النص المفهرس

صفحات 1-20

شرحَاءُ المقارى
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المصانع
لِلعَلَامَةِ المحدِّث
أَبِيّ الْجَنْ عُبَيْدِ اللهِبنِ الْعَلَّمَةِ محمّد عَبْدِ السَّلَام للبُّارَكَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا الأَعَالى
تَقْديم نَضِيَ الشَّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ مَفِظَهُ الله
المدس بالسِّالَآَمَ وَالأسْنَاذ المُشَارِكِ بَاسِعَة أُمّ العُى - بمكّة الكرَّتة
حقّه وخرّج أحاديثه
الشَّيِخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدٌ أَمِيِّنْ
غَفَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
المُجَلَّدُ التَّامِعُ
كِتَابُ فَضَائِل القُرآن - كِتَّابُ الدَّعَوَات
حَديث (٢١٢٩ - ٢٤٠٣)
قَدَارُ الْقَبَشِ التّشر والتّوزيع

فَرْعَاء المقاربة
شِرَحُ
مِشْكَاةِ المصَاِيح
المُجَلَُّالتَّاسِعُ

محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٤-٨٧٧٤-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٩)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٤-٨٧٧٤-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٩)
جَمْعُ الحقوق محفوظة لُحقّقُ والِلِنَاشِرُ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ ھ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَتَصِمْيُحِ وَاخِرَاجٌ
قَارُ الْقَبْسِنِ للنشروالتوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

فَكَاء الْمَقارة
شَرَّحُ
مِشْكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلاَّمَةِ المحدِّث
أَيْ الْجَسِنْ عُبَيَدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ مُحَدَ عَبْدِالسَّلَامِ المُبَّارَ كِفُوْرِيّ
رَعَهُمَا اللّه تَّعَالى
تَقْيِ فَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيّ اللّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ اللّه
المدّس بالَسْجِهَامِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ يَجَامِعَة أُمَ الُربى - بِمَّة المكرّتة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَنْمُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَّ اللّه لَ وَكَوَالدَيْهِ
المُجَلَّهُ الْتَّاسِعُ
كِتَابُ فَضَائِل القُرآن - كِتَابُ الدَّعَوَات
حَديث (٢١٢٩ -٢٤٠٣)
قَدَارُ القَلْسِ النَشْرِوالتَوزِيعُ

مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥
oSoZa
٨ - كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآنِ
(كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ) عمومًا وبعض سوره وآياته خصوصًا، والفضائل جمع
فضيلة . قال الجوهري: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة. واختلف هل في
القرآن شي أفضل من شي؟ فذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر
الباقلاني: إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض؛ لأنَّ الأفضل يشعر بنقص المفضول،
وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقال قوم وهم الجمهور بالتفضيل؛ لظواهر
الأحاديث كحديث: ((أَلَا أُعَلَّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ))، وحديث إنَّ ((﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، قال القرطبي: إنه الحق، وقال ابن الحصار:
العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل، وقال
الغزالي في ((جواهر القرآن)): لعلّك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات
القرآن على بعض، والكلام كلام الله، فكيف يكون بعضها أفضل من بعض،
فاعلم: أنَّ نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينة،
وبين سورة الإخلاص وسورة ((تبت))، وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة
المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة وَله، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال:
(يَس قَلْبُ الْقُرْآنِ))، و(فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُورةِ الْقُرْآنِ))، و(«آيَةُ الْكُرْسِي سَيِّدَةُ آي
الْقُرْآنِ))، و((﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، وغير ذلك مما لا يحصى،
انتھی.
ثم اختلفوا، فقال قوم: الفضل راجع إلى عِظَمِ الأجر، ومضاعفة الثواب بحسب
انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها، وتفكرها عند ورود أوصاف العلي. وقال
آخرون: بل يرجع إلى ذات اللفظ، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِّ﴾
الآية [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على
۵﴾، وما كان
وحدانيته وصفاته ليس موجودًا، مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ
مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة.

٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القسطلاني: ولعل الخلاف في هذه المسألة - أي: مسألة التفضيل - يلتفت
إلى الخلاف المشهور أن كلام الله شي واحد أم لا، وعند الأشعري أنه لا يتنوع في
ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض لكن بالتأويل
والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع
لما وصلنا إلى فهم شي منه، انتهى.
وقيل: التحقيق أنه لا خلاف في المعنى، بل الأول محمول على ذات القرآن
وحقيقته، والثاني على غيرهما كما علم، وارجع للبسط إلى ((الإتقان))
(ج ٢ ص ١٥٦، ١٥٧) للسيوطي، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب نفيس في هذا
الموضوع سماه: ((جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من
أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تعدل ثلث القرآن)) بين فيه حكمة الله في تفاضل بعض
السورة والآيات مع أنها كلها من كلام الله څ وقد استطرد فيه إلى دقائق من علوم
اللغة وأسرار العربية، وبيان مذاهب العلماء، فيما اختلفوا فيه من مسائل أصول
الدين، والانتصار لمذهب السلف في الصفات، ومنها صفة الكلام، وفيه: من
حقائق التفسير ولطائف البحث ما لا تجده في كتاب غيره، فعليك أن تطالعه. ثم
المعتمد أن القرآن بمعنى القراءة مصدر بمعنى المفعول، أو فعلان من القراءة
بمعنى الجمع؛ لجمعه السور وأنواع العلوم وإنه مهموز، وقراءة ابن كثير إنما هي
بالنقل كما قال الشافعي :
وَنَقْلُ قُرْآنٍ وَالْقُرْآنُ دَوَاؤُنَا
خلافًا لمن قال: إنه من قرنت الشيء بالشيء لقرن السور والآيات فيه.

٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
*
EX3SE
الفصل الأول
٢١٢٩ - [١] عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)).
الشرح
٢١٢٩ - قوله: (خَيْرُكُمْ)، وفي رواية: ((إِنَّ أَفْضَلَكُمْ))، ولا فرق بينهما في
المعنى؛ لأن قوله: ((خَيْرُكُمْ)) تقديره: أخيركم، ولا شك أن أخيرهم هو أفضلهم.
(مَنْ تَعْلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) كذا للأكثر، وللسرخسي ((أو علمه))، وهي للتنويع لا
للشك وكذا لأحمد عن غندر، وعفان عن شعبة، وزاد غندر في أوله: ((إن))، وأكثر
الرواة عن شعبه يقولونه بالواو، وكذا وقع عند أحمد عن بهز، وعند أبي داود عن
حفص بن عمر، كلاهما عن شعبة، وكذا أخرجه أحمد والترمذي من حديث عليٍّ.
قال الحافظ: وهي أظهر من حيث المعنى؛ لأنَّ الَّتي بأو تقتضي إثبات الخيرية
المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أنَّ من تعلم القرآن ولو لم يُعَلِّمْهُ غيره، أن
يكون خيرًا ممن عمل بما فيه مثلًا، وإن لم يتعلمه، ولا يقال: يلزم على رواية الواو
أيضًا أن من تعلمه وعلمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه
ولم يعلمه غيره، لأنَّا نقول: يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول
التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل
فقط، والقرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير
القرآن، وإن علمه ولا شكَّ أنَّ الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه
ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل. فإن قيل: فيلزم
على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه، قلنا: لا؛ لأنَّ المخاطبين بذلك كانوا
فقهاء النفوس؛ لأنهم كانوا أهل اللسان، فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر
(٢١٢٩) البُخَارِي (٥٠٢٧ و١٤٥٢)، والتِّرْمِذِي (٢٩٠٧)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٠٣٧)، وابن
ماجه (٢١١) فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ.

٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مما يدريها من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية فمن كان في مثل شأنهم
شاركهم في ذلك، لا من كان قارئًا أو مقرئًا محضًا لا يفهم شيئًا من معاني ما يقرؤه
أو يقرئه.
فإن قيل: فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أفضل غناء في الإسلام
بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلاً. قلنا: حرف المسألة
يدور على النفع المتعدي، فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل، فلعل ((من))
مضمرة في الحديث، ولا بد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كلٍّ صنف منهم،
ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك
كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد: خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر
على نفسه، أو المراد: مراعاة الحيثية؛ لأن القرآن خير الكلام، فمتعلمه خير من
متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيف ما كان فهو مخصوص بمن علم
وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينًا، انتهى كلام الحافظ، باختصار
یسیر .
وقال الطيبي: أي: خير الناس باعتبار التعلم والتعليم من تعلم القرآن وعلمه.
وقال ميرك: أي: مِنْ خيركم. قال القاري: ولا يتوهم أنَّ العمل خارج عنهما؛ لأنَّ
العلم إذا لم يكن مورثًا للعمل، فليس علمًا في الشريعة إذا جمعوا على أن من
عصی الله فهو جاهل، قال: إذا كان خير الكلام كلام الله، فكذلك خير الناس بعد
النبيين من يتعلم القرآن ويعلمه؛ لكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص،
انتھی .
وقال السندي: قوله: ((خَيْرُكُمْ .. )) إلخ. يراد بمثله أنه من جملة الأخيار لا أنه
أفضل من الكل، وبه يندفع التدافع بين الأحاديث الواردة بهذه العنوان. ثم
المقصود في مثله بيان أن وصف تعلم القرآن وتعليمه من جملة خيار الأوصاف،
فالموصوف به يكون خيرًا من هذه الجهة، أو يكون خيرًا إن لم يعارض هذا
الوصف معارض، فلا يرد أنه كثيرًا ما يكون المرء متعلمًا أو معلمًا القرآن، ويأتي
بالمنكرات فكيف يكون خيرًا. وقد يقال المراد: من تعلم القرآن وعلمه مع
مراعاته عملًا، وإلا فغير المراعي يعد جاهلًا.

٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص ٥٧، ٥٨، ٦٨)
والترمذي في فضائل القرآن. وأَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة وابن ماجه في ((السنة))،
والدارمي وابن حبان (ج١ ص٢٨١، ٢٨٢) وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) وفي
الباب عن علي عند أحمد والترمذي والدارمي وعن سعد عند الدارمي وعن ابن
مسعود عند ابن أبي داود.
٢١٣٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خرج رَسُولُ اللّهِ نَّهِ وَنَحْنُ
فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ
بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِم)؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا
نُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ: ((أَفَلَا يَغْدُوَّ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمُسْجِدِ فَيُعَلَّمَ أَوْ يَقْرَأْ آيَتَيْنِ مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ رَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَةٍ أَوْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَّهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعِ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبَلِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٣٠ - قوله: (وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ) بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء: مكان
مظلل في مؤخر المسجد، أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل. قال ابن
حجر: كانت هي في مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين، وكانوا
يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المأتين، ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم
القرآن. وقال الجزري: أهل الصفة: فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل
يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة. قال الكرماني: وكانوا
سبعين ويقلون حينًا ويكثرون. وقال السيوطي: عدهم أبونعيم في ((الحلية)) أكثر من
مئة .
(أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ)، أي: يذهب في الغدوة وهي أول النهار. (إِلَى بُطْحَانَ)
بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة: اسم واد بقرب المدينة، سمي بذلك؛
لسعته وانبساطه من البطح، وهو البسط. (أَوِ الْعَقِيقِ) بفتح العين المهملة وبقافين
(٢١٣٠) مُسْلِمٍ (٢٥١/ ٨٠٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٤٥٦) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَهُ .

١٠
***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأولى مكسورة بينهما ياء تحتية ساكنة، قيل: أراد العقيق الأصغر، وهو على ثلاثة
أميال أو ميلين من المدينة، وفيه بئر رومة، وهناك عقيق أكبر، وإنما خصهما
بالذكر؛ لأنهما من أقرب الأودية التي كانوا يقيمون فيها أسواق الإبل إلى المدينة.
والظاهر: أن ((أَوٍ)) للتنويع لكن في ((جامع الأصول)) (ج٩ ص ٣٧٥) أو قال: ((إِلَی
الْعَقِيقِ)) فدل على أنه شك من الراوي؛ قاله القاري.
(ڤيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كُومَاوَیْنٍ) تثنيه کوماء، بفتح الكاف وسكون الواو، وبالمد قلبت
الهمزة واوًا، وهي الناقة العظيمة السنام، وأصل الكوم: العلو، أي: فيحصل
ناقتين مشرفتي السنام عاليتيه عظيمتيه. وإنما ضرب المثل بها؛ لأنها كانت من
أحب الأموال إليهم، وأنفس المتأجر لديهم. (فِي غَيْرِ إِثَّم)، أي: في غير ما
يوجب إثمًا كسرقة وغصب، سمي موجب الإثم إثمًا مجازًّاً.
(وَلَا قَطْعِ رَحِم) أي: في غير ما يوجبه، وهو تخصيص بعد تعيم. (كُلُّنَا نُحِبُّ
ذَلِكَ) بالنونَ وفيَّ ((جامع الأصول)): ((كلنا يحب ذلك)) بالياء، قاله القاري. قلت:
وهكذا وقع في ((المصابيح)) و((الترغيب)) بالياء، والذي في ((صحيح مسلم)):
((نحب)) بالنون كما في ((المشكاة))، وكذا في ((جامع الأصول)) المطبوعة
(ج ٩ ص ٣٧٥). (أَفَلَا يَغْدُو)، أي: ألا يترك ذلك فلا يغدو. (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ
فَيُعَلَّمَ) بالتشديد وفي نسخة صحيحة بالتخفيف، قاله القاري.
قلت: وقع في بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): (فَيَتَعَلَّمَ))، وهكذا في
المصابيح. (أَوْ يَقْرَأ) بالرفع والنصب فيهما. قال القاري، قال ميرك: هذه الكلمة
يحتمل أن تكون عرضًا أو نفيًّا، وفيه: أن الفاء مانعة من كونها للعرض ثم قال،
وقوله: (فَيُعَلَّمَ أَوْ يَقْرَأَ) منصوبان على التقدير الأول، مرفوعان على الثاني. قلت:
ويجوز نصبهما على الثاني أيضًا؛ لأنه جواب النفي، ثم قال: ويعلم من التعليم في
أكثر نسخ ((المشكاة)) وصحح في ((جامع الأصول)) من العلم، وكلمة ((أَوْ)) يحتمل
الشك والتنويع. انتهى.
وفي ((الشرح)): أنه صحح في ((جامع الأصول)) فَيَعْلَمَ)) بفتح الياء وسكون العين
فـ(أو)) شك من الراوي؛ دفعًا لتوهم كونه من التعليم فيكون ((أو)) للتنويع كذا ذكره
الطيبي وعلى التنويع قوله: ((آيتَينِ مِنْ كِتَابِ اللهِ) تنازع فيه الفعلان وقوله: (خَيْرٌ)

١١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
خبر مبتدأ محذوف، أي: هما أو الغدو. (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ)، أي: من
الآيات. (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ)، أي: من الإبل. قال ابن حبان: هذا الخبر أضمر فيه
كلمة وهي: لو تصدق بها، يريد بقوله: ((فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ
نَاقَتَيْنٍ وَثَلَاتٌ)) لو تصدق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل
ناقتين وثلاث، وعدادهن من الإبل لو تصدق بها؛ إذ محال أن يشبه من تعلم آيتين
من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا .
(وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ) جمع عدد. (مِنَ الْإِبِلِ) بيان للأعداد. قيل: من أعدادهن متعلق
بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير من أعدادهن من الإبل، فخمس آيات
خير من خمس إبل وعلى هذا القياس. وقيل: يحتمل أن يراد، أن آيتين خير من
ناقتين ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير له من ثلاث. ومن أعدادهن من
الإبل، وكذا أربع.
والحاصل: أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق وعلى أعدادهن من الإبل
كذا ذكره الطيبي، ويوضحه ما قيل: إنه متعلق بقوله: (آيَتَيْنٍ) (وَثَلَاثٌ) (وَأَرْبَعٌ)،
ومجرور ((أعدادهن)) عائد إلى ((الأعداد)) التي سبق ذكرها، و(مِنَ الٍإِبِلِ) بدل من
((أعدادهن))، أو بيان له يعني: آيتان خير من عدد كثير من الإبل، وكذلك ثلاث
وأربع آيات منه؛ لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعًا عظيمًا بخلاف
الإبل، انتهى. والحاصل: أنه وَلّ أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن
الفانيات، فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع
الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى، أو ثوابها من الدرجات
العلى، كذا في ((المرقاة)). وفي الحديث: الحث على تعلم القرآن وتعليمه
وتلاوته. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن من الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد وابن
حبان (ج ١ ص ١٧٩) وأَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة وعنده: ((كَوْ مَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنٍ)» أي:
سمينتين مائلتين إلى البياض من كثرة السمن، ((بغير إثم بالله ولا قطع رحم))،
قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: ((فَلَأَنْ يَغْدُو أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَتَعَلَّمَ
آَيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَينِ، وَإِنْ ثَلَاثٌ فَثَلاثٌ مِثْلٌ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الَإِبِلِ))،
وفي ((صحيح ابن حبان)): ((وَثَلَاتٌ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ مِنْ عِدَادِهِنَّ مِنَ الِإِبِلِ)).

١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٣١- [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِّهِ:
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ)).
قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: ((فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ
خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَاٍ».
[رَوَاهُ مُشْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢١٣١- قوله: (أَنْ يَجِدَ فِيهِ)، أي: في أهله، يعني: في محلهم. وقيل:
أي: في رجوعه إليهم. وقيل: أي: في طريقه. (ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ) بفتح الخاء
المعجمة وكسر اللام: جمع خلفة وهي الحامل من النوق، وهي من أعز أموال
العرب، من خلفت الناقة، أي: حملت. وقيل: الخلفة الحامل من النوق إلى أن
يمضي عليها نصف أمدها، ثم هي عشراء جمعها عشار. (عِظَام) في الكمية.
(سِمَانٍ) في الكيفية جمع سمينة، أي: كثيرة الشحم والدسم. (قُلْنًّا: نَعَمْ)، أي:
بمقتضى الطبيعة، أو على وفق الشريعة؛ ليكون للآخرة ذريعة. (قَالَ)، أي: فإذا
قلتم ذلك وغفلتم عما هو أولى.
(فَثَلَاثُ آيَاتٍ)، أي: فاعلموا أن قراءة ثلاث آیات خیر من ثلاث خلفات. وقال
الطيبي: الفاء في ((فَثَلاثُ آيَاتٍ)) جزاء شرط محذوف، فالمعنى: إذا تقرر ما زعمتم
أنكم تحبون ما ذكرت لكم، فقد صحَّ أن يفضل عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث
آيات؛ لأنَّ هذا من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائدات الفانيات. (يَقْرَأُ بِهِنَّ
أَحَدُكُمْ) قال الطيبي: الباء زائدة أو للإلصاق.
(فِي صَلَاتِهِ) بيان للأكمل وتقييد للأفضل. (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ خَلِفَاتٍ عِظَام
سِمَانٍ) قال الطيبي: التنكير للتعظيم والتفخيم، وفي الأول للشيوع في الأجناسَ
فلذلك لم يعرف الثاني. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في فضائل القرآن وأخرجه أيضًا ابن ماجه في
باب ثواب القرآن.
(٢١٣١) مُسْلِم (٨٠٢/٢٥٠)، وَابن مَاجَهْ (٣٧٨٢) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْتَهُ.

١٣
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
ENE
EN
Be
sex
٢١٣٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ
وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانٍ)).
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٣٢- قوله: (الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ)، أي: الحاذق من المهارة، وهي الحذق؛
جاز أن يريد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ، وأن یرید به کلیهما، وأن يريد به ما هو
أعم منهما، قاله القاري. وقال النووي: الماهر الحاذق الكامل، الحفظ الذي لا
يتوقف ولا يشق عليه القراءة؛ لجودة حفظه وإتقانه.
(مَعَ السَّفَرَةِ) جمع سافر، ككاتب وكتبة، والسافر: الرسول، والسفرة:
الرسل؛ لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله، وقيل: السفرة: الكتبة؛ قاله
النووي .
وقال ميرك: أي: الكتبة، جمع سافر من السفر، وأصله الكشف، فإن الكاتب
يبين ما يكتب ويوضحه، ومنه قيل للكتاب: سفر بكسر السين؛ لأنه يكشف
الحقائق ويسفر عنها، والمراد بها: الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ، كما
﴾ [عبس: ١٥، ١٦] سموا بذلك؛ لأنهم ينقلون
١٦
قال تعالى: ﴿بِأَدِى سَفَرَةِ ٥ كِرَامٍ بَرَةٌ
الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء، فكأنهم يستنسخونها. وقيل: السفرة الملائكة
الكاتبون لأعمال العباد. وقيل: مشتق من السفارة بمعنى الإصلاح، والسافر:
بمعنى السفير، والسفرة بمعنى: السفراء والمراد بهم حينئذٍ الملائكة النازلون بأمر
اللَّه بما فيه مصلحة العباد من حفظهم عن الآفات والمعاصي، وإلهامهم الخير في
قلوبهم، أو المراد: الملائكة النازلون بالوحي إلى الأنبياء؛ لأنهمٍ كالسفراء بين
الله وبين رسله يسفرون بالوحي إليهم. والمعية في التقرب إلى الله تعالى.
(٢١٣٢) البُخَارِي (٤٩٣٧) فِي تَفْسِيرٍ ﴿عَسَ﴾، ومُسْلِم (٢٤٤/ ٧٩٨) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ مِنْ كِتَابِ
الصَّلَاةِ، وَفِي الصَّلَاةِ التِّرْ مِذِي (٢٩٠٤)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٠٤٧) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ وَفِي
ثَوَابِهِ .

١٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: يريد أنه يكون في الآخرة رفيقًا لهم في منازلهم، أو هو عامل بعملهم.
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بكونه مع الملائكة أن يكون له في
الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله
تعالى، ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم من كونهم يحفظونه
ويؤدونه إلى المؤمنين، ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم، فكذلك الماهر.
وقال التوربشتي: المعنى الجامع بين الماهر بالقرآن وبين الملأ المكرمين، أنَّ
الماهر بالقرآن تعلم التنزيل واستظهره؛ حتى صار من خزنة الوحي، وأمناء الكتاب
وحفظة السفر الكريم؛ ليسفر عن الأمة بما استبهم عليهم من ذلك، ويبين لهم
حقائقه كما أن السفرة يردونه إلى أنبياء الله المرسلين، ويكشفون به الغطاء مما
التبس عليهم من الأمور المكنونة حقائقها. (الْكِرَام) جمع الكريم، أي: المكرمين
على اللَّه المقربين عنده لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية والمخالفة. (الْبَرَرَةِ)
جمع البار، أي: المطيعين من البر وهو الطاعة. (وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ)، أي: يتردد في
تلاوته لضعف حفظه.
وقال القاري: أي: يتردد ويتبلد عليه لسانه ويقف في قراءته لعدم مهارته،
والتعتعة في الكلام التردد فيه من حصر أو عيٍّ يقال: تعتع لسانه إذا توقف في
الكلام ولم يطعه لسانه. (وَهُوَ)، أي: القرآن، أي: حصوله. (عَلَيْهِ)، أي: على
ذلك القارئ. (شَاقٌّ)، أي: شديد يصيبه مشقة جملة حالية. (لَهُ أَجْرَانٍ)، أي : أجر
لقراءته وأجر لتحمل مشقته، وهذا تحريض على تحصيل القراءة.
قال النووي: له أجران: أجر بالقراءة، وأجر بتعتعته في تلاوته ومشقته، ولیس
معناه أن الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر
أجرًا؛ لأنه مع السفرة وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره، وكيف؟
يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه، وكثرة تلاوته، ودرايته
کاعتنائه حتی مهر فیه. انتھی.
قلت: اختلف هل له ضعف أجر الماهر، أو يضاعف له أجره وأجر الماهر أعظم
وأكثر؟ قال ابن التين وغيره: هذا أظهر؛ لأن المضاعفة للماهر لا تحصى، فإن
الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف وأكثر، والأجر شيء مقدر، وهذا له أجران

١٥
كِتَابُ فَضَائِل الْقُرْآن
من تلك المضاعفات. قال القسطلاني: ولمن رجح القول الأول أن يقول: الأجر
على قدر التعب والمشقة لكن لا نسلم أن الحافظ الماهر خال من مشقة؛ لأنه لا
يصير كذلك إلا بعد عناء كثير ومشقة شديدة غالبًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في
تفسير ((سورة عبس))، ومسلم في فضائل القرآن واللفظ له، وأخرجه أيضًا الترمذي
في فضائل القرآن وأَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة وابن ماجه في ثواب القرآن
والدارمي.
٢١٣٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَئِ: ((لَا حَسَدَ إلَّا
عَلَى اثْنَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللَّهُ الْقُرَّآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَرَجُلِ
آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهَّوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢١٣٣ - قوله: (لَا حَسَدَ)، أي: لا غبطة. قال الحافظ: الحسد: تمني زوال
النعمة عن المنعم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق إنه أعم
وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل وينبغي لمن خطر
له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات، واستثنوا من ذلك
ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى، فهذا حكم
الحسد بحسب حقيقته. وأمَّا الحسد المذكور في الحديث، فهو الغبطة وأطلق
الحسد عليها مجازًا، وهي أن یتمنی أن یکون له مثل ما لغيره من غیر أن یزول عنه،
والحرص على هذا يسمى: منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه:
﴿فَلْيَتَنَافَسِ اُلْمُنَّنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وإن كان في المعصية، فهو مذموم ومنه: ((وَلَا
تَنَافَسُوا))، وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة
أعظم، أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. انتهى. وقال النووي: قال
العلماء: الحسد قسمان: حقيقي، و مجازي.
(٢١٣٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿ّ؛ البخاري (٧٥٢٩) فِي التَّوْحِيدِ، ومُسْلم (٨١٥/٢٦٦) فِي الصَّلَاةِ،
والتِّرْ مذي (١٩٣٦) فِي البِّ، والنَّسَائي في (الكُبرى)) (٨٠٧٢) فِي فَضْلِ القُرْآنِ، وابن مَاجَهْ
(٤٢٠٩) فِي الزُّهْدِ.

١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة مع
النصوص الصحيحة. وأمَّا المجازي: فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التي
على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن
كانت طاعة، فهي مستحبة، والمراد بالحسد في هذا الحديث معناه المجازي،
أي: لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، وما في معناهما، وحاصله: أنه لا
تنبغي الغبطة في الأمور الخسيسة. وإنما تنبغي في الأمور الجليلة كالقيام بالقرآن
والجود، قلت: ويؤيد إرادة الغبطة ما عند البخاري في فضائل القرآن من حديث
أبي هريرة بلفظ: ((فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما
يعمل فلان)) فلم يتمنَّ الزوال والسلب، بل أن يكونِ مثله. (إِلَّا عَلَى اثْنَينٍ)، أي:
إلا على وجود شيئين، أو في أمرين. وفي رواية: ((إِلَّا فِي اثْتَينٍ))، وكذا في حديث
ابن مسعود عند الشيخين وغيرهما، وحديث أبي هريرة عند البخاري.
قال الحافظ: تقول حسدته على كذا، أي: على وجود ذلك له. وأمّا حسدته في
كذا فمعناه: حسدته في شأن كذا، وكأنها سببية. وقال العيني بعد ذكر الروايتين:
كلمة ((عَلَى)) تأتي بمعنى ((فِي)) كما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةِ﴾
[القصص: ١٥] وقوله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في
ملكه. انتهى. ومعنى ((إلا في اثنتين))، أي: لا حسد محمودًا إلَّا في شأن
خصلتين. (رَجُلٍ) بالجر على البدلية. وقيل: بالرفع على تقدير: هما، أو أحدهما
أمر رجل أو خصلة رجل، فلما حذف المضاف اكتسب إليه إعرابه. (آتَاهُ اللهُ)
بالمد في أوله أي: أعطاه من الإيتاء، وهو الإعطاء.
(الْقُرْآنَ)، أي: مَنَّ عليه بحفظه له كما ينبغي وبتعليمه. (فَهُوَ يَقُومُ بِهِ) المراد
بالقيام به: العمل مطلقًا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه
والحكم والفتوى بمقتضاه. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: ((رَجُلٌ
آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَيَتَبِعُ مَا فِيهِ))، ولفظ حديث ابن
مسعود: ((رَجُلٌّ آَتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))، واللام في (الْحِكْمَةَ)
للعهد؛ لأنَّ المراد بها: القرآن فلا تخالف بين لفظي الحديثين. (آنَاءَ اللَّيْلِ وَ آنَاءَ
النَّهَارِ) قال النووي: أي: ساعاتهما وواحده آنا وأنَّا وإِنْيٌّ وإِنوٌ أربع لغات انتهى.

١٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
وقال في ((الصراح)): آناء الليل: ساعاته واحدها إني مثل معى وإمعاء وإنى وإنو
أيضًا. يقال: مضى إنوان وإنيان من الليل. انتهى. (وَرَجُلٍ) بالوجهين. (آتَاهُ اللهُ
مَالًا) نكرة؛ ليشمل القليل والكثير. (فَهُوَ يُنْفِقُ)، أي: لله في وجوه الخير، ففي
رواية لأحمد: ((فَهُوَ يَنْفِقُهُ فِي الْحَقِّ))، وفي رواية لمسلم: ((فَتَصَدَّقَ بِهِ))، وكذا عند
ابن حبان (ج ١ ص٢٩٠) قال: فيه بيان أنَّ قوله ◌َّ: «فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ
النَّهَارِ أَرَادَ بِهِ فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ)).
(مِنْهُ)، كذا في جميع النسخ، وكذا في ((المصابيح)) وهي رواية أحمد
(ج٢ ص٣٦ - ٨٨) والترمذي وابن حبان، والذي في ((صحيحي البخاري ومسلم))
فهو ينفقه. (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ)، أي: أوقاتهما سرًّا وعلانية. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
أخرجه البخاري في فضائل القرآن وفي التوحيد، ومسلم في فضائل القرآن
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٩، ٣٦، ٨٨، ١٣٣) والترمذي في فضائل القرآن
وابن ماجه في الزهد، وابن حبان (ج١ ص٢٨٩، ٢٩٠).

١٨
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٣٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأَتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ،
وَمَثَلُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الثَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ،
وَمَثَلُ الْمُنَافِقَ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٍّ،
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الَرَّبْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مٍُّ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالْأَثْرُجَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ
الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالثَّمْرَةِ))(*).
الشرح
٢١٣٤ - قوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)، أي: ويعمل به كما في
الرواية الآتية وهي زيادة مفسرة للمراد، وإن التمثيل وقع للذي يقرأ القرآن ولا
يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة، وعبر بالمضارع؛ لإفادة
تكريره لها ومداومته عليها حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يقري الضيف ويحمي
الحريم ويعطي اليتيم. قال القسطلاني: إثبات القراءة في قوله: ((يقرأ القرآن)) على
صيغة المضارع ونفيها في قوله: (لَا يَقْرَأْ))، ليس المراد منها حصولها مرة ونفيها
بالكلية، بل المراد منهما: الاستمرار والدوام عليها، وأنَّ القراءة دأبه وعادته، أو
ليس ذلك من هجيراه، كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. (مَثَلُ
الْأَتْرُجَّةِ) بضم الهمزة والراء بينهما مثناة ساكنة وآخره جيم مشددة مفتوحة، وفيه
لغات.
قال في ((القاموس)): الأترج والأترجة والترنج والترنجة معروف، وهي أحسن
(٢١٣٤) عَنْ أَبِي مُوسَى؛ البُخَارِي (٥٠٢٠ و٧٥٦٠) فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، ومُسْلم (٢٤٣/
٧٩٧) فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (٤٨٣٠) فِي الأَدَبِ، والتِّرْ مِذِي (٢٨٦٥) فِي الأَمْثَالِ، والنَّسَائِي (٨/
١٢٤) فِي الوَلِيمَةِ، وابنُ ماجَهْ (٢١٤) فِي السُّنَّةِ.
(*) البُخَارِي (٥٠٥٩) عَنْهُ فِيهِ .

١٩
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُزْآنِ
*
الثمار الشجرية وأنفسها عند العرب انتهى. قال التوربشتي: المثل عبارة عن
المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهم عن المشاهد، وكان النبي
يخاطب بذلك العرب ويحاورهم ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعل
ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه وعرفوه ليبلغ ما انتحاه من
كشف الغطاء ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء.
لا سيَّما من الثمار الشجرية التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من
الأترجة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى
لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها، فمن
ذلك كبر جرمها وحسن منظرها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، وذكاء أرجها،
تملأ الأكف بكبر جرمها ويكسيها لينًا، وتفعم الخياشيم طيبًا، ويأخذ بالأبصار
صبغة ولونًّا فاقع لونها تسرُّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد
الالتذاذ بذواقها، طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوة هضم، اشتركت الحواس الأربع
دون الاحتظاء بها، البصر والذوق والشم واللمس، وهذه الغاية القصوى في انتهاء
الثمرات إليها، وتدخل أجزاؤها الأربع في الأدوية الصالحة للأدواء المزمنة.
والأوجاع المقلقة والأسقام الخبيثة والأمراض الردية كالفالج واللقوة والبرص
واليرقان واسترخاء العصب والبواسير إلى آخر ما قال.
وقال الحافظ: قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من
الفاكهة التي يجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة؛ لأنه يتداوى بقشرها وهو مفرح
بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع. وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي
فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض
فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح
لونها، ولين ملمسها وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم،
ولها منافع أخرى مذكورة في ((المفردات)). انتهى. (رَيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ)
قيل: خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن
من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر
من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه. وقيل: شبه الإيمان بالطعم
الطيب؛ لكونه خيرًا باطنيًّا لا يظهر لكل أحد، والقرآن بالريح الطيب ينتفع بسماعه