النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٤٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِحِفْظِ
زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَِّ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ،
قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةً! مَا فَعَلَ أَسِيرَُ
الْبَارِحَةَ؟)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ،
فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ)). فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّهُ سَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ،
فَقُلْتُ: لَأَرْ فَعَتَّكَ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا
أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا؛
فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ
يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَتَّكَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ إِ، وَهَذَا آخِرُ
ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُْكْ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ
اللَّهُ بِهَا: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
الْقَيُُّمْ﴾. حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ
شَيْطَانٌ، حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَةِ: ((مَا
فَعَلَ أَسِيرَُكَ؟))، قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلَّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ
قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، وَتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَّيَالٍ)). قَلْتُ: لَا،
قَالَ: ((ذَاَ شَيْطَانٌ)) .
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢١٤٣ - قوله: (وَلَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ)، أي: في حفظ
زكاة الفطر من رمضان، أي: فوض إلى ذلك، فالوكالة بمعناها اللغوي، وهو
(٢١٤٣) الْبُخَارِي (٢٣١١ و٣٢٧٥) فِي الوِكَالَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالنَّسَائِيُّ في الكُبْرِى (١٠٧٩٥) فِي عَمَلِ اليَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٤١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
مطلق تفويض أمر للغير. وقال الطيبي: الإضافة لأدنى ملابسة؛ لأنها شرعت لجبر
ما عسى أن يقع في صومه تفريط، فهي بمعنى اللام. (فَأَتَانِي آتٍ) كقاض.
(فَجَعَلَ)، أي: طفق وشرع. (يَحْثُو) بإسكان الحاء المهملة بعدها مثلثة، أي:
يغرف ويأخذ بكفيه، يقال: حثا يحثو وحتي يحثي. (مِنَ الطّعَام)، وكان تمرًا كما
في رواية النسائي وغيره. (فَأَخَذْته)، أي: الذي حثا من الطعام. (لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَله)، أي: لأذهبن بك أشكوك إليه يقال: رفعه إلى الحاكم، إذا أحضره
للشكوى .
(قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ) لما آخذه. وقيل: أي: إني فقير في نفسي. (وَعَلَيَّ عِيَالٌ)،
أي: أنفقتهم إظهارًا لزيادة الاحتياج أو (عَلَىَّ) بمعنى لي، (وَلِي)، وللكشميهني:
وبيَّ بالموحدة بدل اللام، وكذا في ((جامع الأصول)). (حَاجَةٌ)، أي: حاجة
زائدة. (شَدِيدَةٌ)، أي: صعبة كموت، أو نفاس، أو مطالبة دين أو جوع مهلك
وأمثالها مما اشتد الحاجة إلى ما أخذته، وهو تأكيد بعد تأكيد. قال الطيبي: إشارة
إلى أنه في نفسه فقير وقد اضطر الآن إلى ما فعل لأجل العيال وهذا للمحتاجين.
وفي رواية النسائي: فقال: إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن، وفي رواية
الإسماعيلي: ولا أعود. وفيه: دلالة على جواز رؤية الجن، وأمَّا قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا ثَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فالمعنى: إنا لا نراهم على
صورهم الأصلية التي خلقوا عليها؛ لبعد التباين بيننا وبينهم في ذلك؛ لأنهم أجسام
نارية في غاية الخفاء والاشتباه، بخلاف ما إذا تمثلوا بصور أخرى كثيفة.
(فَخَلَّيْتُ عَنْهُ)، أي: تركت، يقال: خلَّى الأمر وعنه تركه، وخلَّی سبیله؛
أطلقه. (فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ) لما أتيته: (مَا فَعَلَ) على بناء الفاعل. (أَسِيْرُكَ)، أي:
مأخوذك. (الْبَارِحَةَ)، أي: الليلة الماضية. قال الطيبي: فيه: إخباره عليه الصلاة
والسلام بالغيب. وتمكن من أبي هريرة من أخذه الشيطان، ورده خاستًا وهو كرامة
ببركة متابعة النبي وَله يعلم منه إعلاء حال المتبوع. قلت: وفي حديث معاذ بن
جبل عند الطبراني: أنَّ جبريل جاء إلى النبي ◌َّ، فأخبره بذلك، أي: بمجيء
الشيطان لأخذ ذلك الطعام. (أَمَا) بالتخفيف للتنبيه. (إِنَّهُ) بكسر الهمزة. (قَدْ
كَذَبَكَ) بتخفيف الذال، أي: في إظهار الحاجة. (وَسَيَعُودُ)، أي: في الأخذ فكن
على حذر منه. (فَرَصَدْتُهُ)، أي: ترقبته وانتظرته. (فَجَاءَ يَحْثُو) حال مقدرة؛ لأنَّ
٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحثو عقب المجيء لا معه، ويحتمل أن يكون التقدير: فجاء فجعل يحثو؛ اعتمادًا
على ما سبق قاله القاري. قلت: هذه رواية اللكشميهني والمستملي ووقع عند أبي
ذر عن الحموي ((فجعل)) بدل ((فجاء)). (فَرَصَدْتُهُ)، أي: المرة الثالثة.
(وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ) قال ابن حجر: أي: هذا المجيء الذم جئته آخر
ثلاث مرات (أَنَّكَ) تعليل لما تضمنه كلامه أنه لا يطلقه. انتهى. قال القاري:
والظاهر: أن (هَذَا) مبتدأ و(آخِرُ) بدل منه والخبر (أَنَّكَ). (تَزْعُمُ)، أي: تظن أو
تقول: (لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ)، وفي نسخة: تزعم أن لا تعود ثم تعود. وقال الطيبي:
قوله: (أَنَّكَ تَزْعُمُ) بفتح الهمزة صفة لثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا
القول الباطل، والضمير مقدر أي فيها. انتهى. فقوله: (هَذَا آَخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ)،
يدل على أنه في المرة الأولى أيضًا وعد بعدم العود وهو ساقط اختصارًا.
قال القسطلاني: ولأبي ذر: إنَّك بكسر الهمزة، وفي نسخة مقروءة على
الميدومي: إنك تزعم أنك لا تعود. (دَعْنِي)، وفي رواية النسائي: خلِّ عني.
(أُعَلَّمَك) بالجزم جواب ((دعني)) وبالرفع خبر مبتدأ محذوف والجملة جواب
((دَعْنِي)) .
(يَنْفَعَُ اللهُ بِهَا) صفة لكلمات. قال الطيبي: وهوِ مطلق لم يعلم منه، أي:
النفع فيحمل على المقيد في حديث علي عن رسول اللّه وَّ: ((مَنْ قَرَأَهَا - يعني:
آية الكرسي - حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعُهُ آمَّنَهُ اللهُ تعالى عَلَى دَارِهِ، وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُویْرَاتٍ
حَوْلَهُ))، رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). انتهى. قلت: الظاهر أن المراد بالنفع
هو ما يأتي في الحديث من قوله: (لَنْ يَزْالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ
شَيْطَانٌ))، وفي رواية النسائي: ((أعلمك كلمات إذا قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى
من الجن)). (إِذَا أَوَيْتَ) بالقصر على المشهور، أي: أتيت. (إِلَى فِرَاشِكَ) للنوم
وأخذت مضجعك، وفي البخاري: قلت: ما هنَّ؟ - أي: الكلمات - قال: ((إذا
أويت إلى فراشك. (حَتَّى تَخْتُمَ الْآيَةَ)) - أي: إلى ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ وزاد معاذ
ابن جبل في روايته عند الطبراني وخاتمة سورة البقرة ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخرها.
(فَإِنَّكَ)، أي: إذا فعلت ذلك. (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ) متعلق بقوله: (حَافِظٌ)
بمعنى حافظ من عند الله، أو من جهة أمر الله وقدره، أو من بأس اللَّه ونقمته
كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. (وَلَا
٤٣
كِتّابُ فَضَائِل الْقُرْآن
يَقْرَبَكَ) بفتح الراء والموحدة.
وقال الحافظ: بفتح الراء وضم الموحدة، وفي رواية: ((ولا يقربنك)). قال
القسطلاني: بفتح الراء والموحدة ونون التوكيد الثقيلة، كذا في اليونينية، وفي
غيرها: ((ولا يقربك)) بإسقاط النون، ونصب الموحدة عطفًا على السابق المنصوب
بـ(لَنْ) و(لا) زائدة؛ لتأكيد النفي. (شَيْطَانٌ) قال القسطلاني: وفي نسخة : - أي:
للبخاري - الشَّيطان. (حَتَّى تُصْبِحَ) غاية لما بعد ((لن)). (قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمَنِي
كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا)، وفي رواية البخاري بعده: ((فخليت سبيله)). قال: ((مَا
هِيَ؟)، قلت: قال لي: ((إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى
تختم الآية ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُمُ﴾))، وقال لي: ((لن يزال عليك من الله
حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبحَ))، وكانوا أحرص شي على الخير فقال
النبي وَّ: (أَمَا) بالتخفيف. (إِنَّهُ) بكسر الهمزة. (صَدَقَك) بتخفيف الدال، أي:
فيما قاله في آية الكرسي. (وَهُوَ كَذُوبٌ) هو من التتميم البليغ الغاية في الحسن؛
لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله: (صَدَقَك) استدرك نفي الصدق عنه
بصيغة مبالغة، والمعنى: صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر،
وهو كقولهم قد يصدق الكذوب. (وَتَعْلَمُ)، كذا في أكثر النسخ من ((المشكاة))،
وفي بعضها: ((تَعْلَمُ)) بإسقاط الواو كما في البخاري، أي: أتعلم. (مَنْ تُخَاطِبُ)،
أي: بالتعيين الشخصي. (مُنْذُ) بالنون وللحموي والمستملي مذ. (ثَلَاثِ لَيَالٍ؟
قُلْتُ: لَا) أعلم. (ذَاكَ شَيْطَانٌ) من الشياطين.
قال الطيبي: نكر لفظ الشيطان بعد سبقه منكرًا في قوله: (لَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ)؛
ليؤذن بأن الثاني غير الأول على ما هو المشهور أنَّ النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت
غير الأولى، ووجه تغايرهما أنَّ الأول مطلق شائع في جنسه؛ لأنَّ القصد منه نفي
قربان تلك الماهية له، والثّاني فرد من أفراد ذلك الجنس، أي: شيطان من
الشياطين، فلو عرف لأوهم خلاف المقصود؛ لأنه إمّا أن يشار إلى السابق أو إلى
المعروف، والمشهور بين الناس وكلاهما غير مراد. وكان من الظاهر أن يقال:
شيطانًا بالنصب؛ لأنَّ السؤال في قوله: (مَنْ تُخَاطِبُ) عن المفعول فعدل إلى
الجملة الاسمية وشخصه باسم الإشارة؛ لمزيد التعيين ودوام الاحتراز عن كيده
ومكره، فإن قلت: قد وقع عند البخاري فيما روى عن أبي هريرة أنه بَّه قال: ((إن
٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شيطانًا تفلت على البارحة))، الحديث.
وفيه: (لولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية))، وهذا يدل على أنه امتنع
من إمساكه من أجل دعوة سليمان الَّ حيث قال: ((وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من
بعدي))، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ﴾ [ص:٣٦] ثم قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ وفي
حديث الباب أن أبا هريرة: أمسك الشيطان الذي رآه أجيب باحتمال أن الذي هم
النبي ◌ّير أن يوثقه هو رأس الشياطين الذي يلزم من التمكن منه التمكن من
الشياطين فيضاهي حينئذٍ سليمان في تسخيرهم والتوثق منهم، والمراد بالشيطان في
حديث أبي هريرة هذا شيطانه بخصوصه أو آخر في الجملة، فلا يلزم من تمكنه منه
استتباع غيره من الشياطين في ذلك التمكن، أو الشيطان الذي همَّ به النبي ◌َّ تبدى
له في صفته التي خلق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان الَّل على هيئتهم،
والذي تبدى لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة الآدميين، فلم يكن في
إمساكه مضاهاة لملك سليمان والعلم عند الله تعالى.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أنَّ الشيطان قد يعلم ما ينتفع به المؤمن،
وأنَّ الحكمة قد يتلقاها الفاجر، فلا ينتفع بها وتؤخذ عنه، فينتفع بها، وأن الكافر قد
يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن، ولا يكون بذلك مؤمنًا، وأن الكذاب قد
يصدق، وأنَّ الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن
رؤيته، وأنَّ من أقيم في حفظ شيء؛ سمي وكيلاً، وأن الجن يأكلون من طعام
الإنس، وأنهم يظهرون للإنس، لكن بالشرط المذكور وإنهم يتكلمون بكلام
الإِنس وإنهم يسرقون ويخدعون.
وفيه: فضل آية الكرسي، وفيه: جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل
البعض لحفظها وتفرقتها كذا في ((الفتح)). (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، أي: في الوكالة
وأخرجه في صفة إبليس من بدأ الخلق وفي ((فضائل القرآن)) مختصرًا، وأخرجه
أيضًا النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم كما في ((الفتح))، وقد وقع لأبي بن كعب عند
النسائي وأبي أيوب الأنصاري عند الترمذي، وأبي أسيد الأنصاري عند الطبراني،
وزيد بن ثابت عند أبي الدنيا قصص في ذلك إلا أنه ليس فيها ما يشبه قصة
أبي هريرة إلا قصة معاذ بن جبل عند الطبراني، وهو محمول على التعدد.
٤٥
bese
HERE
كِتّابُ فَضَائِل الْقُرْآن
٢١٤٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ عَلِّ قَاعِدٌ عِنْدَ
النَّبِيِّ ◌َِّ؛ سَمِعَ نَقِضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ
الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطَّ إِلَّ الْيَوْمَ، فَتَزَلَ مِنْهُ مَلَك، فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ
لَمْ يَنْزِلْ قَطَّ إِلَّ الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ
قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّ
أُعْطِتَهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٤٤- قوله: (بَيْنَمَا)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) والذي في
(صحيح مسلم)): بَيْنا، وكذا نقله في ((جامع الأصول)). (جِبْرِيلُ عَلَّ قَاعِدٌ عِنْدَ
النَّبِيِّ وَّ)، قال ابن الملك - تبعًا للطيبي: أي: بين أوقات وحالات هو عنده ◌َّل،
وقال ميرك: بينا وبينما وبين معناها الوسط وبين ظرف، إمَّا للمكان كقولك:
جلست بين القوم وبين الدار أو للزمان كما هنا، أي: الزمان الذي كان جبريل
قاعدًا عند النبي ◌َّـ (سَمِعَ)، وفي رواية الحاكم: ((إذا سمع)). (نَقِيضًا) بالنون
والقاف والضاد المعجمة، أي: صوتًا شديدًا كصوت نقض خشب البناء عند كسره
قاله القاري.
وقال النووي: أي: صوتًا كصوت الباب؛ إذا فتح. (مِنْ فَوْقِهِ)، وفي رواية
الحاكم: ((مِنَ السَّمَاءِ))، أي: من جهة السماء. (فَرَفَعَ)، أي: جبريل. (رَأْسَهُ،
فَقَالَ)، أي: جبريل. قال الطيبي: الضمائر الثلاثة في ((سمع)) و((رفع))، وقال:
راجعة إلى جبريل؛ لأنه أكثر اطلاعًا على أحوال السماء. وقيل: للنبي ◌ََّ، وقيل:
الأولان راجعان للنبي وَّر والضمير في ((قال)) لجبريل ظلَّلا؛ لأنه حضر عنده
للإخبار عن أمر غريب. ووقف عليه النبي وَل .
قال ابن حجر: هو المختار واختاره غير واحد؛ ذكره القاري، وفي رواية
(٢١٤٤) مُسْلِم (٢٥٤ /٨٠٦)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٣٨) فِي الصَّلاَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٤٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الحاكم: ((ثم قال)) موضع ((فقال)) وهذا يؤيد ما قاله الطيبي. (هَذَا)، أي: هذا
الصوت. (بَابٌ)، أي: صوت باب. (مِنَ السَّمَاءِ)، أي: من سماء الدنيا. (فُتِحَ
الْيَومُ)، أي: الآن. (فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَك)، هذا من قول الراوي في حكايته لحال سمعه
من رسول اللَّهُ وَّ أو بلغه منه. (فَقَالَ)، أي: جبريل. (هَذَا)، أي: النازل (مَلَك
نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطَّ إِلَّا الْيَوْمَ)، هذا يدل على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم
سورة البقرة ملك غير جبريل. وقيل: إنَّ جبريل نزل قبل هذا الملك معلمًا ومخبرًا
بنزول الملك فهو مشارك له في إنزالها .
وقال القرطبي: إنَّ جبريل نزل بها أولًا بمكة، ثم أنزل هذا الملك ثانيًا بثوابها.
(فَسَلَّمَ)، أي: الملك النازل. (فَقَالَ)، وفي بعض النسخ: ((وقال))، وهكذا في
مسلم، أي: الملك. (أَبْشِرْ) بفتح الهمزة وكسر الشين، أي: افرح. (بِنُورَيْنِ)
سماهما نورين؛ لأنَّ كلا منهما يكون لصاحبه نورًا يسعى أمامه؛ أو لأنه يرشده
ويهديه بالتأمل فيه إلى الطريق القويم والمنهج المستقيم. (أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا)
بصيغة المجهول، أي: لم يعطهما. (فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) بالجر: وجوز الوجهان
الآخران.
(وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ)، وهي من ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة كذا قيل:
والأظهر بصيغة الجمع أن يكون من قوله: ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:
٢٨٤]. (لَنْ تَقْرَأْ) الخطاب له عليه الصلاة والسلام، والمراد: هو وأمته؛ إذ الأصل
مشاركتهم له في كل ما أنزل عليه إلا ما اختص به. (بِحَرْفٍ مِنْهُمَا)، أي: بكل
حرف من الفاتحة وخواتيم البقرة. قال التوربشتي: الباء زائدة يقال: أخذت بزمام
الناقة وأخذت زمامها، ويجوز أن يكون لإلصاق القراءة به، وأراد بالحرف الطرف
منها، فإن حرف الشيء طرفه وكني به عن كل جملة مستقلة بنفسها.
(إِلَّا أُعْطِيتَهُ)، أي: أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله:
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيَمَ ﴾﴾ وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ وكقوله: ﴿رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ﴾ ونظائر ذلك، ويكون التأويل في غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت
ثوابه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن والحاكم (ج ١ ص ٥٨٥)، وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا، إنما أخرج مسلم هذا الحديث
٤٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
مختصرًا ووافقه الذهبي. وقال: وأخرج مسلم بعضه، وفيه أنَّ الحديث عند مسلم
والحاكم سواء ليس بين سياقيهما فرق إلا في بعض الألفاظ والمعنى واحد،
فاستدراك الحاكم ليس بشيء، والحديث عزاه المنذري في الترغيب والجزري في
((جامع الأصول)) للنسائي أيضًا.
٢١٤٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْآَيَتَانِ
مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٤٥- قوله: (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري.
(الْآَيَتَانِ)، أي: الكائنتان. (مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ)، أي: آمن الرسول إلى آخر
السورة وآخر الآية الأولى ﴿الْمَصِيرُ﴾، ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وأمَّا
ما ﴿ أَكْتَسَبَتْ﴾ فليست رأس آية باتفاق العادين. (مَنْ قَرَأَ بِهِمَا)، هذا لفظ البخاري
في باب من لم ير بأسًا أن يقول سورة البقرة من فضائل القرآن. وفي رواية له: ((مَنْ
قَرَأَهُمَا))، أي: بدون الباء، وكذا وقع عند مسلم وابن ماجه، وفي رواية أخرى
للبخاري: ((مَنْ قَرَأَ بِالْآَيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ»، قال في ((المصابيح): فإن قلت:
ما هذه الباء التي في قوله: ((بِالْآيَتَيْنِ)). قلت: ذهب بعضهم إلى أنها زائدة. وقيل:
ضمن الفعل معنى التبرك فعدي بالباء، وعلى هذا تقول: قرأت بالسورة، ولا
تقول: قرأت بكتابك لفوات معنى التبرك. قاله السهيلي، ولأبي الوقت قرأ
((الآيَتَيْنِ)) بحذف الباء.
(فِي لَيْلَةٍ) وأخرجه علي بن سعيد العسكري في ثواب القرآن بلفظ: ((مَنْ قَرَأَهُمَا
بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ أَجْزَأَتَا ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾)) إلى آخر السورة ذكره الحافظ. (كَفَتَاهُ)
بالتخفيف، أي: أغنتاه عن قيام تلك الليلة بالقرآن وأجزأتا عنه من ذلك. وقيل:
(٢١٤٥) مُسْلِم (٨٠٧/٢٥٥) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، والبُخَارِي (٤٠٠٨) فِي المَغَازِي، وأَبُو دَاوُد (١٣٩٧)،
وابن مَاجَهْ (١٣٦٨) فِي الصَّلَاةِ،، والتِّرْمِذي (٢٨٨١)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٠٥) فِي
فَضَائِلِ القُرْآنِ.
EECH
٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها. وقيل:
معناه: كفتاه كل سوء ووقتاه من كل مكروه. وقيل: كفتاه شر الشياطين. وقيل:
دفعتا عنه شر الثقلين الإنس والجن أو شر آفات تلك الليلة. وقيل: معناه: كفتاه ما
حصل له بسببهما من الثواب عن طلب ثواب شي آخر، وكأنهما اختصتا بذلك لما
تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله، وابتهالهم ورجوعهم إليه
وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. قلت: ويؤيد الوجه الأول ما ورد عن أبي
مسعود رفعه: ((مَنْ قَرَأَ خَاتِمَة الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ))، ويؤيد الوجه الرابع
حديث النعمان بن بشير رفعه: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا وَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنٍ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ
الْبَقَرَةِ لَا يُقَرَآنِ فِي دَارٍ ، فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ ثَلَاثَ لَيَالٍ))، أخرجه الحاكم (ج١ ص٥٦٢)
وصححه كذا في ((الفتح)).
وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) بعد ذكر هذه الوجوه: ولا مانع من إرادة
هذه الأمور جميعها ويؤيد ذلك ما تقرر في علم المعاني والبيان من أن حذف
المتعلق مشعر بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كل شر أو من كل ما يخاف وفضل
الله واسع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ((المغازي))، وفي (فضائل القرآن)) ومسلم فيه،
واللفظ للبخاري وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص١١٨ - ١٢١ - ١٢٢) والترمذي في
فضائل القرآن وأَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة وابن ماجه في صلاة الليل والدارمي.
٤٩
كِتَابٌ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
EXTHE
٢١٤٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ
حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ؛ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢١٤٦ - قوله: (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ؛ عُصِمَ)، أي:
حفظ. (مِنَ الدَّجَّالِ)، أي: من شره، وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي:
((مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، وهو كذا في بعض نسخ مسلم. قال النووي: قيل: سبب ذلك
ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال، وكذا في آخرها
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَّخِذُواْ﴾ [الكهف: ١٠٢].
قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إن أولائك الفتية كما عصموا من ذلك الجبار
كذلك يعصم اللَّه القاري من الجبارين. قيل: ولا مانع من الجمع واللام فيه
للعهد، وهو الذي في آخر الزمان يدعي الألوهية، ويحتمل أن يكون للجنس، فإن
الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس، ومنه الحديث: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
دَجَّالُونَ))، أي: كذابون مموهون. وقال السيوطي في ((حاشية أبي داود)): قال
القرطبي: اختلف المتأولون في سبب ذلك، فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف
من العجائب والآيات، فمن وقف عليها لم يستغرب أمر الدجال ولم يهله ذلك فلم
يفتتن به. وقيل: لقوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] تمسكًا
بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى
الإلهية واستيلائه وعظم فتنته؛ ولذلك عظم ملل أمره وحذر عنه وتعوذ من فتنته،
فيكون معنى الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها، ووقف على معناها حذره
فأمن منه. وقيل: ذلك من خصائص هذه السورة كلها، فقد روي: ((من حفظ سورة
الكهف، ثم أدركه الدجال لم يسلط عليه))، وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول
(٢١٤٦) مُسْلِمٍ (٨٠٩/٢٥٧) فِي الصَّلَاةِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٣٢٣) فِي المَلَاحِمِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٨٨٦) فِي
فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ.
٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Be
سورة الكهف مع رواية من روى من آخرها ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج
في حفظها كلها، انتهى كلام السيوطي. واعلم: أنه وقع في رواية مسلم وأبي
داود: (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ)، وفي رواية الترمذي: ((مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ)) كما
سيأتي.
فقيل: وجه الجمع بين العشر وبين الثلاث: أنَّ حديث العشر متأخر ومن عمل
بالعشر، فقد عمل بالثلاث، وقيل: حديث الثلاث متأخر، ومن عصم بالثلاث فلا
حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النسخ. قال ميرك: بمجرد الاحتمال لا
يحكم بالنسخ. وقال القاري: النسخ لا يدخل في الأخبار. وقيل: حديث العشر
في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفي وعصم
من فتنة الدجال، وفيه: أنه وقع في رواية للنسائي: ((مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ))، وهي تنافي
هذا الجمع .
وقال الشوكاني: لا منافاة بين رواية الثلاث الآيات والعشر الآيات؛ لأن
الواجب العمل بالزيادة فيقرأ عشر آيات من أولها. انتهى. واعلم أيضًا: أنه أخلف
الرواة في أن العشر من أولها أو من آخرها فقال شعبة: عن قتادة - عند أحمد
والترمذي - من أول الكهف، وكذا قال هشام عنه عند مسلم وهمام عنه عند أحمد،
ومسلم وأبي داود والنسائي وسعيد عنه عند أحمد وقال شعبة: عند أحمد ومسلم
وأبي داود والنسائي في اليوم والليلة - من آخر الكهف، وهكذا قال هشام في
روايته عند أبي داود، وقد تقدم وجه الجمع في كلام السيوطي المذكور.
وقال الشوكاني: وأمَّا اختلاف الروايات بين أن تكون العشر من أولها أو من
آخرها فينبغي الجمع بينهما بقراءة العشر الأوائل والعشر الأواخر، ومن أراد أن
يحصل على الكمال، ويتم له ما تضمنته هذه الأحاديث كلها، فليقرأ سورة الكهف
كلها يوم الجمعة ويقرأ كلها ليلة الجمعة، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ص١٩٦ وج٦ ص٤٤٦
- ٤٤٩) وأَبُو دَاوُدَ في الملاحم، والنسائي في ((السنن الكبرى)) وفي اليوم والليلة،
وفي الباب عن أبي سعيد أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي: رجاله
رجال الصحيح .
٥١
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآنِ
٢١٤٧ - [١٩] وَ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟)). قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ((﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٤٧ - قوله: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم من باب ضرب يضرب
والهمزة للاستفهام الاستخباري. (قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ)، أي: أحد. (قُلُثَ
الْقُرْآنِ؟)؛ لأنه يصعب على الدوام عادة، وفي حديث أبي سعيد عند البخاري:
فشق ذلك عليهم. وقالوا: أينًا يطيق ذلك يا رسول الله؟ (قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُ﴾)، أي: إلى آخره أو سورته. (تَعْدِلُ) بالتأنيث ويجوز التذكير، أي:
تساوي .
(ُثُلُثَ الْقُرْآنِ) اختلفوا في معنى كون سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، فقال
قوم: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد وقد اشتملت هي
على القسم الثالث فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار ويستأنس لهذا بما وقع في رواية
لمسلم: ((إِنَّ اللهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ
الْقُرْآنِ))، واعترض: بأنه يلزم منه أن تكون آية الكرسي وآخر الحشر كل منهما
ثلث القرآن ولم يرد ذلك، لكن قال أبو العباس القرطبي: أنَّها اشتملت على اسمين
من أسماء الله تعالى متضمنين جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور
وهما الأحد الصمد؛ لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع
أوصاف الكمال، وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه
غيره والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال؛ لأنه الذي انتھی سؤدده، فکان يرجع
الطلب منه وإليه ولا یتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع فضائل الكمال،
(٢١٤٧) مُسْلِم (٢٥٩/ ٨١١) فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٥٣٧) فِي عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ.
٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذلك لا يصلح إلا لله تعالى فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة
كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثًّا. انتهى.
وقال قوم: المثلية محمولة على تحصيل الثواب، ومعنى كونها تعدل ثلث
القرآن أن ثواب قراءتها يحصل للقاري مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن وضعفه ابن
عقيل، فقال: لا يجوز أن يكون المعنى: فله أجر ثلث القرآن. واحتجَّ بحديث:
((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ))، واستدل ابن عبد البر، لذلك بقول
ابن راهويه ليس معناه: أن من قرأها ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن كله هذا لا
يستقيم ولو قرأها مائتي مرة. وقيل: المراد: ثواب قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ ﴾ يضاعف
بقدر ثواب ثلث القرآن بغير تضعيف وهي دعوى بغير دليل، ويؤيد الإطلاق حديث
أبي الدرداء هذا وغيره مما ورد في معناه.
وقيل: المراد: من عمل بما تضمنته من الإخلاص والتوحيد، كان كمن قرأ
ثلث القرآن، وادَّعى بعضهم أنَّ قوله: (تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) يختص بصاحب
الواقعة؛ لأنه لما رددها في ليلته، كان كمن قرأ ثلث القرآن بغير ترديد. قال
القابسي: ولعلَّ الرجل الذي جرى له ذلك لم يكن يحفظ غيرها، فلذلك استقل
عمله فقال له الشارع ذلك؛ ترغيبًا له في عمل الخير وإن قل. ولا يخفى ما في هذه
الدعوى، وقال ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه
بالرأي. وقال الزرقاني: السكوت في هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها
وأسلم.
قال السيوطي: وإلى هذا نحا جماعة كابن حنبل وإسحاق بن راهويه، وإنه من
المتشابه الذي لا يدرى معناه وإياه أختار. انتهى. قلت: ظاهر أحاديث الباب ناطق
بتحصيل الثواب مثل ((من قرأ ثلث القرآن))، وحديث أبي أيوب عند أحمد
والترمذي بلفظ: ((مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، وحديث أبي بن
كعب عند أبي عبيد: ((مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، صريح كل
منهما في أنَّ قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ ﴾ تعدل ثلث القرآن. وكذا يدل عليه حديث أبي
هريرة عند مسلم، والترمذي: ((احْشُدُوا فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنٍ))، فخرج يقرأ:
قل هو الله أحد، ثم قال: ((أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، فقوله ◌َ: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
٥٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
BCEX=X
تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) يحمل على أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن. ويحصل لقارئها
ثواب قراءة ثلث القرآن، فإن الروايات يفسر بعضها بعضًا، وإذا حمل ذلك على
ظاهره، فهل ذلك الثلث من القرآن معين، أو أي ثلث كان منه؟ فيه نظر. وعلى
الثاني فمن قرأها ثلاثًا؛ كان كمن قرأ ختمة كاملة، ولله رغم أن يجازي عبده على
اليسير بأفضل مما يجازي على الكثير، ونقول بما ثبت عنه وَّلته، ولكل ما جهلناه
من وجهه وتعليله فنرده إليه مَّة، ولا ندري لم تعدل قراءة هذه قراءة ثلث القرآن.
قال الشوكاني: قد علل كونها تعدل ثلث القرآن بعلل ضعيفة واهية، والأحسن أن
يقال: إن ذلك لسر لم نطلع عليه، وليس لنا الكشف عن وجهه. انتهى.
هذا وقد بسط الكلام في معنى هذه المعادلة شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته
التي أشرنا إليها ونصر القول الأول وزيف، وضعف ما عداه، فعليك أن تراجعها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أي: عن أبي الدرداء وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص١٩٥، ج٦
ص٤٤٣) والدارمي.
٢١٤٨ - [٢٠] وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
{صحیح}
الشرح
٢١٤٨- قوله: (وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في فضائل القرآن. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ)
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ص٨) ولأبي سعيد حديث آخر أخرجه أحمد والبخاري
في فضائل القرآن والنذور والتوحيد، ومالك وأَبُو دَاوُدَ والنسائي عنه: أن رجلًا
سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ◌َّر فذكر
ذلك له وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول اللّه وَ له: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ
ثُلُثَ الْقُرْآنِ» .
وفي الباب عن أبي أيوب عند أحمد والترمذي والنسائي وأبي هريرة عند مسلم
(٢١٤٨) صحيح البخاري (٥٠١٥).
٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والترمذي، وقتادة بن النعمان عند البخاري تعليقًا والنسائي والإسماعيلي موصولًا
وأنس عند الترمذي وأبي مسعود عند أحمد والنسائي.
٢١٤٩ - [٢١] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ،
وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾. فَلَمَّا رَجَعُوا
ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((سَلُوهُ لِأَمِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ)). فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:
لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ
يُحِبُّهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٤٩- قوله: (بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ)، أي: أرسله أميرًا عليها وقوله:
(عَلَى سَرِيَّةٍ) متعلق ببعث ولا يصح أن يتعلق بصفة لرجل لفساد المعنى ولا بحال؛
لأنَّ رجلًا نكرة ولم يقل في سرية؛ لأنَّ((على)) تفيد معنى الاستعلاء والرجل. قيل:
هو كلثوم بن الهدم، وفيه نظر؛ لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول
القتال. وقيل: هو كرز بن زهدم الأنصاري وسماه بعضهم كلثوم بن زهدم، وأمَّا
من فسره بأنه قتادة بن النعمان، فأبعد جدًّا وهذا ظاهر.
(وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ)؛ لأنه كان إمامهم. (فِي صَلَاتِهِمْ)، أي: التي يصليها
بهم. (فَيَخْتِمُ) لهم، أي: قراءته. (بَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾) السورة إلى آخرها.
وهذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرؤها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر،
ويحتمل أنه يختم بها آخر قراءته، فيختص بالركعة الأخيرة وعلى الأول، فيؤخذ
منه جواز الجمع بين السورتين غير الفاتحة في كل ركعة. (فَلَمَّا رَجَعُوا)، أي: من
السرية. (ذَكَرُوا ذَلِكَ)، أي: فعله، هذا يدل على أن صنيعه ذلك لم يكن موافقًّا لما
ألفوه من النبي ◌ََّـ (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ) لم تختم بَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُ﴾. (فَقَالَ) الرجل: أختم بها.
(٢١٤٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٣٧٥) فِي التَّوْحِيدِ، مُسْلِم (٨١٣/٢٦٣)، والنَّسَائِي (٢/ ١٧٠) فِي
الصَّلَاةِ عَنْ عَائِشَةً.
٥٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
(لَأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ)، قال ابن التين: إنما قال: إِنَّها صفة الرحمن؛ لأن فيها
أسماءه وصفاته، أسماؤه مشتقة من صفاته. وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي
المذكور قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبي وَّ، إمّا بطريق النصوصية، وإمَّا
بطريق الاستنباط. وقد أخرج البيهقي في كتاب ((الأسماء والصفات)) بسند حسن
عن ابن عباس أنَّ اليهود أتوا النبي ◌َّ فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبد، فأنزل الله
وَل: قل هو الله أحد إلى آخرها فقال: ((هَذِهِ صِفَةُ رَبِّي رَّ))، وعن أبي بن كعب
قال: قال المشركون للنبي وَل١: انسب لنا ربك، فنزلت سورة الإخلاص،
الحديث. وهو عند ابن خزيمة في كتاب ((التوحيد)) وصححه الحاكم.
قال ابن دقيق العيد: قوله: ((لَأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ))، يحتمل أن يكون مراده أنَّ فيها
ذكر صفة الرحمن، كما لو ذكر وصف فعبر عن الذكر بأنه الوصف وإن لم يكن
نفس الوصف، ويحتمل غير ذلك إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعلَّ
تخصيصها بذلك؛ لأنه ليس فيها إلا صفات اللَّه ◌ُالت فاختصت بذلك دون غيرها.
(وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا)، أي: لذلك دائمًا، فإن من أحب شيئًا؛ أكثر من ذكره،
فجاؤوا فأخبروا النبي وَل.
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ)، قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون
سبب محبة الله له محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه؛ لأنَّ
محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده. قال المازري: ومن تبعه محبة
الله لعباده إرادته ثوابهم وتنعيمهم. وقيل: هي نفس الإثابة والتنعيم لا الإرادة،
فعلى الأول هي من صفات الذات - وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال - وعلى
الثاني من صفات الفعل - وهي ما استحقه فما لا يزال دون الأزل -، وأمَّا محبة
العباد له تعالى، فلا یبعد فيها المیل منهم إلیه تعالى وهو متقدس عن المیل، وقيل :
محبتهم له تعالى: استقامتهم على طاعته.
وقيل: الاستقامة ثمرة: المحبة، وحقيقة المحبة له: ميلهم إليه تعالى؛
الاستحقاقه سبحانه وتعالى المحبة من جميع وجوهها. قال الطيبي: وتحريره أن
حقيقة المحبة ميل النفس إلى ما يلائمها من اللذات وهي في حقه تعالى محال
فيحمل محبته لهم: إمَّا على إرادة الإثابة، أو على الإثابة نفسها. وأمَّا محبة العباد
٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
له تعالى فيحتمل أن يراد بها الميل إليه تعالى، وصفاته؛ لاستحقاقه تعالى إياها من
جميع وجوهها، وأن يراد بها نفس الاستقامة على طاعته تعالى، فيرجع حاصل هذا
الوجه إلى الأول؛ لأن الاستقامة ثمرة المحبة. انتهى. وفيه: دليل على جواز
تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أول كتاب التوحيد، ومسلم في ((فضائل
القرآن)) وأخرجه أيضًا النسائي في ((الكبرى)) كما في ((الترغيب)).
٢١٥٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ قَالَ: ((إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ
الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَغْنَاهُ] {صحيح}
الشرح
٢١٥٠ - قوله: (إِنَّ رَجُلًا) هو كلثوم بن الهدم على أن هذه القصة غير القصة
التي وقعت في حديث عائشة المتقدم. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تفسير لقوله: (هَذِهِ
السُّورَةَ)، أو بدل. (قَالَ: إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا)، أي: حبك لسورة قل هو الله أحد،
والحب مصدر مضاف إلى فاعله، وارتفاعه بالابتداء وخبره قوله: (أَدْخَلَكَ
الْجَنَّةَ)؛ لأنها صفة الرحمن، فحبها يدل على حسن اعتقاده في الدين ومعناه
يدخلك الجنة؛ لأنَّ الدخول في المستقبل، ولكنه لما كان محقق الوقوع، فكأنه قد
وقع، فأخبر بلفظ الماضي.
قال الحافظ: دل تبشيره له بالجنة على الرضا بفعله، وعبَّر بالماضي في قوله:
(أَدْخَلَكَ)، وإن كان دخول الجنة مستقبلًا تحقيقًا لوقوع ذلك. انتهى. قال الطيبي:
فإن قلت: ما التوفيق بين هذا الجواب وبين الجواب في الحديث السابق: ((أَخْبِرُوهُ
أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ؟)). قلت: هذا الجواب ثمرة ذلك الجواب؛ لأن الله تعالى إذا أحبه
أدخله الجنة وهذا من وجيز الكلام وبليغه، فإنه اقتصر في الأول على السبب عن
(٢١٥٠) الْبُخَارِي (٧٧٤) فِي الصَّلَاةِ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ التِّرْمِذِي (٢٩٠١) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَنَسٍ.
٥٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
المسبب، وفي الثاني عكسه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل القرآن.
(وَرَوَى الْبُخَارِيُّ) في باب الجمع بين السورتين في ركعة من كتاب الصلاة.
(مَعْنَاهُ)، فيه: اعتراض على المصنف ودفع عنه كما لا يخفى. واعلم: أن السياق
المذكور رواه الترمذي معلقًا من رواية مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن أنس .
ووصله الدارمي عن يزيد بن هارون عن مبارك بن فضالة، وهو طرف من حديث
طويل أخرجه الترمذي أيضًا موصولًا من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي
عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في
مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة يقرأ بها، افتتح ب﴿قُلّ هُوَ
اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل
ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثمَّ لا ترى أنها تجزئك
حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإمّا أن تدعها وتقرأ بسور أخرى. قال:
ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بها؛ فعلت، وإن كرهتم؛ تركتكم، وكانوا يرونه
أفضلهم ويكرهون أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي رَّلّ أخبروه الخبر، فقال: « یا
فلان؛ مَا يَمْنَعُكَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ أَنْ تَقْرَأَ هَذِهِ السُّورةَ فِي كُلِّ
رَكْعَةٍ؟))، قال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال رسول اللّه وَ له: ((إِنَّ حُبَّهَا؛ أَدْخَلَكَ
الْجَنَّةَ».
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبيدالله بن
عمر عن ثابت، وقد روى مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلًا قال: يا
رسول الله! إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، قال: ((إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا
أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ)). انتهى. وأورده البخاري مطولًا تعليقًا بصيغة التصحيح، أي:
بلفظ الجزم حيث قال: وقال عبيدالله بن عمر عن ثابت عن أنس: كان رجل من
الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما
يقرأ به افتتح ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها
الحدیث .
قال الحافظ: هذا التعليق وصله الترمذي، والبزار عن البخاري عن إسماعيل بن
أبي أوس والبيهقي (ج ٢ ص ٦١) من رواية محرز بن سلمة كلاهما عن عبد العزيز
٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدراوردي عن عبيد الله بطوله. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث
عبيد اللَّه عن ثابت قال. وقد روى مبارك بن فضالة عن ثابت، فذكر طرفًا من آخره
وذكر الطبراني في ((الأوسط)) أن الدراوردي تفرد به عن عبيد الله. وذكر الدار قطني
في ((العلل)) إن حماد بن سلمة خالف عبيد الله في إسناده، فرواه عن ثابت عن حبيب
ابن سبيعة مرسلًا قال: وهو أشبه بالصواب. وإنما رجحه؛ لأن حماد بن سلمة يقدم
في حديث ثابت لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة، وقد وافقه مبارك في إسناده
فيتحمل أن يكون لثابت فيه شیخان. انتهى.
قلت: وأخرجه الحاكم (ج١ ص ٢٤٠) من رواية إبراهيم بن حمزة الزبيري عن
الدراوردي، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال: وأورده
البخاري تعليقًا. واعلم: أن الظاهر أنَّ قصة حديث عائشة عند الشيخين، وقصة
حديث أنس عند الترمذي والبخاري قصتان متغائرتان، لا أنهما قصة واحدة، ويدل
على تغايرهما أن في حديث أنس إنه كان يبدأ ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾، وفي حديث
عائشة أنَّ أمير السرية كان يختم بها، وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة ولم
يصرح بذلك في قصة الآخر، وفي هذا أن النبي وَلّر سأله، وفي حديث عائشة
أنه وَلَ أمرهم أن يسألوا أميرهم، وفي هذا أنه قال: ((إِنَّهُ يُحِبُّهَا فَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ))،
وأمير السرية قال: ((إِنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَبَشَّرَهُ بَأَنَّ اللهَ يُحِبُّه)).
٢١٥١ - [٢٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَلَمْ تَرَ
آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطَّ ﴿قُلَّ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ﴾)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٥١- قوله: (أَلَمْ تَرَ) بصيغة المعلوم، أي: ألم تعلم. (أُنْزِلَتِ) صفة
للآيات. (اللَّيْلَةَ) نصب على الظرفية. قال الطيبي: (أَلَمْ تَرَ) كلمة تعجب
(٢١٥١) مُسْلِم (٢٦٤/ ٨١٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٩٠٢)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٣٠) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامٍِ .
٥٩
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
وتعجيب، وأشار إلى سبب التعجب بقوله: (لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ)، أي: في باب التعوذ
وهو بصيغة المجهول، ورفع (مِثْلُهُنَّ)، (قَطَّ)؛ لتأكيد النفي في الماضي، يعني: لم
تكن آيات سورة كلهن؛ تعويدًا للقاري من شر الأشرار مثل هاتين السورتين؛
ولذلك كان رسول اللَّه ◌َل يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت
المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، ولما سحر؛ استشفى بهما وإنما كان
كذلك؛ لأنهما من الجوامع في هذا الباب.
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ... ) إلخ. خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ
اٌلْفَلَقِ ... ﴾ الخ. وفي الحديث: بیان عظم فضل هاتين السورتین، وفيه: دلیل
واضح على كونهما من القرآن، وفيه: أنَّ لفظة (قُلْ) من القرآن ثابتة من أول
السورتين بعد البسملة، وقد أجمعت الأمة على هذا كله؛ قاله النووي. وأمَّا ما
نسب إلى ابن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين. فقيل: إن هذا النقل عن ابن
مسعود كذب باطل، قاله ابن حزم في أوائل ((المحلى)) والنووي في ((شرح
المهذب)) و((شرح مسلم)) والفخر الرازي في أوائل ((تفسيره)).
وقيل: بل النقل عنه صحيح وكونهما من القرآن، قد ثبت القطع بذلك في عصره
لكن لم يثبت عنده القطع بذلك، أي: أنَّه كان متواترًا في عصر ابن مسعود لكن لم
يتواتر عند ابن مسعود. وقيل: غير ذلك في تأويل ما حكي عن ابن مسعود. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن وكذا الترمذي والدارمي ورواه النسائي في الاستعاذة.
وأخرجه أحمد (ج٤ ص١٤٤، ١٥٠، ١٥١، ١٥٢).