النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
(بَابٌ) بالرفع والوقف، أي في توابع أخرى كاختلاف القراءات وجمع القرآن.
الفصل الأول
٢٢٣٣ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَِفَهُ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ
حَكِيمٌ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانَ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَيه
أَقْرَ أَنِيَهَا فَكِدْتُّ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبِّتُهُ بِرِدَائِهِ،
فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللّهِ وَّهَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هُذَا يَقْرَأُ سُورَةَ
الْقُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَ أْتِنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ)) فَقَرَأَ
الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِغَتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)) ثُمَّ قَالَ لَيْ:
((اقْرَأْ)) فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَّلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ،
فَاقْرَؤُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْلَفْظُ لِمُسْلِم]
الشرح
٢٢٣٣- قوله: (سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيم بْنِ حِزَام) بكسر الحاء المهملة
وتخفيف الزاي المعجمة بن خويلد بن أسدَ القرشي الأسدي، صحابي بن
صحابي، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان هشام من فضلاء الصحابة وخيارهم
ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ذكر الزهري أن عمر بن الخطاب كان
يقول: إذا بلغه أمر ينكره أما ما بقيت أنا وهشام بن حكيم، فلا يكون ذلك، قال:
كان هشام بن حكيم في نفر من أهل الشام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
(٢٢٣٣) الْبُخَارِي (٢٤١٩)، ومُسْلِم (٢٧٠ / ٨١٨) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وأَبُو دَاوُد (١٤٧٥)، والنَّسَائِي
(٢/ ١٥٠) فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْ مِذِي (٢٩٤٣) فِي الْقِرَاءَاتِ .

DATE
٢٠١
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
ليس لأحد عليهم إمارة. قال مالك: كانوا يمشون في الأرض بالإصلاح
والنصيحة، قال: وكان هشام بن حكيم كالسائح لم يتخذ أهلًا ولا ولدًا.
قال ابن سعد: وكان رجلاً مهيبًا مات قبل أبيه، ووهم من زعم أنه استشهد
بأجنادين. قال الحافظ: ليس له في البخاري رواية وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا
مرفوعًا من رواية عروة عنه، وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي،
ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر. (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ)، أي:
في الصلاة كما في رواية أحمد (ج١ ص٤٠). (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُوهَا)، أي: من
القراءة. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ) هو الذي. (أَقْرَ أَنِيهَا)، أي: سورة الفرقان، وهذه
رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاري عن عمر بن
الخطاب، وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب: يقرأ سورة الفرقان في حياة
رسول اللّه ◌َلَ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها
رسول اللَّه ◌َلِّ. قال ابن عبد البر: في هذه الرواية بيان أن اختلافهما كان في
حروف من السورة لا في السورة كلها، وهي تفسير لرواية مالك؛ لأن سورة واحدة
لا تقرأ حروفها كلها على سبعة بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا
قليل. (فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم. قال
القسطلاني: ولأبي ذر في نسخة بضم الهمزة وفتح العين وتشديد الجيم
المكسورة، أي: أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه، وقيل: كدت أن أعجل
عليه، أي: في الإنكار عليه والتعرض له. قال ابن عبد البر: فيه: دليل على
تشددهم في أمر القرآن واهتمامهم بحفظ حروفه ولغاته، وضبطهم لقراءته
المنسوبة حتى بلغ ذلك لهم، إن كاد عمر يعجل على هشام بن حكيم في صلاته.
(ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ). قال العيني: كالكرماني، أي: من القراءة وفيه نظر، فإن
في رواية عقيل عن ابن شهاب: ((فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم))،
فيكون المراد هنا: حتى انصرف من الصلاة.
(ثُمَّ لَبَبْتُهُ) بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة، والثانية ساكنة مأخوذ من اللبة
بفتح اللام، وهي المنحر يقال: لَبَّيْتُ الرجل بالتشديد تلبیًا إذا جمعت ثيابه عند
نحره في الخصومة ثم جررته. (بِرِدَائِهِ)، أي: جمعته في موضع لُبَّتِهِ، أي: عنقه
وأمسكته وجذبته به، ووقع في ((سنن أبي داود)): فلببته بردائي، فيمكن الجمع بأن

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التلبيب وقع بالردائين جميعًا، وكان هذا من عمر على عادته في الشدة بالأمر
بالمعروف وفعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب، ولهذا لم
ينكر عليه النبي وّ بل قال له: ((أرسله)). (فَجِئْتُ بِهِ رُسُولَ اللهِ وََّ)، في رواية
عقيل: ((فليبته بردائه))، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال:
أقرأنيها رسول اللَّه وَ له فقلت: كذبت، فإن رسول اللّه وَل قد أقرأنيها على غير ما
قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه وَ ل قال الحافظ: قوله: ((كذبت))، فيه
إطلاق ذلك على غلبة الظن، أو المراد بقوله: ((كذبت))، أي: أخطأت؛ لأن أهل
الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، وقوله: فإن رسول اللّه وَ له قد أقرأنيها
... إلخ هذا قاله عمر استدلالاً على ما ذهب إليه من تَخْطِئَةِ هشام. وإنما ساغ له
ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد
بالإسلام فخشي عمر أن لا يكون أتقن القراءة بخلاف نفسه، فإنه قد كان أتقن ما
سمع وكأن سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول اللَّه وَاجله.
قديمًا ثم لم يسمح ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده؛ ولأنَّ هشامًا من مسلمة
الفتح فكان النبي ◌َّ أقرأه على ما نزل أخيرًا، فنشأ اختلافهما من ذلك ومبادرة عمر
للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) إلا
في هذه الواقعة. (أَرْسِلْهُ) بهمزة قطع، وهو خطاب لعمر، أي: أطلق هشامًا؛ لأنه
كان ممسوكًا بيده، وإنما أمر بإرساله قبل أن يقرأ لتسكن نفسه ويثبت جأشه،
ويتمكن من إيراد القراءة التي قرأ؛ لئلا يدركه من الانزعاج ما يمنعه من ذلك، قاله
الباجي. قال القاري: وإنما سومح عمر في فعله؛ لأنه ما فعل لحظ نفسه، بل
غضبًا لله بناء على ظنه. (اقْرَأْ) يا هشام. (فَقَرَأَ)، أي: هشام. (الْقِرَاءةَ الَّتِي
سَمِعْتُهُ)، أي: سمعت هشامًا إياها على حذف المفعول الثاني، قاله القاري.
(يَقْرَأُ)، أي: يقرؤها. (هَكَذَا أُنْزِلَتْ)، أي: السورة، وهذا تصويب منه وَلَه لقراءة
هشام. (ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ) أنت يا عمر، أمره بالقراءة؛ لأنه يحتمل أن يكون الخطأ
والتغيير من جهته. (فَقَرَأْتُ)، وفي رواية: ((فقرأتها))، وفي رواية عقيل: ((فقرأت
القراءة التي أقرأني)).
(فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ) قال الزرقاني: لم يقع في شيء من الطرق تفسير الأحرف،
التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان. نعم، اختلف الصحابة فمن دونهم

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القَرْآن
٢٠٣
في أحرف كثيرة من هذه السورة، كما بينه ابن عبد البر في ((التمهيد) بما يطول.
وقال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي
اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، وقد تتبع أبوعمر ابن عبد البر ما اختلف
فيه من القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، ثم أورده
الحافظ ملخصًا في شرح باب ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) من فضائل القرآن،
وزاد عليه زيادة كثيرة حتى بلغ جملة ما ذكر مما اختلف فيه من المتواتر والشاذ على
نحو من مائة وثلاثين موضعًا. قال ابن عبد البر بعد ذكر ما ذكر من الاختلاف في
حروف هذه السورة، والله أعلم بما أنكر منها عمر على هشام وما قرأ به عمر.
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ)، إلخ. هذا أورده النبي ◌َّ؛ تطمينا لعمر؛ وتطييبًا لقلبه؛
وتبيينًا لوجه تصويب الأمرين المختلفين. قال الحافظ: وقد وقع عند الطبري من
طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده، قال: قرأ رجل، فغير عليه
عمر فاختصما عند النبي ◌َّ فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال: ((بَلَى))،
قال: فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبي ◌َّر في وجهه، قالٍ: فضرب في صدره
وقال: ((أَبْعَدَ شَيْطَانًّ))، قالها ثلاثًا، ثم قال: ((يَا عُمَرُ، الْقُرْآنُ كُلَّهُ صَوَابٌ مَا لَمْ تَجْعَلْ
رَحْمَةً عَذَابًا أو عَذَابًا رَحْمَةً))، ومن طريق ابن عمر سمع عمر رجلًا يقرأ فذكر نحوه
ولم يذكر فوقع في صدر عمر، لكن قال في آخره: ((أَنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
كُلَّهَا كَافٍ شَافٍ))، ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام كأبي بن
كعب مع ابن مسعود في سورة النحل عند الطبري، وعمرو بن العاص مع رجل في
آية من الفرقان عند أحمد وابن مسعود مع رجل في سورة من ((آل حم)) رواه ابن
حبان والحاكم، انتھی ملخصًا.
(عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) قد تواترت الأحاديث بلفظ: ((سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)) إلا في حديث
الحسن عن سمرة رفعه: ((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ))، رواه الحاكم
(ج ٢ ص٢٢٣) وقال: حديث صحيح وليس له علَّةٌ وأقره الذهبي. قال أبو شامة:
يحتمل أن يكون بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كجذوة والرهب، أو أراد أنزل ابتداء
على ثلاثة أحرف ثم زيد إلى سبعة؛ توسعة على العباد، قال القسطلاني والزرقاني
والأبيّ: الأكثر على أن لفظ السبع للحصر. وقيل: ليس المراد حقيقة العدد بل
التسهيل والتوسعة والتيسير والشرف والرحمة، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه.

٢٠٤
essi
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
ويرده ما يأتي من حديث ابن عباس وحديث أبي بن كعب. قال الزرقاني: وفي
حديث أبي بكرة عند أحمد: ((فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت
العدة)) فهذا يدل على أراد حقيقة العدد وانحصاره، انتهى.
قلت: ليس هذا اللفظ في حديث أبي بكرة عند أحمد في ((مسنده)) (ص٤١ -
(٥) ولا ذكره الهيثمي (ج٧ص ١٥١) هذا، وقد تقدم شيء من الكلام في بيان معناه
وما هو الراجح عندنا في كتاب العلم، ولا بأس لو توسع القول هاهنا ليزداد بصيرة
وطمأنينة من يريد البسط، والله الموفق فنقول: قد اختلف العلماء في المراد
بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلغها أبوحاتم بن حبان البستي إلى خمسة
وثلاثين قولًا، حكاها ابن النقيب في مقدمة ((تفسيره) عنه بواسطة الشرف المزني
المرسي كما في ((الإتقان)). قال المنذري: وأكثرها غير مختار. وقال ابن العربي:
لم يأت في ذلك نص ولا أثر.
وقال المرسي بعد ذكرها: هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها ولا
عمن نقلت ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها معارضة حديث عمر
وهشام بن حكيم الذي في الصحيح. وقال السيوطي في ((الإتقان)): اختلف في
معنى الحديث على نحو أربعين قولًا. وقال القاري: قيل: اختلف في معناه على
أحد وأربعين قولًا، منها: إنه من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق
لغة على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة. قلت: وهذا قول
أبي جعفر محمد بن سعد النحوي ورجحه السيوطي أيضًا، حيث قال: المختار أن
هذا من المتشابه الذي لا يدري تأويله ومن جملة هذه الأقوال: إن المراد بسبعة
أحرف: سبع لغات مشهورة بالفصاحة من لغات العرب، وليس المراد: أنَّ كل
كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة في القرآن، وإلى هذا ذهب
أبو عبيد وآخرون منهم ثعلب وأبوحاتم السجستاني، واختاره ابن عطية وصححه
البيهقي في ((الشعب)).
وقال الأزهري وابن حبان: إنه المختار واختاره أيضًا التوربشتي والسندي، ثم
اختلف من ذهب إلى ذلك، فقال بعضهم: سبع لغات منها خمس في هوازن،
واثنتان لسائر العرب. وقيل: سبع لغات متفرقة لجميع العرب كل حرف منها لقبيلة

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
sese
KEXS
٢٠٥
مشهورة. وقيل: سبع لغات أربع لعجز هوازن سعد بن بكر، وجشم بن بكر،
ونصر بن معاوية، وثقيف، وثلاث لقريش، وقيل: سبع لغات، لغة لقريش، ولغة
لليمن، ولغة لجرهم ولغة لهوازن، ولغة لقضاعة، ولغة لتميم ولغة لـ(طي)) وقيل:
لغة الكَعْبَيْنِ كَعْب بن عمرو وكَعْب بن لوي، ولهما سبع لغات، وقيل: نزل بلغة
قریش وهذیل وتیم الرباب والأزد، وربيعة وهوازن، وسعد بن بكر، واستنكر ذلك
ابن قتيبة، وقال: لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فعلى هذا تكون اللغات السبع في بطون قريش،
وبذلك جزم أبو علي الأهوازي. وأجيب: بأنه لا يلزم من هذه الآية أنْ يكون أرسل
بلسان قريش فقط لكونهم قومه، بل أرسل بلسان جميع العرب ولا يرد عليه كونه
بعث إلى الناس كافة عربًا وعجمًا؛ لأنَّ القرآن أنزل باللغة العربية، وهو بَلَّغَهُ إلى
طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم.
وقيل: نزل بلغة مضر خاصة؛ لقول عمر نزل القرآن بلغة مضر. وعين بعضهم
فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتیم الرباب
وأسد بن خزيمة وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات، ونقل أبوشامة عن
بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولًا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب
الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على
اختلافهم في الألفاظ والأعراب ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة
أخرى للمشقة. ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع
اتفاق المعنى، وزاد غيره أنَّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي بأن يغير كل أحد
الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي وَّ ويشير إلى
ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي ◌َّ، ولئن سلم إطلاق
الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع، لكن الإجماع من الصحابة في زمن عثمان
الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك.
قال الحافظ: ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن
مسموعًا له ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته (عَتَّى حين)»، أي: حتی حین،
وكتب إليه: ((إِنَّ القُرآنَ لَمْ يَنْزِلْ بِلُغَةِ هُذَيْلِ، فَأَقْرِيِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَلَا تُقْرِئُهُمْ
بِلُغَةِ هُذَيْلِ))، وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة.

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن عبد البر: بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يحتمل أن يكون هذا
من عمر على سبيل الاختيار لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز قال: وإذا أبيحت
قراءته على سبعة أوجه أنزلت؛ جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبوشامة: ويحتمل أن
يكون مراد عمر، ثم عثمان بقولهما: ((نزل بلسان قريش»، أن ذلك كان أول نزوله
ثم إن اللَّه تعالى سهله على الناس، فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على أن لا
يخرج ذلك عن لغات العرب؛ لكونه بلسان عربي مبين، فأما من أراد قراءته من غير
العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش؛ لأنه الأولى، وعلى هذا يحمل ما كتب
عمر إلى ابن مسعود؛ لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير؛
فإذًّا لا بد من واحدة فلتكن بلغة النبي وَّ .
وأمَّا العربي المجبول على لغته، فلو كلف قراءة قريش لعسر عليه التحول مع
إباحة اللَّه له أن يقرأه بلغته. ويشير إلى هذا قوله في حديث أَبَيِّ: ((هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي))،
وقوله: ((إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ))، وكأنه انتهى عند السبع؛ لعلمه أنه لا تحتاج لفظة
من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالبًا، وليس المراد: أن كل لفظة منه تقرأ على
سبعة أوجه.
قال ابن عبد البر: وهذا مجمع عليه بل هو غير ممكن، بل لا يوجد في القرآن
كلمة على سبعة أوجه إلا الشيء القليل مثل عبد الطاغوت. قال الحافظ: وحاصل
ما ذهب إليه هؤلاء، أي: الذين قالوا: إن المراد بالأحرف: اللغات، إنَّ معنى
قوله: ((أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ))، أي: أنزل موسعًا على القاريء أن يقرأه على سبعة
أوجه، أي: يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أنزل على
هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته؛ إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه
على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم.
قال ابن قتيبة في أول تفسير المشكل له: كان من تيسير الله أنْ أَمَرَ نبيه أن يقرأ کل
قوم بلغتهم، فالهذلي: يقرأ ((عتى حين)) يريد حتى حين، والأسدي: يقرأ ((تعلمون))
بكسر أوله، والتميمي: يهمز والقرشي لا يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن
يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا لَشُقَّ عليه غاية المشقة، فيسر
عليهم ذلك بِمَنَّةٍ. ولو كان المراد: إنَّ كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
٢٠٧
مثلًا: أنزل سبعة أحرف. وإنما المراد: أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان، أو
ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة، انتهى. وبعد هذا كله رد هذا القول بأنَّ عمر بن الخطاب
وهشام بن حكيم كلاهما قرشيٍّ من لغة واحدة، وقبيلة واحدة، وقد اختلفت
قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدلَّ على أن المراد بالأحرف السبعة:
غير اللغات، ومن جملة الأقوال المحكية في معنى الأحرف أنَّ المراد بها: سبعة
أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعالى، وهلم، وعجل،
وأسرع، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن
عبد البر لأكثر العلماء لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي بل ذلك مقصور على
السماع .
قال ابن عبد البر: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات؛ لما
تقدم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من
المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو: أقبل، وتعالى، وهلم، ثم ساق
الأحاديث الدالة على هذا، وقد ذكرها السيوطي في ((الإتقان)) (ج ١ ص٤٦، ٤٧)
والحافظ في شرح حديث ابن عباس الآتي، قال الحافظ: ويمكن الجمع بين
القولين: بأن يكون المراد بالأحرف: تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار
ذلك في سبع لغات، انتهى. ومنها: أنَّ المراد بها: الأوجه التي يقع التغاير في
سبعة أشياء ذكره ابن قتيبة. قال: فأولها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته
مثل، ((ولا يُضَارُّ كَاتِبٌ)) بنصب الراء ورفعها.
وثانيها: ما يتغير بتغير الفعل مثل ((بَعِّدْ بين أسفارنا)) و((باعد» بلفظ الطلب
والماضي.
وثالثها: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ((ثم ننشرها)) بالراء والزاي.
ورابعها: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل (طلح منضود)) في
قراءة على ((وطلع منضود)). وخامسها: ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل ﴿وَجَآَتْ
سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ﴾ [ق: ١٩] ((وجاءت سكرة الحق بالموت)).
وسادسها: ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل ((والذكر والأنثى وما خلق الذكر
والأنثى)).

٢٠٨
SOME
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وسابعها: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾
[القارعة: ٥] ((والصوف المنفوش)). وقال أبوالفضل الرازي في ((اللوائح)): الكلام لا
يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف؛ الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية
وجمع أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع
وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم
والتأخير. السادس: الإبدال. السابع: اختلاف اللغات كالفتح والإمالة والتفخيم
والترقيق والإدغام والإظهار ونحو ذلك. قال الحافظ بعد ذكر ذلك: قد أخذ
أبو الفضل كلام ابن قتيبة ونقحه.
قلت: وقريب من ذلك ما ذكره ابن الجزري حيث قال: قد تتبعت القراءات
صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا
يخرج عنها، وذلك إمَّا في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة، نحو ((البخل))
بأربعة أوجه، ويحسب بوجهين أو بتغير في المعنى فقط، نحو ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِنْ زَيِّهِ.
كَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وأمَّا في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحوه (تبلو)) ((وتتلو)) أو
عكس ذلك نحو ((الصراط)) و((السراط)) أو بتغيرهما نحو ((فامضوا)) ((فاسعوا)). وأمَّا
في التقديم والتأخير نحو ((جاءت سكرة الحق بالموت))، أو في الزيادة والنقصان
نحو ((أوصى)) ووصى و((الذكر والأنثى))، فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها قال:
وأمَّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإِشمام والتسهيل والنقل والإبدال
مما يعبر عنه بالأصول، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى،
لأنَّ هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن
فرض فیکون من الأول، انتهى.
ومنها: أنَّ المراد بها: سبعة أصناف من الكلام، أي: سبعة أنواع كل نوع منها
جزء من أجزاء القرآن. والقائلون به اختلفوا في تعيين السبعة، فقيل: أمر ونهي
ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه، وأمثال، واحتجوا بما
أخرجه أبوعبيد والحاكم والطحاوي والبيهقي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن
عن ابن مسعود، عن النبي قال: ((كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ یَنْزِلُ مِنْ بَابِ وَاحِدٍ عَلَی حَرْفٍ
وَاحِدٍ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةٍ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ زَاجِرٌ وَأَمِرٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ
وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، فَأَحِلُّوا حَلَّالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَانْتَهُوا
AAALL A

كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآن
٢٠٩
عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَقُولُوا: ﴿ءَامَنَّا
تلے
بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِندِ رَيِّنَا﴾ [آل عمران: ٧])) وقد صححه ابن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر؛
لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. قال الذهبي بعد ذكر تصحيح الحاكم: قلت:
منقطع. وقال الطحاوي: كان أهل العلم يدفعون هذا الإسناد بانقطاعه؛ لأنَّ أبا
سلمة لا يتهيأ في سِنِّهِ لقاء عبد الله بن مسعود ولا أخذه إياه عنه.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت؛ لأنه لم يلق أبوسلمة بن عبد الرحمن
ابن مسعود، فالحديث ضعيف، والقول المبني عليه فاسد. وقد رده قوم من أهل
النظر: منهم أبوجعفر أحمد بن أبي عمران وابن عطية، والماوردي، والمازري،
وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به، وحاصله: أنَّه يستحيل
أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة، ومن أراد البسط فليرجع إليه
وإلى ((الفتح)) و((الإتقان)) وسنذكر شيئًا منه في شرح حديث ابن عباس من هذا
الفصل.
ومنها: أن المراد بها: ((سبع قراءاتٍ)) روى ذلك عن الخليل بن أحمد، وتعقب:
بأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل مثل ﴿وَعَبَدَ اُلَّغُوتَ﴾
[المائدة: ٦٠] ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأجيب: بأن المراد: أن كل كلمة تقرأ بوجه
أو وجهين أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة، ويشكل على هذا أن في الكلمات ما قرئ على
أكثر كذا في ((الإتقان)). وقال القسطلاني: هذا القول أضعف الوجوه، فقد بين
الطبري وغيره أن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد من الأحرف السبعة. ومنها:
أن المراد بها: الاختلاف في كيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق
وإمالة وإشباع ومد وقصر، وتليين وتحقيق وتشديد وتخفيف؛ لأن العرب كانت
مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسر الله تعالى عليهم، ليقرأ كل إنسان بما يوافق
لغته ويسهل عليه، ذكره النووي في ((شرح مسلم)).
وقال الطيبي: هو أصح الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث، انتهى. قال القاري
بعد ذكره عن ((شرح مسلم)): وفيه: أنَّ هذا ليس على إطلاقه، فإن الإدغام مثلاً في
مواضع لا يجوز الإظهار فيها، وفي مواضع لا يجوز الإدغام فيها، وكذلك
البواقي، انتهى. ومن شاء الوقوف على بقية الأقوال رجع إلى ((الإتقان)).

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تنبيهات:
الأول: قد تقدم في بيان القول الأول: أن أول نزول القرآن كان بلسان قريش ثم
سهله اللّه تعالى على الناس فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم. قال الحافظ: وذلك
بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام فقد ثبت أن ورود التخفیف بذلك کان بعد
الهجرة، كما في حديث أبي بن كعب: أنَّ جبريل لقي النبي ◌َّ وهو عند أَضاةٍ بني
غفار فقال: اللَّه يأمرك أن تقرأ على أمتك القرآن على حرف، فقال: ((أَسَأَلُ اللهَ
مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ... )) الحديث. أخرجه مسلم، وإِضَاةٌ بني
غفار بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث، هو مستنقع الماء
كالغدير، وجمعه إضَّا كعصًا. وقيل: بالمد والهمز مثل إناء، وهو موضع بالمدينة
النبوية ينسب إلى بني غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء؛ لأنهم نزلوا عنده.
الثاني: قد اختلفوا أن الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، هل؟ هي باقية إلى
الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها.
قال القسطلاني: وإلى الثاني ذهب الأكثر كسفيان بن عيينة وابن وهب والطبري
والطحاوي، انتهى. قلت: قال الطحاوي: وإنما كان ذلك رخصة لَمَّا كان يتعسر
على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط؛ وإتقان الحفظ
ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني
وآخرون، كذا في ((المرقاة)) و((الإتقان)). قلت: وإلى الأول ذهب الباجي حيث
قال: فإن قيل: هل تقولون: إن جميع هذه السبعة الأحرف ثابتة في المصحف؟
فالقراءة بجميعها جائزة، قيل لهم كذلك، نقول: والدليل على صحة ذلك:
﴾﴾ [الحجر: ٩]، ولا يصح انفصال
قول اللَّه وعَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
الذكر المنزل من قراءته، فيمكن حفظه دونها، ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن
ظاهر قول النبي وَل﴿ يدل على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ تيسيرًا على من أراد
قراءته ليقرأ كل رجل منهم بما تيسر عليه، وبما هو أخف على طبعه وأقرب إلى
لغته، ونحن اليوم مع عجمة ألسنتنا وبعدنا عن فصاحة العرب أحوج إلى ذلك،
انتھی بتغییر یسیر.
imd InAmsum maI n
۔۔

٢١١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
Ecx
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
وقال العيني: اختلف الأصوليون، هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه
الطبري وغيره، وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم، وهو حرف زيد، ونحا إليه
القاضي أبوبكر. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: اجمع المسلمون على أنه لا
يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله، ولا يسوغ
للأمة أن تمنع ما أطلقه اللّه بل هي موجودة في قراءتنا وهي مفرقة في القرآن غير
معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي: أن يقرأ بكل من نقله أهل
التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيحفظ حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة
ولا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عبده ورفقًا.
وقال الخطابي: الأشبه فيه ما قيل: إن القرآن أنزل مرخصًا للقاري بأن يقرأ
بسبعة أحرف على ما تيسر، وذلك إنما هو فيما اتفق فيه المعنى أو تقارب، وهذا
قبل إجماع الصحابة ظه، فأمَّا الآن فلا يسعهم أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعوا
عليه .
الثالث: اختلف القائلون باستقرار الأمر على بعض الأحرف السبعة، هل استقر
ذلك في زمن النبوي أم بعده؟ قال القسطلاني والزرقاني: الأكثر على الأول
واختاره أبوبكر الباقلاني وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم؛ لأن ضرورة اختلاف
اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فَأَذِنَ. لِكُلِ
أن يقرأ على حرفه، أي: طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر، وقد ربت الألسن
وتمكن الناس من الاقتصار على لغة واحدة فعارض جبريل النبي وَلّ القرآن مرتين
في السنة الأخيرة، واستقر ما هو عليه الآن، فنسخ الله تعالى تلك القراءة المأذون
فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس، انتهى.
قلت: وهو اختيار الطحاوي، كما يدل عليه كلامه الذي ذكرنا في التنبيه الثاني،
وحكى السيوطي في ((الإتقان)) عن الطبري، أنه قال: القراءة على الأحرف السبعة
لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزًا لهم ومرخصًا لهم فيهم، فلما رأى
الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على
ذلك إجماعًا شائعًا، وهم معصومون من الضلالة ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا
فعل حرام. ولا شك أن القرآن نسخ منه في العرضة الأخيرة، فاتفق رأي الصحابة

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقر في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك،
انتھی .
وقال البغوي في ((شرح السنة)) كما في ((الفتح)): المصحف الذي استقر عليه
الأمر هو آخر العرضات على رسول اللَّه وَلَ فأمر عثمان بِنَسْخِهِ في المصاحف
وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف
خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن
يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم، انتهى.
الرابع: اختلف في أن القراءات السبعة التي يقرؤها الناس اليوم، هل هذه
الأحرف السبعة المذكورة في الحديث أو هي حرف واحد منها؟ قال الأَبِّي في
(الإكمال)): الأول ظاهر قول الباقلاني، والثاني نص قول ابن أبي صفرة، وهو
ظاهر قول الطحاوي، والأظهر في المسألة مختار أبي عبد الله بن عرفة، أن المراد
بالأحرف المذكورة في الحديث أحرف قراءات السبع اليوم، وقراءة يعقوب داخلة
في ذلك؛ لأنه أخذها عن أبي عمرو؛ ولأن بذلك يظهر التسهيل والتيسير الذي
هو سبب نزوله عليها، وبه أيضًا معجزة قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
[الحجر: ٩] ؛ لأنها محفوظة مع مرور مئين من السنين، وبه أيضًا تعرف ضعف
قول ابن أبي صفرة؛ لأنها لو كانت واحدة من تلك الأحرف لزم أن توجد بقيتها وإن
لم تحفظ؛ لاقتضاء الآية ذلك، انتهى.
وقال الحافظ: قال أبوشامة: ظن قوم أن قراءات السبع الموجودة الآن، هي التي
أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض
أهل الجهل، قال: وقد بالغ أبوطاهر بن أبي هاشم في الرد على من نسب إلى ابن
مجاهد، أن مراده بالقراءات السبع، الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال
ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي
وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة،
وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما
كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط؛
امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأو في ذلك من الاحتياط للقرآن.
فَمِنْ ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قُرَّاءِ الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من
السبعة .

٢١٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْع القُرْآن
وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن
الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم قال،
وأمَّا من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في
الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا قال: ويلزم من هذا أن ما خرج من قراءة هؤلاء
السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا وهذا
غلط عظيم، انتهى. وقد بسط الحافظ الكلام في هذا في الفتح (ج ٢ ص ٤٣١،
٤٣٢) فعليك أن تراجعه فإنه مفيد جدًّا.
الخامس: وهو تتمة الرابع، قال أبوشامة المقدسي: قد اختلف السلف في
الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي
الناس اليوم أو ليس في الأحرف واحد منها؟ مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح
الطبري، وجماعة بالثاني، قال الحافظ وهو المعتمد، قال: والحق: أن الذي جمع
في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به، المكتوب بأمر النبي وَ له وفيه
بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، قال، وما عدا ذلك من القراءات
مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلًا،
فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وَكَفَّرَ بعضهم بعضًا، اختار
الاقتصار على المأذون في كتابته وتركوا الباقي.
قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خير
فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على
سبيل الإيجاب بل على سبيل الرخصة، قال الحافظ: ويدل عليه قوله ◌َّل﴾ في حديث
الباب: ﴿فَأَقْرَهُوأَ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وقد قرر الطبري ذلك تقريرًا أطنب فيه ووهَّی
من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم: أبو العباس بن عمار في ((شرح
الهداية))، وقال: أصح ما عليه الحُذَّاقُ أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة
المأذون في قراءتها لا كلها إلى آخر ما قال. (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، أي: من أنواع
القراءات بخلاف قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُ وأَ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المرسل: ٢٠] فإن المراد به: الأعم من
المقدار والجنس والنوع قاله القاري. وقال القسطلاني: أي: من الأحرف المنزل
بها، فالمراد بالتيسير في الآية غير المراد به في الحديث؛ لأن الذي في الآية المراد

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
به القلة والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القاري من القراءات فالأول من
الكمية والثاني من الكيفية.
وقال الحافظ: قوله: (مِنْهُ)، أي: من المنزل بالسبعة وفيه: إشارة إلى الحكمة
في التعدد المذكور، وإنه للتيسير على القاري، وهذا يقوي قول من قال المراد
بالأحرف: تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام
بلسان قریش، و کذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلف قراءتهما نبه علی ذلك ابن عبد
البر، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ)، أي: معنى. (وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في فضائل
القرآن عن يحيى بن يحيى عن مالك عنَّ ابن شهاب، وأخرجه البخاري في
الخصومات عن عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك بنحوه، وأخرجه أيضًا في
فضائل القرآن والتوحيد من طريق عقيل عن ابن شهاب، وفي فضائل القرآن أيضًا
من طريق شعيب عنه، وفي استتابة المرتدين من طريق يونس عنه وأخرجه أيضًا
أحمد (ج ١ ص٢٤، ٤٠، ٤٣) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي في القراءة،
وأَبُو دَاوُدَ والنسائي في الصلاة، والطيالسي وأبوعوانة وابن حبان وابن جرير
والبيهقي (ج٢ ص ٣٨٣).
قال السيوطي في الإتقان: ورد حديث: ((نزل القرآن على سبعة أحرف)) من رواية
جمع من الصحابة، فسرد أسمائهم، ثم قال: فهؤلاء أحد وعشرون صحابيًّا، وقد
نص أبو عبيدة على تواترة. وقال القاري: حديث نزل القرآن على سبعة أحرف
ادعى أبو عبيدة تواتره؛ لأنه ورد من أحد وعشرين صحابيًّا، ومراده التواتر اللفظي،
وأمَّا تواتره المعنوي، فلا خلاف فيه، انتهى.
قلت: ذكر الهيثمي في أواخر التفسير أحاديث ثلاثة عشر صحابيًّا منهم مع
الكلام فيها من أراد الوقوف عليها؛ فليرجع إلى ((مجمع الزوائد» (ج ١ص ١٥٠ -
١٥٤).

٢١٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
٢٢٣٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِشْتَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ،
وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقْرَأْ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِي
وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقَالَ: ((كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ
اخْتَلَفُوا، فَهَلَكُوا)).
[رَوَاهُ الْبُخَاريَّ] {صحيح}
الشرح
٢٢٣٤ - قوله: (سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ)، أي: آية كما في رواية، وفي أخرى:
((يقرأ آية)). قال الحافظ: هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب، فقد أخرج
الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع ابن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها، وفيه: أنَّ
النبي وَّلّ قال: ((كلا كما محسن))، انتهى. قلت: لكن بين الطبري من هذه الطريق
أن السورة المذكورة سورة النحل، ويظهر من روايات أحمد أنَّ الاختلاف كان في
سورة من آل حم یعني: الأحقاف، فقد روی هو (ج١ ص٤٢١، ٤٥٢) من طريق زر
ابن حبيش، عن ابن مسعود في هذه القصة. قال: أقرأني رسول اللَّه وَلي سورة
الأحقاف، وأقرأها رجلًا آخر، فخالفني في آية منها، وعنده (ج١ ص٤١٩) من
طريق زر أيضًا، أقرأني رسول اللَّه وَلي سورة من الثلاثين من آل حم يعني:
الأحقاف. قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين
الحديث. وعنده أيضًا (ج ١ ص٤٠١) من طريق أبي وائل عن عبد الله قال: سمعت
رجلًا يقرأ حم الثلاثين يعني: الأحقاف ... إلخ، وذكر العيني رواية لابن مسعود
من صحيح ابن حبان تدل على أن تلك الآية من سورة الرحمن والله أعلم.
(يَقْرَأُ خَلَافَهَا)، أي: غير قراءة ذلك الرجل، والضمير راجع إلى المصدر
المفهوم من قرأ. (فَجِئْتُ بِهِ)، أي: أحضرته، وفي رواية: فأخذت بيده، فأتيت
به. (فَأَخْبَرْتُهُ)، أي: بما سمعت من الخلاف. (فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيةَ)
بتخفيف الياء، أي: آثار الكراهة؛ خوفًا من الاختلاف المتشابه باختلاف أهل
الكتاب؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ونقلهم صحيح، فلا وجه للخلاف، قاله
(٢٢٣٤) البُخَارِي (٥٠٦٢)، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٠٩٥) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْهُ.

٢١٦
H
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
القاري. وقال الطيبي: أي: للجدال الواقع بينهما، وفي رواية زر المذكورة:
(فغضب وتمعر وجهه)).
(كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ)، قال القاري: أي: في رواية القراءة وأفراد الخبر باعتبار لفظ:
((كِلَا)). وقال القسطلاني: فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية؟
أجيب: بأن معنى الإحسان راجع إلى ذلك لقراءته وإلى ابن مسعود لسماعه من
رسول اللَّه وَله ثمَّ تحريه الاحتياط، والكراهية راجعة إلى جداله مع ذلك الرجل
كما فعل عمر بهشام، كما تقدم؛ لأن ذلك مسبوق بالاختلاف. وكان الواجب عليه
أن يقره على قراءته، ثم يسأل النبي ◌َّ عن وجهها.
وقال المظهري: الاختلاف في القرآن غير جائز؛ لأن كل لفظ منه إذا جاز قراءته
على وجهين أو أكثر، فلو أنكر واحد أحدًا من ذينك الوجهين أو الوجوه؛ فقد أنكر
القرآن ولا يجوز في القرآن القول بالرأي؛ لأن القرآن سنة متبعة، بل عليهما أن
يسألا عن ذلك ممن هو أعلم منهما. انتهى. وقال ابن الملك: إنما كره اختلاف
ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن؛ لأن قراءته على وجوه مختلفة جائزة،
فإنكار بعض تلك الوجوه إنكار للقرآن، وهو غير جائز. قال القاري: هذا وقع من
ابن مسعود قبل العلم بجواز الوجوه المختلفة وإلا فحاشاه أن ينكر بعد العلم ما
يوجب إنكاره وإنكار القرآن، وهو من أجل الصحابة بعلم القرآن وأفقهم
بأحكامه، ولعلَّ وجه ظهور الكراهية في وجهه عليه الصلاة والسلام إحضاره
الرجل، فإنه كان حقه أن يحسن الظن به ويسأل النبي وقّ عما وقع له، ويمكن أنه
ظهرت الكراهية في وجهه عليه الصلاة والسلام عندما صنع عمر أيضًا لكن عمر
لشدة غضبه ما شعر أو حلم عليه الصلاة والسلام لما رأى به من الشدة.
(فَلَا تَخْتَلِفُوا)، أي: أيها الصحابة، أو أيها الأمة وصدقوا بعضكم بعضًا في
الرواية بشروطها المعتبرة؛ قاله القاري. وقال القسطلاني: أي: لا تختلفوا اختلافًا
يؤدي إلى الكفر أو البدعة كالاختلاف في نفس القرآن، وفيما جازت قراءته
بوجهين وفيما يوقع في الفتنة أو الشبهة.
(فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)، أي: من بني إسرائيلٍ. (اخْتَلَفُوا) بتكذيب بعضهم بعضًا.
(فَهَلَكُوا)، أي: باختلافهم، وفي رواية: ((فَأَهْلِكُوا)) بضم أوله.

٢١٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
وفي أخرى: ((فَأَهْلَكَهُمْ))، أي: اللَّه بسبب الاختلاف. قال الحافظ: وعند ابن
حبان والحاكم (ج٢ ص٢٢٤) من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه
القصة: ((فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الإِخْتِلَافُ)) انتهى. وكذا وقع عند أحمد
(ج ١ ص ٤١٩) وفي رواية أخرى له (ج ١ ص٤٢١، ٥٤٢): «فَإِنَّمَا هَلَكَ أو أُهْلِكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ بِالِاِخْتِلَافِ)) .
قال الحافظ: وفي الحديث: الحض على الجماعة، والتحذير من الفرقة
والاختلاف، والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن يظهر دلالة
الآية على شيء يخالف الرأي فَيُتَوسَّلُ بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك
الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه. انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في أول الخصومات، وفي ذكر بني إسرائيل وفي آخر فضائل
القرآن من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود،
واللفظ المذكور له في الخصومات وأخرجه أيضًا أحمد من هذا الطريق
(ج ١ ص ٣٩٣، ٤١١ - ٤١٢، ٤٥٦)، قال العيني: وأخرجه النسائي في ((فضائل
القرآن)).

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٢٣٥ - [٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ
رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرٌ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةٍ
صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاَةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ إِ لَه فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا
قَرَّأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرٌ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِهِ، فَأَمَرَهُمَا
النَّبِيُّ ◌ََّ، فَقَرَآ فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِوَ لِهِ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ
عَرَقًّا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ رَكَ فَرَقًّا، فَقَالَ لِي: ((يَا أُبَيُّ، أَرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأْ
الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ
عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَّ الثَّالِثَةَ: اِقْرَأْهُ عَلَى
سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِأَمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِئَةَ: لِيَوْمِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
إِبْرَاهِيمُ نَّلام)) .
الشرح
٢٢٣٥- قوله: (كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ)، أي: النبوي. (فَدَخَلَ رَجُلٌ)، وعند
أحمد (ج٥ص١٢٤) والطبري والبيهقي (ج ٢ ص ٣٨٥) من وجه آخر: أنَّ هذا
الرجل هو عبد الله بن مسعود، والله أعلم. (يُصَلَّي) استئناف أو حال. (فَقَرَأَ قِرَاءَةً
أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ)، أي: بالجنان أو باللسان.
(ثُمَّ دَخَلَ آخَرٌ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ)، أي: فأنكرتها عليه أيضًا. وقيل:
الظاهر أنه لم تكن قراءة هذا الآخر منكرة عند أُبَيِّ وإلا لذكر الإنكار عليه أيضًا.
(فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ) دلَّ على أن أُبيّ أيضًا كان في الصلاة، والظاهر: أنها صلاة
الضحى أو نحوها من النوافل؛ قاله القاري. (دَخَلْنَا جَمِيعًا)، أي: كلنا أو
مجتمعون. (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّة)، أي: في حجرة من حجراته.
(٢٢٣٥) مُسْلِم (٢٧٣/ ٨٢٠)، وَأَبُو دَاوُد (١٤٧٨)، وَالنَّسَائِي (١٥٣/٢)، كُلُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢١٩
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآنِ
بَابُ اخْتِلَافِ القِرَاءَاتِ وَجَمْعِ القُرْآنِ
(فَقَرَآ) بلفظ التثنية، أي: كلاهما. (فَحَسَّنَ) من التحسين. (شَأْنَهُمَا)، أي:
قال: كلاكما محسن، أو قال: لكل واحد منهما أحسنت، وعند البيهقي، فقال:
((أَحْسَنْتُمَا أو أَصَبْتُمَا))، وفي رواية لعبد الله بن أحمد قال: ((قد أحسنتم)). (فَسَقَطَ
فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ)، أي: خطر في قلبي من التكذيب من جهة تحسينه وَّل
قراء تهما ظنًّا مني أنَّ كلام الله الواحد يكون على وجه واحد، ولا يجوز أن يقرأه كل
رجل كيفما شاء. (وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلَيَّةِ)، أي: ولا وقع في نفسي التكذيب
والوسوسة؛ إذ كنت في الجاهلية، وهذا مبالغة؛ لأنه كان في الجاهلية جاهلًا، فلا
يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة؛ إذ ذاك. وأمَّا بعد حصول اليقين والمعرفة، فهو
بعيد وأمر عظيم.
قال النووي: معناه: وسوس لي الشيطان؛ تكذيبًا للنبوة أشد مما كنت عليه في
الجاهلية؛ لأنه في الجاهلية كان غافلًا أو متشككًا، فوسوس له الشيطان الجزم
بالتكذيب. وقال القاضي عياض: معنى قوله: ((سَقَطَ فِي نَفْسِي))، إنه اعترته حيرة
ودهشة قال: وقوله: ((وَلَّا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلَيَّةِ))، معناه: أنَّ الشيطان نزع في نفسه
تكذيبًا لم يعتقده، قال: وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها. قال
القاضي: قال المازري: معنى هذا: أنه وقع في نفس أبي بن كعب نزغة من
الشيطان غير مستقرة، ثم زالت في الحال حين ضرب النبي ◌ُّهبيده في صدره
ففاض عرقًّا انتهى.
وقال الطيبي: يعني: وقع في خاطري من تكذيب النبي وَلّ لتحسينه بشأنهما
تكذيبًا أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام؛ لأنه كان قبل الإسلام غافلًا أو مشككًا.
وإنما استعظم هذه الحالة؛ لأن الشك الذي داخله في أمر الدين إنما ورد على مورد
اليقين. وقيل: فاعل سقط محذوف، أي: وقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر
على وصفه ولم أعهد بمثله ولا وجدت مثله؛ إذ كنت في الجاهلية وكان أَبَيٍّ من
أكابر الصحابة، وكان ما وقع له نزغة من نزغات الشيطان، فلما ناله بركة يد
النبي ◌ّ زال عنه الغفلة والإنكار، وصار في مقام الحضور والمشاهدة. انتهى.
قلت: وفي رواية عند أحمد: ما تخلج في نفسي من الإسلام ما تخلج يومئذ،
وفي أخرى: ما حك في صدري شيء منذ أسلمت إلا إني قرأت آية وقرأها رجل