النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
على نجاة موسى مع موافقة عادته، لكن لا يلزم من تعظيمهم واعتقادهم بأنه عيد،
أنَّهم كانوا لا يصومونه فلعلّهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه.
وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه البخاري في الهجرة
بلفظ: فإذا أناسٌ من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، ولمسلم من وجه آخر
قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويلبسون نساءهم فيه
حلیهم وشارتهم، انتھی.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصوم وذكر الأنبياء والهجرة والتفسير،
ومسلم في الصوم واللفظ له، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٩١ - ٣٢٠ - ٣٣٦ -
٣٤٠) وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والدارمي والبيهقي (ج ٤ ص٢٨٦ - ٢٨٩) والنسائي في
((الكبرى)) والطحاوي (ج ١ ص ٣٣٧).
٢٠٨٧ - [٣٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ يَصُومُ يَوْمَ
السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ
لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)).
[رَوَاهُ أحْمَدُ]
الشرح
٢٠٨٧ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح اللام أم المؤمنين. (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّة.
يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ)، وفي ((المسند)): أكثر مما يصوم.
(مِنَ الْأَيَّامِ)، أي: الأُخر. (وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيْدٍ لِلْمُشْرِكِينَ)، وفي ((المسند)):
((أَنَّهُمَا عِيَّدُ الْمُشْرِكِينَ: السَّبْتُ لِلْيَهُودِ، وَالْأَحَدُ لِلْنَّصَارَى))، وإنما سموا مشركين
لقولهم: عزير ابن اللَّه والمسيح ابن الله، وإمَّا للتغليب، وأراد من يخالف دين
الإِسلام ذكره الطيبي. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)، أي: مجموع الفریقین . وفيه: دليل
على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره: صوم كل على
الانفراد والاجتماع، لكن يحمل على صومهما جميعًا متواليين؛ لئلا يخالف ما
(٢٠٨٧) رَوَاهُ أَحْمَد (٣٢٤،٣٢٣/٦). قلت: وأَبُو دَاوُد.
كِتّابَ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوَّعِ
٤٨١
تقدم من النهي عن صوم يوم السبت، فالمنهي عنه إفراد السبت وفي معناه إفراد
الأحد، والمستحب صومهما جميعًا تحقيقًا لمخالفة الفريقين.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦ ص٣٢٤) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم
(ج ١ ص ٤٣٦) والبيهقي (ج ٤ ص٣٠٣) بلفظ: إنَّ رسول اللَّه ◌َ لّ أكثر ما كان يصوم
من الأيام يوم السبت، ويوم الأحد، وكان يقول: ((إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيْدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَنَا
أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ))، وعزاه الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٠٠) و((بلوغ المرام))
وللنسائي أيضًا ولعلَّه في ((الكبرى)).
٢٠٨٨ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَأَمُرُ
بِصِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثْنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ
يَأْمُرْنَاً وَلَمَ يَنْهَنَا عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٠٨٨ - قوله (كَانَ رَسُولُ اللهِ نِهِ يَأْمُرُ بِصِيامِ يَوْم عَاشُورَاءَ)، أي: يأمرنا
أمرًا مؤكدًا. (وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ)، أي: يرغبنا إليه. (وَيَتَعَاَهَدُنَا)، أي: يحفظنا ويراعي
حالنا ويتفحصٍ عن صومنا، أو بتخولنا بالموعظة. (فَلَمَّا فُرِضَ) بصيغة المجهول.
(رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا)، أي: به (وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا)، أي: لم يتفقدنا، وفي
الحديث: دليل على أنَّ صوم عاشوراء كان واجبًا، ثم نسخ وردَّ إلى التطوع، وإليه
ذهب أبو حنيفة وهي رواية عن أحمد واختاره الحافظ وابن القيم كما سيأتي، وبه
جزم الباجي من المالكية حيث قال: أوَّلُ ما فرض من الصيام صوم يوم عاشوراء،
فلما فرض رمضان نسخ وجوبه، انتهى. والأصحُّ عند الشَّافعي: أنَّه لم يجب
أصلًا.
قال العيني (ج١١ ص١١٨): اتفق العلماء على أنَّ صوم عاشوراء الآن سنَّة وليس
بواجبٍ، واختلفوا في حكمه أول الإسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا. واختلف
أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنَّه لم يزل سنَّة من حين شرع ولم يك
(٢٠٨٨) رواهُ مُسْلِم (١١٢٨) فيه عنه.
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Be
واجبًا قطُّ في هذه الأمة، ولكنّه کان یتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار
مستحبًّا دون ذلك الاستحباب. والثاني: كان واجبًا كقول أبي حنيفة. ونقل عیاض
عن بعض السلف: أنَّه كان يقول: كان فرضًا وهو باقٍ على فرضيته لم ينسخ، لكن
انقرض القائلون، بهذا وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بهذا
ونقل عياض وابن عبد البر والنووي وغيرهم الإجماع على أنَّه الآن ليس بفرض
والإجماع على أنه مستحب.
وقال ابن قدامة (ج ٣ص٧٤): اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبًا؟ فذهب
القاضي: إلى أنه لم يكن واجبًا، وقال: هذا قياس المذهب. واستدل بشيئين:
أحدهما: أنَّ النبي ◌َّ أمر من لم يأكلْ بالصوم، والنية في الليل شرط في الواجب.
والثاني: أنه لم يأمر من أكلَ بالقضاء، ويشهد لهذا ما روى معاوية قال: سمعت
رسول اللّهِ وَ لّه يقول: ((إِنَّ هَذَا يَوْمٍ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فَمَنْ شَاءَ
فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ))، وهو حديث صحيح، وروي عن أحمد: أنَّه كان
مفروضًا لما روت عائشة: أنَّ النبي ◌َ لّ صامه وأمر بصيامه، فلمَّا افترض رمضان
كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه، وهو حديث
صحيح، وحديث معاوية محمول على أنَّه أراد ليس هو مكتوبًا عليكم الآن. وأمَّا
تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر لقضائه، ففيه: أنه قد روى أَبُو دَاوُدَ: أنَّ أسلم
أتت النبي وَّ فقال: ((صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟))، قالوا: لا، قال: ((فَأَتِّمُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ
وَاقْضُوهُ))، انتهى. قلت: قد سبق الجواب عن صحة النيَّة في نهار عاشوراء في شرح
حديث حفصة: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ)) .
وأمَّا حديث معاوية فقال الحافظ: قد استدل به على أنَّه لم يكن فرضًا قطُّ، ولا
دلالة فيه لاحتمال أنْ يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام
رمضان، وغايته: أنه عام خصَّ بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد: أنه لم
يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٣] ثُمَّ فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار
منسوخًا، ويؤيد ذلك: أنَّ معاوية إنما صحب النبي وََّ من سنة الفتح، والذين
شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٤٨٣
الثاني، انتهى كلام الحافظ. وهو تلخيص كلام الإمام ابن القيم في ((الهدي))
(ج ١ ص١٧١)، ومن أحب التفصيل رجع إليه. قلت: واستدل من قال بوجوب
صوم عاشوراء في أوَّل الإسلام بأحاديث كثيرة ذكرها الهيثمي في ((مجمع
الزوائد))، والعيني في ((شرح البخاري))، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) من
شاء الوقوف عليها رجع إلى هذه الكتب، وهذا القول هو الراجح عندنا. قال
الحافظ: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثمَّ
تأكد الأمر بذلك، ثمَّ زيادة التأكيد بالنداء العام، ثمَّ زيادته بأمر من أكل بالإمساك،
ثم زيادته بأمر الأمهات أنْ لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في
مسلم: لِما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو
باق. فدلَّ على أنَّ المتروك وجوبه، وأمَّا قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه
والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق، ولا سيَّما مع
استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ◌َّ حيث يقول: (لَئِنْ عِشْتُ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ
وَالْعَاشِرَ))، ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأيُّ تأكيدٍ أبلغ من هذا، انتهى.
وقد ذكر نحو هذا ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ ص١١٦).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ص٩٦) والطحاوي (ج ١ ص٣٣٦)
والبيهقي (ج ٤ ص٢٨٩).
٢٠٨٩ - [٣٤] وَعَنْ حَقْصَةَ قَالَتْ: أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ ◌َله:
صِيَامُ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيّ]
الشرح
٢٠٨٩- قوله: (وَعَنْ حَفْصَةَ) أم المؤمنين. (قَالَتْ: أَرْبَعٌ)، أي: خصال.
(لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ)، أي: يتركهن (النَّبِيُّ وََّ) فاعل تنازع فيه الفعلان. (صِيَامُ
(٢٠٨٩) النَّسَائِى (٢٢٠/٤) عنها فيه.
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرِ) بالجر. وقيل: بالرفع أي صيام عشر ذي الحجة، والمراد من
العشر: تسعة أيَّام مجازًا، وقد روى أحمد (ج٦ ص٢٨٨ - ٤٢٣) وأَبُو دَاوُدَ
والنسائي عن بعض أزواج النبي وَ له، قالت: كان رسول اللّه وَل يصوم تسع ذي
الحجة ويوم عاشوراء ... الحديث. وهذا يبيِّن المراد من قوله العشر في حديث
حفصة. (وَثَلَاثَةُ أَيَّام) بالوجهين.
(مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)، وهي الاثنان والخميس، والاثنان من الجمعة الأخرى. كما في
حديث سواء الخزاعي عن حفصة عند أحمد (ج٦ ص٢٨٧) وأبي داود والبيهقي
(ج ٤ ص ٢٩٥). (وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا
وقع في ((جامع الأصول)) (ج١ص ٢٠٦).
والذي في ((سنن النسائي)): ((وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ))، وهكذا في ((مسند الإمام
أحمد)) (ج٧ص ٢٨٧) وكذا ذكره المجد بن تيمية في ((المنتقى)) وعزاه لأحمد
والنسائي، والظاهر: أنَّ المصنف تبع في ذلك الجزري، ولم يراجع ((سنن
النسائي)) وأرادت حفصة بذلك ركعتي سنة الصبح. والحديث: يدل على استحباب
صوم ما ذكره فيه من الأيام، وقد سبق وجه الجمع بينه وبين ما تقدم من حديث
عائشة: ما رأيتُ رسول اللَّه وَلَّ صائمًا في العشر.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد.
٢٠٩٠ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ
الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَّا فِي سَفَرٍ .
[ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٠٩٠ - قوله: (لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ)، هذا على حذف المضاف يريد أيام
الليالي البيض، وهي الثَّالث عشر، والرَّابع عشر، والخامس عشر، وسميت لياليها
بيضًا؛ لأنها المقمرات من أوائلها على آخرها فناسب صيامها شكرًا لله تعالى.
(٢٠٩٠) النَّسائي (١٩٨/٤) عنه فیه.
٤٨٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
(فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ)، أي: ((ولا)) في سفر ولا مزيدة للتأكيد، وفيه: دليل على
استحباب صيام أيام البيض في السفر، ويلحق بها صوم سائر التطوعات المرغب
فيها. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) من طريق يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمِّي عن جعفر بن أبي
المغيرة الخزاعي القمي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال الشوكاني: وفي يعقوب وجعفر مقال، قلت: قال الدارقطني في يعقوب:
ليس بالقويِّ. وقال النسائيُّ: ليس به بأس. وقال أبو القاسم الطبراني: كان ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو نعيم الأصبهاني: كان جرير بن عبد الحميد
إذا رآه قال: هذا مؤمن آل فرعون.
وقال محمد بن حميد الرازي: دخلت بغداد فاستقبلني أحمد وابن معين فسألاني
عن أحاديث يعقوب القمي. وأمَّا جعفر بن أبي المغيرة فذكره أيضًا ابن حبان في
الثقات. ونقل عن أحمد بن حنبل توثيقه. وقال ابن مندة: ليس بالقويِّ في سعيد بن
جبير. وقال الحافظ في ((التقريب)) ترجمتها: صدوق يهم، فالحق: أنَّ حديثهما لا
ينزل عن درجة الحسن.
٢٠٩١ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ :
((لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ» .
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشرح
٢٠٩١- قوله: (لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ)، أي: صدقة. وقال القاري: أي: نماء
يعطي بعضه أو طهارة يطهر به. (وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ)، فإنه يذاب بعض البدن منه
وينقص وتطهر الذنوب به وتمحص. قال الطيبي: أي: وصدقة الجسد ما يخلصه
من النار بجنة الصوم. وقال الحفني: (لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ)، أي: شيء يطهره ومطهر
الجسد الصوم فهو كزكاة المال من حيث إنَّ كلّ منهما ينقص في الحس ويزيد في
المعنى .
(٢٠٩١) ابن مَاجَهْ (١٧٤٥) عنه فیه.
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الدميري: وإنما كان الصوم زكاة البدن؛ لأنَّه سر من أسرار اللَّه تعالى،
وسبب لنحول الجسد وزيادة بركته وخيره المعنوي، فأشبه الزكاة المالية فإنها وإن
نقصته حسا زادته بركة ونموًّا فكذلك الصوم. وقال السندي: قوله: (لِكُلِّ شَيْءٍ
زَكَاةٌ)، أي: ينبغي للإنسان أنْ يخرج من كلِّ شيء قدر الله فيكون ذلك زكاة له،
(وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ)، فإنه ينتقص به الجسد في سبيل الله، فصار ذلك الذي
نقص منه كأنه أخرج منه لله على أنه زكاة له.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، وفيه: موسى بن عبيدة الربذي. قال البوصيري: وهو متفق
على تضعيفه، وذكره المنذري في ((الترغيب)) مصدرًا بلفظة: روي، ثمَّ أهمل
الكلام في آخره، وقد جعل ذلك دليلاً على ضعف إسناد الحديث عنده، والحديث
رواه الطبراني في ((الكبير)) عن سهل بن سعد. قال الهيثمي (ج ٣ص١٨٢): وفيه:
حماد بن الوليد وهو ضعيف.
٢٠٩٢ - [٣٧] وَعَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َ: كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِثْنَيْنِ
وَالْخَمِيسِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَصُومُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، فَقَالَ:
(إِنَّ يَوْمَ الِإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِرَيْنٍ يَقُولُ:
دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٠٩٢- قوله: (كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الإِثْنَينِ وَالْخَمِيسِ) بالنصب، وقيل: بالجر
واللام بدل عن المضاف، أي: يوم الخميس، وفي نسخة: بالجر عطفًا على
(الإِثْنَيْنِ)، (إِنَّكَ تَصُومُ)، أي: كثيرًا. (يَوْمَ الإِثْنَيْنِ) بكسر النون ويفتح.
(وَالْخَمِيسَ) بالنصب، أي: فما الحكمة في صومهما؟ (إِنَّ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ)
بالنصب والجر. (يَغْفِرُ اللهُ فِيْهِمَا لِكُلِّ مُسْلِم) قد تقدمٍ أنه يعرض فيهما الأعمال،
فكأنه يغفر للمسلمين حين يعرض عليه أعمَّالهم. (إِلّا ذَا) ذا مزيدة. (هَاجِرَيْنِ)
(٢٠٩٢) أَحْمَدُ (٣٢٩/٢)، وابن مَاجَهْ (١٧٤٠) عن أبي هريرة. قلت: وتقدَّم أصله في الحسانِ.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صِيام التَّطوُّعِ
exess
٤٨٧
بالتثنية، أي: قاطعين، أي: ولو كانا صائمين، وقوله: (إِلَّا ذَا هَاجِرَينٍ)، كذا وقع
في جميع النسخ من ((المشكاة)).
والذي في ((مسند أحمد)) (ج٢ ص٣٢٦): ((إِلَّا الْمُتَهَاجِرَينِ)»، أي: من التهاجر،
وفي ابن ماجه: ((إِلّ مُهْتَجِرَينٍ))، أي: من الاهتجار. قال السنديُّ: أي: متقاطعينِ
الأمر لا يقتضي ذلك، وإلّا فالتقاطع للدِّين ولتأديب الأهل جائز. (يَقُولُ)، أي: اللَّه
للمَلَكِ الموكّل على محو السيئة عند ظهور آثار المغفرة. (دَعْهُمَا)، أي: أتركهما.
(حَتَّى يَصْطَلِحًا)، أي: إلى أنْ يقع الصلح بينهما فحينئذٍ يغفر لهما.
وقال السنديُّ: قوله: ((دَعْهُمَا))، كأنه خطاب للمَلَكِ الذي يعْرِضُ الأعمال
فمعنى ((دَعْهُمَا))، أي: تعرض عملهما، أو لعلَّه إذا غفر لأحد يضرب الملك على
سيئاته أو يمحوها من الصحيفة بوجوده فمعنى (دَعْهُمَا): لا تمح سيئاتهما .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ص٣٢٩) بلفظ: كان رسول اللَّه ◌َ له أكثر ما يصوم الإثنين
والخميس فقيل له، فقال: ((إِنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ كُلَّ إِثْنَيْنٍ وَخَمِيسٍ فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ إِلَّا الْمُتَهَاجِرَينِ، فَيَقُولَ: أَخِّرْهُمَا)).
(وَابْنُ مَاجَهْ)، قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)) وفي ((الزوائد)): إسناده صحيح
غريب، ومحمد بن رفاعة ذكره ابن حبان في ((الثقات))، تفرَّد بالرواية عنه الضحاك
ابن مخلد، وباقي رجال إسناده على شرط الشيخين، وله شاهد من حديث أسامة
ابن زيد، رواه أَبُو دَاوُدَ والنسائي، وروى الترمذي بعضه في ((الجامع)). وقال:
حسن غريب، انتهى. وذكر المنذري هذا الحديث في (ترغيبه))، وعزاه لابن ماجه
فقط، وقال: رواته ثقات، ورواه مالك ومسلم وأَبُو دَاوُدَ والترمذي باختصار ذكر
الصوم.
ولفظ مسلم: قال رسول اللَّهُ وَّه: ((تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي إِثْنَيْنٍ وَخَمِيسٍ فَيَغْفِرُ
اللهُ رَكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِىءٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّ امْرَأَ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيَّنَ أَخِيهِ
شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))، وفي رواية له - أي: لمسلم
وأخرجها أيضًا أحمد - (ج٢ ص ٢٦٨، ٣٨٩، ٤٠٠، ٤٦٥): «تُفَتَّحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ
شَحْنَاءُ ... )) الحديث.
٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٩٣ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ
وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدٍ غُرَابٍ طَائِرٍ، وَهُوَ فَرْغٌ حَتَّى مَاتَ هَرِمًا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٠٩٣ - قوله: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ) نصب على العلّة، أي: ذاته وطلب قربة
ورضاه. (كَبُعْدِ غُرَابٍ)، أي: بعدًا مثل بعد غراب. (طَائِرٍ)، كذا في جميع النسخ
الحاضرة من ((المشكاة))، والذي في ((مسند الإمام أحمد)) (ج٢ ص٥٢٦): ((طَارَ))،
أي: بلفظ الماضي، وكذا نقله الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٣ص ١٨١) عن
((مسندي أحمد والبزار)). (وَهُوَ فَرٌْ) بفتح فسكون، أي: صغير.
(حَتَّى مَاتَ هَرِمًا) بفتح فكسر، أي: كبيرًا. قال الطيبي: (طَائِرٍ) صفة غراب.
(وَهُوَ فَرْغٌ) حال الضمير في طائر. و(حَتَّى مَاتَ) غاية الطيران و(هَرِمًا) حال من
فاعل (مَاتَ)، مقابل لقوله: (وَهُوَ فَرٌْ). وقيل: يضرب الغراب مثلًا في طول
العمر شبه بعد الصائم عن النار ببعد غراب طار من أول عمره إلى آخره، انتهى.
قيل: يعيش الغراب ألف عام كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص ٥٢٦) قال: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، أي: المقري ثنا ابن
لهيعة عن خالد بن يزيد عن لهيعة - أي: ابن عقبة - أبي عبد الله عن رجل قد سماه
ثني سلمة بن قيصر - في النسخة المطبوعة قيس وهو غلط كما ستعرف - عن
أبي هريرة وهذا إسناد ضعيف؛ لأنَّ عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضر مي فيه كلام
معروف، والراوي عن سلمة بن قيصر مجهول، والحديث عزاه المنذري والهيثمي
إلى أحمد والبزار جميعًا. وقالا: في إسناده رجل لم يسم، وسيأتي مزيد الكلام
على إسناده .
(٢٠٩٣) رَوَاهُ أَحْمَد (٥٢٦/٢) عن أبي هريرة. وللبيهقي (٣٥٩٠) في الشُّعَب عن سلمة بن قيس نَحْوُه.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٤٨٩
٢٠٩٤ - [٣٩] وَرَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ.
الشرح
٢٠٩٤ - قوله: (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ)، أي: الحديث المذكور. (فِي شُعَبِ
الْإِيمَانِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وكذا ذكره
المؤلف في أسماء رجاله في الصحابة وهذا غلط ووهم منه، والصواب: سلمة بن
قيصر بفتح قاف وسكون ياء وفتح صاد مهملة وترك صرف.
قال المنذري: وعن سلمة بن قيصر: أنَّ رسول اللّه وَلَه قال: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ بَاعَدَهُ اللهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طَارَ، وَهُوَ فَرٌْ حَتَّى مَاتَ هَرِمًا))،
رواه أبو يعلى والبيهقي، ورواه الطبراني فسماه سلامة بزيادة ألف، وفي إسناده
عبد الله بن لهيعة. ورواه أحمد والبزار من حديث أبي هريرة، وفي إسناده رجل لم
يسم .
وقال الهيثمي بعد ذكر هذا الحديث من رواية سلمة بن قيصر: رواه أبويعلى
والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) إلا أنه قال: سلامة بن قيصر، وفيه: ابن لهيعة
وفیه کلام، انتهى.
قلت: وفيه أيضًا عمرو بن ربيعة الحضرمي وهو لا يعرف كما في ((الميزان))
(ج ١ ص٤٠٢) و((اللسان)) (ج ٣ ص٥٩) في ترجمة سلام بن قيس. وأمَّا سلمة بن
قيصر، فاختلف فيه أنه صحابي، فحديثه هذا مسند، أو تابعي أرسل حديثه، فقال
أحمد بن صالح المصري: له صحبة، وذكره الحسن بن سفيان وأبويعلى والطبراني
وابن حبان وابن مندة في ((الصحابة)).
وقال ابن يونس المصري: سلمة بن قيصر الحضرمي وأهل الشام يقولون:
(٢٠٩٤) قال القاري في ((المرقاة)): وما وقع في نُسخ ((المشكاة)): ((سلمة بن قيس)) غلط، والصواب:
سلمة بن قيصر. ا. هـ ((مرقاة)). قلت: كذلك رواه عنه جماعة عنه وَّله، وهو الذي عن أبي هريرة
عند أحمد.
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سلامة من أصحاب رسول اللَّه وَ ليل روى عنه مرثد بن عبد اللَّه اليزني وأبو الشعثاء
عمرو بن ربيعة الحضرمي.
قال ابن صالح: وسلمة: عندنا أصح، وذكره البخاري فيمن اسمه سلامة.
وقال: روی عمرو بن ربيعة ولا يصح حديثه.
وقال الذهبي في ((الميزان)): (ج١ ص٤٠٣): سلامة بن قيصر تابعي أرسل لم
یصحّ حدیثه.
وقال الحافظ في ((الإصابة)): سلامة بن قيصر، ويقال: سلمة نزل مصر، قال
أحمد بن صالح: له صحبة، ونفاها أبوزرعة.
وأخرج حديثه مطين، والحسن بن سفيان والطبراني من طريق عمرو بن ربيعة،
سمعت سلامة بن قيصر يقول: سمعت رسول اللَّه وَ له يقول: ((مَنْ صَامَ ... )) إلخ.
ومداره على ابن لهيعة، وقال عبد الله بن يزيد المقري عند أحمد - كما تقدم: عن
سلمة بن قيصر عن أبي هريرة، ورجَّح أبوزرعة هذه الزيادة وأنكرها أحمد بن صالح
فقال: هو خطأ من المقري، انتهى مختصرًا.
وقال في ((تعجيل المنفعة)) (ص ١٦١،١٦٠): قال ابن يونس: حديث سلمة بن
قيصر المسند معلول، ثم ذكر الاختلاف فيه، وصوب أحمد بن صالح المصري أنه
روى عن النبي ◌َّ بغير واسطة أبي هريرة وإن عبد الله بن يزيد المقري، وهو شيخ
أحمد فيه وهم فيه، حيث زاد في السند أبا هريرة، وقد وقع التصريح بسماع سلمة
ابن قيصر من النبي وَّل في ((مسند أبي يعلى)) وغيره، ثم ذكر الحافظ قول الذهبي
المتقدم. وقال: والعمدة في هذا على ابن يونس فإنه أعرف بأهل مصر، انتهى.
وقال الذهبي في ((تجريده)) (ج١ ص ٢٥٠): سلمة بن قيصر يقال له: سلامة حديثه
في ((مسند أبي يعلى)) من رواية عمرو بن ربيعة، انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أنَّ
الراجح في اسمه سلمة بن قيصر وأنه صحابي، وأنَّ حديثه هذا مسند لا مرسل.
وأمَّا سلمة بن قيس وهو الأشجعي فهو صحابي أيضًا روى عنه هلال بن يساف
وأبو إسحاق السبيعي. قال البغوي: روى ثلاثة أحاديث، انتهى. وهذا الحديث
ليس منها فما وقع في نسخ ((المشكاة)) سلمة بن قيس غلط، والصواب: سلمة بن
قيصر والله تعالى أعلم.
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٤٩١
٧ - بَابُ في الإفْطَّارِ مِنَ التَّطَوعِ
(باب) بالتنوين وقيل بالسكون. قال القاري: وفي نسخة في توابع لصوم
التطوع.
الفصل الأول
٢٠٩٥ - [١] وَعَنْ عَائِشَةَ رُّ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ ذَاتَ يَوْم
فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)). فَقُلْنَا: لَا ، قَالَ: ((فَإِنِّي إِذَا صَائِمٌ)). ثُمَّ أَتَانَا يَوْمَّاً
آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ
صَائِمًا فَأَكَلَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٩٥- قوله: (ذَاتَ يَوْم)، أي: يومًا من الأيام. (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ)، ولأبي
داود: ((هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟))، وَّفي رواية للنسائي: ((غَدَاءٌ)) بفتح المعجمة والدال
المهملة، وهو ما يؤكل قبل الزوال، وفي رواية الترمذي: ((هَلْ عِنْدَكِ غَدَاءٌ؟)).
(فَإِنِّي إِذَا) بالتنوين. (صَائِمٌ)، وفي رواية للنسائي: ((إِذَا أَصُومُ))، وفيه: دليل
على جواز نية النفل في النهار، وبه قال الأكثرون، وقد تقدم البسط في هذه المسألة
في شرح حديث حفصة: ((لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ)».
(أُهْدِيَ لِنَا)، أي: أرسل إلينا بطريق الهدية. (حَيْسٌ) بفتح الحاء المهملة
وسكون التحتية بعدها سين مهملة تمر مخلوط بسمن وأقط. وقيل: طعام يتخذ من
(٢٠٩٥) مُسْلِم (١٧٠ / ١١٥٤)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٥٥)، والتِّرْ مِذِي (٧٢٣)، والنَّسَائِي (١٩٤/٤) عَنْهَا فِي
الصِّيَامِ .
٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق، والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن
بالزيت قاله القاري. وقال في ((القاموس)): الحيس الخلط، وتمر يخلط بسمن وأقط
فیعجن شديدًا، ثم یندر منه نواه وربما جعل فيه سویق، انتهى.
(أَرِينِيهِ) أمر من الإراءة، ورواية أبي داود: ((أَدْنِيهِ))، من الإدناء، وكذا وقع في
رواية للنسائي: ((وَأَرِينِيهِ)) كناية عنها؛ لأنَّ ما يكون قريبًا يكون مرئيًا ذكره الطيبي،
وفي رواية لمسلم: ((هَاتِهِ))، (فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) وفي رواية للنسائي: ((إِنِّي قَدْ
أَصْبَحْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ)» .
(فَأَكَلَ) وفي رواية أخرى لمسلم: فأكل، ثم قال: ((قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا))،
وفي رواية للنسائي: ((فَأَفْطَرَ)) ، قال السنديُّ: هذا يدل على جواز الفطر للصائم
تطوعًا بلا عذر، وعليه كثير من محققي علمائنا الحنفية، لكنهم أوجبوا القضاء.
وقال ابن الهمام: لا خلاف بين أصحابنا في وجوب القضاء إذا أفسد عن قصد أو
غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة المطوعة خلافًا للشافعي. وإنَّما اختلاف
الرواية في نفس الإفساد هل يباح أولًا؟ فظاهر الرواية لا إلا بعذر ورواية ((المنتقى))
يباح بلا عذر، قال: وعندي: أنَّ رواية ((المنتقى)) أوجه، انتهى.
وقال الخطابي (ج ٢ ص١٣٤): في الحديث من الفقه جواز إفطار الصائم قبل
الليل إذا كان متطوعًا به، ولم يذكر فيه إيجاب القضاء وكان غير واحد من الصحابة
يفعل ذلك، منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري، وبه قال
الشافعي وأحمد. وقال ابن قدامة (ج٣ص١٥١): من دخل في صيام تطوع استحب
له إتمامه ولم یجب فإن خرج منه فلا قضاء علیه، روي عن ابن عمر وابن عباس :
أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا.
وقال ابن عمر: لا بأس به مالم یکن نذرًا أو قضاء رمضان. وقال ابن عباس: إذا
صام الرجل تطوعًا ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعًا ثم شاء أن
يقطعها قطعها، وقال ابن مسعود: متى أصبحت تريد الصوم فأنت على آخر
النظرين إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت، فهذا مذهب أحمد والثوري
والشافعي وإسحاق. وقد روى حنبل عن أحمد: إذا أجمع على الصيام فأوجبه على
نفسه فأفطر من غير عذر أعاد يومًا مكان ذلك اليوم، وهذا محمول على أنه استحب
٤٩٣
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
له ذلك أو نذره ليكون موافقًّا لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك:
يلزم بالشروع فيه، ولا يخرج منه إلا لعذر، فإن خرج قضى، وعن مالك لا قضاء
عليه - أي: إذا أفطر بعذر - واحتجَّ من أوجب القضاء بما روي عن عائشة: أن
رسول اللّه عليه أمر بالقضاء، يعني: ما سيأتي في الفصل الثانث من حديث الزهري
عن عروة عن عائشة، وسيأتي الجواب عنه.
قال ابن قدامة: ولنا ما روى مسلم وأَبُو دَاوُدَ والنسائي عن عائشة قالت: دخل
عليَّ رسول اللَّهُ بَّه يومًا فقال: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟))، فقلت: لا الحديث. وقال
الحافظ: جواز الفطر من صوم التطوع هو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء
إلا أنه يستحب له ذلك، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه ضرب لذلك مثلًا:
كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به، أو تصدق ببعضه وأمسك
بعضه. وعن مالك: الجواز وعدم القضاء بعذر، والمنع، وإثبات القضاء بغير عذر .
وعن أبي حنيفة: يلزمه القضاء مطلقًا ذكره الطحاوي وغيره. وأغرب ابن عبد
البر فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. قلت: ويدل
على ما ذهب إليه الجمهور من جواز الإفطار، وعدم وجوب القضاء حديث أبي
جحيفة الذي رواه البخاري والترمذي في قصة زيارة سلمان أبا الدرداء، وإفطار أبي
الدرداء لقسم سلمان؛ لأنَّ النبي وَّ قرر ذلك، ولم يبين لأبي الدرداء وجوب
القضاء عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وأجاب القرطبي عنه: بأنَّ
إفطار أبي الدرداء كان لقسم سلمان ولعذر الضيافة. وفيه: أنَّ هذا يتوقف على أن
هذا العذر من الأعذار التي تبيح الإفطار، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا
يفطر لضيف نزل به ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق. واستدل للجمهور أيضًا
بحديث عائشة الذي نحن في شرحه؛ لأنَّه لم يذكر فيه القضاء.
وأجيب عنه: بأنه زاد فيه بعضهم فأكل ثم قال: ((أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ))، أخرجه
النسائي في ((السنن الكبرى))، والدار قطني والشافعي والبيهقي في ((المعرفة))، وفي
((السنن الكبرى)) (ج ٤ ص ٢٧٥) والطحاوي (ص ٣٥٥) كلهم من رواية ابن عيينة عن
طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين. وقد صحح هذه
الزيادة أبومحمد عبد الحق كما في ((البناية)) (ج٢ ص٣٥٦) و((المرقاة))
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ج ٢ ص٥٥٤)، وقال ابن التركماني: هذه الزيادة من ثقة أصر عليها فهي
مقبولة. قلت: في كون هذه الزيادة محفوظة صحيحة نظر، فإنها قد ضعفها الأئمة
الحفاظ كالنسائي والدار قطني والشافعي والبيهقي.
قال النسائيُّ: هذا خطأ يعني من ابن عيينة. ونسب الدار قطني الوهم فيها لمحمد
ابن عمرو الباهلي الراوي عنده عن ابن عيينة، لكن رواها النسائي عن محمد بن
منصور عن ابن عيينة، وكذا رواها الشافعي عن ابن عيينة لكن قال: سمعت سفيان
ابن عيينة عامة مجالسه لا يذكر فيه: ((سأصوم يومًا مكانه))، ثم عرضته عليه قبل
موته بسنة فذكره فیه.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩٧): ذكر الشافعي: أنَّ ابن عيينة زادها قبل
موته بسنة، انتهى. وابن عيينة كان في الآخر قد تغير. وقال في ((تهذيب التهذيب)):
قال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أنَّ سفيان بن عيينة
اختلط سنة سبع وتسعين ومئة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا
شيء. قال الحافظ: وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما
نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبوسعد بن السمعاني في
ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من ((ذيل تاريخ بغداد)) بسند له قوي إلى
عبد الرحمن بن بشر بن الحكم.
قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث،
وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول فإني قد
سمعت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة كتاب الإيمان لأحمد: أنَّ هارون بن
معروف قال له: إنَّ ابن عيينة تغير أمره بآخره، انتهى. وهذا كله يدلُّ على أن
الشافعي قد بيَّن علَّة الحديث بقوله: سمعت سفيان بن عيينة عامة مجالسه لا يذكر
فيه ... إلخ.
وقال البيهقي في ((المعرفة)»: وقد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة، ورواه
جماعة عن طلحة بن يحيى دون هذه اللفظة، منهم سفيان الثوري وشعبة ووكيع
ويحيى القطان وغيرهم. وقال في ((السنن)) بعد ذكر كلام الشافعي المذكور: ورواية
ابن عيينة عامة دهره لهذا الحديث لا يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن
٤٩٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ فِي الإِفْطَارِ مِنَ التَّطوعِ
طلحة لا يذكره أحد، منهم الثوري وشعبة وعبد الواحد بن زياد ووكيع ويحيى
القطان ويعلى بن عبيد وغيرهم، تدل على خطأ هذه اللفظة. وقد روي من وجه آخر
عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة، انتهى. واجتماع هؤلاء الأئمة الحفاظ على
تضعيف هذه الزيادة مقدَّم على تصحيح عبد الحق، وليس كل زيادة من الثقة تقبل
بل لكل زيادة حكم يخصها، كما ذكر الزيلعي (ج١ ص٣٣٦، ٣٣٧) وهاهنا قد
وجدت قرينة تدل على كون هذه الزيادة وهمًّا ومدرجة، فالحكم بكونها مقبولة
مردود. وعلى تقدير أن تكون محفوظة يحمل القضاء على الندب.
قال البيهقي: وحمل الشافعي قوله: ((سَأَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ))، أي: تطوعًا وجعله
بمثابة قضائه التّ الركعتين اللتين بعد الظهر حين شغله عنهما الوفد. واستدل
للجمهور أيضًا: بما روى البخاري وغيره من أمره وّل جويرية بالإفطار من صوم
يوم الجمعة. وبحدیث أم هانیء الآتي. وقد وقع في رواية لأحمد (ج٦ ص٣٤٣،
٣٤٤) والنسائي في ((الكبرى)) والدار قطني (ص٢٣٥) والدارمي والطحاوي
(ج ١ ص ٣٥٣) والبيهقي (ج٤ ص٢٧٨، ٢٧٩): ((إِنَّ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فَصُومِي
يَوْمًّا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي))، وبما رواه
البيهقي (ج٤ ص٢٧٩) عن أبي سعيد قال: صنعت للنبي ◌َِّ طعامًا فلمَّا وضع قال
رجل: أنا صائم، فقال رسول اللَّه وَله: ((دَعَالَكَ أَخُوَكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ
يومًا إِنْ شِئْتَ))، رواه إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن ابن المنكدر عنه.
قال الحافظ في ((الفتح)): وإسناده حسن وهو دال على عدم الإيجاب. واحتجَّ من
أوجب القضاء بما سيأتي من حديث الزهري عن عروة أنه وَلّ أمر عائشة وحفصة
بالقضاء حين أفطرتا من صوم التطوع. والجواب عنه: بأنه حديث ضعيف غير
صالح للاستدلال كما ستعرف. وعلى تقدير الصِّحة يحمل الأمر بالقضاء على
الاستحباب؛ لتجتمع الأحاديث الواردة في الباب. واحتجُّوا أيضًا لذلك ولتحريم
الأكل من غير عذر بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ (البقرة: ١٨٧] فإنه يعم الفرض
والنفل. وبقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا قد عقد الصوم فوجب أن يفيء
به. وبقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ﴾ [الحج: ٣٠] وليس
من تعمد الفطر بمعظم لحرمة الصوم. وبقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]
وبقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا
٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حَقَ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من
القرب التي لم تكتب عليهم، والقدر المؤدي عمل كذلك، فوجب صيانته عن
الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا أي تبعدًا عن الإبطال.
وأجيب: بأنَّ هذه النصوص كلها من الأدلة العامة، وقد تقرر في موضعه أن
الخاص يقدم على العام. قال ابن المنير المالكي: ليس في تحريم الأكل في صوم
النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ إلا أن
الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه. وقال ابن عبد البر المالكي: من
احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإنّ
الأكثر على أنَّ المراد بذلك: النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء
بل اخلصوها للَّه، وقال آخرون: ﴿َلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ بارتكاب الكبائر - أو بالكفر
والنفاق أو بالمن والأذى ونحوها - ولو كان المراد بذلك: النهي عن إبطال مالم
يفرضه الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح
الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك، والله أعلم. وحديث الباب رواه
ابن ماجه من طريق طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة وزاد قالت: وربما صام
وأفطر.
قلت: كيف ذا؟ قالت: إنما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يخرج بصدقة فيعطي بعضًا
ويمسك بعضًا، وروى النسائي هذا المثل من هذا الوجه مرفوعًا.
قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: صامَ وأفطرَ، أي: جمع بينهما . وفيه :
أنَّ من عزم على الصوم، ثمَّ أفطر له أجر القدر الذي مضى فيه على صومه، وهو
بمنزله إعطائه بعض ما قصد التصدق به، وعلى هذا لا ينتهض الاستدلال بقوله:
﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ على عدم جواز إفطار الصوم أصلًا فافهم، والله أعلم، انتهى.
واحتجُّوا أيضًا لوجوب القضاء بما روى الدار قطني (ص٢٣٧) عن جابر قال: صنع
رجل من أصحاب رسول اللَّه وَلَ طعامًا فدعا النبي منَّ وأصحابًا له، فلما أتى
بالطعام تنخَّى أحدهم، فقال له النبي وَّ: ((مَالَكَ؟))، قال: إني صائم، فقال له
النبي ◌َّهِ: (تَكَلَّفَ لَكَ أَخُوَكَ وَصَنَعَ، ثُمَّ تَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ كُلْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ)).
ورواه أَبُو دَاوُدَ الطيالسي (ص٢٩٣) والدار قطني أيضًا من حديث أبي سعيد.
كِتّابُ الصَّؤْم
بَابٌ في الإفْطَارِ مِنَ التَّطوعِ
٤٩٧
EXEDE
قال الدار قطني: هذا - أي: حديث أبي سعيد - مرسل.
وأجيب: بأنَّ الأمر فيهما محمول على الندب كما يدل عليه رواية أبي سعيد عند
البيهقي بلفظ: ((صُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ))، فعلق القضاء على المشيئة وهذا ليس من
شأن الواجب. واحتجوا أيضًا بالقياس على الحج والعمرة النفلين حيث يجب
قضاؤهما إذا أفسدا اتفاقًا . وأجيب عنه: بأن الحجَّ امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه
فيها، فمن ذلك: أن الحج يؤمر مفسده بالمضي في فاسده، والصيام لا يؤمر
مفسده بالمضي فيه فافترقا؛ ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتد به.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأَبُو دَاوُدَ والنسائي وابن ماجه
والشافعي وابن حبان والطيالسي والدار قطني (ص٢٣٦) والطحاوي (ج١ ص ٣٥٥)
والبيهقي (ج٤ ص٢٧٥) وغيرهم.
٢٠٩٦ - [٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّنَلَ عَلَى أُمَّ سُلَيْمِ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ
وَسَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَعِيدُوا سَمْنَكُمَّ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ)) .
ثُمَّ قَامَّ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأَمَّ سُلَيْم وَأَهْلِ بَيْتِهَا.
[رَوَاهُ البُخَّارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٠٩٦- قوله: (دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َلَ عَلَى أَمَّ سُلَيْم) هي والدة أنس المذكور
واسمها الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملَّة أو الرميصاء بالراء بدل
المعجمة .
وقيل: اسمها سهلة. وعند أحمد: أنَّ النبي ◌َّله دخل على أمِّ حرام وهي خالة
أنس، لكن في بقية الحديث ما يدل على أنَّهما معًا كانتا مجتمعتين. (فَأَتَتْهُ) أم
سليم. (بِتَمْرِ وَسَمْنٍ)، أي: على سبيل الضيافة. (فِي سِقَائِهِ) بكسر السين ظرف
الماء من الجلد، والجمع أسقية، وربما يجعل فيه السمن والعسل.
(٢٠٩٦) مُسْلِم، وَالنَّسَائي في ((الكُبرى)) (٨٢٩٢).
٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَإِّي صَائِمٌ) فيه دليل على أنَّ من صام تطوعًا لا يجب عليه الإفطار إذا قرب إليه
الطعام، وإنْ أفطر يجوز للحديث السابق. وقد ترجم البخاري لحديث أنس هذا
بلفظ: باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.
قال الحافظ: أي: في صوم التطوع - وهذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية،
وهي من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع وموقعها أنْ لا يظن إن فطر المرء من
صيام التطوع؛ لتطييب خاطر أخيه حتم عليه، بل المرجع في ذلك إلى مَنْ علم من
حاله من كلٍّ منهما أنه يشق عليه الصيام فمتى عرف أنه لا يشق عليه كان الأولى أنْ
یستمرَّ علی صومه، انتهى.
قال القاري: حديث أنس هذا بظاهره يؤيد من قال: إن الضِّيافة غير عذر،
والأظهر أنها عذر، ولكنه مخير لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى
طَعَام فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُطْعَمْ))، رواه مسلم، وأَبُو دَاوُدَ عن جابر،
انتهى. قلت: وأخرجه ابن ماجه أيضًا ولفظه: ((مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِمٌ
فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)) .
(فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ)، يعني: التطوع، وفي رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن
حميد عن أنس: فصلَّى ركعتين، وصلينا معه وهذه القصة غير القصة التي رواها في
البخاري باب الصلاة على الحصير، حيث صرَّح هناك بأنه أكل وهاهنا لم يأكل .
(فَدَعَا لِأُمُّ سُلَيْمِ وَأَهْلِ بَيْتِهَا).
في الحديث من الفوائد: جواز تحفة الزائر بما حضر بغير تكلف، وجواز رد
الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي، وإن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود
في الهبة. وفيه: حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل
عنده بالدعاء له. ومشروعية الدُّعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب
الحاجة وزيارة الإمام بعض رعيته.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الصيام، وفي الدعوات وهو من أفراده وأخرجه أيضًا أحمد
(ج ٣ ص ١٠٨، ١٨٨).
كِتّابُ الصَّؤْم
بَابَ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٤٩٩
٢٠٩٧ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا
دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ)).
{صحیح}
الشرح
٢٠٩٧ - قوله: (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَام) عرسًا كان أو نحوه. (وَهُوَ صَائِمٌ)
نفلاً، أو قضاء، أو نذرًا. (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)، أي: اعتذارًا للداعي وإعلامًا
بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور فله التخلف، وإلا حضر الدعوة، وليس
الصوم عذرًا في التخلف، لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرًا في
ترك الأكل إلا أن يشق على صاحب الطعام ترك إفطاره، فيستحب له حينئذٍ الفطر
وإلا فلا هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صومًا واجبًا حرم الفطر.
وفي الحديث: أنه لا بأس بإظهار العبادة النافلة كالصلاة والصوم وغيرهما إذا
دعت إليه حاجة، والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن حاجة، وفيه: الإرشاد إلى حسن
المعاشرة وإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب بحسن الاعتذار عند سببه.
٢٠٩٨ - [٤] وَفِي رِوَايةٍ قَالَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ
صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٠٩٨- قوله: (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ)، أي: إلى طعام عرسًا كان أو غيره.
(فَلْيُجِبْ)، أي: فليحضر الدعوة. قيل: وجوبًا. وقيل: ندبًا. وقيل: وجوبًا في
(٢٠٩٧) مُسْلِم (١٥٩/ ١١٥٠)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٦١)، والتِّرْمِذِي (٧٨١)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى))
(٣٢٦٩) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
(٢٠٩٨) مُسْلِمٍ (١٠٦ / ١٤٣١)، أَبُو دَاوُد (٢٤٦٠)، التِّرْمِذِي (٧٨٠)، النَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٣٢٧٠)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا.