النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٢١٥٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَُّّ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى
فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا
اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنَ مَسْعُودٍ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ بََّ، فِي بَابٍ
الْمِعْرَاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشرح
٢١٥٢- قوله: (كَانَ إِذَا أَوَى) بالقصر ويمد. (إِلَى فِرَاشِهِ) بكسر الفاء، أي:
أتاه للنوم وأخذ مضجعه واستقر فيه. (جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا) من النفث بفتح
النون وسكون الفاء بعدها مثلثة قيل النفث إخراج ريح من الفم مع شي من الريق.
وقال الجزري في ((النهاية)): النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأنَّ التفل لا
یکون إلا ومعه شيء من الريق.
(فَقَرَأَ فِيهِمَا) اختلفوا في توجيه الفاء، فإنه يدل على تأخير القراءة من النفث،
والظاهر العكس. فقيل: المراد: ثم أراد النفث؛ فقرأ. وقيل: الفاء بمعنى الواو.
وقيل: تقديم النفث على القراءة مخالفة للسحرة البطلة. وقيل: هي سهو من
الراوي أو الكاتب والله تعالى أعلم.
قال المظهر: الفاء للتعقيب، وظاهره يدل على أنه وَ ل نفث في كفيه أولًا، ثم
قرأ، وهذا لم يقل به أحد وليس فيه فائدة، ولعلَّ هذا سهو من الكاتب أو الراوي؛
لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن واسم الله تعالى إلى
بشرة القاري أو المقروء له. انتهى. وتعقبه الطيبي: فقال: من ذهب إلى تخطئة
(٢١٥٢) البُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ (٥٧٤٨) وَالدَّعوات (٦٣١٩) وَفَضَائِلِ القُرْآنِ (٥٠١٧)، وأَبُو دَاوُدَ
(٥٠٥٦) فِي الأَدَبِ،، والتِّرْمِذي (٣٤٠٢)، وابن مَاجَهْ (٣٨٧٥) فِي الدُّعَاءِ، والنسائي في
((الكُبرى)) (١٠٦٢٤) فِي التَّفْسِيرِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةً.
٦١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
الرواة الثقات العدول، ومن اتفقت الأمة على صحة روايته وضبطه وإتقانه بما سنح
له من الرأي، الذي هو أوهن من بيت العنكبوت، فقد خطأ نفسه وخاض فيما
لا يعنيه هلَّا قاس هذه الفاء على ما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
[النحل: ٩٨] وقوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِبَّكُمْ فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على أن التوبة عين القتل
ونظائره في كتاب الله العزيز غير عزيز، والمعنى: جمع كفيه، ثم عزم على النفث
فيهما فقرأ فيهما، أو لعلَّ السر في تقديم النفث على القراءة؛ مخالفة السحرة
البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن تكون مشروع كل وارد. وبعض
من لا يد له في علم المعاني لما أراد التَّفصي عن الشبهة تشبث أنه جاء في صحيح
البخاري بالواو، وهي تقتضي الجمعية لا الترتيب وهو زور وبهتان، حيث لم أجد
فيه وفي ((كتاب الحميدي))، و((جامع الأصول)) (ج ٥ص ٧٣) إلا بالفاء. انتهى. وقد
ثبت في رواية أبي ذر عن الكشميهني يقرأ - بلا فاء ولا واو - فيهما، وفي رواية: إذا
أوى إلى فراشه نفث في كفيه ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ وبالمعوذتين جميعًا.
قال الحافظ: أي: يقرؤها وينفث حالة القراءة. (يَبْدَأُ بِهِمَا)، أي: يبدأ بالمسح
بيديه. (عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ) قال في ((شرح المشكاة)): قوله:
(يَبْدَأُ) بيان لجملة قوله: (يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ)، لكن قوله: (مَا اسْتَطَاعَ مِنْ
جَسَدِهِ)، وقوله: (يَبْدَأُ) يقتضيان أن يقدر يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من
جسده، ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده. وفي رواية: ثم يمسح بهما وجهه وما
بلغت يداه من جسده.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر، فإن الحديث من أفراد البخاري أخرجه في فضائل القرآن
من رواية عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بالسياق المذكور، وفي
الدعوات مختصرًا، وأخرج في الطب من رواية يونس عن ابن شهاب بنحوه،
ولابن شهاب حديث آخر أخرجه البخاري في الوفاة النبوية من رواية يونس وفي
فضائل القرآن من رواية مالك وفي الطب من رواية معمر كلهم عن الزهري عن
عروة عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه وَله، إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث،
فلما اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها، وأخرجه أيضًا مسلم في
الطب من رواية مالك ومعمر ويونس وزياد بن سعد، وأخرجه أيضًا أَبُو دَاوُدَ
والنسائي وابن ماجه في الطب.
٦٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: رواية عقيل عن ابن شهاب، وإن اتحد سندها بالسابق - أي:
بحديث مالك ومن وافقه - لكن فيها أنه كان يقرأ بالمعوذات عند النوم - وفي
رواية مالك: إن ذلك كان عند الوجع، فهي مغايرة لحديث مالك المذكور،
فالذي یترجح أنهما حدیثان عن ابن شهاب بسند واحد عند بعض الرواة عنه ما ليس
عند بعض قال: وقد جعلهما أبو مسعود الدمشقي حديثًا واحدًا، فعقبه أبوالعباس
الطرقي، وفرق بينهما خلف الواسطي وتبعه المزي، والله اعلم. انتهى. ولعلَّ
صاحب المشكاة قلد الجزري، حيث عزا رواية عقيل عن ابن شهاب في ((جامع
الأصول)) (ج ٥ص٧٤) إلى البخاري ومسلم أو تبع في ذلك أبا مسعود الدمشقي
ومن وافقه فمعنى قوله: ((مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)»، أي: على أصل الحديث ولا يخفى ما فيه،
ورواية الكتاب أخرجها الترمذي في الدعوات، وأَبُو دَاوُدَ في الأدب، وابن ماجه
في الدعاء.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه ◌َِّ)، وبعده على ما في
((المصابيح)) انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثًا، أعطي الصلوات الخمس
وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا، المقحمات. (فِي بَابٍ
الْمِعْرَاجِ) وهو إمَّا لتكرره حوله إليه، أو لكونه أنسب بذلك الباب، والله أعلم.
٦٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
الفصل الثاني
٢١٥٣ - [٢٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ
تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْرٌ، وَالْأَمَانَةُ
وَالرَّحِمُ تُنَادِي: إِلَّا مَنْ وَصَلَنِي؛ وَصَلَّهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي؛ قَطَعَهُ اللَّهُ)).
[رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))]
الشرح
٢١٥٣- قوله: (ثَلَاثَةٌ)، أي: أشياء تكون. (تَحْتَ الْعَرْشِ) المراد: أنها
تجسم ويكون لها قرب مكانة عنده تعالى بحيث تشفع لمن قام بحدود القرآن كان
سببًّا لنجاته، وإلا كان سببًّا لهلاكه. قال المناوي: قوله: (ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ) عبارة
عن اختصاص الثلاثة من اللَّه بمكان بحيث لا يضيع أجر من حافظ عليها، ولا
يهمل مجازاة من ضيعها وأعرض عنها. (الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ)، أي: يحاجج عن
العباد العاملين دون غيرهم. وقال القاري: أي: يخاصمهم فيما ضيعوه وأعرضوا
عنه من أحكامه وحدوده، أو يحاج لهم ويخاصم عنهم بسبب محافظتهم حقوقه
كما تقدم يحاجان عن أصحابهما، وكما ورد القرآن حجة لك أو عليك فنصب
العباد بنزع الخافض. (لَهُ)، أي: للقرآن.
(ظَهْرٌ وَبَطْنٌ) قيل: ظهره لفظه، وبطنه معناه، وقيل: ظهره: ما ظهر تأويله،
وبطنه: ما بطن تفسيره. وقيل: ظهره: ما يظهر بيانه، وبطنه: ما احتيج إلى
تفسيره. وقيل: ظهره: تلاوته كما أنزل، وبطنه: التدبر له والتفكر فيه. وقيل:
الظهر: صورة القصة مما أخبر الله سبحانه من غضبه على قوم وعقابه إياهم،
فظاهر ذلك إخبار عنهم وباطنه عظة، وتنبيه لمن يقرأ ويسمع من الأمة، وهذا وجه
حسن لولا اختصاصه ببعض دون بعض، فإن القرآن متناول لجملة التنزيل وفي
(٢١٥٣) الْبَغَوِيُّ (٣٤٣٣) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))، عَنْ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ((التَّرْغِيبِ))
لِحُمَيْدِ ابْنِ زَنْجَوَيْهِ بِسَنَدِهِ .
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حمل قوله: (لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ) على هذا الوجه تعطيل لما عداه. وقيل: ظهره ما
استوى المكلفون فيه من الإيمان به والعمل بمقتضاه وموجبه وبطنه ما وقع التفاوت
في فهمه بين العباد على حسب مراتبهم في الأفهام والعقول وتباين منازلهم في
المعارف والعلوم، وإنما أردف قوله يحاج العباد بقوله: (لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ)؛ لينبه على
أن كلا منهم إنما يطالب بقدر ما انتهى إليه من علم الكتاب وفهمه.
(وَالْأَمَانَةُ)، وهي كل حق لله أو الخلق؛ لزم أداءه وفسرت في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] بأنها الواجب من حقوق الله؛ لأنه الأهم.
(وَالرَّحِمُ) استعيرت للقرابة بين الناس. (تُنَادِي) بالتأنيث. قال في ((المرقاة)):
أي: قرابة الرحم أو كل واحدة من الأمانة والرحم. وقيل: كل من الثلاثة.
انتهى. وفي ((حاشية المشكاة)) عن الطيبي: فالقرآن يحاج والأمانة كذا والرحم
تنادي ولم يذكر للثاني ما هو له من البيان؛ اعتمادًا على الأول أو على الثاني، أي:
والأمانة تحاج أو تنادي، انتهى. (أَلَا) حرف تنبيه. (مَنْ وَصَلَنِي؛ وَصَلَّهُ اللهُ)، أي:
بالرحمة. (وَمَنْ قَطَعَنِي؛ قَطَعَهُ اللهُ)، أي: بالإعراض عنه وهو يحتمل إخبارًا
و دعاءً .
قال القاضي: إنما خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأن ما يحاوله الإنسان إما أن يكون
دائرًا بينه وبين الله تعالى لا يتعلق بغيره، وإمَّا أن يكون بينه وبين عامة الناس أو بينه
وبين أقاربه وأهله، فالقرآن وصله إلى أداء حقوق الربوبية والأمانة تعم الناس، فإن
دماءهم وأموالهم وأعراضهم وسائر حقوقهم أمانات فيما بينهم، فمن قام بها فقد
أقام العدل، ومن واصل الرحم وراعى الأقارب بدفع المخاوف والإحسان إليهم
في أمور الدين والدنيا، فقد أدى حقها، وقدم القرآن؛ لأن حقوق الله أعظم
ولاشتماله على القيام بالأخيرين، وعقبه بالأمانة؛ لأنها أعظم من الرحم؛
ولاشتمالها على أداء حق الرحم، وصرح بالرحم مع اشتمال الأمرين الأولين
محافظتها؛ تنبيهًا على أنها أحق حقوق العباد بالحفظ. كذا ذكره القاري.
والحديث نقله السيوطي في ((الجامع الصغير)) عن الحكيم الترمذي، ومحمد بن
نصر بلفظ: ((ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ،
وَالرَّحِمُ تُنَادِي: صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، وَالْأَمَانَةُ)). انتهى. أي: تنادي
بأن احفظ من حفظني واقطع من خان فِيَّ.
٦٥
euge
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
SERNEXs
(رَوَاهُ) المصنف، أي: البغوي. (فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)))، قال الجزري: وفي إسناده
كثير بن عبد اللَّه وهو واهٍ؛ ذكره القاري، وقدَ تقدم أن الحديث ذكره السيوطي في
((الجامع الصغير)) وعزاه للحكيم الترمذي ومحمد بن نصر. قال العزيزي: بإسناد
ضعيف .
٢١٥٤ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ :
يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقٍ وَرَتِّلْ كَمَا كُنَّتَ تُرَقِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ
عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشرح
٢١٥٤ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بالواو. (يُقَالُ)، أي: في الآخرة
عند دخول الجنة. (لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ)، أي: من يلازمه بالتلاوة والعمل. (اقْرَأْ
وَارْتَقٍ) أمر من الارتقاء، أي: اصعد، وفي رواية أحمد والترمذي: ((اقْرَأُ وَارْقٍ))،
وهو أمر من رَقِيَ يرقى رقيًا، أي: اصعد إلى درجات الجنة وارتفع فيها، يقال:
رقِيَ الجبلَ، وفيه: وإليه رَقْيًّا ورُقيًّا، أي: صعد. (وَرَتِّلْ)، أي: اقرأ بالترتيل ولا
تستعجل في قراءتك. (كَمَا كُنْتَ تُرَقِّلُ فِي الدُّنْيَا) من تجويد الحروف ومعرفة
الوقوف.
(فَإِنَّ مَنْزِلَكَ)، وفي رواية أحمد والترمذي: ((فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ)) وكذا وقع في بعض
النسخ من سنن أبي داود: (عِنْدَ آَخْرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) قال الخطابي في ((المعالم))
(ج ١ ص٢٨٩): قد جاء في الأثر ((أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، يقال
للقاري: ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة
جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منها كان رقيه في
الدرج على قدر ذلك))، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. انتهى.
(٢١٥٤) أَبُو دَاوُد (١٤٦٤)، والتِّرْ مِذِي (٢٩١٤)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٠٥٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو .
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وقال التوربشتي: الصحبة: الملازمة للشيء إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا أو
زمانًا ويكون بالبدن هو الأصل والأكثر، ويكون بالعناية والهمة وصاحب القرآن
هو الملازم له بالهمة والعناية، ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة، وتارة بالتدبر له
والعمل به، فإن ذهبنا فيه إلى الأول، فالمراد من الدرجات بعضها دون بعض
والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في
الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله
المتدبر له أفضل من الحافظ، والتالي له إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر، وقد
كان في الصحابة من هو أحفظ لكتاب الله من أبي بكر الصديق رَضِفْتَهُ، وأكثر تلاوة
منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق، لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره
وعمله به. وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمهما، فالمراد من الدرجات
التي يستحقها بالآيات سائرها. وحينئذٍ يقدر التلاوة في القيامة على مقدار العمل،
فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما
يكون للنبي وَّر، ثم الأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين، كل منهم يقرأ
على مقدار ملازمته إياه تدبرًا وعملًا. وقد ورد في الحديث - رواه ابن مردويه
والبيهقي عن عائشة - ((أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن))، وفي هذا دليل
على صحة ما ذهبنا إليه. انتهى .
وقيل: المراد: أن الترقي يكون دائمًا فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت
الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى
وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم عن مستلذاتهم، بل هي أعظم
مستلذاتهم .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص ١٩١). (وَالتِّرْمِذِيُّ) وصححه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن حبان في
صحیحه کما في (الترغيب)) و((الکنز)، والحاکم (ج١ ص٥٥٣) وسكت عنه. وقال
الذهبي: صحيح. والبيهقي (ج٢ ص ٥٣) وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث أبي
سعيد بلفظ: ((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيْقَرْأُ وَيَصْعَدُ بِكُلُّ
آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعْهُ»، هذا لفظ ابن ماجه وقوله: معه صريح في أن
المراد بصاحب القرآن: حافظ دون الملازم للقراءة في المصحف.
٦٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢١٥٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((إِنَّ الَّذِي
لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنَ کَالْبَيَّتِ الْخَرِبِ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ]
الشرح
٢١٥٥- قوله: (إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ)، أي: قلبه. (شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ
كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملة، أي: الخراب؛ لأن
عمارة القلوب بإيمان وقراءة القرآن وزينة الباطن بالاعتقادات الحقة والتفكر في
نعماء الله تعالى. وقال الطيبي: أطلق الجوف وأريد به القلب إطلاقًا لاسم المحل
على الحال، وقد استعمل على حقيقته في قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ
فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] واحتيج لذكره؛ ليتم التشبيه له بالبيت الخرب بجامع أن القرآن
إذا كان في الجوف يكون عامرًا مُزيّنًا بحسب قلة ما فيه وكثرته، وإذا خُلِّي عمَّا لا بد
فيه من التصديق والاعتقاد الحق والتفكر في آلاء اللَّه ومحبته وصفاته؛ يكون
كالبيت الخرب الخالي عما يعمره من الأثاث والتجمل. انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام الطيبي هذا ما لفظه: وكأنه عدل عن ظاهر المقابلة
المتبادر إلى الفهم، وإذا خُلِّي عن القرآن لعدم ظهور إطلاق الخراب علیه. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص٢٣٢)
والحاكم (ج١ ص٥٥٤) كلهم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن
عباس. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ)، وفي نسخ الترمذي الموجودة
عندنا: حديث حسن صحيح، والحديث صححه الحاكم أيضًا، وتعقبه الذهبي،
فقال: قابوس لين. قلت: قابوس هذا كان ابن معين شديد الحط عليه على أنه وثقه
في رواية، ووثقه أيضًا يعقوب بن سفيان. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به،
وكذا قال العجلي وضعفه النسائي والدار قطني وأبوحاتم.
(٢١٥٥) التِّرْ مِذِي (٢٩١٣) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَاسْتَدركَه
الحَاكِمُ (٥٤٤/١)، وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ رَاويَهَ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ.
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
وقال أحمد: ليس بذاك لم يكن من النقد الجيد. وقال ابن سعد: فيه ضعف ولا
يحتج به .
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له فربما رفع
المراسيل وأسند الموقوف. انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)): فيه لين، والحديث عزاه في ((الكنز)) لابن منيع
وابن الضريس والطبراني وابن مردويه والبيهقي وسعيد بن منصور أيضًا.
٢١٥٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( يَقُولُ
الرَّبُّ تَبَارََ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي ومَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا
أَعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الَّكَّلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ فَيَ ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
غَرِيبٌ] {ضَعِيفٌ جُدَا}
الشرح
٢١٥٦ - قوله: (مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ) هذا لفظ الترمذي، والدارمي: ((مَنْ شَغَلَهُ
قِرَاءَة الْقُرْآنِ»، (عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي)، وفي رواية الدارمي: ((عَنْ مَسْأَلَتِي وَذِكْرِي)»،
قيل: المراد بالذكر والمسألة: اللَّذان ليسا في القرآن كالدعوات بقرينة قوله:
(وَفَضْلُ كَلَامِ اللهِ ... ) إلخ.
(أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي) على صيغة المضارع المتكلم المعلوم الواحد، أي:
أفضل ما أعطيته. (السَّائِلِينَ)، أي: والذاكرين فهو من باب الاكتفاء، والمراد
بالسائلين: الطالبون في ضمن الذكر أو الدعاء بلسان القال، أو ببيان الحال. وقال
في ((اللمعات)): اكتفى بالسؤال؛ لأنَّ الذكر أيضًا سؤال تعريضًا، يعني: من اشتغل
بقراءة القرآن ولم يفرغ إلى الذكر والدعاء؛ أعطاه الله مقصوده ومراده أحسن،
وأكثر مما يعطي الذين يطلبون من الله حوائجهم، يعني: لا يظن القاري أنه إذا لم
(٢١٥٦) التِّرْمِذِي (٢٩٢٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
٦٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
يتطلب من الله حوائجه لا يعطيه، بل يعطيه أكمل الإعطاء فإنه من كان لله كان الله
له .
قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن المشتغل بالقرآن تلاوة وتفكرًا يجازيه
اللَّه أفضل جزاء ويثيبه بأعظم إثابة. (وَفَضْلُ كَلَامِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ
عَلَى خَلْقِهِ)، جملة استئنافية قائمة مقام العلة للجملة السابقة، سواء يكون من تتمة
كلام اللّه رَ، على أنه حينئذٍ فيه التفات، أو على أنه من كلام النبي وَّ وهو
الأظهر؛ لئلا يحتاج إلى ارتكاب الالتفات، أو على أنه من كلام بعض الرواة على
ما نقل عن البخاري أنه قال: هذا من كلام أبي سعيد الخدري الراوي أدرجه في
الحديث، ولم يثبت رفعه لكن فيه نظر، فإن هذه الجملة بانفرادها ذكرها السيوطي
في ((الجامع الصغير)) برواية البيهقي وأبي يعلى عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه:
((فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ»، كذا قال القاري
في ((شرح الحصن)).
وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص٢٦٢): هذه الكلمة لعلَّها خارجة
مخرج التعليل لما تقدمها من أنه يعطي المشتغل بالقرآن أفضل ما يعطي الله
السائلين، ووجه التعليل: أنه لما كان كلام الرب وَالَ فائقًا على كل كلام كان أجر
المشتغل به فوق كل أجر، والحديث لولا أن فيه ضعفًا لكان دليلًا على أن الاشتغال
بالتلاوة عن الذكر وعن الدعاء يكون لصاحبه هذا الأجر العظيم، انتهى.
قلت: حديث أبي هريرة الذي ذكره السيوطي أخرجه أيضًا ابن عدي من رواية
شهر بن حوشب عنه مرفوعًا. قال الحافظ: وفي إسناده عمر بن سعيد الأشج وهو
ضعيف، وأخرجه ابن الضريس - وكذا الدارمي - من وجه آخر عن شهر بن
حوشب مرسلًا، ورجاله لا بأس بهم، وأخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في
مسنده من حديث عمر بن الخطاب، وفي إسناده صفوان بن أبي الصهباء مختلف
فيه، وأخرجه ابن الضريس أيضًا من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد
عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))، ثم
قال: ((وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ تعالى عَلَى خَلْقِهِ))، وذلك أنه منه،
وحديث عثمان هذا تقدم بدون هذه الزيادة وقد بين العسكري أنها من قول أبي
٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد الرحمن السلمي. وقال المصنف: يعني: البخاري في ((خلق أفعال العباد)).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي فذكره وأشار في خلق أفعال العباد إلى أنه لا يصح
مرفوعًا، وأخرجه العسكري أيضًا عن طاوس والحسن من قولهما، انتهى كلام
الحافظ .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) في فضائل القرآن. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) من
طريق محمد بن الحسن الهمداني عن عمرو بن قيس عن عطية العوفي عن أبي
سعيد. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) ذكر الحافظ هذا الحديث في
((الفتح)) وعزاه للترمذي، وقال: رجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف، انتهى.
قلت: ومحمد بن الحسن الهمداني أيضًا ضعيف ولم يخرج له من الستة إلا
الترمذي، وذكر الذهبي في ((الميزان)) هذا الحديث في ترجمة محمد بن الحسن
هذا. ثم قال: حسنه الترمذي فلم يحسن، ونقل الحافظ كلام الذهبي هذا في
تهذيبه وسكت عنه. وقال الصغاني: إنه موضوع كما في ((الفوائد المجموعة))
للشوكاني و(تذكرة الموضوعات)) للفتنى، وعندي في الحكم بكونه موضوعًا
نظر .
٢١٥٧ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ قَرَأَ
حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم
حَرْفٌ. ألِفٌ حَرْفٌ، ولاَمٌّ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ، وَقَالَ الَّتْرِمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إسنادًا]
{صحيح}
الشرح
٢١٥٧- قوله: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا)، المراد بالحرف: حرف البناء المعبر عنه
بحرف الهجاء. (مِنْ كِتَابِ اللهِ)، أي: القرآن. (فَلَهُ بِهِ)، أي: بسبب ذلك الحرف
أو بدله. (حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)، أي: مضاعفة بالعشر وهو أقل التضاعف
(٢١٥٧) التِّرْمِذِي (٢٩١٠) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، كَذَا قَال.
٧١
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
الموعود بقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦١] ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] والحرف يطلق على حرف الهجاء والمعاني والجملة المفيدة
والكلمة المختلف في قراءتها وعلى مطلق الكلمة.
ولذا قال رسول اللّه وَله: (لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ أَلِفٌّ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ
حَرْفٌ)، قال الشوكاني: والحديث: فيه التصريح بأنَّ قاري القرآن له بكل حرف
منه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. ولما كان الحرف فيه يطلق على الكلمة المتركبة
من حرف أوضح النبي ◌َّر، أن المراد هنا: الحرف البسيط المنفرد لا الكلمة،
وهذا أجر عظيم وثواب كبير ولله الحمد.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق أيوب بن موسى عن محمد بن كعب القرظي عن
عبد الله بن مسعود. (وَالدَّارِمِيُّ) فيه نظر، فإنَّ الدارمي لم يروِه مرفوعًا، بل رواه
موقوفًا من طريق عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال:
تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إنِّي لا أقول
لكم بألم، ولكن بألف ولام وميم بكل حرف عشر حسنات.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا)، أي: لا متنا، تمييز
عن نسبة غريب، وفي نسخ الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقد تقدم معنى الغريب والتنبيه على أنواع الغريب، وارجع إلى ((شرح الزرقاني
على منظومة البيقونية)) (ص٥١) و((شرح الألفية)) للسخاوي (ص٣٤٥) و((تدريب
الراوي)) للسيوطي (ص١٩٢) قال الترمذي: ويروى هذا الحديث من غير هذا
الوجه عن ابن مسعود رواه أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود، ورفعه بعضهم
ووقفه بعضهم، انتهى.
قلت: وقفه عطاء بن السائب عن أبي الأحوص كما تقدم، ورفعه صالح بن عمر
عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عند الحاكم (ج١ ص ٥٥٥) والطبراني.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر وتعقبه
الذهبي، فقال: صالح ثقة خرج له مسلم، لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف، انتهى.
قلت: وخالف الدارمي صالح بن عمر فرواه عن إبراهيم الهجري عن أبي
الأحوص عن ابن مسعود موقوفًا .
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٥٨ - [٣٠] وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا
النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ◌َوَهُ فَأَخْبَرْتُهُ فِقَالَ: أَوَقَدْ
فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه يقول: ((أَلَا إِنَّهَا
سَتَكُونُ فِتْنَةٌ)). فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَّأُ
مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ
تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ
اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ
بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِرُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلُقُ عَنْ كَثْرَةٍ
الرَّدِّ، وْلَا يَنْقَضِيَ عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ، حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا
سَمِعْنَا قُؤَنَا عَجَبًا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهْ﴾. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ
أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ]
{ضَعِيفٌ جدًّا}
الشرح
٢١٥٨- قوله: (وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ) تابعي من أصحاب علي رَّهُ وقد
سبق ترجمته. (مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ)، وفي الدارمي: دخلت المسجد. قال
الطيبي: ((فِي الْمَسْجِدِ)) ظرف، والممرور به محذوف، يدل عليه قوله: (فَإِذَا النَّاسُ
يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ)، أي: أحاديث الناس وأباطيلهم من الأخبار والحكايات
والقصص، ويتركون تلاوة القرآن وما يقتضيه من الأذكار. والآثار والخوض
أصله الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار للشروع في الأمور، وأكثر ما ورد
في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
[الأنعام: ٩١].
(فَأَخْبَرْتَهُ)، أي: الخبر كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في ((جامع
(٢١٥٨) التِّرْ مِذِي (٢٩٠٦) عَنْ عَلِيٍّ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ.
٧٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
الأصول)) (ج٩ ص٢٥٢) والذي في ((جامع الترمذي)): فقلت: يا أمير المؤمنين!
ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟! وللدارمي: فقلت: ألا ترى أنَّ أناسًا
يخوضون في الأحاديث في المسجد؟! (أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا)، قال الطيبي: أي: ارتكبوا
هذه الشنيعة وخاضوا في الأباطيل، فإن الهمزة والواو العاطفة يستدعيان فعلًا
منكرًا معطوفًا عليه، أي: فعلوا هذه الفعلة الشنيعة. وقال القاري: أي: أتركوا
القرآن وقد فعلوها؟ أي: وخاضوا في الأحاديث. (أَمَا) للتنبيه. (أَلَا) للتنبيه أيضًا.
(إِنَّهَا) الضمير للقصة. (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ)، أي: عظيمة، وفي الدارمي: ((سَتَكُونُ فِتَرٌ))،
قال ابن الملك: يريد بالفتنة ما وقع بين الصحابة، أو خروج التتار أو الدجال أو
دابة الأرض، انتهى. قال القاري: وغير الأول لا يناسب المقام كما لا يخفى.
(قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا) بفتح الميم اسم ظرف، أو مصدر ميمي، أي: ما طريق
الخروج والخلاص من تلك الفتنة يا رسول الله! قال الطيبي: أي: موضع
الخروج، أو السبب الذي يتوصل به إلى الخروج عن الفتنة. (قَالَ: كِتَابُ اللهِ)،
أي: طريق الخروج منها تمسك كتاب الله على تقدير مضاف. (فِيهِ نَبَأْ مَا قَبْلَكُمْ)،
أي: من أحوال الأمم الماضية. (وَخَبْرُ مَا بَعْدَكُمْ)، وهي الأمور الآتية من أشراط
الساعة وأحوال القيامة وفي العبارة تفنن. (وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ) بضم الحاء وسكون
الكاف، أي: ما يقع بينكم من الوقائع والحوادث. قال القاري: أي: حاكم ما وقع
أو يقع بينكم من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والحلال والحرام وسائر
شرائع الإسلام، ومباني الأحكام. (هُوَ الْفَصْلُ)، كذا وقع في الدارمي، وهكذا
في ((جامع الأصول))، وعند الترمذي وهو الفصل، أي: الفاصل بين الحق
والباطل، أو المفصول والمميز فيه الخطأ والصواب، وما يترتب عليه الثواب
والعذاب وصف بالمصدر مبالغة.
(لَيْسَ بِالْهَزْلِ)، أي: جد كله وحق جميعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، والهزل في الأصل القول المعرى عن المعنى المرضي، واشتقاقه من
الهزال ضد السمن، والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿ وَمَا هُوَ
بِالْهَزَّلِ
٤﴾ [الطارق: ١٣ -١٤]. (مَنْ تَرَكَهُ)، أي: القرآن إيمانًا وعملًا. (مِنْ جَبَّارٍ)، أي:
١٤
متكبر بين التارك بـ((من جبار)) ليدل على أن الحامل له على الترك، إنما هو التجبر
والحماقة. قال الطيبي: من ترك العمل بآية أو بكلمة من القرآن مما يجب العمل
٧٤
*
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
به، أو ترك قراءتها من التكبر كفر، ومن ترك عجزًا أو كسلًا أو ضعفًا مع اعتقاد
تعظيمه فلا إثم عليه، أي: بترك القراءة، ولكنه محروم، ذكره القاري. (قَصَمَهُ)،
أي: أهلكه أو كسر عنقه وأصل القصم الكسر والإبانة. (وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى)، أي:
طلب الهداية من الضلالة. (فِي غَيْرِهِ) من الكتب والعلوم التي غير مأخوذة منه ولا
موافقة معه. (أَضَلَّهُ اللهُ)، أي: عن طريق الهدى وأوقعه في سبيل الردى. (وَهُوَ)،
أي: القرآن. (حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ)، أي: المحكم القوي، والحبل مستعار للوصل،
ولكل ما يتوصل به إلى شي أي: الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه. (وَهُوَ
الذِّكْرُ)، أي: ما يذكر به الحق تعالى، أو ما يتذكر به الخلق، أي: يتعظ.
(الْحَكِيمُ)، أي: ذو الحكمة.
(هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ) بالتأنيث والتذكير، أي: لا تميل عن الحق. (بِهِ)، أي:
باتِّباعه. (الأَهْوَاءُ)، أي: الهواء إذا وافق هذا الهدى حفظ من الردى. وقيل:
معناه: لا يصير به مبتدعًا وضالا، يعني: لا يميل بسببه أهل الأهواء والآراء، وإنما
زاغ من اتبع المتشابهات وترك المحكمات والأحاديث النبوية التي هي مبينة
للمقاصد القرآنية. وقال الطيبي: أي: لا يقدر أهل الأهواء على تبديله وتغييره
وإمالته، وذلك إشارة إلى وقوع تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين، فالباء للتعدية. وقيل: الرواية من الإزاغة بمعنى الإمالة، والباء لتأكيد
التعدية، أي: لا يميله الأهواء المضلة عن نهج الاستقامة إلى الاعوجاج، وعدم
الإقامة كفعل اليهود بالتوراة حين حرفوا الكلم عن مواضعه؛ لأنه تعالى تكفل
بحفظه قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
﴾ [الحجر: ٩].
(وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ)، أي: لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين ولو كانوا من
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
غير العرب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨]
لِلْذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧] وقيل: لا يختلط به غيره بحيث يشتبه الأمر ويلتبس الحق بالباطلٍ
فإن الله تعالى يحفظه أو يشتبه كلام الرب بكلام غيره؛ لكونه كلامًا معصومًا دالا
على الإعجاز. (وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ)، أي: لا يصلون إلى الإحاطة بكنهه حتى
يقفوا عن طلبه وقوف من يشبع من مطعوم، بل كلما اطلعوا على شيء من حقائقه
اشتاقوا إلى آخر، أكثر من الأول، وهكذا فلا شبع ولا سامة. (وَلَا يَخْلُقُ) بفتح
الياء وضم اللام، وبضم الياء وكسر اللام من خلق الثوب إذا بلى وكذلك أخلق.
٧٥
weese
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
(عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ)، أي: لا تزول لذة قراءته وطراوة تلاوته، واستماع أذكاره وأخباره
من كثرة تكراره وترداده. قال القاري: و(عَنْ) على بابها، أي: لا يصدر الخلق من
كثرة تكراره كما هو شأن كلام غيره تعالى، وهذا أولى مما قاله ابن حجر من أن
(عَنْ) بمعنى مَع، انتهى. قلت: قد وقع في بعض نسخ الترمذي: ((عَلَى)) مكان
(عَنْ) وهو یؤید ما قاله ابن حجر.
(وَلَا يَنْقَضِي) بالتأنيث والتذكير. (عَجَائِبُهُ)، أي: لا تنتهي لطائفه ودقائقه
وغرائبه التي يتعجب منها. قيل: كالعطف التفسيري للقرينتين السابقتين ذكره
الطيبي. (هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ)، أي: لم يقفوا ولم يلبثوا. (إِذْ سَمِعَتْهُ)، أي:
القرآن. (حَتَّى قَالُوا)، أي: لم يتوقفوا ولم يمكثوا وقت سماعهم له عنه، بل أقبلوا
عليه لما بهرهم من شأنه فبادروا إلى الإيمان على سبيل البداهة؛ لحصول العلم
الضروري وبالغوا في مدحه حتى قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)، أي: شأنه من
حيثية جزالةِ المبني وغزارة المعنى. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ)، أي: يدل على الصواب،
أو يهدي الله به الناس إلى طريق الحق. (فَآَمَّا بِهِ)، أي: بأنه من عند الله ويلزم منه
الإيمان برسول الله. (مَنْ قَالَ بِهِ)، أي: من أخبر به. (صَدَقَ)، أي: في خبره، أو
من قال قولًا ملتبسًا به، بأن يكون على قواعده ووفق قوانينه وضوابطه صدق.
(وَمَنْ عَمِلَ بِهِ)، أي: بما دل عليه. (أُجِرَ) بضم الهمزة، أي: أثيب في عمله
أجرًا عظيمًا وثوابًا جسيمًا؛ لأنه لا يحث إلا على مكارم الأخلاق والأعمال
ومحاسن الآداب. (وَمَنْ حَكَمَ بِهِ)، أي: بين الناس. (عَدَلَ)، أي: في حكمه؛
لأنه لا يكون إلا بالحق. (وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ)، أي: من دعا الخلق إلى الإيمان به
والعمل بموجبه. (هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) روي مجهولًا، أي: من دعا الناس إلى
القرآن وفق للهداية، وروي معروفًا كأنّ المعنى من دعا الناس إليه هداهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) من طريق حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن
ابن أخي الحارث عن الحارث عن علي وأبو المختار الطائي وابن أخي الحارث
كلاهما مجهول، ورواه الدار مي أيضًا من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن
الحارث. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ) الذي في الترمذي هذا
حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، أي:
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجهالة أبي المختار الطائي وابن أخي الحارث. (وَفِي الْحَارِثِ)، أي: الراوي
للحديث عن علي. (مَقَالٌ)، أي: مطعن والذي في الترمذي وفي حديث الحارث
مقال، انتهى.
وقال الصنعاني: هذا حديث موضوع كما في ((الفوائد المجموعة)) و((التذكرة))،
وعندي في الحكم بكونه موضوعًا نظر فإن ما ذكروه من الكلام في هذا الحديث
وفي الحارث الأعور: لا يقتضي أن يكون الحديث موضوعًا وله شاهد ضعيف من
حديث معاذ بن جبل عند الطبراني ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج٧ص١٦٤) وقال: وفيه عمرو بن واقد وهو متروك.
٢١٥٩ - [٣١] وَعَنْ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: ((مَنْ قَرَأَ
الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ
الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا، لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنَّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟)).
[رَوَاه ◌ُحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشرح
٢١٥٩- قوله: (وَعَنْ مُعَاذٍ) بضم الميم ابن أنس. (الْجُهَنِيَّ) بضم الجيم
وفتح الهاء. (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ)، أي: فأحكمه كما في رواية، أي: فأتقنه قاله
القاري. وقال ابن حجر: أي: حفظه عن ظهر قلب، وفي رواية أحمد: ((مَنْ قَرَأَ
الْقُرْآنَ فَأَكْمَلَهُ)) .
(ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ) اختاره على أنور وأشرق إعلامًا، بأن تشبيه التاج مع ما فيه من
نفائس الجواهر بالشمس ليس بمجرد الإشراق والضوء، بل مع رعاية من الزينة
والحسن. (مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ) حال كونها. (فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا)، فيه تتميم صيانة من
الإحراق وكلال النظر بسبب أشعتها كما أن قوله: (لَوْ كَانَتْ)، أي: الشمس على
الفرض والتقدير. (فِيْكُمْ)، أي: في بيوتكم تتميم للمبالغة، فإن الشمس مع
(٢١٥٩) أَبُو دَاوُد (١٤٥٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ.
٧٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
ضوئها وحسنها لو كانت داخلة في بيوتنا كانت آنس وأتم مما لو كانت خارجة
عنها .
وقال الطيبي: أي: في داخل بيوتكم. وقال ابن الملك: أي: في بيت أحدكم.
وعند أحمد: ((فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ))، (فَمَا ظَنُّكُمْ)، أي: إذا كان
هذا جزاء والديه لكونهما سببًا لوجوده. (بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟)، وفي رواية أحمد
والحاكم: ((عَمِلَ بِهِ))، قال الطيبي: استقصار للظن عن كنه معرفة ما يعطى للقاري
العامل به من الكرامة والملك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر، كما أفادته ما الاستفهامية المؤكدة لمعنى تحير الظان.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣ص ٤٤٠). (وَأَبُو دَاوُدَ) والحاكم (ج ١ ص٥٦٧) كلهم من
طريق زبان بن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه. وقد سكت عنه أَبُو دَاوُدَ. وقال
الحاكم: حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: قلت: زبان ليس بالقوي.
وقال المنذري: سهل بن معاذ ضعيف، ورواه عنه زبان بن فائد وهو ضعيف أيضًا،
انتھی .
٢١٦٠ - [٣٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يقول: ((لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ، ثُمَّ أَلْقِيَ فِي النَّارِ مَا اخْتَرَقَ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢١٦٠ - قوله: (لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ)، أي: جلد لم يدبغ، وقيل المراد
به: مطلق الجلد، إِمَّا على التجريد، أو على أنه يطلق عليه وعلى ما لم يدبغ كما في
((القاموس)). (ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)، قال الطيبي: (ثُمَّ) ليست لتراخي الزمان، بل
التراخي الرتبة بين الجعل في الإهاب والإلقاء في النار، وإنهما أمران متنافيان لرتبة
(٢١٦٠) البَغَوِيُّ (١١٨٠) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَد (١٥٤/٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَاهُ.
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القرآن وأن الثاني أعظم من الأول.
قال القاري: والأظهر أنها بمعنى الفاء. (مَا اخْتَرَقَ)، أي: الإهاب ببركة
القرآن. قيل: كان هذا في عصره وَّلي- لو ألقى المصحف في عهده في النار،
لا تحرقه النار، وهذا كان معجزة له كسائر معجزاته. وقيل: معناه: من كان
القرآن في قلبه لا تحرقه نار، هكذا حكي عن أحمد بن حنبل وأبي عبيد. وقيل:
هذا على سبيل الفرض. والتقدير: مبالغة في بيان شرف القرآن وعظمته، أي: من
شأنه ذلك على وتيرة قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية [الحشر: ٢١] .
وقال التوربشتي: المعنى: لو قدر أن يكون القرآن في إهاب ما مست النار ذلك
الإهاب ببركة مجاورته للقرآن، فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه وقطع في تلاوته
ليله ونهاره؟ والإهاب الجلد الذي لم يدبغ، وإنما ضرب المثل به، والله أعلم؛
لأن الفساد إليه أسرع ولفح النار فيه أنفذ ليبسه وجفافه بخلاف المدبوغ للینه، وقد
رأينا في الشاهد أنَّ الجلد الذي لم يدبغ يفسده وهج الشمس بأدنى ساعة وتخرجه
عن طبعه، ورأينا المدبوغ يقوى على ذلك للينه. والمراد بالنار المذكورة في
الحديث: نار الله الموقدة المميزة بين الحق والباطل التي لا تطعم إلا الجنس
الذي بعد عن رحمة الله، دون النار التي تشاهد، فهي وإن كانت محرقة بأمر الله أو
تقديره أيضًا فإنها مسلطة على الذرات القابلة للحرق لا ينفك عنه إلا في الأمر النادر
الذي ينزع اللَّه عنها الحرارة، كما كان من أمر خليل الرحمن صلوات اللَّه عليه
وسلامه والله أعلم، انتهى كلام التوربشتي.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٥١ - ١٥٥) وأبو يعلى والطبراني
من طريق ابن لهيعة عن مِشْرَع بن هاعان عن عقبة بن عامر، وعزاه في ((الكنز))
(ج ١ ص ٤٧٧) للبيهقي في الشعب، وابن الضريس والحكيم الترمذي أيضًا، وله
شواهد من حديث عصمة بن مالك عند الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو
ضعيف، ومن حديث سهل بن سعد عند الطبراني أيضًا، وفيه عبد الوهاب بن
الضحاك وهو متروك، ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان كما في ((الكنز))
(ج١ ص ٤٦١).
٧٩
كِتّابُ فَضَائِل الْقُرْآن
٢١٦١ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَِّ: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ،
فَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشْرَةٍ مِنْ
أَهْلِ بَيْتِهِ، كُلُّهُمْ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ
بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ يُضَغَّفُ فِي الْحَدِيثِ].
الشرح
٢١٦١ - قوله: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ)، أي: حفظه تقول: قرأت القرآن
عن ظهر قلبي، أي: قرأته من حفظي قاله الجزري. وقال في ((المفاتيح)): استظهر
إذا حفظ القرآن واستظهر إذا طلب المظاهرة، وهي المعاونة، واستظهر إذا احتاط
في الأمر وبالغ في حفظه وإصلاحه، وهذه المعاني الثلاثة جائزة في هذا الحديث،
يعني: من حفظ القرآن وطلب القوة والمعاونة في الدين، واحتاط في حفظ حرمته
واتباع أوامره ونواهيه، والله اعلم، انتهى. واللفظ المذكور لأحمد والترمذي،
وفي رواية لأحمد: ((مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ وَحَفِظَهُ))، ولابن ماجه: ((مَنْ قَرَأَ
الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ)) .
قال السندي: من قرأ القرآن، أي: غيبًا ولو بالنظر وقوله: ((حَفِظَهُ))، أي:
بمراعاة بالعمل به والقيام بموجبه، أو المراد بالحفظ: قراءته غيبًا ولا يتركه،
ويحتمل أن من داوم على قراءته حتى حفظه، وعلى الوجهين ينبغي أن يعتبر مع
ذلك العمل به أيضًا، إذ غير العامل يعد جاهلًا، ورواية الترمذي صريحة في اعتبار
أنه يقرأ بالغيب وإتیانه به، انتھی.
(فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ)، أي: اعتقد حلاله حلالاً وحرامه حرامًا، وليست
هذه الكلمة عند أحمد وابن ماجه. (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ)، أي : ابتداء وإلا فكل مؤمن
يدخلها. (وَشَفَّعَهُ) بتشديد الفاء، أي: قبل شفاعته. (كُلَّهُمْ)، أي: كل العشرة.
(٢١٦١) أَحْمَد (١٤٨/١، ١٤٩)، وَالتِّرْمِذِي (٢٩٠٥)، وَابن مَاجَهْ (٢١٦) عَنْ عَلِيٍّ رَوَّهُ فِي فَضَائِلِ
القُرْآنِ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي: غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.