النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٠٧٥ - [٢٠] عَنْ عَائِشَةَ رَضَُّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ يَصُومُ
الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ.
[ْرَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٠٧٥- قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نِّهِ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ)، قال المناوي: بكسر
النون على أن إعرابه بالحرف وهو القياس من حيث العربية، قال القسطلاني: وهي
الرواية المعتبرة ويجوز فتح النون على أنَّ لفظ المثنى علم لذلك اليوم فأعرب
بالحركة لا بالحرف.
(وَالْخَمِيسَ) بالنصب، وهذا لفظ النسائي في رواية وله في أخرى: كان يتحرَّى
صيام الاثنين والخميس، وهكذا وقع عند الترمذي وابن ماجه، أي: يقصد
صومهما، ويراهما أحرى وأولى. وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه كما
سيأتي في الفصل الثالث فقيل: يا رسول الله، إنَّك تصوم الاثنين والخميس،
فقال: ((إِنَّ يَوْمَ الِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يَغْفِرُ اللهُ فِيْهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّ مُهْتَجِرِينَ يَقُولُ:
دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا))، انتهى. وسيأتي التعليل بأنَّه يعرضَّ فيهما الأعمال فكأنه
يغفر للمسلمين حين يعرض عليه أعمالهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان
وصححه، وأعله ابن القطان بالراوي عن عائشة وهو ربيعة الجرشي وأنه مجهول.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩٩): قد أخطأ في ذلك فهو صحابي وفي الباب
عن حفصة عند أبي داود وعن أبي هريرة وأم سلمة وسيأتيان. وعن أسامة بن زيد عند
أحمد وأبي داود والنسائي، وعن واثلة وعبد الله بن مسعود وأبي رافع روى الثلاثة
الطبراني في ((الكبير)) والأول: فيه محمد بن عبد الرحمن القشيري وهو متروك،
وفي الثاني: أبوبلال الأشعري وهو ضعيف، والثالث فيه الحماني وفي كلام.
(٢٠٧٥) التِّرْ مِذِي (٧٤٥)، وَالنَّسَائِي (٢٠٣٠٢٠٢/٤)، وَابن مَاجَهْ (١٧٣٩) عَنْهَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ.
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطَوْعِ
٤٦١
٢٠٧٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَلِّهِ:
(تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأَحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا
صَائِمٌ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٠٧٦- قوله: (تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ)، أي: على اللَّه تعالى. (يَوْمَ الِثْنَيْنِ
وَالْخَمِيسِ) بالجر، أي: تعرضها الملائكة عليه فيهما. قال الحليمي: يحتمل أن
ملائكة الأعمال يتناوبون فيقيم فريق من الاثنين إلى الخميس فيعرج، وفريق من
الخميس إلى الاثنين، فيعرج كلما عرج فريق قرأ ما كتب في موضعه من السماء
فيكون ذلك عرضًا في الصورة، وأمَّا الباري في نفسه فغني عن نسخهم وعرضهم
وهو أعلم باكتساب عباده منهم.
وقال البيجوري: وحكمة العرض أنَّ اللَّه تعالى يباهي بالطائعين الملائكة، وإلّا
فهو غني عن العرض؛ لأنه أعلم بعباده من الملائكة. (فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا
صَائِمٌ)، أي: طلبًا لزيادة رفع الدرجات. قال في اللمعات: لعلّه إنما اختار الصوم
لفضله؛ ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه
يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ما عداه من الأعمال، انتهى.
قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله ظلَّ: ((يُرْفَعُ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهْارِ،
وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ))، للفرق بين الرفع والعرض؛ لأنَّ الأعمال تجمع في
الأسبوع، وتعرض في هذين اليومين. وفي حديث مسلم: ((تُعْرَضُِ أَعْمالُ النَّاسِ
فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَذَّيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)).
قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان فقال: ((إِنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ،
وَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) ؛ لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام
(٢٠٧٦) أَحْمَد (٣٠٢٩/٢)، وَالتِّرْمِذِي (٧٤٧) عَنْهُ فِيهِ .
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مجملة، كذا في ((المرقاة)). قلت: حديث رفع الأعمال في شعبان، أخرجه
النسائي من حديث أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر
من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ((ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبِ
وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَّا
صَائِمٌ)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه، وأورده الحافظ في ((التلخيص)) وسكت عنه،
وأخرجه أيضًا أحمد والدارمي ولابن ماجه معناه كما تقدم.
٢٠٧٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا
صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ
عَشْرَةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٠٧٧ - قوله: (إِذَا صُمْتَ)، أي: أردت الصوم. (مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أيَّام) هذا
لفظ الترمذي، وللنسائي: ((إِذَا صُمْتَ شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ))، (فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ
عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ) هي أيام الليالي البيض، ففي رواية للنسائي أمرنا رسول الله
وَ الر: أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس
عشرة .
وفيه: دليل على استحباب صوم أيام البيض وهي الثلاثة المعينة في الحديث.
وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أنْ تكونَ الثلاث المذكورة في وسط
الشهر، كما حكاه النووي، واختلفوا في تعيينها: فذهب الجمهور: إلى أنَّها ثالث
عشر ورابع عشر وخامس عشر. وقيل: هي الثَّاني عشر، والثَّالث عشر، والرابع
عشر. وحديث أبي ذر هذا وما في معناه يرد ذلك قيل: الحكمة في صوم أيام
اللّيالي البيض، أي: المقمرة، أنَّه لما عمَّ النور لياليها ناسب أن تعم العبادة
نهارها. وقيل الحكمة في ذلك: أنَّ الكسوف يكون فيها غالبًا، ولا يكون في غيرها
وقد أمرنا بالتقرب إلى الله تعالى، بأعمال البر عند الكسوف.
(٢٠٧٧) التِّرْ مِذِي (٧٦١)، وَالنَّسَائِي (٢٢٣/٤) عَنْهُ فِيهِ .
كِتّاب الصَّؤْم
بَابٌ صِيامِ التَّطوُعِ
٤٦٣
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان وصححه
والبيهقي (ج٤: ص٢٩٤) وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والنسائي وابن
حبان، قال جاء أعرابي إلى النبي ◌ِّيّ بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا، وأمسك
الأعرابي فقال: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ))، فَقال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر،
قال: ((إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُم الغُرَّ)، أي: البيض الليالي بوجود القمر طول الليل.
قال الحافظ: وفي بعض طرقه عند النسائيِّ: ((إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُم الْبِيضَ:
ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ))، وفي الباب أيضًا عن قتادة بن مَلحان عند
أبي داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ: كان رسول اللَّه ◌َل يأمرنا أن نصوم
البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
وقال: هي كهيئة الدهر. وعن جرير عند النسائي والبيهقي عن النبي وقّ قال:
((صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرِ صِيَامُ الدَّهْرِ أَيَّامُ الْبِيضِ: صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ
عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ))، قال الحافظ: إسناده صحيح.
٢٠٧٨ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلى الله
وسلم
يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
أَرَوَاهُ التّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ إِلى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ]
الشرح
٢٠٧٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ) بضم الغين
المعجمة. قال العراقي: يحتمل أن يراد بغرة الشَّهر: أوله، وأنْ يراد بها: الأيام
الغر، وهي البيض. كذا في ((قوت المغتذي)). وقال في ((القاموس)): الغرة من
الشهر ليلة استهلال القمر، يعني: أول الشهر. (ثَلَاثَةَ أَيَّام) قيل: لا منافاة بين هذا
الحديث وحديث عائشة، وهو أنه لم يكن يبالي من أيِّ أيام الشهر يصوم؛ لأنَّ هذا
(٢٠٧٨) أَبُو دَاوُد (٢٤٥٠)، والترمذي (٧٤٢)، والنَّسَائِي (٢٠٤/٤)، ورواه ابن مَاجَهْ أيضًا (١٧٢٥)
مقتصرًا على الجملة الثانية عَنْهُ فِيهِ .
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرَّاوي وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطّلع عليه من أحوال النبي وَّ فحدَّث بما
كان يعرف من ذلك، وعائشة ◌ُّ اطّلعت من ذلك على مالم يطلع عليه الرَّاوي
فحدثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين كذا ذكره القاري.
(وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)، أي: قلَّ إفطاره يوم الجمعة، بل كان كثيرًا ما
يصومه، وهذا محمولٌ على أنه كان يصومه منضمًا إلى ما قبله أو إلى ما بعده، لا
أنه يصومه وحده، فلا ينافي ما تقدم من النهي عن إفراده بالصيام، وقد سبق البسط
فيه .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ)، أي: تمام الحديث، وكذا أخرجه أحمد
(ج ١ ص ٤٠٦) والبيهقي (ج ٤ ص٢٩٤) وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد
البر وابن حزم (ج١ص٢١) وحسنه الترمذي. (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّام) وروى
ابن ماجه: صوم الجمعة فقط، أي: قوله: قلما رأيته يفطر يوم الجمعة.
٢٠٧٩ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ ◌ّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ يَصُومُ مِنَ
الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ
وَالْخَمِيسَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٠٧٩ - قوله: (يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ)، أي: من أحد الشهور. (السَّبْتَ وَالْأَحَدَ
وَالِثْنَيْنِ) بكسر النون وفتحها بناء على أنَّ إعرابه بالحرف أو الحركة. (وَمِنَ الشَّهْرِ
الآخَرِ الثُّلَاثَاءَ) بفتح المثلثة وبضم. (وَالأَرْبِعَاءَ) بكسر الموحدة ويفتح ويضم
وكلاهما ممدود. (وَالْخَمِيسَ).
قال الحافظ: وكان الغرض به أن يستوعب غالبًا أيام الأسبوع بالصيام، انتهى.
وقال القاري: مراعاة للعدالة بين الأيام فلأنها أيام الله تعالى، ولا ينبغي هجران
بعضها لانتفاعنا بكلِّها. قال الطيبي: وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق فكان
(٢٠٧٩) التِّرْمِذِي (٧٤٦) عَنْ عَائِشَةً فِهِ.
كِتّابَ الصَّؤْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
ESE
٤٦٥
يستوفي أيام الأسبوع بالصيام. قال ابن الملك: أراد عليه الصلاة والسلام أن يبيِّن
سنة صوم جميع الأسبوع، وإنما لم يصم ◌َّ السّتة متوالية كيلا يشق على الأمة
الاقتداء به رحمةً لهم وشفقةً عليهم .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق سفيان عن منصور عن خيثمة عن عائشة وقال: هذا
حديث حسن، ورواه عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه.
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: وروي موقوفًا وهو أشبه.
٢٠٨٠ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَأْمُرُنِي أَنْ
أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٠٨٠ - قوله: (أَوَّلُهَا) بالرفع. (الإِثْنَيْنِ) الظاهر: الاثنان بالألف؛ لكونه
خبرًا، فقيل في توجيهه: إنَّ (الاثْنَيْنِ) صار علمًا، والأعلام لا تتغير عن أصل
وضعها باختلاف العوامل فأعرب بالحركة برفع النون لا بالحرف، أو أنَّ التقدير:
أوَّلها يوم الاثنينِ، فحذف المضاف وأبقي المضاف إليه على حاله على قراءة،
((وأسأل القرية)) وإن كانت شاذة.
وقال الطيبي: أولها منصوب لكن بفعل مضمر، أي: اجعل أولها الاثنين
والخميس يعني: والواو بمعنى أوْ وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي، حيث قال:
صوابه: أو الخميس، والمعنى: أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس،
وذلك؛ لأنَّ الشهر إمّا أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس،
فتفتح صومها في شهرها ذلك بالاثنين، وإمَّا أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين
فتفتح صوم شهرها ذلك بالخمیس، و کذلك وجدت الحدیث فيما يرويه من كتاب
الطبراني كذا ذكره القاري.
(٢٠٨٠) أَبُو دَاوُد (٢٤٥٢)، وَالنَّسَائِي (٢٢١/٤) عَنْهَا فِيهِ.
٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: (أَوَّلَهَا) بدل من كلِّ شهر بحذف حرف الجر، أي: يأمرني أن أصوم
ثلاثة أيام من كل شهر من أولها، ولفظ الاثنين والخميس بدل من ثلاثة أيام، أي:
أصوم ثلاثة أيام الاثنين والخميس من أول كل شهر، واللفظ المذكور لأبي داود،
وكذا نقله عنه الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١ص٢١٢) وهو ساكت عن تعيين
اليوم الثالث، ولفظ النسائي: كان يأمر بصيام ثلاثة: أول خميس والاثنين
والاثنين، ورواه البيهقي (ج٤ ص٢٩٥) بلفظ: كان يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من
الشهر: الاثنين والخميس والخميس، ويؤيد رواية النسائي في تكرار الاثنين، ما
رواه أحمد (ج٦ ص٢٨٧ - ٢٨٨) والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٩٥) من حديث
حفصة: أنَّ النبي ◌َّ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين ويوم الخميس
ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى. وما رواه النسائي من حديث أم سلمة قالت:
كان رسول اللَّه وَ ل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين، والخميس من هذه
الجمعة، والاثنين من المقبلة، ويؤيد رواية البيهقي ما رواه أحمد (ج٦ ص٢٨٨،
٤٢٣) والنسائي عن بعض أزواج النبي ◌َّلّ أنَّ رسول اللَّه وَل كان يصوم تسعة من
ذي الحجة، ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر
وخميسين، وما رواه النسائيُّ من حديث ابن عمر أن رسول اللّه ◌َّ﴾ كان يصوم ثلاثة
أيام من كلِّ شهر: يوم الاثنين من أوَّل الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس
الذي يليه. قال السندي في ((حاشية النسائي)): حديث أم سلمة يدل على أنه كان
يأمر بتكرار الاثنين، وقد سبق من فعله أنه كان يكرر الخميس فدلَّ المجموع على
أن المطلوب إيقاع صيام الثلاثة في هذين اليومين، إمَّا بتكرار الخميس أو بتكرار
الاثنین والوجهان جائزان، انتهى.
قلت: وقد ورد ما يدل على أن اليوم الثالث من الأيام الثلاثة هو يوم الجمعة لا
الاثنان أو الخميس، فروى أحمد (ج٦ ص٢٨٩، ٣١٠) عن أم سلمة قالت: كان
النبي ◌َّيه يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر: أولها الاثنين والجمعة
والخميس، فهذا يخالف ما تقدم من تكرار الاثنين أو الخميس، ومدار حديث أم
سلمة عند أحمد، وكذا النسائي وأبي داود والبيهقي على والدة هنيدة بن خالد
الخزاعي، أو امرأته وكلتاهما مجهولة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صِيام التّطوُّع
٤٦٧
أحمد، والبيهقي على اختلاف فيه، كلهم من طريق هنيدة بن الخزاعي عن أمه عن
أم سلمة، وقد سكت عنه أَبُو دَاوُدَ والمنذري.
وقال الهيثمي (ج٣ص١٩٣): بعد ذكر الحديث من ((مسند الإمام أحمد)).
قلت: رواه النسائي خلا والجمعة، وأم هنيدة لم أعرفها، انتهى.
٢٠٨١ - [٢٦] وَعَنْ مُسْلِمِ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ، فَقَالَ: ((إِنَّ لِّأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ
وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرمِذِيُّ]
الشرح
٢٠٨١- قوله: (وَعَن مُسْلِم الْقُرَشِيّ) بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى
قريش. قال الحافظ في ((الإصابة)ً (ج٣ص ٤١٥ - ٤١٦): مسلم بن عبيد الله
القرشي. وقيل: عبيد الله بن مسلم. وقيل: إنه مسلم بن مسلم حديثه في صيام
الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء. أخرجه أَبُو دَاوُدَ والترمذي من طريق
عبيد الله بن موسى، عن هارون، عن عبيد الله بن مسلم القرشي، عن أبيه قال:
سألت أو سئل النبي ◌َّل عن صيام الدهر، الحديث. وأخرجه النسائي عن أحمد بن
يحيى، عن أبي نعيم، عن هارون به، وعن إبراهيم بن يعقوب، عن أبي نعيم، عن
هارون، عن مسلم عن أبيه كذا قال، وأشار الترمذيُّ إلى هذه الرواية فقال: وروى
بعضهم عن هارون به، وقد وافق زيد بن الحباب عبيد الله بن موسى. وأخرجه
النسائي من طريقه وصوب غير واحد أنَّ اسم الصحابي مسلم.
وقال البغوي: سكن الكوفة، انتهى. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): مسلم
ابن عبيد الله القرشي، وليس بوالد ريطة بنت مسلم الأزدي، ولا أدري من أيِّ
قريش هو، واختلف فيه: فقيل: مسلم بن عبيد الله. وقيل: عبيد الله بن مسلم.
(٢٠٨١) أَبُو دَاوُد (٢٤٣٢)، والتِّرْمِذِي (٧٤٨)، والنَّسَائِي في الكُبرى (٢٧٧٩) عَنْهُ فِيهِ.
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومن قال: عبيد الله عندي أحفظ له حديث واحد في صوم رمضان، والذي
يليه ... الخ. وقد قيل: إنَّ الصحبة لأبيه عبيد الله القرشي.
(فَقَالَ: إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)، أي: وصوم الدهر يضعف عن أداء حق الأهل،
وفيه: إشعارٌ بأن صوم الدهر من شأنه أنْ يفتر الهمة عن القيام بحقوق اللّه وحقوق
عباده فلذا كره. (صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ)، قيل: أراد الستَّ من شوال، وقيل:
أراد به شعبان .
(وَكُلَّ أَرْبَعَاءَ) بالمد وعدم الانصراف. (وَخَمِيسٍ) بالجر والتنوين، أي: من كل
جمعة. (فَإِذَا) بالتنوين. (أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ) قال الطيبي: الفاء جزاء شرط
محذوف، أي: إنْ فعلت ما قلت لك فقد صمت، وإذًا: جواب جيء لتأكيد
الربط. (كُلَّهُ) قال القاري: لعلَّ هذا الحديث متقدم على ما سبق من حصول صوم
الدهر بثلاثة من كل شهر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يخبر أولًا بالجزاء القليل،
ثُمَّ بالثواب الجزيل إعظامًا للمنة عليه وعلى الأمَّة، وإلّا فيقارب مقتضى هذا
الحديث أنْ يصير صوم الدهر مرتين حكمًا، انتهى. وذلك؛ لأنَّ صوم رمضان
وست مما يليه من شوال يساوي صوم الدهر، كما تقدم في حديث أبي أيوب
وكذلك كل أربعاء وخميس، بل هذا يزيد على صوم الدهر، فإنّ الشهر لا يخلو عن
أربعة أربعاء وأربعة خميس، فإذا صام أربعة أربعاء وأربعة خميس، فقد صام في
الشهر ثمانية أيام فإذا ساوى صوم ثلاثة أيام صوم جميع الشهر، فيزيد صوم ثمانية
أيام على صوم الشهر فتدبر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه (والترمذي) وقال: حديث غريب، ولم يحكم عليه
بشيء من الحسن والصحة. وقال المنذري في الترغيب: رواته ثقات. وقال
العزيزي: إسناده صحيح.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
٤٦٩
٢٠٨٢ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ: نَهَى عَنْ
صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشرح
٢٠٨٢- قوله: (نَھَى) نهي تحريم أو تنزيه. (عَنْ صَوْم يَوْم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ)،
أي: في عرفات، وأمَّا في غيرها فمندوب كما سبق في حديث أبي قتادة. قال الأمير
اليماني: الحديث ظاهر في تحريم صوم عرفة بعرفة، وإليه ذهب يحيى بن سعيد
الأنصاري. وقال: يجب إفطاره على الحاج. وقيل: لا بأس به إذا لم يضعف عن
الدعاء، ونقل عن الشافعي واختاره الخطابي.
والجمهور: على أنه يستحب إفطاره، وأمَّا هو فقد صحَّ أنه كان يوم عرفة بعرفة
مفطرًا في حجته كما تقدم، ولكن لا يدل تركه الصوم على تحريمه، نعم يدل؛ لأنَّ
الإفطار هو الأفضل؛ لأنه لا يفعل إلا الأفضل إلا أنه قد يفعل المفضول؛ لبيان
الجواز، فيكون في حقه أفضل لما فيه من التشريع والتبليغ بالفعل، ولكن الأظهر
التحريم؛ لأنه أصل النهي، انتهى. وقد سبق بسط الكلام في هذه المسألة في شرح
حديث أم الفضل (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وكذا أحمد (ج ٢ ص٣٠٤) والنسائي في ((الكبرى))
وابن ماجه وابن خزيمة والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (ج٤ ص٤٢٤) والحافظ
المزي في ((تهذيب الكمال)) (ج١ ص٣٧٩) والحاكم (ج١ ص٤٣٤) والبيهقي
(ج٤ ص٢٨٤) كلهم من طريق حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن
عكرمة، عن أبي هريرة وقد سكت عنه أَبُو دَاوُدَ، وصححه ابن خزيمة.
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي واستنكره العقيلي؛
لأنَّ مهديًّا الهجري مجهول، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) من طريقه، وقال: لا
يتابع عليه. قال المناوي: قول الحاكم: على شرط البخاري مردود، فإن مهديًّا
الهجري ليس من رجال البخاريٍّ ولا مسلمٍ .
(٢٠٨٢) أَبُو دَاوُد (٢٤٤٠)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٢٨٣٠)، وابن مَاجَهْ (١٧٣٢) لم يروه، والتِّرْمِذِي
عَنْهُ فِیهِ .
٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال المنذري: في إسناده مهدي الهجري. قال ابن معين: لا أعرفه. وقال
العقيلي: لا يصحُّ عن النبي النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة. قال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٩٩): قد صححه ابن خزيمة، ووثق مهديًّا المذكور ابن حبان
وترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير)) وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ولم
یذکرا فیه جرحًا .
٢٠٨٣ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرِ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وََّ قَالَ: (لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّ فِيمًا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ
أَحَدُكُمْ إِلَّ لِحَاءَ عِنْبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٠٨٣- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ) بضم الموحدة وسكون المهملة هو
عبد الله بن بسر أبوبسر المازني ويقال: أبو صفوان صحابي صغير ولأبويه وأخويه
عطية والصماء صحبة سكن حمص، وروى عن النبي وعن أبيه إنْ كان محفوظًا
وأخته الصَّمَّاء. وقيل: عمته. وقيل: خالته مات بالشام. وقيل: بحمص، منها سنة
ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.
وقال أبو القاسم بن سعد: مات سنة ست وتسعين وهو ابن مائة سنة، وكذا ذكره
أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))، وساق في ترجمته حديث وضع النبي يده على
رأسه، فقال: ((يعيش هذا الغلام قرنًا)) فعاش مئة سنة.
(عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ) بالصاد المهملة المفتوحة والميم المشددة وبالمد، وهي
بنت بسرا المازنية واسمها بهية بضم الموحدة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية.
وقيل: اسمها بهيمة بزيادة الميم. قال الحافظ: هي أخت عبد الله بن بسر. وقيل:
عمته. وقيل: خالته روت عن النبي. وقيل: عن عائشة عنه في النهي عن صوم يوم
(٢٠٨٣) أَبُو دَاوُد (٢٤٢١)، والتِّرْ مِذِي (٧٤٤)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٢٧٦٢)، وابن مَاجَهْ (١٧٢٦)
عَنْهُ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِي (١٧٢٦): حَسَنٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد (٢٤٢١): مَنْسُوخٌ.
٤٧١
كِتّاب الصَّوْم
بَابُ صِيام التَّطوُعِ
السبت وعنها عبد الله بن بسر وأبو زيادة عبيد الله بن زياد، ورجَّح دحيم الأول.
قال أبوزرعة: قال لي دحيم: أهل بيت أربعة صحبوا النبي: بسر وابناه عبد الله
وعطية وأختهما الصماء. (لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ)، أي: وحده. (إِلَّا فِيْمَا اقْتُرِضَ
عَلَيْكُمْ) بصيغة المجهول. قال المنذري في ((الترغيب)): هذا النهي إنَّما هوٍ عن
إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة: ((لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ
يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ))، فجاز إذًّا صومه.
قال الطيبي: قالوا: النهي عن الإفراد كما في الجمعة، والمقصود مخالفة
اليهود فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور، وما (افْتُرِضَ) يتناول المكتوب،
والمنذور، وقضاء الفوائت، وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة
وعاشوراء أو وافق وردًا، وزاد ابن الملك وعشر ذي الحجة، أو في خير الصيام
صيام داود، فإنَّ المنهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حتَّى كأنه يراه واجبًا كما تفعله
اليهود. وقال القاري: فعلى هذا يكون النهي للتحريم، وأمَّا على غير هذا الوجه
فهو للتنزيه بمجرد المشابهة .
(إِلَّا لِحَاءَ عِنْبَةٍ) بكسر اللام بعدها حاء مهملة ممدودًا قشر الشجر، والعنبة بكسر
المهملة وفتح النون هي الحبة من العنب الفاكهة المعروفة، والمراد: قشر حبة
واحدة من العنب. (أَوْ عُوْدَ شَجَرَةٍ) عطف على لحاء. (فَلْيَمْضُغْهُ)، قال في
((القاموس)): مضغه كمنعه ونصره لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم،
وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦ ص٣٦٨). (وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ)، الخ. وأخرجه أيضًا
النسائي في ((الكبرى)) وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم
(ج ١ ص ٤٣٥) والطبراني والبيهقي (ج ٤ ص٣٠٢) وحسنه الترمذي وصححه ابن
السكن. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاريٍ. وقال النووي: صححه
الأئمة. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): رجاله ثقات إلّا أنه مضطرب، وقد أنكره
مالك. وقال أَبُو دَاوُدَ: هو منسوخ، انتهى. قلت: أمَّا الاضطراب؛ فلأنه روي كما
ذكره المصنف، وروي عن عبد الله بن بسر عن النبي ◌َّ وليس فيه عن أخته
الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وهکذا وقع في رواية لابن ماجه.
٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٠٠): وليست هذه بعلةٍ قادحة فإنه أيضًا
صحابي. وقيل: عنه عن أبيه بسر عن النبي وَّ. وقيل: عنه عن الصماء عن عائشة
عن النبي وَّر. قال النسائي: هذا حديث مضطرب. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون
عند عبد الله عن أبيه وعن أخته بواسطة، وهذه طريقة من صححه. ورجح عبد
الحق الرواية الأولى وتبع في ذلك الدارقطني، لكن هذا التلونٍ في الحديث
الواحد بالإسناد مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ لقلّة ضبطه إلّا أن يكون من
الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالاً على قلَّة
ضبطه وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضًا،
وأمَّا إنكار مالك له، فإنه قال أَبُو دَاوُدَ عن مالك أنه قال: هذا حديث كذب، انتهى.
روى أَبُو دَاوُدَ عن الأوزاعي أنه قال: ما زلت لحديث عبد الله بن بسر كاتمًا حتى
رأيته انتشر، وروي عن الزهري أنه كان إذا ذكر له قال: هذا حديثٌ حمصي إلى أنه
ضعيف. وقول مالك المذكور أصرح في ذلك وأبلغ. وأمَّا قول أبي داود: أنه
منسوخ فلعلَّه أراد ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث أم سلمة قالت: كان
رسول اللّه وَ ل يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، الحديث.
فالنهي عن صومه كان أول الأمر حيث كان ◌َ له يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان
آخر أمره ◌َّ مخالفتهم، كما صرح به حديث أم سلمة نفسه. وقيل: بل النهي كان
عن إفراده بالصوم إلا إذا صام ما قبله أو ما بعده كما تقدم عن المنذري والطيبي.
قال الشوكاني: وقد جمع صاحب ((البدر المنير)) بين هذه الأحاديث، يعني:
حديث الصماء وحديث أم سلمة وحديث عائشة السابق في صومه وَّر في السبت
والأحد بأنَّ النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه،
ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه وتقدير لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، والجمع
مهما أمكن أولى من النسخ، انتهى.
كِتّابُ الصَّوْم
MoSax:
بَابُ صِيام التَّطوُعِ
٤٧٣
٢٠٨٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ: ((مَنْ صَامَ
يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًّا، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
وَالْأَرْضِ».
الشرح
٢٠٨٤- قوله: (جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا) الخندق، بوزن جعفر،
حفير حول أسوار المدن، وحول الحصون معرب كندة. (كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ)، أي: مسيرة خمسمائة عام. قال الطيبي: استعارة تمثيلية عن الحاجز
المانع شبه الصوم بالحصن وجعل له خندقًا حاجزًا بينه وبين النار التي شبهت
بالعدو، ثمَّ شبه الخندق في بعد غوره بما بين السماء والأرض.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في فضائل الجهاد من رواية الوليد بن جميل، عن القاسم، عن
أبي أمامة، وقال: هذا حديث غريب، ونقله المنذري في ((الترغيب)) عن الترمذيِّ
وسكت عنه. قال: ورواه الطبرانيُّ إلا أنه قال: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ
وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ مَسِيرةَ مِئَةٍ عَامِ رَكْضَ الْفَرَسِ الْجَوادِ الْمُضْمَرِ))، وقد ذهب طوائف
من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت في فضل الصوم في الجهاد، وبوب على
هذه الترمذي وغيره، وذهبت طائفة: إلى أنَّ كلَّ الصوم في سبيل الله، إذا كان
خالصًا لوجه الله تعالى، انتهى.
قلت: والراجح عندنا هو القول الأول، وقد تقدم البسط في ذلك وحديث أبي
أمامة هذا رواه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أبي الدرداء. قال
المنذري والهيثمي (ج٣ص١٩٤): إسناده حسن ورواه في ((الأوسط)) من حديث
جابر. قال الهيثمي: وفيه عيسى بن سليمان الجرجاني وهو ضعيف.
(٢٠٨٤) التِّرْمِذِي (١٦٢٤) عَنْ أَبِي أُمَامَةً.
5DE
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٨٥ - [٣٠] وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ٍِّ:
((الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((مَا مِنْ أَيَّامِ أَحَبُّ
إِلَى اللهِ)) فِي بَابِ الأضْحِيةِ].
الشرح
٢٠٨٥- قوله: (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ)، أي: ابن أمية بن خلف الجُمَحيِّ
مختلف في صحبته ذكره المؤلف وابن مندة وابن عبد البر في ((الصحابة)). وقال
الدوري: عن ابن معين له صحبة.
وقال أَبُو دَاوُدَ: سمعت مصعبًا يقول: له صحبة كان عاملًا لابن الزبير على
الكوفة، وذكره ابن حبان في ثقات التَّابعين.
وقال: يروي المراسيل، ومن زعم أنَّ له صحبة بلا دلالة فقد وهم. وقال
أبو زرعة: هو من التابعين. وقال ابن السكن ويعقوب بن سفيان: ليست له
صحبة. وقال الترمذيُّ في ((جامعه)): حديثه مرسل؛ لأنَّه لم يدرك النبي ◌َّ. وقال
في ((العلل الكبير)): قال البخاري: لا صحبة له ولا سماع من النبي ◌َِّل .
وقال أحمد: ما أرى له صحبة، وسأله أَبُو دَاوُدَ أَلَّهُ صحبة؟ فقال: لا أدري كذا
ذكره الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٥ص ٨١) وفي القسم الأول من حرف العين
من ((الإصابة)) (ج٢ ص ٢٦٠). وقال: في القسم الأول من حرف الميم في ترجمة
والده مسعود بن أمية بن خلف، قتل أبوه أمية يوم بدر، ولولده عامر بن مسعود
رواية عن النبي ◌َّر والأكثرون قالوا: إنَّ حديثه مرسل فتكون الصحبة لأبيه وكان
من مسلمة الفتح أو مات على كفره قبيل الفتح، وولد له عامر قبل الفتح بقليل،
فلذلك لم يثبت له صحبة السماع من النبي ◌َّ، وإن كان معدودًا في الصحابة؛ لأنَّ
له رؤیة، انتھی.
(٢٠٨٥) التِّرْ مِذِي (٧٩٧) عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ، وَأَشَارَ إِلَى إِرْسَالِهِ.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيام التّطوُّع
٤٧٥
(الْغَنِيْمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ)؛ لوجود الثواب بلا تعبٍ كثير.
وفي ((الفائق)): الغنيمة الباردة التي تجيء عفوًا من غير أن يصطلي دونها بنار
الحرب ويباشر حر القتال في البلاء. وقيل: هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش
البارد، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهنأة أنَّ الماء والهواء لما كان
طيبهما يبردهما خصوصًا في البلاد الحارة. قيل: ماء بارد، وهواء بارد، على طريق
الاستطابة، ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا.
قال التوربشتي: الغنيمة الباردة، هي التي يحوزها صاحبها عفوًا صفوًا لا يمسه
فيها نصب، والمعنى: أن الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه حر
العطش، أو يصيبه لذعة الجوع. وإنما قال: ((الْغَنِيْمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ»،
ولم يقل: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، تنبيهًا على معنى الاختصاص، أي:
يبلغ الصوم في هذا المعنى مالا يبلغ غيره.
وقال الطيبي: التركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة
الباردة، وفيه: من المبالغة أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال: زيد كالأسد فإذا
عکس.
وقيل: الأسد كزيد يجعل الأصل كالفرع، والفرع كأصل يبلغ التشبيه إلى
الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى: أنَّ الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه
حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم، انتهى.
قلت: السياق المذكور للترمذي، ورواه أحمد والبيهقي وغيرهما بلفظ:
((الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيْمَةُ الْبَارِدَةُ))، وكذا وقع في حديث أنس عند الطبراني، وفي
حديث جابر عند ابن عدي وغيره كما في ((الجامع الصغير)). (رَوَاهُ أَحْمَدُ)
(ج ٤ ص ٣٣٥). (وَالتِّرْ مِذِيُّ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٤ ص٢٩٦) وأبويعلى
والطبراني في ((الكبير)) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن
نمیر بن عریب عن عامر بن مسعود.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ)، وكذا قال البيهقي وابن حبان وابن السكن
وغيرهم؛ لأنَّ عامر بن مسعود لم يدرك النبي ◌ُّ كما سبق، وفي الباب عن أنس
عند الطبراني في ((الأوسط)) وابن عدي والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وعن جابر عند
BecK
٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن عدي والبيهقي في ((الشعب))، وعن أبي سعيد عند البيهقي في ((السنن))
(ج٤ ص ٢٩٧): ((الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ قَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَ وَطَالَ لَيْلُهُ فَقَامَ))، واقتصر
أحمد على قوله: ((الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ)).
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ أَيَّامِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ)، تمامه: ((أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيْهَا مِنْ
عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَّا بِصَيامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ
الْقَدْرِ)) (فِي بَابِ الأَضْحِيةِ)؛ لبيان فَضيلة العملَ في عشر ذي الحجة.
قال القاري: إن كان مراده: أنَّ صاحب ((المصابيح)) ذكره في باب الأضحية،
وأنَّه أسقطه؛ لتكراره فهذا اعتذار حسن منه، إلّا أنه كان الأولى أن يعكس الأمر
فيه، وإنْ كان مراده إنه حق؛ لأنه أولى بذلك الباب فلا يخفى أنه غير
صواب، انتھی .
قلت: ذكر البغوي حديث أبي هريرة هذا في باب الأضحية، وفي باب صيام
التطوع، فأسقطه المصنف هاهنا لتكراره، لكن كان الأولى أن يسقطه في باب
الأضحية؛ لأنه أنسب وأولى بباب الصيام.
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التّطوُّع
٤٧٧
الفصل الثالث
٢٠٨٦ - [٣١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ◌ََّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لِهِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ،
فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَّلَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مَا هَذَا الْيَوْمُ
الَّذِي تَصُومُونَهُ؟»، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ: أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ،
وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : ((فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٨٦ - قوله: (قَدِمَ الْمَدِيْنَةَ)، أي: بعد الهجرة من مكة. (فَوَجَدَ الْيَهُودَ)،
أي: في السنة الثانية؛ لأن قدومه في الأولى كان بعد عاشوراء في ربيع الأول.
(صِيَامًا)، أيٍ: ذوي صيام أو صائمين. (يَوْمَ عَاشُوْرَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: مَا
هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ)، أي: ما سبب صومه؟ وقد استشكل ظاهر الخبر؛
لاقتضائه أنه بَّ حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، وإنَّما قدم
المدينة في ربيع الأول. وأجيب: بأن المراد: أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان
بعد أن قدم المدينة، أو يكون في الكلام حذف، وتقديره: قدم النبي وقّ المدينة
فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود
كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء
بحسابهم اليوم الذي قدم فيه النبي ◌َّ المدينة، لكن لما أمر النبي ◌ُّ المسلمين
بصيام عاشوراء ردَّه إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأشهر الهلالية والسنين
القمرية فأخذ أهل الإسلام بذلك.
(هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ)، أي: وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل ذلك اليوم.
(وَغَرَّقَ) بالتشديد. (فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ) بالنصب فيهما. قال الطيبي: غرقه وأغرقه
(٢٠٨٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠٠٤)، ومُسْلِم (١١٣٠) عنه في الصيام.
٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بمعنى، وفي نسخة: أغرق، وفي أخرى بكسر الراء المخففة ورفع المنصوبين.
(فَصَامَهُ مُؤْسَى شُكْرًا) لله تعالى. (فَتَحْنُ نَصُومُهُ)، أي: شكرًا أيضًا أو متابعة
الموسى، وللبخاري في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا. وزاد أحمد (ج٢ ص ٣٦٠)
من حديث أبي هريرة: وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه
نوح شكرًا. (فَنَحْنُ)، أي: إذا كان الأمر كذلك فنحن. (أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى)،
أي: بمتابعته. (مِنْكُمْ) فإنا موافقون له في أصول الدِّين ومصدقون لكتابه، وأنتم
مخالفون لهما بالتغيير والتحريف.
قال السندي: قوله: ((أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ)) يدل: على أنه قصد موافقة موسى
لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] لا موافقة اليهود حتَّى يقال: اللائق
مخالفتهم، وكأنه لهذا عزم في آخر الأمر على ضم اليوم التاسع إلى يوم عاشوراء
تحقيقًّا للمخالفة. وقال الطيبي: وافقهم في صوم يوم عاشوراء مع أن مخالفتهم
مطلوبة . والجواب عنه: أنَّ المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما في يوم السبت لا
في كل أمر. قال القاري: الأظهر في الجواب: أنه يَّ أول الهجرة لم يكن مأمورًا
بالمخالفة، بل كان يتألفهم في كثير من الأمور، ومنها: أمر القبلة. ثم لما ثبت
عليهم الحجة ولم يمنعهم الملائمة، وظهر منهم العناد والمكابرة اختار مخالفتهم
وترك مؤالفتهم انتهى.
واستشكل رجوعه وَّل إلى اليهود في ذلك؛ لأنهم كفرة، وخبر الكافر في
الديانات مردود وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر
عنده الخبر بذلك، ولا يشترط الإسلام في التواتر، زاد عياض: أو أخبره به من
أسلم منهم كابن سلام وغيره، ثم قال: ليس في الخبر أنه ابتداء الأمر بصيامه، بل
في حديث عائشة التصريح، بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم
يحدث له بقول اليهود تجديد حكم. وإنَّما هي صفة حال وجواب سؤال. قلت:
أراد بحديث عائشة ما رواه الشيخان عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش
في الجاهلية، وكان رسول اللّه وَ ل يصومه في الجاهلية - أي: قبل أن يهاجر إلى
المدينة - فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم
عاشوراء، فمن شاءً صامه ومن شاءَ تركه. ولا مخالفة بين هذا وبين حديث ابن
عباس، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.
٤٧٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
قال الحافظ: أمَّا صيام قريش لعاشوراء فلعلّهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا
كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، وإليه جنح ابن القيم حيث قال في
((الهدي)): لا ريب أنَّ قريشًا تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة وصومه من
تمام تعظيمه. وقال القرطبي: لعلَّ قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من
مضى كإبراهيم عليّ وفي المجلس الثالث من ((مجالس الباغندي الكبير)) عن
عكرمة، أنه سُئل عن ذلك فقال: أذنبتْ قريشٌ ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم
فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك.
قال القرطبي: وصوم رسول اللَّه ◌َ له قبل الهجرة يحتمل أنْ يكون بحكم الموافقة
لهم كما في الحج، أو أذن اللَّه له في صيامه على أنه فعل خير فلما هاجر ووجد
اليهود يصومونه، وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أنْ يكون ذلك استئلافًا
لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك وعلى كلُّ حالٍ فلم يصمه
اقتداءً بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة
أهل الكتاب فيما لم ينه عنه كذا في ((الفتح)).
(فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ)، كما كان يصومه قبل ذلك. (وَأَمَرَ) أصحابه. (بِصِيَامِهِ)
الظاهر: أنه أمر إيجاب، ففيه: دليل لمن قال: كان قبل النَّسخ واجبًا، ومن لا يقول
به يقول: إنه أكد ندبه، ثم نسخ تأكيد ندبه فبقي مندوبًا في الجملة. وسيأتي البسط
في ذلك في شرح حديث جابر بن سمرة. فإن قيل: يخالف حديث ابن عباس هذا
ما رواه البخاري من حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا.
وفي رواية مسلم: كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود، فإنه يشعرُ بأنَّ الصوم كان
لمخالفتهم، وحديث ابن عباس يدلّ على أنه كان لموافقتهم. قلنا: لا منافاة بينهما
إذِ اليهود ثمَّ غير اليهود هنا، وأولئك كانوا يصومونه وهؤلاء لا يصومونه، فوافق
أولئك في الصوم لمعرفته أنَّه الحق بوحي، وخالف هؤلاء فيه لمعرفته خلاف
ذلك.
وقال الحافظ: ظاهر حديث أبي موسى أنَّ الباعث على الأمر بصومه محبة
مخالفة اليهود حتَّى يصام ما يفطرون فيه؛ لأنَّ يوم العيد لا يصام، وحديث ابن
عباس يدلُّ: على أنَّ الباعث على صوم موافقتهم على السبب وهو: شكرًا لله تعالى