النص المفهرس

صفحات 81-100

٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)، أي: بالذنوب لا بالكفر نعوذ بالله منه وإفراد الضمير للفظ
الكل .
قال الطيبي: فيه: ردٌّ على من زعم أن الشفاعة إنما تكون في رفع المنزلة دون
حط الوزر بناء على ما افتروه، أنَّ مرتكب الكبيرة يجب خلوده في النار، ولا يمكن
العفو عنه والوجوب هنا على سبيل المواعدة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ١ ص١٤٨ -
١٤٩). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن. (وَابْنُ مَاجَهْ) في السنة كلهم من طريق
حفص بن سليمان عن كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة عن علي. (وَالدَّارِمِيُّ)،
كذا في جميع النسخ المطبوعة بالهند، وكذا وقع في النسخة التي على هامش
المرقاة، ولم يقع في النسخ التي اعتمد عليها القاري في شرحه إلا في نسخة واحدة
حيث قال بعد ذكر قول المصنف: (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) ما لفظه، وفي
نسخة صحيحة والدارمي، انتهى. والظاهر: أنَّ ما وقع في تلك النسخة وفي
النسخ ((المطبوعة)) من زيادة (وَالدَّارِمِيُّ) خطأ من الناسخ فإني لم أجد هذا الحديث
في مسند الدارمي.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، وبعده لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس
له إسناد صحيح. (وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي) بإسكان الياء. (لَيْسَ هُوَ بِالْقَويِّ)
ليست هذه الجملة في نسخ الترمذي الموجودة عندنا. (يُضَعَّفُ) بالتشديد، أي:
ينسب إلى الضعف. (فِي الْحَدِيثِ)، أي: في رواية الحديث. قلت: حفص بن
سليمان هذا هو حفص بن أبي داود الأسدي أبو عمر البزار الكوفي الغاضري القاري
صاحب عاصم بن أبي النجود وصاحب قراءة حفص المعروفة التي يقرأ لها الناس
بمصر والهند. قال الحافظ في ((التقريب)): متروك الحديث مع إمامته في القراءة،
انتھی .
وقال البخاري في ((الضعفاء)): تركوه، وقال مسلم وأحمد والنسائي وأبوحاتم:
متروك الحديث. وقال ابن المديني وأبوزرعة وأبوحاتم: أيضًا ضعيف الحديث.
وقال ابن خراش: كذاب متروك. وقال أبوأحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال
يحيى بن سعيد عن شعبة: أخذ مني حفص بن سليمان كتابًا فلم يروه وكان يأخذ
كتب الناس فينسخها، يعني: أنه ينسخ كتبًا لم يسمعها فيحدث بها كأنها من

٨١
#E
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
سماعه، ولذلك قال ابن معين: كان حفص وأبوبكر يعني ابن عياش من أعلم الناس
بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر وكان كذابًا، وكان أبوبكر صدوقًا،
انتهى. وفي سنده أيضًا كثير بن زاذان وهو مجهول.
قال ابن معين: لا نعرفه، وقال أبوزرعة وأبوحاتم: شيخ مجهول. فالحديث
ضعيف جدًّا لضعف حفص القاري وجهالة كثير بن زاذان، وله شاهد ضعيف من
حديث جابر رواه الطبراني في الأوسط ذكره الهيثمي (ج٧ص ١٦٢) وقال: فيه
جعفر بن الحارث وهو ضعيف .
٢١٦٢ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ لِأُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ: ((كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَةِ؟)) فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَّ:
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَاِ فِي الَّبُورِ،
وَلَا فِي الْقُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعُ مِنَ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ)).
[رَوَاهُ الَّْمِذِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: ((مَا أُنْزِلَتْ)) وَلَمْ يَذْكُرْ أَبِيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {صحيح )
الشرح
٢١٦٢- قوله: (كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ)، يعني: الفاتحة
وسميت بها؛ لاحتوائها واشتمالها على ما في القرآن إجمالاً، أو المراد بالأم:
الأصل، فهي أصل قواعد القرآن ويدور عليها أحكام الإيمان. قال الطيبي: فإن
قلت: كيف طابق هذا جوابًا عن السؤال بقوله: ((كَيْفَ تَقْرَأْ))؛ لأنه سؤال عن حالة
القراءة لا نفسها. قلت: يحتمل أن يقدر فقرأ القرآن مرتلًا ومجودًا، أو يحتمل أنه
عليه الصلاة والسلام سأل عن حال ما يقرأه في الصلاة، أهي سورة جامعه حاوية
لمعاني القرآن أم لا؟ فلذلك جاء بأم القرآن وخصها بالذكر، أي: هي جامعه
لمعاني القرآن وأصل لها كذا في ((المرقاة)). قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني صدر
الحديث الذي حذفه المصنف.
(٢١٦٢) التِّرْ مِذِي (٢٨٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ (٥٥٧/١).

٨٢
eese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَلَا فِي الْفُرْقَانِ)، أي: في بقية القرآن. (مِثْلُهَا) بالرفع، أي: سورة مثلها.
(وَإِنَّهَا سَبْعٌ)، أي: سبع آيات. (مِنَ الْمَثَانِي)، أي: هي المثاني. ف(مِنَ) بيانية
ويحتمل أن تكون تبعيضية. (وَالْقُرَآنُ الْعَظِيمُ) قيل: هو من إطلاق الكل على الجزء
للمبالغة. (الَّذِي أُعْطِيتُهُ)، أي: ولم يعطه نبي غيري.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، أي: من أوله إلى آخره في فضائل القرآن من طريق العلاء بن
عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ◌َل خرج على أبي بن كعب، فقال
رسول اللَّه ◌َ لّ: ((يا أبِيّ وهو يصلي)) فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف، ثم
انصرف إلى رسول اللّه وَ ليل، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال رسول الله
وَّه : ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبِيُّ أَنْ تُجِيبَنِ إِذْ دَعَوْتُك))، فقال: يا رسول الله.
إني كنتُ في الصلاة، قال: ((أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَوْحَى اللهُ إِلىَّ أَنِ ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلَّسُولِ
إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾)) ([الأنفال: ٢٤] قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال: ((أَتُحِبُّ
أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْقَانِ
مِثْلُهَا))، قال: نعم يا رسول الله فقال رسول اللَّه ◌َله: ((كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ... ))،
إلخ.
قال الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف فيه على العلاء أخرجه الترمذي من طريق
الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرحمن
ابن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة كلهم عن العلاء عن أبيه عن
أبي هريرة رَضِ ◌َّهُ قال: خرج النبي وَلّ على أبي بن كعب فذكر الحديث. وأخرجه
الترمذي، يعني: في سورة الحجر وابن خزيمة والحاكم (ج١ ص ٥٥٧) من طريق
عبد الحميد بن جعفر عن العلاء مثله لكن قال عن أبي هريرة عن أبي بن كعب
رَوْيَّةُ، وأخرجه الحاكم (ج ١ ص٥٥٨) من طريق شعبة عن العلاء نحوه لكن قال:
عن أبيه عن أبي بن كعب، ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه
الحاكم أيضًا (ج ١ ص٥٥٨) من طريق الأعرج عن أبي هريرة أنَّ النبي ◌َّ نادى أبي
ابن كعب، وهو مما يقوي ما رجحه الترمذي، انتهى كلام الحافظ بتغيير يسير.
(وَرَوَى الدَّارِمِيُّ)، أي: من طريق الدراوردي عن العلاء. (وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَّيَّ بْنَ
كَعْبٍ)، أي: قصته الكائنة في صدر الحديث.

٨٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢١٦٣ - [٣٥] وَعَنْهُ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ
فَاقْرَءُ وهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمْ فَقَرَأْ وَقَامَ بِهِ، كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا
تَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ، كَمَثَلِ جِرَابٍ
◌ُوكِئْ عَلَى مِسْكِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢١٦٣- قوله: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ)، أي: لفظه ومعناه: قال أبو محمد
الجويني: تعلم القرآن وتعليمه فرض كفاية؛ لئلا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق
إليه تبديل وتحريف. قال الزركشي: وإذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن
أثموا بأسرهم. قال ابن حجر: وفيه وقفة إذ المخاطب به جميع الأمة، فحيث كان
فيهم عدد التواتر ممن يحفظ فلا إثم على أحد، نعم يتعين في عدد التواتر المذكور
أن يكونوا متفرقين في بلاد الإسلام بحيث لو أراد أحد أن يغير أو يحرف شيئًا
منعوه، انتهى. وظاهر كلام الزركشي أن كل بلد لا بد فيه أن يكون ممن يتلو القرآن
في الجملة؛ لأنَّ تعلم بعض القرآن فرض عين على الكل، فإذا لم يوجد هناك أحد
يقرأ أثموا جميعًا كذا في ((المرقاة)).
(فَاقْرَءُ وهُ)، أي: بعد التعلم لو عقيبه، وفي الترمذي: (وَاقْرَءُوهُ))، أي: بالواو،
وكذا وقع في بعض نسخ ((المشكاة))، وهكذا نقله المنذري في ((الترغيب))،
والجزري في ((جامع الأصول))، و((الحصن)) وعلي المتقي في ((الكنز)). قال
الطيبي: الفاء في قوله: (فَاقْرَءُوهُ) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ
إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣٠]، أي: تعلموا القرآن وداوموا على تلاوته، والعمل بمقتضاه يدل عليه
التعليل بقوله: (فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ)، وفي الترمذي: (تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ»،
وهكذا نقله في ((الترغيب)) و((الحصن)).
(٢١٦٣) التِّرْ مِذِي (٢٨٧٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى)) (٨٧٤٩)
فِي السِّيَرِ، وَابن مَاجَهْ (٢١٧) فِي المُقَدِّمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقَامَ بِهِ)، أي: داوم على قراءته وعمل به. (كَمَثَلِ جِرَابٍ) بكسر الجيم وعاء
معروف، وفي ((الصحاح)): والعامة تفتحها، وفي ((القاموس)): ولا يفتح أو هي
لغية، وفي القسط من باب اللطف قول من قال لا تكسر القصعة ولا تفتح الجراب،
وخصّ الجراب هنا بالذكر؛ احترامًا لأنه من أوعية المسك. قال الطيبي: التقدير:
فإن ضرب المثل لأجل من تعلمه كضرب المثل للجراب، فمثل مبتدأ والمضاف
محذوف، واللام في (لِمَنْ تَعَلَّمَ) متعلق بمحذوف، والخبر قوله: (كَمَثَلِ) على
تقدير المضاف أيضًا، والتشبيه إمَّا مفرد وإمَّا مركب. (مَحْشُوٌّ) بتشديد الواو
كمدعو، أي: مملو. (مِسْكًا) نصبه على التمييز.
(تَقُوحُ) وفي الترمذي: ((يَقُوحُ)) بالتذكير، وكذا في ((الترغيب)) و((الكنز))
و ((الحصن)). (رِيحُهُ)، أي: تظهر وتصل رائحته من فاح المسك يفوح فوحًا
انتشرت رائحته ولا يقال في الكريهة أو عام. (كُلَّ مَكَانٍ) وفي الترمذي: ((فِي كُلُّ
مَكَانٍ))، قال ابن الملك: يعني: صدر القاري كجراب، والقرآن فيه كالمسك فإنه
إذا قرأ وصلت بركته إلى تاليه وسامعيه. قال القاري: ولعلَّ إطلاق المكان
للمبالغة، ونظيره قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾
[النمل: ١٦] مع أنَّ التدمير والإِيتاء خاص. (وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ) بالرفع والنصب. (فَرَقَدَ)،
وفي الترمذي: ((فَيَرْقُدُ)) بصيغة المضارع، وهكذا في ((الترغيب)) و((الكنز))
و((الحصن)) و((جامع الأصول))، أي: ينام ويغفل عنه، ولا يشتغل به على الوجه
المذكور؛ لأنه من كان كذلك كأنه نائم، وذلك بقرينة مقابلته بقوله: (فَقَرَأَ وَقَامَ
بِهِ)، وقيل: رقد، أي: نام عن القيام بالقرآن في الليل وقام به، أي: في الليل.
(وَهُوَ)، أي: القرآن.
(فِي جَوْفِهِ)، أي: في قلبه وهي جملة حالية. (أُوكِيَ) بصيغة المجهول من
أوكيت السقاء، إذا ربطت فمه بالوكاء، والوكاء بالكسر الخيط الذي يشد به
الأوعية. (عَلَى مِسْكِ) المعنى: أنه ملأه مسكًا وربط فمه على المسك، أي: لأجله
يعني القرآن في صدره كالمسك في الجراب، فإن قرأ تصل البركة إلى بيته وإلى
السامعين ويحصل منه استراحة وثواب إلى حيث يصل إليه صوته، فهو كجراب
مملو من مسك إذا فتح رأسه تصل رائحته المسك إلى كل مكان حوله. ومن تعلم
القرآن ولم يقرأه لم تصل بركته منه لا إلى نفسه ولا إلى غيره فيكون كجراب

٨٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
مشدود رأسه، وفيه مسك فلا تصل رائحته إلى أحد.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في فضائل القرآن. (وَالنَّسَائِيُّ) في ((الكبرى)). (وَابْنُ مَاجَهْ) في
السنة وأخرجه أيضًا ابن حبان في (صحيحه)) كلهم من طريق عطاء مولى أبي أحمد
عن أبي هريرة، والحديث رواه الترمذي مطولًا بذكر السبب وحسَّنه، وابن ماجه
مختصرًا. وصدر الحديث عند الترمذي. قال أبو هريرة: بعث رسول اللَّه وَالّ بعثًا
وهم ذوو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل منهم، يعني: ما معه من القرآن فأتى
على رجل من أحْدَثِهِمْ سنًّا، فقال: ((مَا مَعَكَ يا فلان؟»، فقال: معي كذا وكذا
وسورة البقرة، فقال: ((أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ؟))، قال: نعم، قال: ((اذْهَبْ فَأَنْتَ
أَمِيْرُهُمْ))، فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلّا خشية أنْ لا
أقوم بها، فقال رسول اللَّه مَثَّ: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ ... ))، الحديث.
٢١٦٤ - [٣٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَنْ قَرَأَ ﴿حَمَ﴾
الْمُؤْمِنِ إِلَى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى
يُمْسِيَ، ومَنْ قَرَأَ بِهِمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبحَ)).
[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢١٦٤ - قوله: (مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنِ) بفتح الميم وكسرها وجر المؤمن
ونصبه قاله القاري. وفي رواية الدارمي: ((فَاتِحَةَ حم الْمُؤْمِنٍ))، أي: من قرأ سورة
حم التي يقال لها: المؤمن. (إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، يعني: ﴿حَمّ ﴾ تَنِيلُ الْكِنَبِ
مِنَ اَللَّهِ اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ الثَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى اُلْطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ [غافر: ١]. (وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ)، الواو لمطلق الجمع فيجوز تقديمها
وتأخيرها، ويدل على ذلك تقديم آية الكرسي في رواية الدارمي وابن السني.
(حِينَ يُصْبِحُ)، أي: قبل صلاة الصبح، أو بعدها وهو ظرف (قَرَأَ)، (حُفِظَ بِهِمَا)،
(٢١٦٤) التِّرْمِذِي (٢٨٧٩) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

Beexx
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: بقراءتهما وبركتهما.
(حَتَّى يُمْسِيَ)، أي: يدخل الليل؛ لأن الإمساء ضد الإصباح كما أن المساء ضد
الصباح على ما في ((القاموس)) و((الصحاح))، وفي رواية ابن السني: ((عُصِمَ ذَلِكَ
الْيَوْمُ مِنْ كُلُّ سُوءٍ))، وللدارمي: ((لَمْ يَرَ شَيْئًا يَكْرَهُهُ حَتَّى يُمْسِيَ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ)، وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان كما في ((الحصن))
وابن السني (ص٢٢٠). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، تفرَّد به عبد الرحمن
ابن أبي بكر بن عبيدالله بن أبي مليكه المدني عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة
عن أبي هريرة، وعبد الرحمن هذا ضعيف. قال البخاري وأحمد: منكر الحديث.
وقال الترمذي: قد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة
المليكي من قبل حفظه .
٢١٦٥ - [٣٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ
اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامِ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ
خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلاَ تُقْرَآنٍ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَيَقْرَّبَهَا الشَّيْطَانُ)).
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢١٦٥ - قوله: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا)، أي: أجرى القلم على اللوح، وأثبت
فيه مقادير الخلائق على وفق ما تعلقت به الإرادة. (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ بِأَلْفَي عَام) كنى به عن طول المدة وتمادى ما بين التقدير والخلق من
الزمن، فلا ينافي عّدم تحقق الأعوام قبل السماء، والمراد: مجرد الكثرة، فلا
ينافي ما روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر مرفوعًا: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ
أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))، إذ المراد: طول الأمد بين
(٢١٦٥) رَوَاهُ التر مذيُّ (٢٨٨٢)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٨٠٢) فِي عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، كِلَاهُمَا عَنِ
النُّعْمَانِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢٦٠/٢).

٨٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
التقدير والخلق.
وقيل: وجه الجمع بين الحديثين: أنه من الجائز أن لا يكون كتابة الكوائن في
اللوح المحفوظ دفعة واحدة، بل ثبتها اللَّه فيه شيئًا فشيئًا فيكون كتابة هذا الكتاب
في اللوح قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام والمقادير الأخر بخمسين
ألف عام. قال الطيبي: كتابة مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة لا تنافي
كتابة الكتاب المذكور بألفي عام لجواز اختلاف أوقات الكتابة في اللوح، ولجواز
أن لا يراد به التحديد، بل مجرد السبق الدال على الشرف، انتهى. وقيل: يجوز أن
يكون المقادير كلها مكتوبًا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام ويكون
الكتاب المذكور أيضًا مثبتًا فيه إذ ذاك. ثم أمر الله تعالى ملائكته بإفراد كتابة هذا
الكتاب على حدة في الزمان الذي بعده قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام
تشريفًا وتكريمًا، كما ينتخب ويفرد من الكتاب الكبير بعض أبوابه وفوائده وأنزل
من هذا المفرد المنتخب الآيتين المذكورتين مختومًا بهما سورة البقرة.
وقيل: الكتابة بمعنى إظهار الكتابة، والمراد: أنه أظهر كتابة هذا الكتاب على
طائفة من الملائكة قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام. قال الطيبي: لعلَّ
الخلاصة: أن الكوائن كتبت في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات بخمسين
ألف عام، ومن جملتها كتابة القرآن ثم خلق الله خلقًا من الملائكة وغيرهم فأظهر
كتابة القرآن عليهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بألف عام. وخصَّ من ذلك
هاتان الآيتان وأنزلهما مختومًا بهما أولى الزهراوين. (أَنْزَلَ)، أي: اللَّه - تعالى -
(مِنْهُ)، أي: من جملة ما في ذلك الكتاب المذكور. (آيَتَيْنٍ) هما آمن الرسول إلى
آخره.
(خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ)، أي: جعلهما خاتمتها. (وَلَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ)، أي: في
مكان من بيت وغيره. (ثَلَاثَ لَيَالٍ)، أي: في كل ليلة منها. (فَيَقْرَبَهَا) بفتح
الموحدة على أنه منصوب في جواب النفي. وقيل: بالرفع والراء مفتوحة؛ لأن
قرب المتعدي بالكسر، ومضارعه بالفتح بخلاف قرب اللازم، فإنه يضم فيهما.
ففي ((القاموس)) قرب ككرم، دني وقربه كسمع، انتهى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا

٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]
﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَّتِيِ﴾ [الأنفال: ١٥٣] ونحوهما.
(الشَّيْطَانُ)، هذا لفظ الدارمي، وللترمذي: ((شَيْطَانٌ))، أي: فضلًا عن أن
يدخلها فعبر بنفي القرب ليفيد نفي الدخول بالأولى. قال الطيبي: أي: توجد قراءة
يعقبها قربان، يعني: أن الفاء للتعقيب عطفًا على المنفي، والنفي سلط على
المجموع. وقيل: يحتمل أن تكون للجمعية، أي: لا تجتمع القراءة وقرب
الشيطان. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ)، وأخرجه أيضًا النسائي في اليوم والليلة،
وابن حبان في (صحيحه)) والحاكم (ج١ ص٥٦٢) إلا أن عنده : ((وَلَا يُقْرَآنِ فِي بَيْتٍ
فَيَقْرَ بِهُ شَيْطَانٌ ثَلَاثَ لَيَالٍ))، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، كذا في النسخ الحاضرة من ((المشكاة))،
وهكذا وقع في النسخ الحاضرة من ((جامع الترمذي))، لكن قال المنذري في
((الترغيب)) والشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي،
وقال: حديث حسن غريب.
٢١٦٦ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ قَرَأَ
ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]
الشرح
٢١٦٦- قوله: (مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)
تقدم الکلام علیه .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أصل
الحديث عند مسلم كما سبق.
(٢١٦٦) التِّرْمِذِي (٢٨٨٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

٨٩
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
٢١٦٧ - [٣٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا
وَقَلْبُ الْقُرْآنِ ﴿بِسّ﴾ وَمَنْ قَرَأَ ﴿يَسْ﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ
عَشْرَ مَرَّاتٍ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ الَّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشرح
٢١٦٧ - قوله: (وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس)، أي: لبه وخالصه سورة يس. قال
الطيبي: لاحتوائها مع قصرها على البراهين الساطعة والآيات القاطعة، والعلوم
المكنونة والمعاني الدقيقة والمواعيد الفائقة والزواجر البالغة. وقال الغزالي: إن
الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فيها بأبلغ وجه، فكانت قلب
القرآن لذلك واستحسن هذا الفخر الرازي. وقال في ((اللمعات)): قلب الشيء
زبدته، وقد اشتملت هذه السورة الشريفة على زبدة مقاصد القرآن على وجه أتم
وأكمل مع قصر نظمها وصغر حجمها، وذكر النسفي وجهًا آخر من شاء الوقوف
عليه رجع إلى ((الإتقان)) و((المرقاة)).
(كَتَبَ اللهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قَرِاءَةَ الْقُرْآنِ)، أي: ثوابها. (عَشْرَ مَرَّاتٍ)، أي: من
غيرها ولله تعالى أن يخص ما شاء من الأشياء بما أراد من مزيد الفضل كليلة القدر .
من الأزمنة، والحرم من الأمكنة. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ)، وأخرجه أيضًا
محمد بن نصر، والبيهقي في (الشعب)) كلهم من طريق هارون أبي محمد عن
مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس، وهارون هذا مجهول. وفي الباب عن أبي هريرة
أخرجه أبوبكر البزار كما في ((تفسير الحافظ ابن كثير)) وعزاه في ((الكنز)) للبيهقي في
((الشعب)) .
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))،
وكذا نقله المنذري في ((الترغيب)) والشوكاني في ((تحفة الذاكرين)). ووقع في
نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب، وقال بعد هذا: لا نعرفه
إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن أي: عن الحسن بن صالح عن هارون أبي
محمد، قال: وهارون أبو محمد شيخ مجهول.
(٢١٦٧) التِّرْ مِذِي (٢٨٨٧) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

Beexx
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٦٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ -
تَعَالَى قَرَأَ ﴿طِهِ﴾ وَ﴿يَسْ﴾ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلَّفِ عَامِ،
فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلاَئِكَةُ الْقُرْآنَ، قَالَتْ: طُوبَى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهَا، وَطُوبِّى
لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا».
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢١٦٨ - قوله: (إِنَّ اللهَ تعالى قَرَأَ طه وَيس) قال القاري: أي: أظهر قراءتهما
وبين ثواب تلاوتهما، وقال ابن الملك: أي: أفهمهما ملائكته وألهمهم معناهما.
وقال ابن حجر: أمر بعضهم بقراءتهما على البقية؛ إعلامًا لهم بشرفهما، ويحتمل
بقاؤه على ظاهره وأنه تعالى أسمعهم كلامه النفسي بهما إجلالاً لهما بذلك، وهذا
الإسماع يسمى قراءة كما أن الكلام النفسي يسمى قرآنًا حقيقة، انتهى كلام
القاري. قلت: لا حاجة إلى تأويل الحديث، وصرفه عن ظاهره إلى ما ذكروه بل
تبقيته وإمراره على ظاهره هو المتعين، فسورة طه ويس من القرآن، والقرآن
كلام الله غير مخلوق، واللَّه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف
شاء، وكما شاء ليس كمثله شي، وحمل ذلك على الكلام النفسي والقول بأنه
أسمعهم كلامه النفسي مما لا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول
صحابي فحمله على ظاهره هو الصواب المتعين.
(قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفِ عَام) الكلام فيه مثل الكلام في ما ذكر
في حديث النعمان بن بشير من كتابة الكتاب قَبل خلق السماوات والأرض بألفي
عام المخصوص منه بالإنزال الآيتان من آخر سورة البقرة.
(فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ)، ظاهر الحديث: أنَّ الملائكة خلقوا قبل خلق
السماوات والأرض بزمان كثير. قيل: المراد بالقرآن المصدر، أي: القراءة كما
[القيامة: ١٧ - ١٨] وقال
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (٧) فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ
(٢١٦٨) الدَّارِمِي (٢ / ٤٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ حِبَّنَ في ((المجروحينَ)) (١٠٨/١) أَنَّهُ
مَوْضُوعٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ((الموضوعات)) (٢٣٨).

٩١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
أهل العربية: يقال: قرأت الكتاب قراءة وقرآنًا منه قول حسان:
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا
ضَخَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ
وقيل: المراد به: القرآن، أي: الكلام نفسه لا مسمى المصدر كما في قوله
(4)﴾ (النحل: ٩٨] وفي قوله:
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وغالب ما يذكر لفظ القرآن،
إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم بالكلام والقراءة به، وعلى هذا فإنما أطلق
القرآن على طه ويس تفخيمًا لشأنهما.
وقيل: إنه يطلق حقيقة على البعض؛ لأنه موضوع للمقدار المشترك بين الكل
والأجزاء. وقيل: المراد: القرآن كله فلما وجدوا فيه طه ويس قالوا: (طُوبَى)
فعلى من الطيب، يعني: الراحة والطيب حاصل. (لِأَمَّةٍ يَنْزِلُ) بصيغة المجهول أو
المعلوم. (هَذَا)، أي: القرآن فإنه أقرب مذكور، أو ما ذكر من طه ويس خصوصًا
وهو ظاهر من السياق. وقيل: المراد بطوبى: شجرة في الجنة في كلٍ بيت من
بيوت الجنة منها غصن. (تَحْمِلُ هَذَا)، أي: بالحفظ والمحافظة. (تَتَكَلِّمُ بِهَذَا)،
أي: تقرأه غيبًا أو نظرًا.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) عن إبراهيم بن المنذر عن إبراهيم بن المهاجر بن المسمار عن
عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة - عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبي
هريرة، وإبراهيم بن المهاجر هذا ضعيف، وشيخه عمر بن حفص. قال أحمد:
تركنا حديثه وحرقناه. وقال علي: ليس بثقة. وقال النسائي: متروك. وقال
الدارقطني: ضعيف. فالحديث ضعيف جدًّا، والحديث زاد نسبته في ((الكنز)) إلى
ابن خزيمة وابن أبي عاصم والعقيلي في ((الضعفاء)) والطبراني في ((الأوسط)) وابن
عدي في ((الكامل)) وابن مردويه والبيهقي في ((الشعب)) وغيره. وقال: قال
العقيلي: فيه إبراهيم بن المهاجر بن مسمار منكر الحديث، وأورده ابن الجوزي
في ((الموضوعات))، ونقل عن ابن حبان أنه موضوع وتعقبه ابن حجر، انتهى.
قلت: قال الذهبي في ((الميزان)) (ج١ ص٣٢): في ترجمة إبراهيم بن المهاجر
بعد ذكر هذا الحديث، قال البخاري: إنه منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف.

٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وروى عن عثمان بن سعيد عن يحيى: ليس به بأس وانفرد عنه بهذا الحديث إبراهيم
ابن المنذر الحزامي.
وقال الحافظ في ((اللسان)) (ج١ ص١١٥): قال ابن حبان: في هذا الحديث إنه
متن موضوع. وقال في ((الضعفاء)): إبراهيم بن المهاجر بن مسمار منكر الحديث
جدًّا، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وكان ابن معين عرض القول فيه، انتهى.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٧ص٥٦): بعد عزو الحديث إلى الطبراني،
فيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، وضعفه البخاري بهذا الحديث، ووثقه ابن
معین .
٢١٦٩ - [٤١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ قَرَأَ ﴿حَمْ﴾
الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ، أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وعُمَرُ بْنُ أَبِ خَتْعَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ، وِقَالَ مُحَمَّدٌ -
يَّغْنِي: الْبُخَارِيُّ -: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ]
الشرح
٢١٦٩- قوله: (مَنْ قَرَأَ حمِ الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ)، أي ليلة كانت. وقال في
((الأزهار)): المراد بالليلة المبهمة: ليلة الجمعة المبينة في الحديث الآتي، والدليل
على ذلك قوله ظلّ في الحديث الأول : - يعني: هذا الحديث - (يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ
أَلْفَ مَلَكِ)، وفي الحديث الثاني : - يعني: الآتي - ((غُفِرَ لَّهُ))، والظاهر: أنَّ هذا
مبين، انتهى. قال شيخنا: ليس في قوله: (لَيْلَةٍ) في هذا الحديث إبهام حتى يقال:
إن قوله: ((فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ))، في الحديث الآتي مبين له فتفكر، انتهى.
وقال في ((أشعة اللمعات)): وقع في الحديث الثاني؛ التخصيص بليلة الجمعة،
وفي الحديث الأول؛ التعميم فقراءتها في ليلة الجمعة أولى لتحصل الفضيلة
المذكورة قطعًا. (أَصْبَحَ)، أي: دخل في الصباح، أو صار بعد القراءة. (يَسْتَغْفِرُ لَهُ
سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ)، أي: يطلبون له من اللَّه المغفرة.
(٢١٦٩) أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٣٤/١. اللآلئ)، وقال: ((عمر يضع الحديث)).

٩٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
DeRe
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق عمر بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
عن أبي هريرة، وأخرجه أيضًا محمد بن نصر في ((كتاب الصلاة)) والأصبهاني
ورواه الدار قطني كما في ((اللآلي)) (ج١ ص١٢١) من طريق عمر بن راشد عن يحيى
ابن أبي كثير قال: وعمر يضع الحديث.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وبعده لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (وَعُمَرُ بْنُ أَبِي
خَتْعَم) بفتح خاء معجمة وسكون مثلثة وفتح مهملة هو عمر بن عبد الله بن أبي
خثعمَّ نسب هاهنا إلى جده. (الرَّاوِي) لهذا الحديث. (يُضَعَّفُ)، أي: في الحديث
قلت. قال أبوزرعة: هو واهي الحديث حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث
لو كانت في خمسمئة حديث لأفسدتها. وقال ابن عدي: منكر الحديث. وبعض
حديثه لا يتابع عليه. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ)، أي: ابن إسماعيل. (يَعْنِي)، أي: يريد
الترمذي بمحمد. (الْبُخَارِيُّ)، وهذا من كلام المصنف. (هُوَ)، أي: عمر بن أبي
خثعم.
(مُنْكَرُ الْحَدِيثِ)، وقد تقدم في (ص١٠٦) في باب السنن وفضائلها من الجزء
الثاني أن البخاري يطلق هذا اللفظ على من لا تحل الرواية عنه كما في ((التدريب))
(ص١٢٧). واعلم: أنَّ ابن الجوزي أورد هذا الحديث في موضوعاته، وقال: إن
عمر هذا هو عمر بن راشد تبع فيه ابن حبان. وقد رد ذلك الدار قطني فقال: خلط
أبوحاتم، أي: جعلها واحدًا، وأنهما اثنان. وقال الذهبي: عمر بن راشد غير عمر
ابن خثعم، ذاك عمر بن عبد الله وهو صاحب حديث سورة الدخان، انتهى. قال
السيوطي: ولم يجرح بكذب فلا يلزم أن يكون حديثه موضوعًا.

٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٧٠ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ قَرَأَ ﴿حَمّ﴾
الدُّخَانَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَ هِشَامٌ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَغَّفُ]
الشرح
٢١٧٠- قوله: (غُفِرَ لَهُ) ذنوبه، أي: الصغائر. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق
زيد بن حباب عن هشام أبي المقدام عن الحسن عن أبي هريرة، وأخرجه أيضًا ابن
السني في عمل ((اليوم والليلة)) (ص٢١٨) وابن أبي داود والبيهقي وغيره كما في
((الآلي)) (ج١ ص١٢١، ١٢٢). (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ)، وفي بعض
النسخ: غريب فقط، وفي بعضها: ضعيف فقط، والذي في الترمذي هذا حديث
لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (وَهِشَامٌ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ)، قال الحافظ في
((التقريب)): هشام بن زياد بن أبي يزيد وهو هشام بن أبي هشام أبو المقدام، ويقال
له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني متروك، انتهى.
قلت: ضعفه عبد الله بن أحمد والنسائي وأبوزرعة وأبوحاتم والدار قطني وابن
سعد والعجلي ويعقوب بن سفيان. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال
في موضع آخر: ضعيف ليس بشي، وقال البخاري: يتكلمون فيه.
وقال أَبُو دَاوُدَ: غير ثقة. وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك
الحديث. وقال النسائي: أيضًا ليس بثقة ومرة ليس بشيء، ويقال: إنه أخذ كتاب
حفص المنقري عن الحسن، فروى عن الحسن وعنده عن الحسن أحاديث منكرة.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به، وترك
ابن المبارك حديثه. وقال أبوبكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه كذا في ((تهذيب
التهذيب))، قال الترمذي: ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، انتهى. فالحديث
ضعيف من وجهين. وقد أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)).
(٢١٧٠) التِّرْ مِذِي (٢٨٨٩) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِمَا.

٩٥
كِتَابٌ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وقال: باطل، فيه محمد بن زكريا - عَنْدِ ابن أبي داود - وهو وضَّاع وتعقبه
السيوطي فقال: الحديث له طرق كثيرة عن أبي هريرة بعضها على شرط الصحيح
أخرجه الترمذي والبيهقي في ((الشعب)) من عدة طرق.
وَلَ كَانَ يَقْرَأُ
٢١٧١ - [٤٣] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ
الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، يَقُولُ: ((إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مُرْسَلًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢١٧١- قوله: (كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ) بكسر الباء نسبة مجازية وهي السور
التي في أوائلها سبحان، أو سبح بالماضي أو يسبح أو سبح بالأمر، وهي سبعة
﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن
والأعلى. (قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ) بضم القاف من نصر، أي: ينام. (يَقُولُ) استئناف لبيان
الحامل له على قراءة تلك السور كل ليلة قبل أن ينام. (إِنَّ فِيهِنَّ)، أي: في السور
المسبحات. (آيَةً)، أي: عظيمة. (خَيْرٌ)، أي: هي خير. (مِنْ أَلْفِ آيَةٍ)، قيل:
هي لو أنزلنا هذا القرآن، وهذا مثل اسم الله الأعظم من بين سائر الأسماء في
الفضيلة فعلى هذا (فِيهِنَّ)، أي: في مجموعهن وعن الحافظ ابن كثير أنها ﴿هُوَ
اْأَوَّلُ وَالَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ [الحديد: ٣]، انتهى.
قال القاري: والأظهر أنَّها هي الآية التي صدرت بالتسبيح و(فِيهِنَّ) بمعنى
جميعهن والخيرية لمعنى الصفة التنزيهية الملتزمة للنعوت الإثباتية. وقال الطيبي:
أخفى الآية فيها كإخفاء ليلة القدر في الليالي، وإخفاء ساعة الإجابة في يوم الجمعة
محافظة على قراءة الكل؛ لئلا تشذ تلك الآية. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في فضائل القرآن
والدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ) في الأدب وأخرجه النسائي في الكبرى وابن السني في
(٢١٧١) عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةً؛ أَبُو دَاوُد (٥٠٥٧) فِي الأَدَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: والترمِذِي (٢٩٢١)،
والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٠٢٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ.

٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((عمل اليوم والليلة)) (ص٢١٩) كلهم من طريق بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن
خالد بن معدان عن عبد الله بن أبي بلال عن العرباض بن سارية.
(وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ)، أي: من طريق معاوية بن صالح عن بحير بن سعد. (عَنْ
خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بفتح الميم وسكون العين وخفة الدال المهملتين الكلاعي أبو
عبد الله الشامي الحمصي ثقة عابد يرسل كثيرًا من أوساط التابعين. قال: أدركت
سبعين رجلاً من أصحاب النبي وَ الير مات سنة ثلاث ومئة، وقيل بعد ذلك.
(مُرْسَلًا)، أي: بحذف الصحابي.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، قال المنذري في ((مختصر السنن))
بعد نقل تحسين الترمذي: وفي إسناده بقية بن الوليد عن بحير بن سعد، وبقية فيه
مقال، وأخرجه النسائي من حديث معاوية بن صالح عن بحير بن سعد مرسلًا،
انتهى. قلت: بقية كثير التدليس وروى هذا الحديث عن بحير بالعنعنة.
٢١٧٢ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ سُورَةً
فِي الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِرَجُلٍ، حَتَّى غُفِرَ لَهُ وَهِيَ: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِبَدِهِ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] (حسن}
المُلك﴾)».
الشرح
٢١٧٢ - قوله: (إِنَّ سُورَةً)، أي: عظيمة. (فِي الْقُرْآنِ)، أي: كائنة فيه، وفي
الترمذي: ((مِنَ الْقُرْآنِ))، (ثَلاثُونَ آيَةً) خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ثلاثون،
والجملة صفة لاسم إن. (شَفَعَتْ) بالتخفيف خبر إن قاله الطيبي. وقيل: خبر إن هو
(ثَلاثُونَ)، وقوله: (شَفَعَتْ) خبر ثان. (لِرَجُلِ حَتَّى غُفِرَ لَهُ) متعلق بـ(شَفَعَتْ)، وهو
يحتمل أن يكون بمعنى المضِيِّ في الخبر، يعني: كان رجل يقرؤها ويعظم قدرها،
(٢١٧٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَبُو دَاوُد (١٤٠٠) فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْ مِذِي (٢٨٩١) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ:
حَسَنٌ، والنَّسَائِي (٧١٠) فِي التَّفْسِيرِ، وابن مَاجَهْ (٣٧٨٦) فِي ثَوَابِ القُرْآنِ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ
(٤٩٧/٢).

٩٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
فلما مات شفعت له حتى دفع عنه عذابه. ويحتمل أن يكون الماضي بمعنى
المستقبل، أي: تشفع لمن يقرؤها في القبر أو يوم القيامة كذا في ((المرقاة)).
وقال في ((اللمعات)): إن حمل قوله: (شَفَعَتْ لِرَجُلٍ) على معنى المضي كما هو
ظاهر كان إخبارًا عن الغيب، وأن يجعل بمعنى تشفع، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَّ
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] كان تحريضًا على المواظبة عليها، ويحمل رجل على
العموم كما في تمرة خير من جرادة. (وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك)، أي: إلى
آخرها وفي سوق الكلام على الإبهام، ثم التفسير تفخيم للسورة، إذ لو قيل: إن
سورة تبارك شفعت لم تكن بهذه المنزلة. وقد استدل بهذا الحديث من قال:
البسملة ليست من السورة وآية تامة منها؛ لأنَّ كونها ثلاثين آية إنما يصح على
تقدير كونها آية تامة منها، والحال: أنَّها ثلاثون من غير كونها آية تامة منها، فهي
إما ليست بآية منها كمذهب أبي حنيفة ومالك والأكثرين، وإمّا ليست بآية تامة بل
هي جزء من الآية الأولى كرواية في مذهب الشافعي.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص٢٩٨). (وَالتِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) في الكبرى.
(وَابْنُ مَاجَهْ) في باب ثواب القرآن، وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه
والحاكم (ج ١ ص ٥٦٥) وابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه وقد سقط لي في سماعي هذا الحرف، وهي سورة الملك ووافقه الذهبي
علی تصحيحه.
واعلم: أنه اختلف في اسم راوي هذا الحديث عباس الجشمي عن أبي هريرة
أهو عباس بالموحدة والسين المهملة أم عياش بالياء التحتية والشين المعجمة،
ورجح الشیخ أحمد محمد شاكر في تعليقه علی «المسند» (ج١٥ ص١٢٨) بعد
البحث عن ذلك أنه عياش بالتحتية والشين المعجمة. وقال بعد ذكر تخريج
الحديث وتصحيحه: والعجب للحافظ المنذري لم يعترض في الترغيب على
تحسين الترمذي وتصحيح ابن حبان، والحاكم، ولم يعقب عليهم. ثم جاء في
((تهذيب السنن)) بعد أن خرج الحديث، وأشار إلى تحسين الترمذي فنقل شيئًا لا
ندري من أين جاء به فقال : - وقد ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) من رواية
عياش الجشمي عن أبي هريرة كما أخرجه أَبُو دَاوُدَ ومن ذكر معه، وقال: لم يذكر

٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سماعًا عن أبي هريرة يريد أنَّ عياشًا الجشمي روى هذا الحديث عن أبي هريرة ولم
يذكر فيه أنه سمعه من أبي هريرة، فهذا الكلام الذي نسبه ((للتاريخ الكبير)) لم نجده
فيه - أي: في ترجمة عباس الجشمي من باب عباس وترجمة عياش من باب عياش
- ثم هو لم يترجم له في ((الصغير)) ولا ذكره في ((الضعفاء))، فلا ندري أنَّى له هذا
الكلام عن البخاري؟ إلا أن يكون في ((الكبير)) في موضع آخر غير مظنته، والله
اعلم .
٢١٧٣ - [٤٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَاب
النَّبِيِّ وَّهَ خِيَاءَهُ عَلَى قَبْرِ وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ
﴿َبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ اٌلْمُلْلَّ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((هِيَ الْمَانِعَةُ، هِيَ الْمُنْجِيَّةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشرح
٢١٧٣ - قوله: (ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ خِيَاءَهُ) بكسر الخاء المعجمة
والمد، أي: خيمته. قال الطيبي: الخباء، أحد بيوت العرب من وبر أو صوف ولا
يكون من شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة. (عَلَى قَبْرٍ)، أي: موضع قبر.
(وَهُوَ)، أي: الصحابي.
(لَا يَحْسَبُ) بفتح السين وكسرها، أي: لا يظن. (أَنَّهُ قَبْرٌ)، أي: أن ذلك
الموضع موضع قبر قد تقدم أن البناء والجلوس على القبور والمشي والوطء عليها
ممنوع، سواء كانت القبور ظاهرة بحدبتها، أو مندرسة مستوية بالأرض بحيث لا
يظهر لها أثر فقوله: (وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ) محمول على الاعتذار من ضرب الخباء
على القبر، وأمَّا عدم ذكر تقويض خيمته وتنحيه عن ذلك الموضع بعد العلم، فهو
لا يستلزم عدم وقوعه في نفس الأمر. وأمَّا من ذهب إلى جواز ذلك بعد اندراس
(٢١٧٣) التِّرْمِذِي (٢٨٩٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَزْتَهُ، فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

٩٩
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
日光
15
القبور فحمل قوله: ((وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ)) على مجرد بيان الحال، ولا يخفى ما
فيه. وهذه القراءة المسموعة كالتسبيح للملائكة على وجه الالتذاذ، لا على سبيل
التكليف لتحصيل الأجر والثواب، فإن البرزخ أمر غيبي وليس بعالم التكليف.
وأمَّا قوله تعالَّهُ: (هِيَ الْمُنْجِيَةُ)، فمعناه: أنَّ تلاوة هذه السورة في الحياة الدنيا
تكون سببًا لنجاة تاليها من عذاب القبر، والله أعلم. (فَإِذَا) للمفاجأة. (فِيهِ)، أي:
في ذلك المكان. (إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارََ الَّذِي بِيدَهِ الْمُلُْكُ حَتَّى خَتَمَهَا)، وفي
الترمذي: ((فَإِذَا قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا)».
(فَأَتَى النَِّيَّ ◌ََّ)، أي: صاحب الخيمة. (فَأَخْبَرَهُ)، أي: بما سمعه، وفي
الترمذي: فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا
فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: هي)، أي: سورة
الملك. (الْمَانِعَةُ)، أي: تمنع من عذاب القبر، أو من المعاصي التي توجب
عذاب القبر.
وقال في ((المفاتيح)): أي: هذه السورة تمنع من قارئها العذاب. (هِيَ الْمُنْجِيَةُ)
يحتمل أن تكون مؤكدة لقوله: ((هِيَ الْمَانِعَةُ))، وأن تكون مفسرة ومن ثمة عقبه
بقوله: ((تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، (مِنْ عَذَابِ اللهِ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة
من ((المشكاة))، وفي الترمذي: ((مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، وهكذا نقله المنذري في
الترغيب وابن القيم في كتاب الروح (ص١٢٨) والجزري في ((جامع الأصول))
(ج٩ ص ٣٦٥) والشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص٢٧٢).
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) في سنده يحيى بن عمرو بن مالك النكري بضم النون
وهو ضعيف، ويقال إن حماد بن زيد كذبه كذا في ((التقريب)) فالحديث ضعيف،
وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وابن مسعود ذكر أحاديثهم في ((الكنز))
(ج ١ ص ٥١٧، ٥٢٨، ٥٢٦).