وقال ابن أبي عمر: إن مَنْ أَوَّلَ السبعة الأحرف بهذا، فهو عندي فاسد، وممن ضعف هذا القول ابن عطية، فقال: الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة، وبه صرح الماوردي، حيث قال: هذا القول خطأ؛ لأنه دليل أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف. وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام. وقال أبوعلي الأهوازي و أبوالعلاء الهمداني: قوله في الحديث: ((زَاجِرٌ وَآمِرٌ ... )) إلخ. استئناف كلام آخر، أي: هو زاجر، أي: القرآن، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده، أنه جاء في بعض طرقه: ((زَاجِرًا وَآمِرًا)) بالنصب، أي: نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حال كونه زاجرًا ... إلخ. وقال أبوشامة: يحتمل أن التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف، أي: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، أي: أنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها ٢٢٥ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ERHON بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ على صنف واحد كغيره من الكتب. انتهى. قال القاري: وهو الظاهر المتبادر. وقال الحافظ: ومما يوضح أن قوله: ((زَاجِرٌ وَآمِرٌ ... )) إلخ. ليس تفسير للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طریق یونس عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة ... إلخ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر الملائكة من بدء الخلق، وفي فضائل القرآن، ومسلم في فضائل القرآن وبلاغ الزهري من أفراد مسلم، والحديث مع هذه الزيادة أخرجه أحمد (ج١ ص٣١٣) والطحاوي في مشكله (ج ٤ ص ١٩٠) والبيهقي (ج٢ ص٣٨٤) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٦٣، ٢٦٤، ٢٩٩) بدون ذلك. ٢٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الفصل الثاني ٢٢٣٧ - [٥] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: ((يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلَامُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطَّ)) قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. [ْرَوَاهُ النِّْمِذِيُّ] - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: قَالَ: ((لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ))(*). - وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ فَقَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتْيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلَّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ))( ** ). الشرح ٢٢٣٧- قوله: (لَقِيَ رَسُولُ اللهِ جِبْرِيلَ)، أي: عند أحجار المراء كما في رواية أحمد (ج٥ص١٣٢) و کذا وقع في حديث حذيفة عند أحمد (ج٥ص٣٨٥، ٤٠٠، ٤٠٥) والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) (ج٧) (ص ٥٠) وأحجار المراء موضع بقباء قاله المجد. وقال في ((النهاية)): فيه: إنه قّ كان يلقى جبرائيل بأحجار المراء. قال مجاهد: هي قباء، وقد تقدم أنه وقع في رواية مجاهد عن ابن أبي ليلي عن أبي بن كعب عند مسلم وغيره أن النبي ◌َّ كان عند إضاءة بني غفار، فأتاه جبريل ... الحديث. (إِنِّي بُعِثْتُ) بصيغة المجهول. (إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ)، أي: لا يحسنون القراءة للمكتوب. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] والأمي من لا يكتب ولا يقرأ كتابًا، وقال ◌َّ: (٢٢٣٧) التِّرْمِذِي (٢٩٤٤) فِ القِرَاءَاتِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَهُ. (*) أَبُو دَاوُد (١٤٧٧) عَنْ أُبَيِّ . ( ** ) ابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ (٧٣٧) مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ عَنْ أُبَيِ بْنِ كَعْبٍ. كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٢٧ BASE ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب))، أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى. (مِنْهُمُ الْعَجُوزُ) بفتح المهملة وهي المرأة المسنة. (وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ) وهما عاجزان عن التعلم للكبر. (وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ) وهما غير متمكنين من القراءة للصغر. (وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطَّ)، المعنى: إني بعثت إلى أمة أميين منهم هؤلاء المذكورون فلو أقرأتهم على قراءة واحدة لا يقدرون عليها. (قَالَ: يَا مُحَمِّدُ! إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)، أي: فليقرأ كل بما يسهل عليه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في القراءات وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص١٣٢) كلاهما من رواية عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قلت: عاصم هذا. قال في ((التقريب)): إنه صدوق له أوهام وحديثه في الصحيحين مقرون. وقال العجلي: كان يختلف عليه في زر وأبي وائل. قلت: قد اختلف هنا على عاصم. فقال شيبان النحوي وزائدة: عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب. وقال حماد بن سلمة: عنه عن زر عن حذيفة، أخرجه أحمد (ج٥ص ٤٠٠، ٤٠٥) والطحاوي في ((مشكله) (ج ٤ ص ١٨٣) والبزار، والحديث مشهور عن أبي. قال القاري: الظاهر أن رواية أبي عن جبريل هذا الإجمال رواية عنه بالمعنى، والظاهر أن أبيًّا سمع من النبي وَّ يحكي عن جبريل ما مر عنه من التفصيل إنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى السبعة، فروى هنا حاصل ذلك فهو أنه بعد الاستزادة نزل على سبعة أحرف. (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ) (ج ٥ص١٢٤) أخرجاها من طريق سليمان بن صرد عن أبي بن كعب وأخرجها أيضًا الطحاوي (ج ٤ ص١٨٩) وقد سكت عنها أَبُو دَاوُدَ والمنذري. (قَالَ)، أي: جبريل بعد قوله: (سَبْعَةِ أَحْرُفٍ). (لَيْسَ مِنْهَا)، أي: ليس حرف من تلك الأحرف. (إِلَّا شَافٍ)، أي: لأمراض الجهل. (كَافٍ) في إجزاء الصلاة، أو شاف للعليل في فهم المقصود، كاف للإعجاز في إظهار البلاغة. وقيل: أي: شاف لصدور المؤمنين للاتفاق في المعنى وكاف في الحجة على صدق النبي ◌َّ كذا في ((المرقاة)). (وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيّ) أخرجها من طريق أنس عن أبي بن كعب، وأخرجها أيضًا أحمد (ج٥ص١٢٢). ٢٢٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (فَقَالَ) لي. (جِبْرِيلُ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ) واحد. (قَالَ مِيْكَائِلُ: اسْتَزِدْهُ)، أي: اطلب زيادة قراءة القرآن على حرف واحد من الله، أو من جبريل ليعرض على الله بناء على أنه واسطةٍ ثم لا يزال يقول له ذلك. وهو يطلب الزيادة ويجاب. (حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ فَكُلَّ حَرْفٍ شَافٍ)، أي: في إثبات المطلوب للمؤمنين. (كَافٍ) في الحجة على الكافرين. ٢٢٣٨ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصِّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يَسْأَلُ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَلْيَسْأَّلِ اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ] الشرح ٢٢٣٨- قوله: (مَرَّ عَلَى قَاصِّ) بتشديد الصاد وهذا لفظ أحمد، وعند الترمذي: مرَّ على قارئ، والقاص: من يحكي القصص والأخبار، ويطلق القصاص على الوعاظ أيضًا. والمراد به هنا: الواعظ بالقرآن بقرينة ما بعده. (يَقْرَأُ)، أي: القرآن على قوم وهو حال. (ثُمَّ يَسْأَلُ)، أي: يطلب منهم شيئًا من مال الدنيا بالقرآن وقوله: ((يسأل)) بلفظ المضارع في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة))، وكذا نقله الجزري عن ((الترمذي)) والذي في نسخ الترمذي الموجودة عندنا ((ثم سأل))، أي: بلفظ الماضي، وهكذا وقع عند أحمد. (فَاسْتَرْجَعَ)، أي: قال عمران: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]؛ لا بتلاء القاص بهذه المصيبة التي هي السؤال من أموال الناس بالقرآن؛ لأنه بدعة ومعصية، وظهور البدعة والمعصية بين المسلمين مصيبة. أو الابتلاء عمران بمشاهدة هذه الحالة الشنيعة وهي مصيبة . (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللهَ بِهِ)، أي: فليطلب من اللَّه تعالى بالقرآن ما شاء من (٢٢٣٨) التِّرْ مِذِي (٢٩١٧) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ، إِسْنَادُهُ لَيْسُ بِذَاكَ. ٢٢٩ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ أمور الدنيا والآخرة، لا من الناس. أو المراد: أنه إذا مر بآية رحمة فليسألها من اللَّه تعالى، أو بآية عقوبة فيتعوذ إليه بها منها. وإمَّا أن يدعوا الله عقيب القراءة بالأدعية المأثورة، وينبغي أن يكون الدعاء في أمر الآخرة وإصلاح المسلمين في معاشهم ومعادهم. (فَإِنَّهُ)، أي: الشأن. (سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ)، أي: بلسان القال أو ببيان الحال. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص٤٣٢، ٤٣٦، ٤٣٩، ٤٤٥). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن كلاهما عن خيثمة بن أبي خيثمة البصري عن الحسن البصري عن عمران بن حصين، وخيثمة هذا قال في ((التقريب)) عنه: لين الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد أخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) كما في ((الكنز)). ECOKE ٢٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الفصل الثالث ٢٢٣٩ - [٧] عَنْ بُرَيْدَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَّلُ بِهِ النَّاسَ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ)). [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] الشرح ٢٢٣٩ - قوله: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَثَّلُ بِهِ النَّاسَ)، أي: يطلب به الأكل من الناس. قال الطيبي: يعني: يستأكل كتعجل بمعنى استعجل، والباء في (بِهِ) للآلة، أي: أموالهم. (جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ) بفتح العين وسكون الظاء. (لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ)، أي: من جعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا جاء يوم القيامة على أقبح صورة، وأسوأ حالة حيث عكس، وجعل أشرف الأشياء وأعزها واسطة إلى أذل الأشياء وأحقرها، وذريعة إلى أردئها وأدونها، وفي الحديث: وعيد شديد لمن يستأكل بالقرآن. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ)، قال العزيزي: بإسناد ضعيف، وقد أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن عن أبي سعيد وصححه الحاكم رفعه: ((تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَأَسْأَلُوا اللهَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الَقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلَاثُ نَفَرِ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ، وَرَجُلٌ يَأْكُلُهُ للهِ))، وأخرجه أحمد وأبو يعلَى والبزار عن عبد الرحمن بن شبل رفعه: ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ))، الحديث. قال الحافظ: سنده قوي. وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. وأخرج أبوعبيد عن عبد الله بن مسعود: سيجيء زمان يسئل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم. وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف عن أبي هريرة رفعه: ((اقْرَءُوا (٢٢٣٩) البَيْهَقِي (٢٦٢٥) في الشُّعَب عنه. كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ seschasea te STHEX بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٣١ الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ وَلَا تَخْفُوا عِنْهُ))، الحديث. وهذه الأحاديث شواهد لحديث بريدة وحديث عمران بن حصين المتقدم في الفصل الثاني. ٢٢٤٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ﴾. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] الشرح ٢٢٤٠ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ) بالصاد المهملة، أي: انفصالها وانقضائها، أو فصلها عن سورة أخرى. (حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)، ورواه الحاكم بلفظ: كان لا يعلم ختم السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَيَةِ﴾، ورواه البزار بلفظ: كان لا يعرف خاتمة السورة حتى تنزل ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيَةِ﴾، فإذا نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَظِ﴾ علم أن السورة قد ختمت واستقبلت وابتدئت سورة أخرى. واستدل به الحنفية لما هو المختار عندهم في هذه المسألة من أن البسملة آية مستقلة في القرآن، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها، وللفصل بين السورتين. قال الطيبي : هذا الحديث وما سرد في آخر هذا الباب دليلان ظاهران على أن البسملة آية من كل سورة أنزلت مكررة للفصل . قال صاحب ((اللمعات)): في دلالتهما على أنها جزء من كل سورة كما هو مذهب الشافعي خفاء ظاهر، نعم يدلان على أنها من القرآن أنزلت للفصل كما هو مذهبنا، والله أعلم. قلت: ويدل على كونها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه إجماع المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام اللّه تعالى والوفاق على إثباتها في المصاحف بخط القرآن مع المبالغة في تجريد القرآن عمّا ليس منه أسماء السور وأعداد الآي ولفظة آمين، واتفاق أئمة القراءات على قراءة البسملة في ابتداء كل (٢٢٤٠) أَبُو دَاوُد (٧٨٨) في الصَّلاةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَ شْتَهُ . ٢٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ سورة سواء الفاتحة، أو غيرها من السور سوى براءة. هذا وقد تقدم الكلام في ذلك في باب القراءة في الصلاة فراجعه . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وسكت عنه، ورواه أيضًا في ((مراسيله)) عن سعيد بن جبير أي: مرسلًا. وقال: المرسل أصحُ وأخرجه أيضا الحاكم (ج١ ص٢٣١) والبيهقي (ج ٢ ص٤٢) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي في ((تلخيصه)): قلت: أمَّا هذا فثابت، ورواه البزار أيضًا. قال الهيثمي (ج ٦٠ ص٣١٠) بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح. ٢٢٤١ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)) فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، [مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ] فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. الشرح ٢٢٤١ - قوله: (وَعَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعي أنه. (قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ) بكسر الحاء وسكون الميم وهو غير منصرف، وقد ينصرف بلدة من بلاد الشام مشهورة. (فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ)، قال الحافظ: قوله: (كُنَّا بِحِمْصَ)، (فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ)، إلخ. هذا ظاهره أن علقمة حضر القصة، وكذا أخرجه الإسماعيلي، وأخرجه أبونعيم فقال فيه: عن علقمة قال: كان عبد الله بحمص. وقد أخرجه مسلم بلفظ: عن علقمة عن عبد الله قال: كنت بحمص فقرأت ... فذكر الحديث، وهذا يقتضي أن علقمة لم يحضر القصة، وإنما نقلها عن ابن مسعود، وكذا أخرجه أبوعوانة ولفظه: كنت جالسًا بحمص. وعند أحمد (ج ١ ص٣٧٨) عن عبد الله أنه قرأ سورة يوسف بحمص. (فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ)، أي: السورة ولم يعرف الحافظ اسم هذا الرجل (٢٢٤١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٠٠١)، ومُسْلِم (٨٠١) عنه. كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٣٣ المبهم. نعم قيل: إنه نهيك بن سنان. قال الحافظ: ولم أر ذلك صريحًا، وفي رواية مسلم: فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا فقرأت عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت. وعند أحمد (ج١ ص٤٢٥) عن علقمة قال: أتى عبد اللَّه الشام فقال له ناس من أهل حمص: اقرأ علينا فقرأ عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت، وفيه مبهم آخر وهو السائل ولم يعرف اسمه أيضًا. (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَاللهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ)، أي: في حضرته وهو يسمع وهذا السياق، هكذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة)) الحاضرة عندنا، والذي في ((صحيح البخاري)): قال: قرأت على رسولِ اللَّه وَّل، وفي رواية مسلم: قال: قلت: ويحك! والله لقد قرأتها على رسول اللّه وَ له، وعند أحمد (ج١ ص٤٢٥): فقال عبد الله: ويحك! والله لقد قرأتها على رسول اللَّه ◌َ ل هكذا، وله أيضًا (ج ١ ص٣٧٨): قال: والله لكهذا أقرأنيها رسول اللّه وَله. (فَقَالَ)، أي: رسول اللّهِ وَلَه لي. (أَحْسَنْتَ) هذه منقبة عظيمة لم يذكرها افتخارًا، بل تحديثًا بنعمة اللَّه واحتجاجًا على عدو الله. (فَبَيْنَا هُوَ)، أي: ابن مسعود. (يُكَلَّمُهُ)، أي : ذلك الرجل ويحتمل العكس قاله القاري. (إِذْ وَجَدَ)، أي: ابن مسعود. (مِنْهُ)، أي: من ذلك الرجل. (رِيحَ الْخَمْرِ)، قوله: (فَبَيْنَا هُوَ يُكَلَّمُهُ)، إلخ. كذا وقع في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٣ ص ٤٠) والمجد بن تيمية في ((المنتقى))، ولفظ البخاري: فقال: أحسنت ووجد منه ريح الخمر. ولمسلم: فبينما أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر. والظاهر: أن المصنف تبع في ذلك الجزري. (فَقَالَ) في رواية مسلم: قال: فقلت. (أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ)، هذا لفظ مسلم، وللبخاري: فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر، قال في ((اللمعات)): لا شك أن ما ثبت كونه من كتاب الله يقينًا تكذيبه كفر، وكان ذلك معلومًا قطعًا عند الصحابة، خصوصًا لأمثال ابن مسعود وبعدهم يثبت ذلك بالتواتر. وقد ادعى الجمهور ذلك في القراءات السبع، وبعضهم في العشرة وإن لم يكن ما قرأ ابن مسعود في هذه القصة من هذا القبيل، فإطلاق تكذيب الكتاب المستلزم للكفر تغليظ وتشديد، ولذا لم يحكم بارتداده، والله أعلم، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. ٢٣٤ * e مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (فَضَرَبَهُ الْحَدَّ)، أي: فضربه ابن مسعود حد شرب الخمر وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم: لا تبرح حتى أجلدك، قال: فجلدته الحد. وفي رواية لأحمد: لا أدعك حتى أجلدك حدًّا، قال: فضربه الحد. قال النووي: هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام إمّا عمومًا، وإمَّا خصوصًا. وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر، وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها. وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلًا، إذ لو كذب به حقيقة لكفر، فقد أجمعوا على أن من جحد حرفًا مجمعًا عليه من القرآن كفر، انتهى. قال الحافظ: الاحتمال الأول جيد ويحتمل أيضًا أن يكون قوله: (فَضَرَبَهُ الْحَدَّ)، أي: رفعه إلی الأمیر فضربه فأسند الضرب إلى نفسه مجازًا لكونه كان سببًا فيه. وقال القرطبي: إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذلك من له الولاية، أو لأنه رأى أنه قال عن الإمام بواجب؛ أو لأنه كان ذلك في زمان ولايته الكوفة فإنه وليها في زمن عمر وصدرًا من خلافة عثمان، انتهى. والاحتمال الثاني موجه وفي الأخير غفلة عمَّا في أول الخبر إن ذلك كان بحمص ولم يليها ابن مسعود وإنما دخلها غازيًا وكان ذلك في خلافة عمر. وأمَّا الجواب الثاني عن الرائحة فيرده النقل عن ابن مسعود إنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة، وقد وقع مثل ذلك لعثمان في قصة الوليد بن عقبة، ووقع عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث النقل عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يقر ولم يشهد عليه. وقال القرطبي: في الحديث حجة على من يمنع وجوب الحد بالرائحة كالحنفية، وقد قال به مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز. قلت : - قائله الحافظ - والمسألة خلافية شهيرة وللمانع أن يقول إذا احتمل أن يكون أقر سقط الاستدلال بذلك، ولما حكى الموفق في ((المغنى)) (ج٨ص٣٠٩) الخلاف في وجوب الحد بمجرد الرائحة اختار أن لا يحد بالرائحة وحدها، بل لا بد معها من قرينة كأن يوجد سكران أو يتقيأها ونحوه أن يوجد جماعة شهروا بالفسق ويوجد معهم خمر، ويوجد من أحدهم رائحة الخمر. وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة من يكون مشهورًا بإدمان شرب الخمر. وأمَّا الجواب عن الثالث فجيِّد أيضًا لكن يحتمل أن يكون ابن مسعود كان لا يرى بمؤاخذة السكران بما يصدر منه من الكلام في حال سكره. كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٣٥ وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الرجل كذب ابن مسعود ولم يكذب بالقرآن وهو الذي يظهر من قوله: (مَا هَكَذَا أَنْزِلَتْ)، فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها ونفى الكيفية التي أوردها ابن مسعود. وقال الرجل ذلك، إمَّا جهلًا منه، أو قلة حفظ، أو عدم تثبت بعثه عليه السكر، انتهى. وقال القاري: ظاهر الحديث : أنه ضربه حد الخمر بناء على ثبوت شربه بالرائحة، وهو مذهب جماعة ومذهبنا، ومذهب الشافعي خلافه؛ لأن الريح نحوه التفاح الحامض، وكذا السفرجل يشبه رائحة الخمر، ولاحتمال أنه شربها إكراهًا أو اضطرارًا، وقد صح الخبر: ((ادْرَءُوا الْحدَّ بِالشُّبَهاتِ))، ولعله حصل منه إقرارًا أو قام عليه بينة، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، ومسلم في الصلاة وقد عرفت ما وقع من التصرف من المصنف في ألفاظ الحديث، فإن السياق المذكور بتمامه ليس لهما ولا لأحدهما، بل بعضه للبخاري وبعضه لمسلم، إلا قوله: على عهد رسول الله، فإنه ليس لأحد منهما ولم أجد زيادة لفظ: عهد، عند أحد ممن أورد هذا الحديث في كتابه، وقد أخرجه أحمد (ج١ ص٣٧٨، ٤٢٥) و أبوعوانة وغيرهما . ٢٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٢٤٢ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ رِوَهُ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَبْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْع الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ؟ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي، حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِيَ لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ: قَالَ أَبُوِ بَكْرِ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِوَلَّهِ فَتَتَبِّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تَفَّعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ؟ قَالَ: هُوَّ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِيَ لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَبَعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ، وَاللُّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ حَتَّى خَاتِمَةَ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح) الشرح ٢٢٤٢ - قوله: (أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، أي: رجلًا. قال الحافظ: لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك. (أَبُوبَكْر) الصديق في خلافته. (مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) هو مفعل من القتل ونصب على أنه ظرف زمان، بمعنى: أو أن قتلهم، والمراد: عقب زمان قتل أهل اليمامة، واليمامة بفتح التحتية وتخفيف الميم اسم مدينة باليمن وسميت باسم المصلوبة على بابها، وهي التي كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينها، واسمها عنزة. وقال في النهاية: اليمامة هي (٢٢٤٢) البُخَارِي (٤٩٨٦) في التفسير عنه. ٢٣٧ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ EX بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآن الصقع المعروف شرقي الحجاز ومدينتها العظمى حجر اليمامة، والمراد بأهل اليمامة هنا: من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوي أمره بعد موت النبي ◌َّله بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبوبكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة إلى أن خذله الله وقتله وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة. قيل: سبع مائة، وقيل: أكثر. (فَإِذَا عُمَرُ) كلمة ((إِذَا)) للمفاجأة، أي: قال زيد: فجئته فإذا عمر. (عِنْدَهُ)، أي: عند أبي بكر. (قَدِ اسْتَحَرَّ) بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة، ثم راء ثقيلة، أي: اشتد وكثر استفعل من الحر؛ لأن المكروه غالبًا يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد يقولون: أسخن اللَّه عينه وأقر عينه، ومنه المثل: تولى حارها من تولی قارها . (يَوْمَ الْيَمَامَةِ)، أي: وقعة اليمامة، أو يوم القتال الواقع في اليمامة. (بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) سمي منهم في رواية سفيان عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت في ((فوائد الدعاء)) قولي سالمًا مولى أبي حذيفة. (وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ) بفتح همزة أن وتكسر، وفي البخاري: أن يستحر القتل. قال القسطلاني: بلفظ المضارع، أي: يشتد ولأبي ذر: أن استحر. (بِالْقُرَّاءِ) متعلق بالفعل أو القتل. (بِالْمَوَاطِنِ)، أي: في المواطن، أي: الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار، وفي رواية سفيان: وأنا أخشى أن لا يلقى المسلمون زحفًا آخر إلا استحر القتل بأهل القرآن. قال الطيبي: قوله: ((أَخْشَى أَنِ اسْتَحَزَّ الْقَتْلُ))، أي: أخشى استحراره. والمراد: الزيادة على ما كان يوم اليمامة؛ لأن الخشية إنما تكون مما لم يوجد من المكاره فقوله: (أَنِ اسْتَحَرَّ) مفعول (أَخْشَى)، والفاء في (فَيَذْهَبَ) للتعقيب، ويحتمل أن يكون إن بالكسر، والجملة الشرطية دالة على مفعول (أَخْشَى)، (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ) بقتل حفظته، أي: إلّا أن يجمعوه قبل أن يقتل الباقون. قال القاري: قوله: (فَيَذْهَبَ) في بعض النسخ بالنصب، وهو ظاهر لفظًا ومعنى عطفًا على (اسْتَحَرَّ) على أنَّ إِنْ مصدرية وهي الرواية الصحيحة، وفي أكثر النسخ المصححة المقروءة على المشائخ بالرفع مع فتح الهمزة في أن، فقيل رفعه على أنه جواب شرط ٢٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ محذوف، أي: فإذا استحر فيذهب، أو عطف على محل إني أخشى، أي: فيذهب حينئذ كثير من القرآن بذهاب كثير من قراء الزمان، انتهى. قال الحافظ: هذا يدل على أن كثيرًا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد: إن مجموعهم جمعه لا أن كل فرد فرد جمعه. (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ) من الرأي، أي: أذهب إلى أن تأمر كتبة الوحي. (بِجَمْعِ الْقُرْآنِ) قبل تفرق القراء. (قُلْتُ) هو خطاب أبي بكر لعمر حكاه ثانيًا لزيد بن ثابت لما أرسل إليه، وهو كلام من يؤثر الإتباع وينفر من الابتداع، أي: قال أبوبكر: قلت. (لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ) بصيغة الخطاب، وقيل: بالتكلم، أي: أنت أو نحن، وفي رواية: كيف أفعل. (شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ نََِّّ)، هذا لا ينافي ما ذكره الحاكم في ((مستدركه)) جُمِعَ القرآن ثلاث مرات، إحداها بحضرة النبي وَّ، ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد: ((كنا عند النبي ◌َّ نؤلف القرآن في الرقاع ... )) الحديث؛ لأن ذلك الجمع غير الجمع الذي نحن فيه. ولذا قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد: تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها؛ بإشارة النبي وَّال كذا في ((المرقاة)). قال الحافظ في ((الفتح)): قال الخطابي وغيره: يحتمل أن يكون وَّه إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما کان یترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضی نزوله بوفاته ◌َلێته ، ألهم اللَّه الخلفاء الراشدين ذلك؛ وفاء لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها اللَّه شرفًا، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضيوُلَهُ بمشورة عمر. ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) بإسناد حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبوبكر - رحمة الله - على أبي بكر هو أول منٍ جمع كتاب الله. وأمَّا ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّهِ وَثّل: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ ... )) الحديث. فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي ◌َّ، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. وأمَّا ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف من طريق ابن سيرين قال: قال عليّ : لما مات رسول اللَّه ◌َ ل آليت أن لا آخذ علىَّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه. فإسناده ضعيف لانقطاعه وعلى تقدير أن يكون محفوظًا، فمراده كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ ٢٣٩ بجمعه : حفظه في صدره قال: والذي وقع في بعض طرقه حتی جمعته بین اللوحین وهم من رواته. وقال الحافظ: ورواية عبد خير، يعني: التي تقدمت آنفًا أصح فهو المعتمد. ووقع عند ابن أبي داود أيضًا بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك، فأخرج من طريق الحسن: إن عمر سأل عن آية من كتاب اللَّه قيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف؛ وهذا منقطع فإن كان محفوظًا حمل على أن المراد بقوله فكان أول من جمعه، أي: أشار بجمعه في خلافة أبي بكر فنسب الجمع إلیه لذلك، انتهى. (هَذَا)، أي: جمع القرآن في مصحف واحد. (خَيْرٌ)، من تركه فإن قلت: كيف ترك رسول اللَّه ◌َ ل﴾ ما هو خير؟ قلت: هذا خير في هذا الزمان وتركه كان خيرًا في زمانه ◌َ ◌ّر لعدم تمام النزول واحتمال النسخ كما تقدم الإشارة إليه. (فَلَمْ يَزْلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي) في ذلك، أي: في جمع القرآن. (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِيَ لِذَلِكَ) الذي شرح له صدر عمر. (وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ) إذْ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين، وأذن فيه عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنٍ))، وقد أعلم اللَّه في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله: ﴿يَثْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً ... ) الآية (البية: ٢] وكان القرآن مكتوبًا في الصحف لكن كانت مفرقة فجمعها أبوبكر في مكان واحد، فغاية ما فعله أبوبكر جمع ما كان مكتوبًا قبل في مصحف، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق. قال الحارث المحاسبي في كتاب ((فهم السنن)): كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ◌َّي كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا وكان ذلك بمنزلة أوراق. وجدت في بيت رسول اللّه فيها القرآن منتشرًا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شي كذا في ((الإتقان)) (ج١ ص٥٨). (قَالَ زَيْدٌ)، أي: ابن ثابت. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ)، أي: لي بعد أن ذكر الأمر الذي هو توطئة للأمر بالجمع. (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌ)، أشار إلى نشاطه وقوته وضبطه وإتقانه، وحدة نظره وبعده عن النسيان، وإنما قال: (شَابٌّ)؛ لأن عمره كان حينئذ ما دون