النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
erHe
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، بدليل: أنَّ النبي وَّ قال لعبد الله بن عمرو:
(إِنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟))، فقلت: نعم، قال: ((إِنَّكَ إِذَا فَعْلَتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ
لَهُ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ... )) الحديث. واحتجَّ الجمهور
على الاستحباب بما وقع في حديث حمزة بن عمرو عند مسلم أنه قال: يا
رسول اللَّه إنِّي أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ))، فأقرَّه وَّل
على سرد الصيام ولو كان مكروهًا لم يقره، وأجيب عن هذا أولًا: بأنَّ سؤال حمزة
إنَّما كان عن صوم الفرض في السفر لا عن صوم الدهر كما سبق.
وثانيًا: بأنَّ سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر؛ لأنَّ التتابع يصدق بدون صوم
الدهر، بل المراد: إني أكثر الصوم، وكان هو كثير الصوم كما ورد في بعض
الروايات، ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد أنَّ
النبي ◌َّ كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنَّه لم يصم الدهر، وأنَّه لم يصم شهرًا كاملًا
إلّا رمضان، وبهذا يجاب عمَّا روي عن عمر وعائشة أنَّهما كانا يسردان الصوم.
واحتجُّوا أيضًا بما وقع في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو الآتي: ((صُمْ مِنَ
الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ))، وقوله في
حديث أبي أيوبَّ الآتي: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامٍ
الدَّهْرِ))، قالوا: والمشبه به يكون أفضل من المشبه، فدلَّ ذلك على أن صوم الدهر
أفضل من هذه المشبهات فيكون مستحبًّا وهو المطلوب.
وتعقب: بأنَّ التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلاً عن استحبابه.
وإنَّما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. ومن
المعلوم أنَّ المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدلِّ التشبيه على أفضلية
المشبه به من كلِّ وجه كذا ذكره الحافظ. وقد بسط هذا الجواب ابن القيم في
((الهدي)) فأجاد. وأجاب الجمهور عن حديث: (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ))، وحديث:
(لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) بأجوبة: أحدها: أنَّه محمولٌ على حقيقته بأن يصوم معه العيدين
وأيام التشريق، وفيه نظر؛ لأنه وَ ل﴿لقد قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر: ((لَا
صَامَ وَلَا أَفْطَرَ))، وهو يؤذن بأنه ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال
فيه ذلك؛ لأنَّه عند من أجاز صوم الدهر إلّا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبًّا
وحراما، وأيضًا: فإنَّ أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعًا، فهي

٤٢١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صِيامِ التَّطوّعِ
بمنزلة الليل وأيام الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا
يصلح الجواب بقوله: ((لَا صَّامَ وَلَا أَفْطَرَ)) لمن لم يعلم تحريمها، كذا ذكره الحافظ
في ((الفتح)) وهو ملخص كلام ابن القيم في ((الهدي)). وقد تعقب ابن دقيق العيد
تأويل الجمهور هذا بوجه آخر من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((شرح العمدة))
(ج٢ ص٢٣٦ - ٢٣٧).
الثاني: أنَّه محمولٌ على من تضرر به أو فوت به حقًّا، قالوا: ويؤيده أنَّ النهي
كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم عنه أنَّه عجز في آخر عمره
وندم على كونه لم يقبل الرخصة قالوا: فنهى ابن عمر، ولعلمه بأنَّه سيعجز عنه
ويضعف، وأقرَّ حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر. وفيه: أنَّ هذا التأويل أيضًا مردود لما
سبق من قوله ◌َّلَ في أنس: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))، ويرده أيضًا قوله: (لَا
أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))، ويرده أيضًا ورود قوله: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ))، وقوله: ((لَا صَامَ مَنْ
صَامَ الْأَبَدَ))، عن غير واحد من الصحابة سوى عبد الله بن عمرو كما تقدم، ويرده
أيضًا حديث أبي موسى المتقدم. وكل ذلك يدلّ على أن هذا الحكم ليس خاصًّا
بابن عمرو، بل هو عام لجميع المسلمين، وأمَّا إقراره لحمزة على سرد الصوم فلا
حجّة فیه كما سبق.
الثالث: أنَّ معنى ((لا صام)): أنَّه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فیکون خبرًا،
لا دعاء. وتعقبه الطيبي: بأنه مخالف لسياق الحديث أَلا تراه كيف نهاه أولًا عن
صيام الدهر كله، ثم حثه على صوم داود؟ والأولى أنْ يكون خبرًا عن أنه لم يمتثلِ
أمر الشرع أو دعاء كما تقدم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره: بأنَّ
معناه: ضيقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون عَلَى بمعنى عَنْ، أي: ضيقت
عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مُسَدَّد، وحكى رده عن أحمد كما سبق.
وقال ابن خزيمة: سألت المزني عن هذا الحديث، فقال: يشبه أنْ يكون معناه:
ضيقت عنه فلا يدخلها ولا يشبه أنْ يكون على ظاهره؛ لأنَّ من ازداد عملًا وطاعة
ازداد عند الله رفعة وعَلَته كرامة. ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي. فقالوا
له مناسبة من جهة أنَّ الصائم لمّا ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم
ضيق اللَّه عليه النّار فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنَّه ضيق طرقها بالعبادة. وتعقب: بأنه

٤٢٢
THERE
SeeNer
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربًا بل رب عمل صالح، إِذَا
ازداد منه ازداد بعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضا لو كان المراد ما
ذكروه لقال: ضيقت عنه. وأمّا التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قال ابن حزم
(ج٧ص١٦): بعد ذكر التأويل المذكور ما لفظه: هذه لَكنة وكَذِب. أمَّا اللَّكنة فإنه
لو أراد هذا فقال: ضيقت عنه ولم يقل عليه. وأمَّا الكذب فإنما أورده رواته كلهم
على التشديد والنهي عن صومه، انتهى.
فالصواب: إجراء الحديث على ظاهره، والقول بكراهة صيام الدَّهر مطلقًا أو
منعه. قال الشوكاني في ((السيل الجرار)): بعد ذكر حديث أبي موسى هذا وعيد
ظاهر، وتأويله بما يخلف هذا المعنى تعسف وتكلّف، والعجب ذهاب الجمهور
إلى استحباب صوم الدهر وهو مخالف لِلْهدي النبوي، وهو أيضًا أمر لم يكن عليه
أمر رسول اللّه وَ له. وقد قال ◌َ له فيما صحَّ عنه: ((كُلَّ أَمرِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ))،
وهو أيضًا من المرغوب عن سنة رسول اللّه وَّل، ومن رغب عن سنته فليس منه كما
تقدم، وهو أيضًا من التَّعسير والتَّشديد المخالف لما استقرت عليه هذه الشريعة
المطهرة. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وقال ◌َله: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ))، وقال: ((أُمِرْتُ
بِالشَّرِيْعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ))، فالحاصل: أنَّ صوم الدهر، إذا لم يكن محرمًا تحريمًا
بحتًا فأقل أحواله أنْ يكون مكروهًا كراهة شديدة، هذا لمن لا يضعّف به الصوم من
شيء من الواجبات، أمَّا من كان يَضعُف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية، فلا
شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجردها من غير نظر إلى ما قدمنا من الأدلة،
انتھی .
واختلف المجيزون لصيام الدهر بالشرط المتقدم: هل هو أفضل أو صيام يوم
وإفطار يوم أفضل؟ فذهب جماعة منهم: إلى أنَّ صوم الدهر أفضل، واستدلوا على
ذلك: بأنَّه أكثر عملًا فيكون أكثر أجرًا، وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنَّ زيادة الأجر
بزيادة العمل هاهنا معارضة باقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى، فالْأَوْلى
التَّفويض إلى حكم الشارع، وقد حكم بأنَّ صوم يوم، وإفطار یوم أفضل الصيام،
هذا معنى كلامه محصلًا. وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية: إلى أنَّ صيام
داود أفضل، وهو ظاهر الحديث، بل صريحه، وارجع للبسط والتفصيل إلى

٤٢٣
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
((الفتح)) و((شرح العمدة)). (وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ) بحذف حرف الإنكار، وقد ثبت في
رواية أبي داود والنسائي، ووقع في رواية لمسلم: ((ومَنْ يطيق ذلك؟)) وكأنه كرهه
لأنَّه مما يعجز عنه في الغالب فلا يرغب فيه في دين سهل سمح، وهو عطف على
محذوف، أي: أتقول ذلك، ويطيق ذلك أحد؟ (قَالَ: ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ) أي: وصوم
داود أفضل الصيام وأحبُّه إلى الله، وكأنه تركه؛ لتقرير ذلك مرارًا. (وَدِدْتُ) بكسر
الدال، أي: أحببت. (أَنِّي طُوِّقْتُ) بتشديد الواو على بناء المفعول، أي:
جعلني الله مطيقًا. (ذَلِكَ) أي: الصيام المذكور، يعني: تمنيتُ أن يجعل ذلك
داخلًا في قدرتي وكان قادرًا، ولكنْ خاف فوات حقوق نسائه فإن إدامة الصوم
يخلُّ بحظوظهن منه، إلَّا فكان يطيق أكثر منه، فإنه كان يواصل وعلى هذا معنى
قوله: (وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ) أي: مع أداء حقوق النساء.
قال الخطابي: يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه
لنسائه؛ لأنَّ ذلك يخلُّ بحظوظهن منه، لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام، أو قلة
صبره عن الطعام في هذه المدة، انتهى. وقيل: معناه: وددت أن أُمَّتي تطيقه؛
لأنه وَّ كان يطيقه وأكثر منه وكان يواصل، ويقول: ((إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي
أَبِيْتُ، يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيْنِي))، قال النووي: ويؤيد هذا التأويل قوله وَّ في الرواية
الثانية: ((لَيْتَ إِنَّ اللهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ))، أو يقال: إنما قاله؛ لحقوق نسائه وغيرهن من
المسلمين المتعلقین و القاصدین إلیه، انتهى.
وقيل: يمكن أنْ يكون الإطعام والسقي من الرب تبارك وتعالى مختصًّا بصوم
الوصال دون غيره من الصيام. (ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) أي: صوم الإنسان ثلاثة أيام من
كل شهر، قيل: هو أيام البيض، وقيل: أي: ثلاث كان وأيام البيض أولى، وثلاث
بحذف التاء ولو قال: ثلاثة بالهاء لكان صحيحًا؛ لأنَّ المعدود المميز إذا كان غير
مذكور لفظًا جاز تذكير مميزه وتأنيثه، يقال: صمنا ستًّا وستة وخمسًا وخمسة،
وإنما يلزم إثبات الهاء مع المذكر إذا كان مذكورا لفظًا. وحذفها من المؤنث إذا
كان كذلك، وهذه قاعدة مسلوكة صرَّح بها أهل اللغة وأئمة الإعراب كذا في
((النيل)).
وقال القاري: حذف التاء منها نظرًا إلى لفظ المميز فإنه مؤنث . وقيل: بحذف

٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
المعدود. وقيل: كان الظاهر أن يقال: ثلاثة؛ لأنه عبارة عن الأيام، أي: صيام
ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون في مثل ذلك الليالي والأيام داخلة معها . قال صاحب
((الكشاف)): تقول: صمت عشرًا ولو قلت: عشرة لخرجت من كلامهم، انتهى.
(وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ) أي: وصوم رمضان من كلِّ سنةٍ منتهيًا إلى رمضان. (فَهَذَا
صِيَامُ الدَّهْرِ كُلَّهِ) أي: حكما لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمَّثَالِهَا﴾ [الأنعام:
١٦٠) وهذا إنَّما هو في غير رمضان، وإنما ذكر رمضان؛ لدفع توهم دخوله في كلِّ
شهر. ومن المعلوم أنَّ صوم رمضان فرض فلا بدَّ منه، والمعنى: أنَّ صيام ثلاثة
أيام من كلِّ شهر كصيام الدهر في الفضيلة واكتساب الأجر، لكنَّه من غير تضعيف
• [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن.
على حد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
وقيل: المعنى عن كلِّ واحد من صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صوم
رمضان إلی رمضان كل واحد منهما صيام الدهر. أمَّا صيام ثلاثة أيام من كل شهر
فكونه صيام الدهر ظاهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها فإن من صام ثلاثة أيام من
شهر؛ فكأنه صام الشهر، ومن صام ثلاثة أيام من شهور السنة فقد صام السنة فهذا
صيام الدهر، وأمَّا صيام رمضان إلى رمضان فيحتمل أن يكون المراد: أنَّ صيام
رمضان مع ستُّ من شوَّالٍ صيام الدهر كما وقع في حديث أبي أيوب الآتي، أو
يقال: إنّ صيام رمضان من حيث كونه صوم فرض يزيد على النَّفْل، فيكون صيامه
مساويًا لصيام الدهر بل زايدًا عليه، ويقال: إنَّه أخبر أولًا: بأنَّ صيام رمضان مع
ستٍّ من شوال صيام الدهر. ثم أخبر بأنَّ صيام رمضان فقط بدون صوم ستٍّ من
شوَّال يساوي صيام الدهر في الأجر والثواب كذا قيلٍ، ولا يخفى ما فيه. ووقع في
رواية من حديث عبد الله بن عمرو الآتي: ((صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ
بِعَشْرِ أَمْثَالَهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ)).
قال ابن دقيق العيد: هو مأوَّلٌ عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير
تضعيف للحسنات، فإنَّ ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع في
الخارج، والحامل على هذا التَّأويل، أنَّ القواعد تقتضي أنَّ المقدر لا يكون
كالمحقق، وأنَّ الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقّة في الفعل،
فكيف يستوي من فعل الشيء بمن قدر فعله له؟ فلأجل ذلك قيل: إِنَّ المراد: أصل
الفعل في التقدير، لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق، انتهى.

٤٢٥
كِتّابَ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التّطوّع
ثم قوله: (ثَلَاثٌ)، قيل: إنه مبتدأ خبره قوله: (فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ) والفاء زائدة،
أو ما دلَّ عليه هذه الجملة. وقال الطيبي: أدخل الفاء في الخبر؛ لتضمن المبتدأ
معنى الشرط، وذلك أنَّ (ثَلَاثٌ) مبتدأ، و(مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) صفة، أي: صوم ثلاثة أيام
يصومها الرجل من كلِّ شهر صيام الدهر كله، انتهى. وقيل: الأوْلَى أنْ يكون
(ثَلَاثٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: الأوْلَى والأليق (ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)، وقوله:
(فَهَذَا)؛ تعليل له. وذكر إلى رمضان؛ إفادة لدوام الصوم واستمراره، وإيماءً إلى
أنَّ الصوم كأنه متصل مستمر دائما، كما أشار إليه بقوله: (فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ
كُلَّهِ)، قلت: وقع في رواية للنسائي: ((ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ هَذَا
صِيَامُ الدَّهْرِ كُلُّهِ))، وهذا يؤيد كون (ثَلَاثٌ)) مبتدأ وكونَ قوله: ((فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ))
خبرًا له. (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ) أي: أرجو منه.
قال في ((النهاية)): الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر
وتحصيله باستعمال أنواع البرِّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب
المرجو فيها. قال الطيبي: كان الأصلُ أنْ يقال: أرجو من الله أنْ يكفِّر فوضع
موضعه (أَحْتَسِبُ) وعداه بعلى الذي للوجوبِ على سبيل الوعد؛ مبالغة لحصول
الثواب كذا في ((المرقاة)). (أَنْ يُكَفِّرَ) أي: اللَّه أو الصيام. (السَّنَّةَ الَّتِي قَبْلَهُ) أي:
ذنوبها. (وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)، قال إمام الحرمين: والمكفر الصغائر.
قال عياض: وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأمَّا الكبائر فلا يكفِّرِها إلا
التوبة أو رحمة الله. وقال النوويُّ: قالوا المراد بالذنوب: الصغائر، وإن لم تكن
الصغائر يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكنْ رفعت الدرجات، انتهى. قال في
((المفاتيح)): أي: يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم ذنوبه التي اكتسبها في السَّنة
الماضية والسَّنة الآتية. ومعنى تكفير السنة الآتية: أنْ يحفظه اللَّه من الذنوب أو
يعطيه من الرحمة، والثواب بقدر ما يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة. إذا
جاءت واتفق له فیها ذنوب، انتهى.
وقال الشوكاني: المراد: يكفره بعد وقوعه، أو المراد: أنه يلطف به فلا يأتي
بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم، وظاهر الحديث: أنه يستحب صوم يوم عرفة
مطلقًا، وظاهر حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني: أنَّه لا يجوز صومه

٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعرفات، فيجمع بينهما: بأنَّ صوم هذا اليوم مستحب لكلِّ أحد مكروه لمن كان
بعرفات حاجًّا. وقد تقدم الكلام في هذا فتذكر. (وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ
أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)، قيل: وجه فضيلة صوم يوم عرفة ومزيته على صوم
عاشوراء: أنَّ صوم يوم عرفة من شريعة محمد رَّةِ، وصوم عاشوراء من شريعة
موسى عليه الصلاة والسلام.
قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: ظاهره: أنَّ صيام يوم عرفة أفضل
من صوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: أنَّ يوم عاشوراء منسوب إلى
موسى ظلِّل، ويوم عرفة منسوب إلى النبي وَالثّ، فلذلك كان أفضل، انتهى. وقيل:
لأنَّ يوم عرفة تجمع فضيلة العشر إلى فضيلة اليوم ويشتركان في کونهما شهر
حرام، والله أعلم بحقيقة الحكمة في ذلك. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أحمد
(ج ٥ ص٢٩٧، ٣١١) وأَبُو دَاوُدَ والبيهقي (ج ٤ ص٢٨٦، ٣٠٠) وأخرجه أحمد
(ج ٥ ص٢٩٦، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٠٨) والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا
ومفرقًا .
٢٠٦٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟
فَقَالَ: ((فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٠٦٥- قوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ)، وفي بعض النسخ
من ((صحيح مسلم)): صوم يوم الاثنين. قال القاري: وهو، أي: الاثنين بهمزة
الوصل. وإنما نبهت عليه وإن كان ظاهرًا؛ لأنَّ كثيرًا من أهل الفضل يقرؤنه بقطع
الوصل، ولا يعرف الفصل بين الوقف والوصل، بل ولا يدري كيفية الابتداء، ثُمَّ
السؤال يحتمل احتمالين أنْ يكون من كثرة صيامه ◌ِلَّلا فيه، وأنَّ يكون من مطلق
الصيام وخصوص فضله من بين الأيام. (فَقَالَ: فِيْهِ وُلِدْتُ وَفِيْهِ أُنْزِلَ)، أي:
(٢٠٦٥) مُسْلِم (١٩٨ / ١١٦٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِيهِ .

كِتّابُ الصَّوْم
بَاب صِيامِ التَّطوْعِ
٤٢٧
الوحي. (عَلَيَّ)، أي: فأصوم شكرًا لهاتين النعمتين.
قال القاري: يعني: حصل لي فيه بدأ الكمال الصوري وطلوع الصبح المعنوي
المقصود الظاهري والباطني والتفضل الابتدائي والانتهائي، فوقت يكون منشأ
للنّعم الدُّنيوية والأخروية حقيق بأنْ يوجد فيه الطّاعة الظاهرية، فيجب شكره تعالى
عليَّ والقيام بالصيام لديَّ لما أولى من تمام النعمة إليَّ. وقال الطيبي اختيارًا
للاحتمال الثاني : أي: فيه وجود نبیکم، وفيه نزول کتابکم و ثبوت نبوته، فأي يوم
أولى بالصَّوم منه فاقتصر على العلّة، أي: سئل عن فضيلته؛ لأنه لا مقال في
صيامه، فهو من الأسلوب الحكيم، انتهى. وفيه: أنَّ الظاهر أنَّ السؤال عن العلّة
فيطابق الجواب السؤال. وعلى تقدير أنْ يكون السؤال عن نفس الصوم فالمعنى
هل فيه فضل؟ فحينئذٍ ما ذكره أيضًا فصل الخطاب لا من الأسلوب الحكيم في
الحوادث. قلت: وقع في رواية للبيهقي قال: أي: عمر: أرأيت من صام يوم
الاثنين؟ قال: ((ذَكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيْهِ وَيَوْمٌ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ فِيْهِ النُّبُوَّةُ))، وهذا يؤيد أنَّ
السؤال كان عن نفس الصوم فيه، لا عن كثرة صيامه وقّل فيه .
وقال في شرح ((المواهب)): والمتبادر أنَّ السؤال عن فضيلته، فالجواب طبق
السؤال إِذْ لا يليق سؤال الصَّحابي عن جواز صيامه، لا سيَّما إِنْ رأى أو علم أنه وَلَّه
صامه. وحاصل التنزل: أنَّه لا بدَّ من تقدير مضاف، وهو إمَّا فضل، وإمّا جواز؛ إِذْ
لا معنى للسؤال عن نفس الصوم، فدل الجواب على أنَّ التَّقْدير فضل، انتهى.
وفي الحديث: دلالة على أنَّ الزمان قد يتشرَّف بما يقع فيه وكذا المكان وعلى
أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنَّه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث اللَّه فيه على
عبده نعمة بصومه والتقرُّب فيه. وقد ورد في حديث أبي هريرة الآتي تعليل
صومه وَّه يوم الاثنين والخميس: بأنَّه يوم تُعْرَضُ فيه الأعمال، وأنَّه يحب أنْ
يعرض عمله وهو صائم، ولا منافاة بين التعليلين.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصوم وأخرجه أحمد (ج ٥ص٢٩٧ - ٢٩٩) وأَبُو دَاوُدَ
والبيهقي (ج ٤ ص ٢٨٦، ٣٠٠) والحاكم (ج٢ ص٦٠٢) وقال: صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وهذا يدلّ على أنهما ظنًّا أنَّ الحديث ليس
في واحد من ((الصحيحين)) مع أنه رواه مسلم في صحيحه من طرق.

٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٦٦ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ
أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ:" لَمْ يَكُنْ يَُّالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح}
الشرح
٢٠٦٦ - قوله: (أَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ) أي: وهذا أقل ما كان يقتصر عليه. (مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومٌ؟)، أي:
هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها، متصلة أو منفصلة. (لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ
أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ)، أي: لم يكن يهتمُّ للتعيين، بل كان يصومها بحسب ما
يقتضي رأيه الشريف، وبهذا جمع البيهقيُّ بين الأحاديث الأخر المعينة المختلفة
التعيين، كحديث ابن مسعود: أنَّه ◌َلّ كان يصوم من غرة كلِّ شهر ثلاثة أيام،
وحديث عائشة: أنَّه كان يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين الحديث.
وحديث ابن عباس: أنَّه كان لا يفطر أيام البيض في حضرٍ ولا سفرٍ، وحديث
حفصة: كان رسول اللَّه ◌َ ل ل يصوم من كلٍّ شهر ثلاثة أيام الاثنين، والخميس،
والاثنين من الجمعة الأخرى. أخرجه أَبُو دَاوُدَ والنسائي.
قال البيهقي: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره
فأطلقت في حديث الباب. قال بعضهم: ولعلَّه وَّ لمْ يواظب على ثلاثة معينة؛ لئلا
يظن تعيينها. قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ الذي أمر به وحثَّ عليه ووصَی به أولی
من غيره. وأمَّا هو فلعلَّه كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل
ذلك؛ لبيان الجواز، وكل ذلك في حقِّه أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشيء
وأعدله، وسيأتي مزيد الكلام في هذا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه التر مذيُّ وأَبُو دَاوُدَ
وابن ماجه والبيهقيُّ (ج٢ ص٢٩٥).
(٢٠٦٦) مُسْلِم (١٩٤ /١١٦٠)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٥٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٦٣) عَنْهَا فِيهِ .

كِتّابُ الصَّوْمِ
*
بَابُ صِيام التَّطوُعِ
٤٢٩
٢٠٦٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٠٦٧- قوله: (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ)، أي: أنَّ أبا أيوب
حدَّث الرَّاوي عنه وهو عمر بن ثابت بن الحارث الأنصاري الخزرجي المدني من
ثقات التابعين. قال القاري: وفي نسخة: وعن عمر بن ثابت عن أبي أيوب
... الخ.
(ثُمَّ أَتْبَعَهُ) بهمزة قطع، أي: جعل عقبه في الصيام. (سِتَّا) أي: ستة أيام وحذف
الهاء؛ لأنَّ اسم العدد إذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان كما صرح به النحاة.
وإنَّما يلزم إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه، وكذا حذفها في المؤنث إذا
كان كذلك. (مِنْ شَوَّالٍ)، وهي يصدق على التوالي والتفريق. (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)
وفي رواية الترمذيِّ: ((فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ))، ولأبي داود: (فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ))،
يعني: إذا صام مدة عمره، وإلا ففي أيِّ سنّةٍ صام كان كصيام تلك السَّنّة، وفي
حديث ثوبان عند ابن ماجه وغيره: ((كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ»، أي: كان صومه تمام السنة،
إذ السِّتَّة بمنزلة شهرين بحساب: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠] وشهر
رمضان بمنزلة عشرة أشهر. وقد جاء ذلك مصرحًا عند النسائيِّ من حديث ثوبان
ولفظه: ((جَعَلَ اللهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، فَشَهْرٌ بِعَشْرَةٍ أَشْهُرِ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ
الْفِطْرِ تَمَامُ السَّنَةِ))، ولابن خزيمة: ((صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةٍ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِنَّةٍ أَيَّام
بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَّةِ» .
وفي الحديث: دليل بيِّن على استحباب صوم ستّة أيَّام من شوَّالٍ، وهو مذهب
الشافعي وأحمد وداود، وبه قال عامة المتأخرين من الحنفية. وقال مالك
(٢٠٦٧) مُسْلِم (١١٦٤/٢٠٤)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٣٣)، والتِّرْمِذِي (٧٥٩)، وابن ماجه (١٧١٦)،
والَّسَائِي في ((الكبرى)) (٢٨٦٢) عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ فِهِ.

٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأبو حنيفة: يكره صومها. قال في ((البحر الزائق)): ومن المكروه صوم ستّة من
شوَّالٍ عند أبي حنيفة متفرقًا كان أو متتابعًا، وعن أبي يوسف كراهته متتابعًا لا
متفرقًا، لکن عامة المتأخرین لم یروا به بأسًا، انتهى.
وقال ابن الهمام: صوم ستٍّ من شوَّالٍ عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته،
وعامة المشائخ لم يروا به بأسًّا، انتهى. قال السنديُّ: ولعلَّ القائل بالكراهة يُأَوِّل
هذا الحديث، بأنَّ المراد هو كصوم الدَّهر في الكراهة، فقد جاء: ((لَا صِيَامَ لِمَنْ
صَامَ الْأَبَدَ)) ونحوه، مما يفيد كراهة صوم الدهر، لكن هذا التأويل مردود بما ورد
في صوم ثلاث من كلِّ شهر أنَّه صوم الدَّهر ونحوه. والظاهر: أنَّ صوم الدهر تحقيقًا
مكروه، وما ليس بصوم الدهر إذا ورد فيه أنه صوم الدهر فهو محبوب، انتهى.
قلت: واستدل للكراهة بأنَّه ربما ظن وجوبها. قال ابن الهمام: وجه الكراهة أنه
قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، انتهى. وأجيب: بأنَّه لا
معنى لهذا التعليل بعد ثبوت النص بذلك وورود السُّنَّةِ الصَّحيحة الصَّريحة فيه،
وأيضًا يلزم مثل هذا في سائر أنواع الصوم المندوب المرغب فيها ولا قائل به. قال
النووي: قولهم: قد يظن وجوبهن تقضي بصوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من
الصوم المندوب. واستدل مالك بما قال في ((الموطأ)): مِنْ أنَّه لم ير أحدًا من أهل
العلم يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإنَّ أهل العلم يكرهون
ذلك. ولا يخفى أنَّ الناس إذا تركوا العمل بسنة ثابتة لم يكن تركهم دليلًا تُرَدَّ به
السنة .
قال النووي: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهمٍ أو كلهم، وما
أحسن ما قاله ابن عبد البر أنه لم يبلغ مالكًا هذا الحديث. وقيل: لعلّه لم يصحَّ هذا
الحديث عنده. قال ابن رشد: وهو الأظهر. قلت: الحديث صحيح جدًّا. قال
الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يشك في صحته، ولا يلتفت إلى كون
الترمذي جعله حسنًا ولم يصححه - على ما في بعض النسخ -. وقوله في سعد بن
سعيد راويه عن عمر بن ثابت: وقد جمع الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف
الدمياطي طرقه، وأسنده عن قريب ثلاثين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد أكثرهم
ثقات حفاظ، وتابع سعدًا في روايته أخواه عبد ربِّه ويحيى وصفوان بن سليم
وغيرهم. ورواه أيضًا عن النبيِّ أبوهريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن

كِتّابُ الصَّوْم
بَابْ صِيام التّطوُّع
٤٣١
عباس وعائشة رضي الله عنهم أجمعين كذا حكاه القاري عن الجزري. ثم نقل
تخريج أحاديث هؤلاء الصَّحابة عن يارك وسنذكره أيضًا إنْ شاء الله.
واعلم: أنَّ أجرَ صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقب
العيد متصلًا، أو في أثناء الشهر، وفي ((جامع الترمذيِّ)) عن ابن المبارك أنَّه اختار
أن يكون ستّة أيام من أول شوَّال، وقد رُوي عنه أنه قال: إِنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ
مُتَفَرِّقًا فهو جائز. وقال النووي: قال أصحابنا: والأفضل أنْ تُصام السَِّّة متوالية
عقب يوم الفطر، فإنْ فرَّقها أو أخَّرها عن أوائل الشَّهر إلى أواخره حصلت فضيلة
المتابعة؛ لأنَّه يصدق أنه أتْبَعَهُ ستًّا من شوَّالٍ، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٧٣): لا فرق بين كونها متتابعة أو مفرَّقة في أول
الشهر، أو في آخره؛ لأنَّ الحديث ورد بها مطلقًا من غير تقييد؛ ولأنَّ فضيلتها
لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يومًا، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك
كثلاثمائة وستين يومًا وهو السَّنة كلها، فإذا وجد ذلك في كلِّ سنة صار كصيام
الدهر كله، وهذا المعنى يحصل مع التفريق، انتهى.
قال في ((حجة الله)): والسِّرُّ في مشروعيتها: أنها بمنزلة السنن الرواتب في
الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتم فائدتها بهم. وإنَّما خصَّ في بيان
فضله التشبه بصوم الدهر؛ لأنَّ من القواعد المقررة أنَّ الحسنة بعشر أمثالها وبهذه
السِّتَّة يتم الحساب .
G تنبيه:
ادَّعى بعض الحنفية: أنَّ ما روي عن أبي حنيفة من كراهة صوم ستّةٍ من شوالٍ
هو غير رواية الأصول، أو أنَّ مراده بذلك أنْ يصوم الفطر وخمسة بعده، فأمَّا إذا
أفطر يوم العيد، ثُمَّ صام بعده ستَّة أيام فليس بمكروه، بل هو مستحب وسنة. قال
في ((الدر المختار)): الاتْباع المكروه؛ أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فلو أفطر
الفطر لم يكره، بل يستحب ويسن، انتهى، وكذا قال ((صاحب البدائع)).
قال ابن عابدين بعد البسط في نصوص أصحاب الحنفية في عدم الكراهة ما
لفظه: وتمام ذلك في رسالة ((تحريم الأقوال في صوم الستِّ من شوال)) للعلامة
قاسم، وقد ردَّ فيها على ما في ((منظومة التباني)) و((شرحها)) من عزوه الكراهة مطلقًا

BON
٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى أبي حنيفة، وأنَّه الأصح بأنَّه على غير رواية الأصول وأنَّه صحح ما لم يسبقه
أحد إلى تصحيحه، وأنَّه صخَّحَ الضَّعيف وعمد إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل
بدعوی کاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيرًا من نصوص كتب المذهب فراجعها، انتهى.
وهذا يدل: على أنَّ الرَّاجح عند الحنفية على ما ادَّعاه العلامة قاسم وغيره هو :
عدم الكراهة، بل استحبابه. وما حكي عنهم خلاف ذلك، فهو إمَّا مرجوح
وخلاف رواية الأصول أو مؤول بصوم يوم الفطر كما قال صاحب ((البدائع))،
وصاحب ((الدُّر المختار)) وغيرهما. (رَوَاهُ مُسْلِم) وأخرجه أيضًا أحمد والتر مذيُّ
وصحَّحَهُ، وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجَهْ والدارميُّ والبَّهقيُّ (ج٤ ص٢٩٢) والطبرانيُّ،
وفي الباب عن ثوبان عند أحمد والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه والدارمي
والبزار وابن خزيمة وابن حبان، وعن جابر عند أحمد وعبد بن حميد والبزار
والطبراني في ((الأوسط)) وعن أبي هريرة عند البزار وأبي نعيم والطبراني، وعن ابن
عباس عند الطبراني أيضًا، وعن البراء بن عازب عند الدار قطني، وعن ابن عمر عند
الطبراني، مَنْ أحبَّ الوقوف على ألفاظها وحال أسانيدها رجع إلى ((التلخيص))
(ص١٩٩) و((الترغيب)) (ج٢ ص٢٧) و((مجمع الزوائد)) (ج٣ ص ١٨٣، ١٨٤).
٢٠٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِوَ لَ عَنْ
صَوْمٍ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٦٨- قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وََّ)، أي: نهي تحريم. (عَنْ صَوْمِ يَوْمِ
الْفِطْرِ)، وهو أول يوم من شوَّال. (وَالنَّحْرِ)، أي: وعن صوم يوم النحر. قالَ
الطيبي: هذا الحديث مروي من حيث المعنى، والذي يتلوه مروي من حيث اللفظ
وما نصَّ علیه.
قال: ولعلَّ العدول عن قوله: نهى عن صوم العيدين إلى ذكر الفطر والنحر؛
(٢٠٦٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٩١)، ومُسْلِم (١٦١ / ٨٢٧) عَنْهُ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (٢٤١٧).

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التّطوُّع
٤٣٣
للإشعار بأنَّ علَّة الحرمة هي الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر والصيام ينافيهما،
انتھی .
قلت: روى مسلم من حديث عمر أنَّه صلَّى العيد، ثُمَّ انصرف فخطب الناس
فقال: إِنَّ هَذَيْنٍ يَوْمَان نهى رسول اللَّه ◌َلَه عن صِيَامِهِمَا، يوم فطركم من صيامكم
والآخر يوم تأكلون فيه نسككم. وفائدة وصف اليومين على ما قيل: الإشارة إلى
العلَّة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما
بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن
لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علَّة التَّحريم بالأكل من النسك؛ لأنَّه يستلزم
النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل.
والمراد بالنسك هنا: الذبيحة المتقرب بها قطعًا. والحديث دليل على تحريم
صوم هذين اليومين؛ لأنَّ أصل النهي التحريم، وإليه ذهب العلماء كافة. قال ابن
قدامة (ج٣ ص ١٦٣): أجمع أهل العلم على أنَّ صومي العيدين منهي عنه محرم في
التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة، وذلك لما روى أبوعبيد مولى ابن أزهر
قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى، ثُمَّ انصرف فخطب الناس،
فقال: إنَّ هذين يومان نهى رسول اللَّه وَّل عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم،
والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله نهى عن صيام
يومين يوم فطر ويوم أضحى، وعن أبي سعيد مثله مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما، والنهي يقتضي
فساد المنهي عنه وتحريمه، انتهى. وكذا حكى الإجماع على هذا النووي والحافظ
والزرقاني والعيني وابن رشد وغيرهم.
وهاهنا مسألتان اختلف الأئمة فيهما: إحداهما: أنْ ينذر صوم الفطر والنحر
متعمدًا لعينهما؛ فقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وإليه
ذهب أحمد في الصحيح عنه. قال ابن قدامة: إن قال: لله عليَّ صوم يوم العيد،
فهذا نذر معصية على ناذره الكفارة لا غير، نقلها حنبل عن أحمد، وفيه رواية
أخرى: أنَّ عليه القضاء مع الكفارة، والأولى هي الصَّحيحة، قاله القاضي؛ لأنَّ
هذا نذر معصية فلم يوجب قضاء كسائر المعاصي، وفارق المسألة التي قبلها -
وهي المسألة الثانية التي سنذكرها - لأنه لم يقصد بنذره المعصية، وإنما وقع اتفاقًا

٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهاهنا تعمدها بالنذر فلم ينعقد نذره، ويدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا
نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ))، ويتخرج ألّا يلزمه شيء بناء على نذر المعصية - انتهى.
والمسألة الثانية: أنَّ ينذر صوم يوم فيوافق العيد.
قال النووي: أمَّا الذي نذر صوم يوم الاثنين مثلاً، فوافق يوم العيد فلا يجوز له
صيام يوم العيد بالإجماع، وهل يلزمه قضاؤه؟ فيه خلاف للعلماء وفيه للشافعي
قولان: أصحهما لا يجب قضاؤه؛ لأنَّ لفظه لم يتناول القضاء. وإنَّما يجب قضاء
الفرائض بأمرٍ جديد على المختار عند الأصولين، انتهى. واختلفت الرواية فيه
أيضًا عن مالك. قال العيني: قال مالك: لو نذر صوم يوم فوافق يوم فطر أو يوم نحٍ
يقضيه في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول الأوزاعي.
وقال الحافظ: وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلّا فلا. وقال
الأبيُّ في ((الإكمال)): اختلف قول مالك وأصحابه إذا لم يقصد تعيينهما، وإنما نذر
نذرًا اشتمل عليهما أو نذر يوم يقدم فلان فقدم يوم عيد هل يقضي أو لا يقضي، أو
يقضي إلا أنْ ينوي أن لا يقضي، أو لا يقضي إلا أنْ ينوي أن يقضي؟ انتهى. وقال
في ((المدونة)): قلت لمالك: فرمضان ويوم الفطر وأيام النحر الثلاثة كيف يصنع
فيها؟ وإنما نذر سنة بعينها أعليه قضاء أم ليس عليه قضاؤها، إذا كانت لا يصلح
الصيام فيها؟ فقال أولًا: لا قضاء عليه إلَّا أنْ يكون نوى أنْ يصومهن، قال: ثمَّ سئل
عن ذي الحجة من نذر صيامه أترى عليه أن يقضي أيام الذَّبح؟ فقال: نعم عليه
القضاء، إلَّا أنْ يكون نوى حين نذر أنْ لا قضاء عليه، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٩ص٢٢،٢١): من نذر أن يصوم يوم يقدم فلان، فإن نذره
صحيح، فإن قدم يوم فطر أو أضحى. فاختلفت الرواية عن أحمد فيه، فَعَنْهُ: لا
يصومه ويقضي ويكفر، نقله عن أحمد جماعة وهو قول أكثر أصحابنا، ومذهب
الحكم وحماد. والرواية الثانية: يقضي ولا كفارة عليه وهو قول الحسن
والأوزاعي وأبي عبيد وقتادة وأبي ثور وأحد قولي الشافعي، فإنه فاته الصوم
الواجب بالنذر فلزمه قضاؤه ولم تلزمه كفارة؛ لأنَّ الشرع منعه من صومه فهو
كالمكره وعن أحمد رواية ثالثة إنْ صامه صحَّ صومه، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه
وفَّى بما نذر ويتخرج أن يكفر من غير قضاء؛ لأنه وافق يومًا صَوْمُهُ حرام فكان

٤٣٥
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التطوّع
موجبه الكفارة؛ كما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها، ويتخرج أنَّ لا يلزمه شيء
من كفارة ولا قضاء بناء على من نذر المعصية، وهذا قول مالك والشافعي في أحد
قوليه بناء على نذر المعصية، انتهى. وقد ظهر بهذا أن مذهب الحنابلة في هذه
المسألة هو انعقاد النذر وصحته، ووجوب القضاء مع الكفارة.
وأمَّا أبو حنيفة، فذكر العيني (ج١١ ص١٠٩، ١١٠) ثلاث روايات عنه:
إحداها: صحة النذر في المسألتين ووجوب القضاء.
والثانية: عدم صحة النذر مطلقًا وعدم وجوب القضاء، وهي رواية أبي يوسف
وابن المبارك عنه .
والثالثة: إِنْ نذر صوم يوم النحر لا يصحُّ، وإِنْ نذر صوم غد وهو يوم النحر صح
وهي رواية الحسن عنه، وظاهر الرواية هي الرواية الأولى، أي: صحة النذر مطلقًا
من غير فرق بين أن يذكر المنهي عنه صريحًا كيوم النحر مثلاً، أو تبعًا كصوم غد،
فإذا هو يوم النحر. قال في ((الهداية)): إذا قال: لله عليَّ صوم يوم النحر، أفطر
وقضى، فهذا النذر صحیح عندنا خلافًا لزفر والشافعي، هما يقولان: أنه نذر بما
هو معصية لورود النهي عن صوم هذه الأيام، ولنا أنه نذر بصوم مشروع؛ لأنَّ
الدليل الدال على مشروعية الصوم لا يفصل بين يوم ويوم، فكان من حيث حقيقته
حسنًا مشروعًا، والنذر بما هو مشروع جائز، والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة
الله؛ لأنَّ الناس أضياف اللَّه في هذه الأيام، فيصح نذره لكنه يفطر احترازًا عن
المعصية المجاوزة ثم يقضي إسقاطًا للواجب، وإن صام فيه يخرج عن العهدة مع
الحرمة؛ لأنه أدَّاه كما التزمه، انتهى. وقال في ((الدر المختار)): ولو نذر صوم
الأيام المنهية أو صوم هذه السنة صحَّ مطلقًا على المختار، وفرقوا بين النذر
والشروع فيها، بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح، انتهى.
قال العيني: والأصل عندنا أنَّ النهي لا ينفي مشروعية الأصل، وعلى هذا
الأصل مشی أصحابنا فیما ذهبوا إليه، ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن زياد بن جبير
قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر فقال: نذر رجل صوم الاثنين فوافق يوم عيد. فقال ابن
عمر: أمر اللَّه بوفاء النذر، ونهى رسول اللّه عن صوم هذا اليوم. قال ابن عبد
الملك: لو كان صومه ممنوعًا منه لعينه ما توقف ابن عمر في الفتيا، انتهى.

*
٤٣٦
HERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SOMER
قلت: أمر ابن عمر رَضَِّّهُ في التورع عن بتِّ الحكم، ولا سيَّما عند تعارض
الأدلة مشهور، ويحتمل أن يكون ابن عمر أشار إلى قاعدة: إن الأمر والنهي إذا
التقيا في محلٌّ واحدٍ أيهما يقدَّم والراجح يقدم النهي، فكأنه قال: لا تصم، وقيل :
نبه ابن عمر على أنَّ الوفاء بالنذر عام، والمنع من صوم العيد خاص، فكأنه أفهمه
أنه يقضي بالخاص على العام.
وتعقب هذا: بأنَّ النهي عن صوم يوم العيد أيضًا عموم للمخاطبين، ولكلِّ عيد
فلا يكون من قضاء الخاص على العام. وقال الداودي: المفهوم من كلام ابن عمر
تقديم النهي؛ لأنه قد روي أمر من نذر أن يمشي في الحج بالركوب، فلو كان
يجب الوفاء به لم يأمره بالركوب، انتهى. قال الحافظ: وأصل الخلاف في هذه
المسألة أنَّ النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن
الحسن نعم، واحتجَّ بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصيل الحاصل. فدلَّ
على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة.
وأجيب: بأنَّ الإمكان المذكور عقلي والنزاع في الشرعي والمنهي عنه شرعًا غير
ممكن فعله شرعًا، ومن حجج المانعين أنَّ النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم
ينعقد؛ لأنَّ المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو التنزيه، والنفل مطلوب
الفعل، فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في
الدار المغصوبة - أي: على القول بصحتها - وإلّا فقد ذهب أحمد في أشهر
القولين عنه إلى عدم صحتها كما في ((المغني)) (ج ٢ ص٧٤) و((روضة الناظر))
(ج ١ ص ١٢٧) أنَّ النهي عن الإقامة المغصوبة ليست لذات الصلاة، بل للإقامة،
وطلب الفعل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلًا؛ فإنَّ النهي فيه لذات
الصوم فافترقا، انتهى. وفي آخر كلام الحافظ نظر فتأمل وارجع لبسط الكلام في
مسألة النهي إلى كتب الأصول ((كأصول البزدوي)) مع شرحه ((كشف الأسرار))،
وإلى ((إرشاد الفحول)) وغيرهما.
والراجح عندي في المسألة الأولى هو: ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من
عدم انعقاد النذر وعدم صحته؛ لأنَّه نذر معصية، والنذر إنَّما يكون في الطاعة دون
المعصية فلا ينعقد هذا النذر، ولا يصحُّ كما لا يصحُّ من الحائض لو نذرت أنْ

كِتّابُ الصَّوْم
BaXxxBa **
بَابُ صِيام التَّطوعِ
٤٣٧
تصوم أيام حيضها، ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر معصية فلا يلزم قضاؤه.
وقد وقع في رواية لمسلم: ((لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ
مِنْ رَمَضَانَ»، وهذا كالنصِّ على بطلان صوم العيدين، وإنَّ يَومي العيد ليساً بمحل
للصوم شرعًا؛ لأنَّ حقيقة ذلك الخبر، فهو يحمل على حقيقته ما لم يصرف عنها
صارف فاقتضى ذلك إخبارًا من النبي ◌َّيّ بأنَّ هذين اليومين لا يصلح فيهما الصيام،
فلو بقي صائمًا مع إيقاعه الإمساك فيهما لكان قد صلح الصيام فيهما من وجه،
فثبت بذلك أن ما وقع من الإمساك ولو بنية الصوم من العبد في اليومين
المذكورين، فليس بصيام عند الشرع؛ ليكون مخبره خبرًا موجودًا في سائر ما أخبر
به، وهذا كله يبطل القول بصحة نذر صوم العيد وإجزائه لو صام.
وأمَّا المسألة الثانية: فالأشبه فيهما أنْ ينعقد نذره ويصح ويجب قضاؤه؛ لأنه
نذر نذرًا يمكن الوفاء به غالبًا ولم يقصد بنذره المعصية. وإنما وقع اتفاقًا فينعقد
كما لو وافق غير يوم العيد، ولا يجوز أن يصوم يوم العيد؛ لأن الشرع حرم صومه
فأشبه زمن الحيض ولزمه القضاء؛ لأنه نذر منعقد وقد فاته الصيام بالعذر. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في الصيام، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأَبُو
دَاوُدَ وابن ماجه والبيهقي (ج ٤ ص ٢٩٧).
٢٠٦٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ:
الْفِطْرِ وَالأَضْحَى)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٦٩- قوله: (لَا صَوْمَ)، أي: جائز. (الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى)، بدل، أي أنهما
غير قابلين للصوم؛ لحرمته فيهما فلا يصحُّ نذر صومهما، وكذا حكم أيام التشريق
كما سيأتي بيانه، وخصهما بالذكر؛ لكونهما الأصل، وأيام التشريق من توابع
الأضحى .
(٢٠٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: (١٩٩٥)، ومُسْلِم (١٤٠ / ٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهِ.

٤٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في الصلاة وفي الحج وفي الصوم، وأخرجه بهذا
اللفظ الدارمي .
٢٠٧٠ - [١٥] وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((أَيَّامُ
التَّشْرِيقِ، أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٧٠- قوله: (وَعَنْ نُبَيْشَةَ) بضم النون وفتح الموحدة بعدها ياء ساكنة
فشين معجمة فهاء. (الْهُذَلِيِّ) بضم الهاء وفتح الذال هو نبیشة بن عبد الله بن عمرو
ابن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصن، وقيل: في نسبه غير ذلك. ویقال له:
نبيشة الخير، ويكنى أبا طريف، صحابي قليل الحديث.
قال ابن عبد البر: سكن البصرة، ويقال: إنَّه دخل على النبي وَل وعنده أسارى
فقال: يا رسول الله، إمّا أن تفاديهم، وإمَّا أن تمن عليهم، فقال: ((أَمَرْتَ بِخَيْرِ أَنْتَ
نُبَيْشَةُ الخَيْرِ)). (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ)، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا قول ابن عمر
وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم. وروي عن ابن عباس وعطاء: أنَّها
أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وسمَّاها عطاء أيام التشريق، والأول أظهر.
ويدل عليه ما رواه الطّحاوي (ج ١ ص٤٢٩) عن أنس بن مالك قال: نَهى رسول الله
وَلّر عن صوم أيام التَّشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وأخرجه أبو يعلى بلفظ: ((نهى
رسول اللَّه وَلّر عن صوم خمسة أيَّامِ من السنة: يوم الفطر ويوم النَّحر وأيَّام
التَّشريق)). وسميت أيام التشريق؛ لأَنَّ لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر
وتبسط في الشمس لتجف.
وقيل: لأنَّ الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي: تطلع. وقيل:
لأنَّ صلاة العيد تقع عند شروق الشمس أول يوم منها فصارت هذه الأيام تبعًا ليوم
النَّحر، وهذا يعضد قول من يقول: يوم النحر منها. وقيل: التشريق: التكبيرُ دُبُرَ
(٢٠٧٠) مُسْلِم (١٤٤ / ١١٤١)، وَالنَّسَائِي (٧/ ١٧٠) عَنْ نُبَيْشَةَ الخَيْرِ فِيهِ.

٤٣٩
كِتّاب الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوع
گُلِّ صلاة.
(أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ)، وكذا يوم النحر يوم أكل وشرب، بل هو الأصل والبقية
أتباعه .
(وَذِكْرِ اللَّهِ) بالجر، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ
مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣) يعني: أنهاكم عن صومها، وآمركم بذكر الله فيها صيانة عن
التَّلهي والتَّشهي كالبهائم. قال الأشرف: وإنما عقّب الأكل والشرب بذكر الله؛
لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه، وينسى في هذه الأيام حق الله تعالى انتهى.
وهل يلتحق أيام التَّشريق بيوم النحر في حرمة الصيام، كما تلتحق به في النحر
وغيره من أعمال الحج؟ أو يجوز صيامها مطلقًا أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في
معناه؟ وفي كلِّ ذلك اختلاف للعلماء.
وقد استدل بحديث نبيشة على النهي عن صوم أيام التشريق، وقد ورد النهي عن
ذلك صريحًا: من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (ج١ ص١٦٩، ١٧٤)
والطحاوي (ج١ ص٤٢٨) والبزار، وفيه عند أحمد والطحاوي محمد بن أبي حميد
المدني وهو ضعيف. ومن حديث يونس بن شداد رواه عبد الله بن أحمد
(ج ٤ ص٧٧) والبزار، وفيه سعيد بن بشير وهو ثقة ولكنه اختلط. ومن حديث حبيبة
بنت شريق عند أحمد (ج١ ص٩٢) والنسائي والطبراني في ((الأوسط)) والطحاوي
(ج ١ ص٤٢٩). ومن حديث أنس وقد تقدم. ومن حديث ابن عبّاس عند الطبراني
في ((الكبير)) بإسناد ضعيف. ومن حديث أبي هريرة عند الطحاوي (ج١ ص٤٢٨)
والبزار، وفي سند البزار عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف، قاله الهيثمي.
ومن حديث معمر بن عبد الله العدوي عند الطحاوي (ج ١ ص٤٢٩) والطبراني في
((الكبير)). ومن حديث عمرو بن العاص عند أبي داود وابن المنذر والدارمي
والبيهقي (ج٤ ص٢٩٧) والطحاوي (ج١ ص٤٢٨) وابن حزم (ج٧ص٢٨)
وصححه ابن خزيمة والحاكم. ومن حديث ابن عمر عند أحمد (ج٢ ص٣٩).
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ومن حديث أسامة الهذلي عند الطبراني
في الأوسط وسنده ضعيف. ومن حديث عمر بن خلدة الزرقي عن أمه عند أبي يعلى
وعبد بن حميد وإسحاق بن راهويه والطحاوي (ج١ ص٤٢٩) وابن أبي شيبة،