النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كل أحد ويظهر بمحاسنه لكل سامع. وقال المظهري: فالمؤمن الذي يقرأ القرآن
هكذا من حيث أن الإيمان في قلبه ثابت طيب الباطن، ومن حيث أنه يقرأ القرآن
ويستريح الناس بصوته، ويثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه طيب الريح مثل
الأترجة يستريح الناس بريحها. (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)، أي: ويعمل
به كما في الرواية الآتية. (مَثَلِ الثَّمْرَةِ) بالمثناة الفوقية وسكون الميم. (وَطَعْمُهَا
حُلُوٌ) بضم الحاء وسكون اللام. (كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ) الحنظل، نبات يمتد على الأرض
كالبطيخ، وثمره يشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدًّا، ويضرب المثل بمرارته.
(مَثَلِ الرَّيْحَانَةِ) هي كل نبت طيب الريح من أنواع المشموم. قال الطيبي: إن هذا
التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف لا
ییرزه عن مکنونه إلا تصویره بالمحسوس المشاهد، ثمّ إن كلام الله المجید له تأثیر
في باطن العبد وظاهره، وإنَّ العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم: من له النصيب
الأوفر من ذلك التأثير وهو المؤمن القارئ، ومنهم: من لا نصيب له البتة وهو
المنافق الحقيقي، ومنهم: من تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس، وهو
المؤمن الذي لا يقرؤه. وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو
مذكور في الحديث ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من
ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما
مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إمَّا منافق صرف أو ملحق به، والأول إمّا مواظب
على القراءة أو غير مواظب عليها؛ فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه
في المذكورات منتزع من أمرين محسوسین طعم وريح وليس بمفرق كما في قول
امرئ القيس :
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لَدَى وَكْرِهَا الْعِنَّابُ وَالْخَشَفُ الْبَالِي
انتھی .
وقال التوربشتي: إنَّ الشارع وَ ل ◌ّ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدى
إليها إلا من أيد بالتوفيق، فمنها: أنه ضرب المثل بما ينبته الأرض، ويخرجه
الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإنْ
ضرب المؤمن نفسه فإنّ العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه؛ لأنَّ الأعمال هي
الكاشفة عن حقيقة الحال.
٢١
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجة والتمرة وهما مما يخرجه الشجر،
وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض تنبيهًا على علوِّ شأن المؤمن وارتفاع عمله،
ودوام ذلك وبقائه ما لم يببس الشجرة، وتوقيفًا على ضعة شأن المنافق وإحباط
عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته. ومنها: أنَّ الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها
فيسقيها ويصلح أودها ويربيها، وكذلك المؤمن يقيض له من يؤدبه ويعلمه ويهذبه
ويلم شعثه ويسويه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذل من نقع
الفلز، والمنافق الذي وكل إلى شيطانه وطبعه وهواه والله أعلم. انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن والأطعمة، والتوحيد، ومسلم
في فضائل القرآن، والسياق المذكور للبخاري في الأطعمة وأخرجه أيضًا أحمد
(ج ٤ ص ٣٩٧، ٤٠٣ - ٤٠٤، ٤٠٨) والترمذي في الأمثال، والنسائي في الإيمان
وابن ماجه في السنة، والدارمي في فضائل القرآن، وابن حبان في ((صحيحه))
(ج ١ ص ٢٨٥) وأخرجه أَبُو دَاوُدَ في الأدب من حديث أنس. (وَفِي رِوَايَةٍ ... ) إلخ.
هذه الرواية من أفراد البخاري أوردها في آخر فضائل القرآن.
(الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ)، فيه: دليل على أن المقصود من تلاوة
القرآن العمل بما دل عليه لا مطلق التلاوة، وهي زيادة مفسرة للمراد من الرواية
السابقة التي لم يقل فيها ويعمل به، وفي الحديث: فضيلة حامل القرآن وقارئه
وضرب المثل للتقريب للفهم.
٢١٣٥ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ
اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)).
[رَوَاهُ مُشْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٣٥ - قوله: (إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ)، أي: بالإِيمان به وتعظيم شأنه
والعمل به، والمراد بالكتاب: القرآن البالغ في الشرف وظهور البرهان مبلغًا، لم
(٢١٣٥) مُسْلِم (٢٦٩/ ٨١٧) فِي الصَّلَاةِ، وَابن مَاجَهْ (٢١٨) فِي السُّنَّةِ عَنِ ابنِ عُمَرَ.
٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يبلغه غيره من الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة. قال الطيبي: أطلق الكتب على
القرآن ليثبت له الكمال؛ لأنَّ اسم الجنس إذا أطلق على فرد من أفراده يكون
محمولًا على كماله. وبلوغه إلى حد هو الجنس كله كأن غيره ليس منه. (أَقْوَامًا)،
أي: درجة أقوام ويكرمهم في الدَّارين، بأن يحييهم حياة طيبة في الدنيا، ويجعلهم
من الذين أنعم الله عليهم في العقبى. (وَيَضَعُ)، أي: يذل. (بِهِ)، أي: بالإعراض
عنه وترك العمل بمقتضاه. (آخَرِينَ) وهم من لم يؤمن به أو من آمن به ولم يعمل
به؛ قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ
اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّ خَسَارًا (٨٦﴾ [الإسراء: ٨٢].
قال الطيبي: فمن قرأه وعمل بمقتضاه مخلصًا رفعه الله، ومن قرأه مرائيًا غير
عامل به وضعه اللَّه أسفل السافلين. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في ((فضائل القرآن)) من رواية
عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على
مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى فقال: ومَن ابن أبزى؟
قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلف عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله
وَكَ وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم وَ لَّه قد قال: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا
الْكِتَابِ ... )) إلخ. قال الأبي: المعنى: أن هذا الأمير رفعه اللَّه ◌َ على هؤلاء
المؤمر علیهم .
وقال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى يرفع من عمل بالعلم ويضع من لم يعمل
به، والعلم من حيث أنه علم لا يضع، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص ٣٥)
وابن ماجه في السنة والدارمي في فضائل القرآن.
٢٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢١٣٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا
هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَّتِ الْفَرَسُ،
فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتْ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ
فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَلَمَّا أخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ
إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظَّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ
النَّبِيَّ ◌َلِ فَقَالَ: ((اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرِ، اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَّيْرِ)). قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنَّهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ،
وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظَّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتُ
حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ: ((وَتَدْرِي مَا ذَاَكَ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: (تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ
لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْلَفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي مُسْلِمٍ: ((عَرَجَتْ فِي اْجَوِّ)، بَدَل: ((خَرَجَتُ))، عَلَى صِيْغَةٍ
المتُكَلِّمْ]
الشرح
٢١٣٦- قوله: (أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيرٍ) بالتصغير فيهما والحاء المهملة والضاد
المعجمة. (قَالَ)، أي: يحكي عن نفسه. (بَيْنَما) بالميم. (هُوَ)، أي: أسيد. (يَقْرَأُ
مِنَ اللَّيْلِ)، أي: في الليل. وقال القاري: أي: في بعض أجزاء الليل وساعاته،
وفي رواية مسلم: بينما هو ليلة يقرأ في مربده بكسر الميم وفتح الباء الموحدة، هو
الموضع الذي يببس فيه التمر كالبيدر للحنطة ونحوها. (سُوْرَةَ الْبَقْرَةِ)، وفي
حديث البراء الآتي: أنه كان يقرأ سورة الكهف. وقد قيل: إن الرجل الذي كان
يقرؤها هو أسيد بن حضير. قال الكرماني: لعلَّه قرأهما يعني السورتين الكهف
والبقرة، أو كان ذلك الرجل هو غير أسيد بن حضير، هذا هو الظاهر. (وَفَرَسُهُ
مَرْبُوطَةٌ) وفي رواية: مربوط بالتذكير وهما صحيحان؛ لأنَّ الفرس يقع على الذكر
والأنثى.
(٢١٣٦) البُخَارِي (٥٠١٨)، وَالنَّسَائي في الكبرى (٨٠١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ.
٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِذَا جَالَتِ) كذا في رواية مسلم، وفي البخاري: ((إذ جالت)). قال العيني: هو
جواب لقوله: (بَيْنَما هُوَ يَقْرَأُ). وقال القاري: هو ظرف ل(يَقْرَأُ)، وجالت من
الجولان، أي: وثبت واضطربت شديدًا. وقيل: أي: دارت وتحركت
كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به. (فَسَكَتَ)، أي: أسيد عن القراءة.
(فَسَكَنَتْ)، أي: الفرس عن الاضطراب. قيل: تحرك الفرس كان لنزول
الملائكة؛ لاستماع القرآن خوفًا منهم، وسكونها لعروجهم إلى السماء، أو لعدم
ظهورهم، أو تحرك الفرس لوجدان الذوق بالقراءة، وسكونها لذهاب ذلك الذوق
منها بترك القراءة؛ ذكره القاري. (فَانْصَرَفَ)، أي: أسيد من الصلاة. (وَكَانَ
ابْنُهُ)، أي: ابن أسيد (يَحْبَى) قال الحافظ: يحيى بن أسيد بن حضير الأنصاري ذکر
ابن القداح أنه شهد الحديبية مع أبيه. وقال أبوعمر: كان في سن من يحفظ ولا
أعلم له رواية وبه كان يكنى أبوه أسيد بن حضير. (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الفرس في
ذلك الوقت. (فَأَشْفَقَ)، أي: خاف أسيد. (أَنْ تُصِيبَهُ)، أي: الفرس ابنه يحيى في
جولانها فذهب أسيد إلى ابنه؛ ليؤخره عن الفرس.
(وَلَمَّا أَخَّرَهُ) بخاء معجمة مشددة وراء من التأخير، أي: أخر أسيد ابنه يحيى عن
الموضع الذي كان به خشية عليه، يعني: أخَّره عن قرب الفرس، وهذه رواية
القابسي. ووقع عند غيره ((فلما اجتره)) بجيم وتاء مثناة من فوق وراء مشددة من
الاجترار، أي: فلما جر أسيد ابنه من المكان الذي هو فيه حتى لا تطأه الفرس.
(رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظَّلَّةِ فِيْهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيح)، كذا في جميع النسخ
من ((المشكاة))، وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج٩ ص٢٧٩)، والذي في البخاري:
رفع رأسه إلى السماء حتَّى ما يراها. قال الحافظ: كذا فيه باختصار، وقد أورده
أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) كاملًا ولفظه: ((رفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بمثل
الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها))، وفي رواية إبراهيم
ابن سعد عند مسلم والنسائي: ((فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال
السرج، فعرجت في الجو حتى ما أراها)). انتهى. ولم أجد السياق الذي ذكره
المصنف عند البخاري، والظاهر: أنه تبع في ذلك الجزري، وقوله: (إِذَا)
للمفاجأة، و(الظَّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام: هي الغاشية. وقيل:
٢٥
كِتّابُ فَضَائِل الْقُرْآن
السحابة؛ ذكره المنذري.
وقال العيني: هي شي مثل الصفة فأول بسحابة تظلل. وقال القاري: هي ما يقي
الرجل من الشمس كالسحاب والسقف وغير ذلك، أي: شيء مثل السحاب على
رأسه بين السماء والأرض. وقال ابن بطال: هي السحابة كانت فيها الملائكة
ومعها السكينة فإنها تنزل أبدًا مع الملائكة. انتهى. والضمير في ((فيها)) للظلة،
والمصابيح جمع مصباح، أي: أمثال السرج. (فَلَمَّا أَصْبَحَ)، أي: أسيد. (حَدَّثَ
النَّبِيَّ وََِّّ)، أي: حكاه بما رآه لفزعه منه. (فَقَالَ: اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرِ، اقْرَأْ يَا بْنَ
حُضَيْرٍ) مرتين، وفي رواية مسلم: ثلاث مرات، ومعناه: كان ينبغي لَّك أن تستمر
على قَراءتك، وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتسكثر من
القراءة التي هي سبب بقائها؛ قاله النووي.
قال الطيبي: يريد أن ((اقرأ)) لفظ أمر وطلب للقراءة في الحال، ومعناه:
تحضيض وطلب للاستزادة في الزمان الماضي، أي: هلَّ زدت وكأنه ◌َ ل استحضر
تلك الحالة العجيبة الشأن، فأمره تحريضًا عليه، والدليل على أن المراد من الأمر
الاستزادة وطلب دوام القراءة والنهى عن قطعها قوله: (فَأَشْفَقْتُ ... ) إلخ. وقال
الحافظ: قوله: (اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرٍ) أي: كان ينبغي أن تستمر على قراءتك وليس
أمرًا له بالقراءة في حالة التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال، فصار كأنه
حاضر عنده لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك؛ لتستمر لك البركة
بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أسيد ذلك فأجاب بعذره في قطع
القراءة وهو قوله: (فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى)، أي: خشيت إن استمريت
على القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودل سياق الحديث على محافظة أسيد على
خشوعه في صلاته؛ لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه وكأنه كان
بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء، فلم يرفعه حتى اشتد به
الخطب. ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تمادى به الحال
ثلاث مرات. انتهى كلام الحافظ. وقال السندي: علم من أول الأمر أنَّ ما حصل
لفرسه من علامات أن قراءته مقبولة محضورة فأمره بالقراءة فيما بعد لما ظهر فيها
من البركات، أو هذا الأمر منه لبيان أنك لا تجعل مثله مانعًا من القراءة فيما بعد بل
٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
امض على قراءتك فيما بعد. والله أعلم.
(فَانْصَرَفْتُ) وفي رواية: وانصرفت. (إِلَيْهِ)، أي: انصرفت عن الصلاة إلى
يحيى ترحمًا عليه. (وَرَفَعْتُ)، وفي البخاري: فرفعت. (فَخَرَجَتُ)، أي: من
بيتي. (حَتَّى لَا أَرَاهَا)، أي: الظلة أو المصابيح. قال القسطلاني: قوله:
(فَخَرَجَتُ) بالخاء والجيم، كذا لجميعهم. قال عياض: وصوابه ((فعرجت))
بالعين. انتهى. قلت: وهكذا وقع عند مسلم، والنسائي وأبي عبيد. (دَنَتْ)، أي:
نزلت وقربت. (لِصَوْتِكَ)، أي: بالقراءة، وفي رواية مسلم: كانت تستمعٍ لك،
وعند أبي عبيد وكان أسيد بن حضير حسن الصوت، وعند الإسماعيلي: ((اقْرَأْ أُسَيْدٌ
فَقَدْ أُوتِيتَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ))، وفيه: إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة
لقراءته. (وَلَوْ قَرَأْتَ)، أي: ولو دمت على قراءتك، وعند أبي عبيد: أما إنك لو
مضيت. (لَأَصْبَحَتْ)، أي: الملائكة. (لَا تَتَوارَى مِنْهُمْ)، أي: لا تخفى ولا تستتر
الملائكة من الناس، وعند أبي عبيد: ((لرأيت الأعاجيب)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخر جاه في
فضائل القرآن وأخرجه الحاكم (ج ١ ص٥٥٤) بنحوه باختصار، وقال فيه: فالتفت
فإذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض، فقال: يا رسول الله ما استطعت
أن أمضي، فقال: ((تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ نَزَلَتْ لِقِرَاءةِ الْقُرْآنِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ مَضَيْتَ لَرَأَيْتَ
الْعَجَائِبَ))، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (عَرَجَتْ)، من
العروج على صيغة المؤنث الغائبة، أي: صعدت الملائكة وارتفعت فيه؛ لكونه
قطع القراءة التي نزلت لسماعها. (فِي الْجَوِّ) بفتح وتشديد الواو ما بين السماء
والأرض. (بَدَل: فَخَرَجَتُ)، أي: مكان هذه الكلمة. (عَلَى صِيْغَةِ الْمُتَكَلُّم)،
أي: في هذه وعلى صيغة الغائبة في تلك. قال الحافظ: قال النووي: في هذا
الحديث: جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة كذا أطلق وهو صحيح، لكن الذي يظهر
التقييد بالصالح مثلًا والحسن الصوت. قال: وفيه فضيلة قراءة القرآن، وأنها سبب
نزول الرحمة وحضور الملائكة. قلت - قائله الحافظ: الحكم المذكور أعم من
الدليل، فالذي في الرواية إنَّما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة،
ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل
قارئ، وقد أشار في آخر الحديث بقوله: (لَا تَتَوارَى مِنْهُمْ) إلى أن الملائكة؛
الاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم،
٢٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وفيه: منقبة لأسيد بن حضير وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل
الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد
يفوت الخير الكثير، فكيف لو كان بغير المباح؟ انتهى.
٢١٣٧ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ رَِفَهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ،
وَإِلَى جَانِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطُ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو،
وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((تِلَْكَ
السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ)) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٣٧ - قوله: (كَانَ رَجُلٌ)، قيل: هو أسيد بن حضير كما تقدم من حديثه
نفسه، لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفي هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف. قال
الحافظ: وهذا ظاهره التعدد. وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس
ابن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا، وأخرج أَبُو دَاوُدَ من طريق مرسلة. قال:
قيل: للنبي ◌َّ ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؟ قال:
((فلعلَّه قرأ سورة البقرة)) فسئل، قال: قرأت سورة البقرة. ويحتمل أن يكون قرأ
سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا أو من كل منهما. انتهى كلام الحافظ. (حِصَانٌ)
بكسر الحاء وفتح الصاد المهملتين: فحل كريم من الخيل. قال القاري: هو
الكريم من فحل الخيل من التحصن أو التحصين؛ لأنهم يحضونة صيانه لمائه فلا
ينزونه إلا على كريمة ثم كثر ذلك حتى سموا به كل ذكر من الخيل، والجملة
حالية. (بِشَطَنَيْنِ) تثنية شطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة آخره نون، وهو
الحبل الطويل الشديد الفتل، ولعلَّه ربط باثنين لأجل جموحه وشدة صعوبته.
(فَتَغَشَّتْهُ)، أي: الرجل.
(٢١٣٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنِ الْبَرَاءِ: الْبُخَارِي (٣٦١٤) فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، مُسْلِم (٢٤٠ / ٧٩٥) فِي الصَّلَاةِ،
والتِّرْ مِذِي (٢٨٨٥) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ العَظِيمِ.
٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(سَحَابَةٌ)، أي: سترته ظلة كسحابة فوق رأسه. (فَجَعَلَتْ)، أي: شرعت
السحابة. (تَدْنُو وَتَدْنُو) مرتين أي: تقرب منه قليلاً قليلاً. (وَجَعَلَ)، أي: شرع.
(فَرَسُهُ) المربوط بشطنين. (يَنْفِرُ) بفتح أوله وكسر الفاء من النفور. وقد وقع في
رواية لمسلم: تنقز بقاف وزاي وخطأه عياض. قال الحافظ: فإن كان من حيث
الرواية فذاك وإلا فمعناها واضح. انتهى.
وقال النووي: معنى: ينقز بالقاف والزاي: يثب. (تِلْكَ السَّكِينَةُ) قال القاري:
أي: السكون والطمأنينة التي يطمئن إليها القلب، ويسكن بها عن الرعب.
قال الطيبي: فإن المؤمن تزداد طمأنينة بأمثال هذه الآيات إذا كوشف بها.
وقيل: هي الرحمة. وقيل: الوقار. وقيل: ملائكة الرحمة. انتهى.
وقال النووي: قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء المختار منها: أنَّها شيء من
مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة. (تَنَزَّلَتْ) بتاء ونون
وتشديد الزاي وبعد اللام تاء تأنيث، وفي رواية الكشميهني: ((تَتَزَّلُ)) بتائين بلا تاء
تأنيث بعد اللام. (بِالْقُرْآنِ)، أي: بسببه ولأجله، وفي رواية الترمذي: ((نَزَلَتْ مَعَ
الْقُرْآنِ - أو - عَلَى الْقُرْآنِ)). قال التوربشتي: وإظهار هذه الأمثال للعباد من باب
التأييد الإلهي يؤيد به المؤمن، فيزداد يقينًا ويطمئن قلبه بالإيمان ؛ إذا كوشف بها .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في تفسير سورة الفتح وفي فضائل القرآن،
وأخرجه مسلم فيه وكذا الترمذي، وأخرجه أحمد (ج٤ ص٢٨١، ٢٨٤، ٢٩٣،
٢٩٨).
٢٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٢١٣٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي
الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ وَّهِ، فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
كُنْتُ أَصَلِّي قَالَ: ((أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [الأنفال:
٢٤)؟». ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُعَلِّمَكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ
الْمَسْجِدِ؟)). فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنََّ
قُلْتَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرَآنِ، قَالَ: ((﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢١٣٨ - قوله: (وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى) بضم الميم وفتح العين واللام
المشددة على لفظ اسم مفعول من التعلية. واختلف في اسم أبي سعيد. فقيل:
اسمه رافع بن المعلى. وقيل: الحارث بن المعلى. وقيل: أوس بن المعلى.
وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى. وقيل: الحارث بن نفيع بن المعلى.
قال ابن عبد البر: من قال فيه: رافع بن المعلى فقد أخطأ؛ لأنَّ رافع بن المعلى
قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد
ابن ثعلبة من بني زريق الأنصاري الزرقي، أمه أميمة بنت قرط بن خنساء من بني
سلمة له صحبة، يعد في أهل الحجاز مات سنة (٧٣) وقيل: (٧٤) وهو ابن أربع
وثمانين سنة. قال ابن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين: أحدهما: هذا
يعني الذي نحن في شرحه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. والثاني:
عند الليث بن سعد. قال أبوسعيد بن المعلى: كنا نغدو إلى السوق على عهد
رسول اللَّه وَّه، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يومًا ورسول اللّه وعلاجه
قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست فقرأ رسول اللَّه وَ له هذه الآية:
(٢١٣٨) الْبُخَارِي (٤٤٧٤) فِي التَّفْسِيرِ وَالفَضَائِلِ، وَأَبُو دَاوُد (١٤٥٨)، وَالنَّسَائِي (١٣٩/٢) فِي
الصَّلَاةِ، وَابن مَاجَهْ (٣٧٨٥) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ المُعَلَّى.
٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي:
تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول ◌َله، فنكون أول من صلى، فتوارينا بعماد
فصليناهما، ثم نزل رسول وّ فصلى للناس الظهر يؤمئذ. (كُنْتُ أُصَلِّي فِي
الْمَسْجِدِ)، أي: مسجد النبي ◌ََّ. (فَلَمْ أَجِبْهُ)؛ لأنه وَّر منعهم من الكلام في
الصلاة ومن قطعها، وظن أبوسعيد أن الخطاب في الآية لمن هو خارج عن
الصلاة، وزاد في تفسير سورة الأنفال حتى صليت، وكذا وقعت هذه الزيادة في
((المصابيح)) وبعض ((نسخ المشكاة)).
(﴿أَسْتَجِيبُوا﴾)، أي: أجيبوا، فالسين زائدة للتأكيد. (﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ﴾) قال صاحب ((المدارك)): المراد بالاستجابة: الطاعة والامتثال، وبالدعوة
البعث والتحريض، ووحد الضمير ولم يثنه؛ لأنَّ استجابة الرسول كاستجابة
الباري جلَّ وعلا. وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد. وقيل: وحد الضمير؛
[الأنفال: ٢٤]، أي :
لأن دعوة اللَّه تسمع من الرسول. وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾
من علوم الديانات والشرائع؛ لأن العلم حياة، كما أن الجهل موت، وفيه: دلیل
على أن إجابة النبي ◌َّر في الصلاة فرض يعصي المرأ بتركه، وأنه حكم يختص
بالنبي ◌َّ. واختلف في أنَّ إجابة الرسول تبطل الصلاة أم لا؟ فقال بعض
الشافعية: لا تبطلها؛ لأن الصلاة أيضًا إجابة .
قال الطيبي والبيضاوي: ظاهر الحديث يدل على هذا. وقيل: كان دعاه لأمر لا
يحتمل التأخير، وللمصلي أن يقطع الصلاة بمثله. انتهى. والأظهر من الحديث أن
الإجابة واجبة مطلقًا في حقه ◌َّ كما يفهم من إطلاق الآية أيضًا، ولا دلالة في
الحديث على البطلان وعدمه، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. (أَلَا) بالتخفيف.
(أُعَلِّمَكَ) من التعليم. (أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرَآنِ)، أي: أفضل. وقيل: أكثر أجرًا
ومضاعفة في الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها. قال ابن التين :
معناه: أنَّ ثوابها أعظم من غيرها. وقال الطيبي: إنما قال: أعظم سورة اعتبارًا
بعظيم قدرها وتفردها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور، ولاشتمالها
على فوائد ومعان كثيرة مع وجازة ألفاظها. انتهى. واستدل به على جواز تفضيل
بعض القرآن على بعض وقد سبق الكلام فيه. (قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ) بالفوقية. (مِنَ
٣١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
الْمَسْجِدِ)، قيل: لم يعلمه بها ابتداء؛ ليكون ذلك أدعى لتفريغ ذهنه وإقباله عليها
بکلیته .
(فَأَخَذَ بِيَدِي) بالإِفراد. (فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ) من المسجد. (إِنَّكَ قُلْتَ:
لَأُعَلِّمَتَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرَآنِ) قال القسطلاني: ولأبي ذر والأصيلي: ((فِي
الْقُرْآنِ))، قال القاري: سميت سورة الفاتحة أعظم سورة؛ لاشتمالها على المعاني
التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله والتعبد بالأمر والنهي وذكر الوعد؛
لأن فيه ذكر رحمة اللَّه على الوجه الأبلغ الأشمل. وذكر الوعيد لدلالة يوم الدين،
أي: الجزاء ولإشارة المغضوب عليهم عليه، وذكر تفرده بالملك وعبادة عباده إياه
واستعانتهم بولاه وسؤالهم منه، وذكر السعداء والأشقياء وغير ذلك مما اشتمل
عليه جميع منازل السائرين ومقامات السالكين ولا سورة بهذه المثابة في القرآن،
فهي أعظم كيفية وإن كان في القرآن أعظم منها كمية.
(قَالَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كما صرح بها في
تفسير الأنفال عند البخاري. قال القاري: أي: هي سورة الحمد لله رب العالمين
فلا دلالة على كون البسملة منها أم لا. انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. (هِيَ
السَّبْعُ الْمَثَانِي) اللام للعهد من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ
الآية [الحجر: ٨٧]، وفي هذا تصريح بأنَّ المراد بالسبع المثاني في الآية
اٌلْعَظِيمَ ◌ََ
الكريمة هو الفاتحة، وهذا هو الحق، فإن قيل في الحديث السبع المثاني، وفي
القرآن سبعًا من المثاني. أجيب: بأنه لا اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا ((من))
للبيان، وإنما سميت السبع؛ لأنها سبع آيات بلا خلاف إلا أن منهم من عد
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ دون التسمية ومنهم من مذهبه على العكس؛ قاله الزمخشري.
قلت: الأول قول الحنفية والعكس قول الشافعي، فإنهم يعدون التسمية من
الفاتحة ولا يعدون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية .
قال الطيبي: وعد التسمية أولى؛ لأن أنعمت لا يناسب وزانه وزان فواصل
السور، ولحديث ابن عباس ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ﴾ الآية السابعة.
واختلف في تسميتها مثاني، فقيل: لأنَّها تثنى على مرور الأوقات، أي: تكرر، فلا
تنقطع وتدرس فلا تندرس. وقيل: لأنها تثنى في كل ركعة أي: تعاد. وقيل: لأنها
تثنى بسورة أخرى، أو لأنها نزلت مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ تعظيمًا لها واهتمامًا
بشأنها. وقيل: لأنها يثنى بها على الله تعالى. وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة لم
٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تنزل على من قبلها. والمثاني صيغة جمع، واحده مثناة، والمثناة كل شي يثنى،
من قولك: ثنيت الشيء ثنيا، أي: عطفته وضممت إليه آخر؛ قاله القسطلاني.
وقال العيني: هو جمع مثنى الذي هو معدول عن اثنين اثنين. وقيل: مثنى
بمعنى الثناء كالمحمدة بمعنى الحمد. وقيل غير ذلك. (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) عطف
على السبع عطف صفة على صفة. وقيل: هو عطف عام على خاص. قال
التوربشتي: إن قيل: كيف صحَّ عطف القرآن على السبع المثاني، وعطف الشيء
على نفسه مما لا يجوز؟ قلت: ليس كذلك، وإنما هو من باب ذكر الشيء
بوصفين: أحدهما معطوف على الآخر والتقدير: آتيناك ما يقال له السبع المثاني
والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين. وقال الطيبي: عطف القرآن على
السبع المثاني المراد منه الفاتحة وهو من باب عطف العام على الخاص؛ تنزيلًا
للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أومأ ◌َ له بقوله: (أَلَا أُعَلِّمَكَ
أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ)، حيث نكر السورة وأفردها؛ ليدل على أنك إذا تقصيت
سورة في القرآن؛ وجدتها أعظم منها، ونظيره في النسق لكن من عطف الخاص
على العام ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَّبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَتْلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، انتهى.
وهو معنى قول الخطابي.
قال الحافظ: وفيه بحث؛ لاحتمال أن يكون قوله: (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) محذوف
الخبر، والتقدير: ما بعد الفاتحة مثلاً فيكون وصف الفاتحة. انتهى. بقوله هي:
(السَّبَعُ الْمَثَانِي)، ثم عطف قوله: (وَالْقُرَآنُ الْعَظِيمُ)، أي: ما زاد على الفاتحة
وذكر ذلك؛ رعاية لنظم الآية ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة
على الفاتحة. انتهى: (الَّذِي أَوْتِيتُهُ)؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَكَ﴾ الآية
[الحجر: ٨٧] أو خصصته بالإعطاء، وفيه: دليل على جواز إطلاق القرآن على بعضه،
ويدل له قوله تعالى: ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ [يوسف: ٣] يعني: سورة
يوسف. قال ابن التين: في قوله: (قَالَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دليل على أنَّ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ﴾ ليست آية من القرآن كذا قال وعكس غيره؛
لأنه السورة ويؤيده أنه لو أراد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ الآية لم يقل: هي السبع
المثاني؛ لأن الآية الواحدة لا يقال لها: سبع فدل على أنه أراد بها السورة و((الحمد
لله)) رب العالمين من أسمائها، وفيه: قوة لتأويل الشافعي في حديث أنس، قال:
٣٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
*
كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. قال الشافعي: أراد السورة،
وتعقب: بأن هذه السورة تسمى سورة ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ولا تسمى ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وهذا الحديث يرد هذا التعقب. قال الحافظ: وفي الحديث: أنَّ
إجابة المصلي دعاء النبي ◌ُّ لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية
وغيرهم، وفيه: بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخطاب
مصليًّا أو غير مصلٍّ، إمَّا كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج، فليس من
الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة إلى
ذلك جنح بعض الشافعية، وهل يختص هذا الحكم بالنداء، ويشمل ما هو أعم
حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث. وقد جزم ابن حبان بأنَّ إجابة الصحابة في
قصة ذي الیدین کان کذلك. انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أي: بهذا اللفظ في فضائل القرآن، وأخرجه أيضًا في تفسير
الفاتحة والأنفال والحجر، وأخرجه أَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة وابن ماجه في
ثواب القرآن، والدارمي في فضائل القرآن، وأخرج أحمد والترمذي وابن
خزيمة، والحاكم نحوه من حديث أبي هريرة لكن جعل القصة لأبي بن كعب، كما
سيأتي في الفصل الثاني. وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي
سعيد بن المعلى. قال الحافظ: ويتعين المصير على ذلك؛ لاختلاف مخرج
الحديثين واختلاف سياقهما.
٢١٣٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((لَا
تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَّانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةٌ
الْبَقَرَةِ» .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٣٩- قوله: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ)، أي: خالية عن الذكر والطاعة،
فتكون كالمقابر، وتكونون كالموتى فيها. قال التوربشتي: أي: اجعلوا لبيوتكم
(٢١٣٩) مُسْلِمٍ (٢١٢/ ٧٨٠)، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٠١٥) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حصة من الذكر والتلاوة والصلاة؛ لئلا تكون كالمقابر التي تورط أهلها في مهاوي
الفناء، فقصرت مقدرتهم عن العمل، وذلك نظير قوله بَله: ((صَلّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا
تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا))، وقد مرَّ الحديث مبين المعنى فيما تقدم من الكتاب. انتهى.
وقيل: المعنى: لا تدفنوا موتاكم فيها، ويدل على المعنى الأول قوله: (إِنَّ
الشَّيْطَانَ) استئناف كالتعليل. (يَنْفِرُ) بكسر الفاء، أي: يتباعد ويخرج ويشرد.
قال النووي: هكذا ضبطه الجمهور ينفر، ورواه بعض رواة مسلم: ((يَفِرُّ)» - أي:
من الفرار - وكلاهما صِحيح. (مِنَ الْبَيتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقْرَةِ)، وفي رواية
الترمذي: ((وَإِنَّ الْبَيتَ الَّذِي تُقْرَأُ الْبَقْرَةُ فِيهِ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ»، وفي حديث سهل بن
سعد عند ابن حبان: ((مَنْ قَرَأَهَا - يعني: سورة البقرة - لَيْلًا لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطَانُ بَيْتَهُ
ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا نَهَارًا لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطَانُ ثَلَاثَةَ أَيَّام))، وخصَّ سورة البقرة
بذلك؛ لطولها وكثرة أسماء الله تعالى والأحكام فيها. وقد قيل: فيها ألف أمر،
وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر؛ كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في باب استحباب صلاة النافلة في بيته قبيل فضائل القرآن،
وأخرجه أيضًا الترمذي في فضائل القرآن.
٢١٤٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
(اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ:
الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلٍ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْثِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ، أَوْ
غَيَايَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرِ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ
الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح}
الشرح
٢١٤٠ - قوله: (اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ)، أي: اغتنموا قراءته وداوموا عليه. (فَإِنَّهُ
يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ)، أي: لقارئيه بأن يتمثل بصورة يراه الناس، كما
(٢١٤٠) مُسْلِم (٢٥٢/ ٨٠٤) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ مِنَ الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
٣٥
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
يجعل الله لأعمال العباد صورة ووزنًا لتوضع في الميزان، واللَّه على كل شيء
قدير، فليقبل المؤمن هذا وأمثاله ويعتقد بإيمانه أنه ليس للعقل في مثل هذا سبيل؛
قاله العزيزي. (اقْرَؤُوا)، أي: على الخصوص. (الزَّهْرَاوَيْنِ) تثنية الزهراء، تأنيث
الأزهر، وهو المضيء الشديد الضوء، أي: المنيرتين لنورهما وهدايتهما وعظم
أجرهما لقارئهما، فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله مكان القمرين من سائر
الكواكب .
قال في ((المفاتيح)): سميتا الزهراوين؛ لأنهما نوران ولا شك أن نور كلام الله
أشد وأكثر ضياء، وكل سورة من سور القرآن زهراء، لما فيها من نور بيان الأحكام
والمواعظ وغير ذلك من الفوائد، ولما فيها من شفاء الصدور وتنوير القلوب وتكثر
الأجر لقاريها. (الْبَقْرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ) بالنصب على البدلية، أو بتقدير: أعنى
ويجوز رفعهما وسميتا زهروان؛ لكثرة أنوار الأحكام الشرعية والأسماء الحسنى
الإلهية فيهما، وذكر السورة في الثانية دون الأولى لبيان جواز كل منهما.
(فَإِنَّهُمَا)، أي: ثوابهما الذي استحقه التالي العامل بهما أو هما يتصوران ويتشكلان
ويتجسدان. (تَأْتِيَانٍ)، أي: تحضران. (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ) بفتح المعجمة وتخفيف
الميمين، أي: سحابتان تظلان صاحبهما عن حر الموقف، وإنما سمي غمامًا؛ لأنه
يغم السماء، أي: يسترها. (أَوْ غَيَايَتَانٍ) مثنى ((غياية)) بفتح غين معجمة وتخفيف
ياءين مثناتين تحت، وهي كل شي أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيره
وغيرهما؛ قاله الجزري. وقال المناوي: هي ما أظل الإنسان فوقه وأراد به ما له
صفاء وضوء؛ إذا لغياية ضوء شعاع الشمس. وقال القاري: قيل: الغمامة: ما يغم
الضوء ويمحوه لشدة كثافته، والغيابة ما يكون أدون من الغمامة في الكثافة وأقرب
إلى رأس صاحبه كما يفعل بالملوك فيحصل عنده الظل والضوء جميعا. وقال
الحفني: غيايتان، أي: لهما نور وضياء زيادة على حصول الاستظلال بهما، فهو
أبلغ مما قبله؛ لأنَّ غايته إنهما يظلان كالسحابتين وليس فيهما نور. (أَوْ فِرْقَانٍ) تثنية
فرق بكسر الفاء وسكون الراء، أي: قطيعان، يعني: طائفتان وجماعتان. (مِنْ طَيْرٍ)
جمع طائر. (صَوَافٌ) جمع صافة، وهي الجماعة الواقفة على الصف تقول:
صففت القوم؛ إذا أقمتهم في الحرب، وغيرها على خط مستو، وصف الإبل
قوائمها، أي: وضعتها صفًّا فهي صافة وصوافًّ، وصفَّ الطائر جناحيه، أي:
٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بسطهما ولم يحركهما، والمعنى: باسطات أجنحتها متصلًا بعضها ببعض، بحيث
لا يكون بينهما فرجة، والمراد: أنهما يقيان قارئهما من حر الموقف وكرب يوم
القيامة، وليست ((أَوْ)) للشك ولا للتخيير في تشبيه السورتين ولا للترديد، بل
للتنويع وتقسيم القارئين، فالأول: لمن يقرؤهما ولا يفهم المعنى، والثاني:
للجامع بين التلاوة ودراية المعنى، والثالث: لمن ضم إليهما التعليم والإرشاد.
(تُحَاجَّانِ)، أي: السورتان تدافعان الجحيم والزبانية أو تجادلان وتخاصمان
الرب. (عَنْ أَصْحَابِهِمَا) وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة؛ قاله القاري. وقال
التوربشتي: الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من المتخاصمين أن يرد
صاحبه عن حجته ومحجته، وأريد به هاهنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب
عنه. وقال الشوكاني: يحاجان أن يقيمان الحجة لصاحبه ويجادلان عنه
وصاحبهما: هو المستكثر من قراءتهما، وظاهر الحديث: أنهما يتجسمان حتى
يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبههما بها نَّه ثم يقدرهما الله تعالى على النطق
بالحجة، وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوي الذي يقول للشيء: كن فيكون.
(اقْرَؤُوا سَوْرَةَ الْبَقَرَةِ)، قال الطيبي: تخصيص بعد تخصيص بعد تعميم أمر أولًا
بقراءة القرآن وعلق بها الشفاعة، ثم خص الزهراوين وأناط بهما التخلص من حر
يوم القيامة بالمحاجة وأفرد ثالثًا البقرة وأناط بها الأمور الثلاثة الآتية إيماء إلى أن
لكل خاصة يعرفها الشارع.
(فَإِنَّ أَخْذَهَا)، أي: في المواظبة على تلاوتها والتدبر في معانيها والعمل بما
فيها. (بَرَكَةٌ)، أي: زيادة ونماء، وقيل: أي: منفعة عظيمة. (وَتَرْكَهَا) بالنصب
ويجوز الرفع. (حَسْرَةٌ)، أي: تلهف وتأسف على ما فات من الثواب، وقيل: أي:
ندامة يوم القيام. (وَلَا يَسْتَطِيعُهَا)، أي: لا يقدر على تحصيلها. (الْبَطَلَةُ) بفتح الباء
والطاء المهملة، أي: أصحاب البطالة والكسالة لطولها ولتعودهم الكسل. وقال
معاوية بن سلام أحد رواة هذا الحديث: بلغني أنَّ البطلة السحرة، يعني: لزيغهم
عن الحق وإنهماكهم في الباطل. قال القاري: وقيل: البطلة: السحرة؛ لأن ما
يأتون به باطل سماهم باسم فعلهم الباطل، أي: لا يؤهلون لذلك ولا يوفقون له
لطمس قلوبهم بالمعاصي، ويمكن أن يقال: معناه: لا تقدر على إبطالها، أو على
٣٧
K =** BEG
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
صاحبها السحرة؛ لقوله تعالى فيها: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ﴾.
الآية [البقرة: ١٠٢].
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص٢٤٩، ٢٥١،
٢۵۵، ٢٥٧) وابن حبان (ج١ ص ٢٨٠) والحاكم (ج١ ص٥٦٤).
٢١٤١ - [١٣] وَعَنِ النََّّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَه
يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ، الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةٌ
الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ، أَوْ ظُلَتَانِ سَوْدَاوَانٍ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ
كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرِ صَوَافَ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢١٤١ - قوله: (وَعَنِ النَّوَّاسِ) بفتح النون وتشديد الواو. (بْنِ سِمْعَانَ) بكسر
السين وفتحها. (يُؤْتَي بِالْقُرْآنِ)، أي: متصورًا أو بثوابه، وفي رواية الترمذي:
(يَأْتِي الْقُرْآنُ))، (وَأَهْلِهِ) عطف على القرآن. (الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ)، دلَّ على أن
من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن، ولا يكون شفيعًا لهم، بل يكون
القرآن حجة عليهم. (تَقْدُمُهُ) بضم الدال، أي: تتقدم أهله أو القرآن. (سُورَة الْبَقَرَةِ
وآلْ عِمْرَانَ) بالجر. وقيل: بالرفع، قال الطيبي: الضمير في ((تقدمه)) للقرآن، أي:
يقدم ثوابهما ثواب القرآن. وقيل: يصور الكل بحيث يراه الناس كما يصور
الأعمال للوزن في الميزان، ومثل ذلك يجب اعتقاده إيمانًا، فإن العقل يعجز عن
أمثاله. (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلْتَانِ) بضم الظاء، أي: سحابتان. (سَوْدَاوَانٍ)؛
لكثافتهما وارتكام البعض منهما على بعض، وذلك من المطلوب في الظلال.
(بَيْنَهُمَا شَرْقٌ) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها قاف، وقد روي بفتح
الراء والأول أشهر كما قال النووي، أي: ضوء ونور الشرق هو الشمس تنبيهًا على
أنهما مع الكثافة لا يستران الضوء. وقيل: أراد بالشرق الشق وهو الانفراج، أي:
(٢١٤١) مُسْلِمٍ (٨٠٥/٢٥٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٨٨٣) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ.
٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بينهما فرجة وفصل كتميزهما بالبسملة في المصحف، والأول أشبه وهو أنه أراد به
الضوء لاستغنائه بقوله: ظلتان عن بيان البينونة، فإنهما لا تسميان ظلتين إلا وبينهما
فاصلة اللَّهُمَّ إلا أن يقال: فيه تبيان أنه ليست ظلة فوق ظلة، بل متقابلتان بينهما
بينونة. وقال المنذري: قوله: (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ)، هو بفتح المعجمة وقد تكسر
وبسكون الراء بعدهما قاف، أي: بينهما فرق يضيء. (وَكَأَنَّهُمَا فِرْقَانٍ)، أي:
طائفتان. (تُحَاجَّانِ)، وفي رواية الترمذي: ((تجادلان)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص١٨٣) والترمذي
في فضائل القرآن وفي الباب عن بريدة أخرجه أحمد والدارمي مطولًا والحاكم
مختصرًا (ج١ ص ٥٦٠) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٢١٤٢ - [١٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا أَبًا
الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تعالى مَعَكَ أَعْظَمُ؟)). قُلْتُ: اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تعالى مَعَكَ
. قَالَ: فَضَرَبَ فِي
أَعْظَمُ؟». قُلْتُ: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
صَدْرِي، وَقَالَ: (لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ!)).
الشرح
٢١٤٢- قوله: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) بصيغة الفاعل كنية أبي بن كعب. (أَيُّ آيَةٍ)،
اسم استفهام معرب لازم الإضافة، ويجوز تذكيره وتأنيثه عند إضافته إلى المؤنث.
(مِنْ كِتَابِ اللهِ تعالى مَعَكَ؟)، أي: حال كونه مصاحبًا لك، قال الطيبي: وقع
موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله؛ لأنَّ مع كلمة تدل على المصاحبة،
انتهى. وكان رَّتَهُ ممن حفظ القرآن كله في زمنه ◌ّر، وكذا ثلاثة من بني عمه.
(أَعْظَمُ) قال إسحاق بن راهويه وغيره: هذا راجع إلى عظم أجر قاري ذلك وجزيل
ثوابه، أي: أعظم أجرًا وأكثر ثوابًا. (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فرض الجواب
أولًا، وأجاب ثانيًا؛ لأنَّه جوز أن يكون حدث أفضلية شيُ من الآيات غير التي كان
(٢١٤٢) مُسْلِم (٨١٠)، وَأَبُو دَاوُد (١٤٦٠) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَهُ.
٣٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
يعلمها، فلما كرر عليه السؤال ظن أن مراده عليه الصلاة والسلام طلب الإخبار عما
عنده فأخبره بقوله: (قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) إلى آخر الآية، كذا ذكره
ابن حجر. قال القاري: والأولى أن يقال: فرض أولًا أدبًا، وأجاب ثانيًا طلبًا،
فجمع بين الأدب والامتثال كما هو دأب أرباب الكمال.
قال الطيبي: سؤاله عليه الصلاة والسلام من الصحابي قد يكون للحثِّ على
الاستماع، وقد يكون للكشف عن مقدار علمه وفهمه، فلما راعى الأدب أولًا ورأى
أنه لا يكتفي به علم أن المقصود استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب.
وقيل: انكشف له العلم من اللَّه تعالى ببركة تفويضه وحسن أدبه في جواب
مسألته. وقال النووي: قال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما
جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم
والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات. والله أعلم.
(قَالَ)، أي: أَبَيُّ. (فَضَرَبَ)، أي: النبي ◌ِّ. (فِي صَدْرِي)، أي: محبة. وتعديته
ب ((في)) نظير قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَّتِىٌ﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي: أوقع الصلاح
فیھم حتی یکونوا محلًا له، وفيه: إشارة إلى امتلاء صدره علمًا وحكمة.
(لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ) بلفظ الأمر الغائب بفتح التحتية وسكون الهاء وكسر النون، وفي
بعض النسخ بهمزة بعد النون وهي الأصل فحذفت تخفيفًا، أي: ليكن العلم هنيئًا
لك، يقال: هنأني الطعام يهنئني ويهنأني ويهنؤني، أي: صار هنيئا وساغ، وتقول
العرب في الدعاء: ليهنئك الولد، أي: ليسرك، ويقال: هنئ الطعام، أي: تهنأ به
وكل أمر أتاك من غير تعب ومشقة فهو هنيء، وهذا دعاء له بتيسير العلم ورسوخه
فيه، ويلزمه الإخبار بكونه عالمًا وهو المقصود، وفيه: منقبة عظيمة لأبيٍّ، ودليل
على كثرة علمه. وفيه: تبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم، وجواز مدح
الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة، ولم يخف عليه الإعجاب ونحوه لكمال
نفسه ورسوخه في التقوى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص ١٤٢) وأَبُو دَاوُدَ
في أواخر الصلاة وابن أبي شيبة وزاد أحمد وابن أبي شيبة ((والذي نفسي بيده إن
لهذه الآية ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (البلد: ٩] تقدس الملك عند ساق العرش)).