النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويؤيده ما رواه الترمذيُّ والدارميُّ عن النعمان بن سعد عن عليٍّ قال: سأله رجل،
فقال: أي شهر تأمرني أنْ أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال له: ما سمعت أحدًا يسأل
عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول اللَّه ◌َله، وأنا قاعد عنده، فقال: يا رسول الله
أيُّ شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان قال: ((إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ
فَصُم الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللهِ ... )) الحديث.
قال السندي في حاشية أبي داود وابن ماجه، بعد الإشارة إلى حديث علي: هذا
يفيد أنَّ المراد تمام الشهر، انتهى. وحديث الباب صريح: أنَّ شهر المحرم أفضل
الشهور للصوم، وقد سبق الجواب عن إكثار النبي ◌ّ من صوم شعبانٍ دون المحرم
بوجهين: أحدهما: لعلّه إنما علم فضله في آخر حياته. والثاني: لعلَّه كان يَعْرِضُ
فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما تمنع من إكثار الصوم فيه .
وقال بعض الشافعية والحنابلة: أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شعبان؛
لمحافظته وَّل على صومه أو صوم أكثره، فحملوا قوله وَل: ((أفضل الصيام بعد
رمضان المحرم)) على التطوع المطلق ولا يخفى ما فيه.
(وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) قال النووي: فيه دليل لما اتفق العلماء
عليه أنَّ تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجَّة لأبي إسحاق المروزي من
أصحابنا ومن وافقه على أنَّ صلاة الليل أفضل من سنن الرواتب.
وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق
للحديث والله تعالى أعلم. قال الطيبي: ولعمري إنَّ صلاة التهجد لو لم يكن فيها
فضل سوى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَيَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
﴾ [الإسراء: ٧٩] وقوله: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ
مَحْمُودًا
نَفْسُ مّآ أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧] وغيرهما من الآيات لكفاه مزية، انتهى.
وتأول الحديث من ذهب إلى أفضلية الرواتب؛ بأنه إنما أريد به تفضيل قيام الليل
على التطوع المطلق دون السنن الرواتب التي قبل الفرض وبعده. قالوا: وقوله :
(بَعْدَ الْفَرِيضَةِ)) أي: وتوابعها من السنن المؤكدة. وقال بعضهم: المراد: صلاة
الليل أفضل من الرواتب من حيثية المشقة والكلفة، والبعد من الرياء والسمعة
مطلقًا ..

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
٤٠١
والراجح عندي: ما ذهب إليه أبو إسحاق المروزي لموافقته لنص حديث
الباب. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصيام، وأخرجه أحمد والترمذي في أواخر الصلاة وفي
الصيام والنسائي في قيام الليل وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والدارمي والبيهقي
(ج ٤ ص٢٩١) في الصيام.
٢٠٦٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وََّ يَتَحَرَّى صِيَامَ
يَوْم، فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَّ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ - يَعْنِي:
شَهَّرَ رَمَضَانَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٦٠- قوله: (يَتَحَرَّى) من التَّحري، أي: يقصد، قاله الحافظ. وقال
العيني: التَّحري المبالغة في طلب الشيء. (صِيَامَ يَوْم) قال القاري: منصوب بنزع
الخافض، أي: ما رأيته يبالغ في الطلب ويجتهدِ في صَّيام يوم، انتهى. وفي رواية
أحمد (ص٢٢٢) والنسائي: ما علمت رسول اللّه وَ ل﴾ صام يومًا يتحرى فضله على
الأيام. قال السنديُّ: أي: يراه ويعتقده. وعند أحمد (ج١ ص٣٦٧): ((ما علمتُ
رسول اللّه وَلّ يتحرَّى صيام يوم يبتغي فضله على غيره)). (فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ)، أي:
وصيام شهر فضَّله على غيره بتشديد الضاد المعجمة جملة في موضع جر صفة
ليوم. (إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ)، أي: صيامه. (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) بدل أو منصوب بتقدير :
أعني، وهو اليوم العاشر من المحرم. (وَهَذَا الشَّهْرَ) بالنصب عطف على قوله:
(هَذَا الْيَوْمَ)، وهذا من اللف التقديري؛ لأن المعطوف لم يدخل في لفظ المستثنى
منه إلّا بتقدير: وصيام شهر فضله على غيره كما مر، أو يعتبر في الشهر أيامه يومًا،
فيومًا موصوفًا بهذا الوصف، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير: وصيام شهر.
قال الطيبي: قوله: ((فَضَّلَهُ)) بتشديد الضاد. قيل: بدل من يتحرَّى، والحمل
على الصفة أولى؛ لأنَّ هذا اليوم مستثنى، ولا بدَّ من مستثنى منه، وليس هاهنا إلَّا
قوله: ((يَوْمَ)) وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، والمعنى: ما رأيته عليه الصلاة
(٢٠٦٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠٠٦)، ومُسْلِم (١١٣٢/١٣١) عَنْهُ فِيهِ، والنَّسَائِي (٢٠٤/٤).

٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#
SHE
والسلام يتحرَّى في صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضل على غيره إلا صيام هذا
اليوم، فإنه كان يتحرَّى في تفضيل صيامه ما لم يتحر في تفضيل غيره، وهذا الشهر
عطف على هذا اليوم، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إمّا أنْ يقدر في المستثنى منه فصيام
شهر فضله على غيره، وهو من اللف التقديري، وإمَّا أن يعتبر في الشهر أيامه يومًا
فيومًا موصوفًا بهذا الوصف، انتهى.
قلت: اللفظ المذكور هنا للبخاري. ولفظ مسلم: سئل ابن عباس عن صيام يوم
عاشوراء، فقال: ما علمت أن رسول اللّه وَ له صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا
هذا اليوم ولا شهرًا إلا هذا الشهر يعني: رمضان. (يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ) تفسير من
الرَّاوي عن ابن عباس .
قال الحافظ: وكان ابن عباس اقتصر على قوله: ((وَهَذَا الشَّهْرَ))، وأشار بذلك
إلى شيء مذكور، كأنه تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء، أو كانت المقالة في أحد
الزمانين وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: ((يعني: رمضان)) أو أخذه الرَّاوي من
جهة الحصر في أنَّ لا شهر يصام إلّا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان
يقول: لم أر رسول اللّه ◌َ ل صام شهرًا كاملًا إلَّا رمضان، انتهى. وهذا من باب
الترقي أو تقديم عاشوراء للاهتمام به، أو لتقدمه في أصل وجوب الصوم، أو لكونه
من أول السَّنَّةِ. وإنما جمع ابن عباس بينهما وإن كان أحدهما واجبًا والآخر مندوبًا
لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأنَّ معنى يتحرَّى، أي: يقصد صومه لتحصيل
ثوابه والرغبة فيه .
قال الشوكاني: هذا الحديث يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصيام بعد
رمضان، ولكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره. وقد تقدم
أنَّ أفضل الصوم بعد رمضان على الإطلاق صوم المحرم، وسيأتي أنَّ صوم عرفة
يكفر سنتين، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وظاهره: أنَّ صيام يوم عرفة أفضل من
صيام يوم عاشوراء. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد (ج١ ص٢٢٢،
٣١٣، ٣٦٧) والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٨٦).

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التَّطوُع
٤٠٣
٢٠٦١ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ
بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمُ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلِ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٦١- قوله: (حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ) أي: في المدينة موافقة
الموسى ظلَّ وكان يصومه أيضًا في الجاهلية قبل الهجرة موافقة لقريش، فإنهم
كانوا يصومونه تعظيمًا له وكانوا يكسون فيه الكعبة. (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) أي: اليوم
العاشر من المحرم. قال في ((القاموس)): العاشوراء والعشوراء ويقصران،
والعاشور: عاشر المحرم أو تاسعه، انتهى. والأول هو قول الخليل وغيره،
والاشتقاق يدل عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتَّابعين ومن
بعدهم. وذهب ابن عباس رضيّ إلى الثاني، وفي ((المصنف)) عن الضحاك عاشوراء
اليوم التاسع قيل: لأنه مأخوذ من العِشر بالكسر في أوراد الإبل، تقول العرب:
وردت الإبل عشرًا، إذا وردت اليوم التاسع فالعشر عندهم تسعة أيام، وذلك لأنَّهم
يحسبون في الإظماء يوم الورد، فإذا وردت يومًا وقامت في الرعي يومين، ثم
وردت في اليوم الثالث قالوا: وردت رِبعًا، وإنما هو اليوم الثالث في الإظماء وإن
رعت ثلاثًا، وفي الرابع وردت قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية
اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده، وعلى هذا القول
يكون التاسع عاشوراء.
قال النووي: ما ذهب إليه الجمهور هو ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ. وأمَّا
تقدير أخذه من الإظماء فيعد. وقال الحافظ: اختلف أهل الشرع في تعيينه، أي:
مصداقه واشتقاقه، فقال الأكثر هو: اليوم العاشر. قال القرطبي: عاشوراء معدول
عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من
(٢٠٦١) أَبُو دَاوُد (٢٤٤٥) عَنْهُ فِيهِ .

٤٠٤
eleN **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*60
العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه
قيل: يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية
فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم
العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقى: أنه لم يسمع فاعولاء إلّا هذا، وضاروراء
وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر
وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم
العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتَّسمية، وقيل: هو اليوم
التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة
الآتية.
وقيل: إنَّما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل كانوا إِذا رعوا الإبل
ثمانية أيام، ثم أوردوها في التاسع، قالوا: وردنا عشرًا بكسر العين وكذلك إلى
الثلاثة. وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج انتهيتُ إلى ابن عباس فقلت:
أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع
صائمًا، قلت: أهكذا كان النبي وَّ يصومه؟ قال: نعم، وهذا ظاهره: أن يوم
عاشوراء هو اليوم التاسع لكن قال الزين بن المنير: قوله : - أي: في رواية
البيهقي: إذا أصبحت من تاسعه فأصبحِ صائمًا، يشعر بأنَّه أراد العاشر؛ لأنه لا
يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه، إلّا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهي
الليلة العاشرة.
قال الحافظ: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن
عباس أن النبي ◌َّهقال: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلِ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) فمات قبل ذلك، فإنه
ظاهر في أنه منّيّ كان يصوم العاشر وهمَّ بَصوم التاسع فمات قبل ذلك، انتهى.
قلت: وقع في رواية الترمذي: أخبرني عن يوم عاشوراء أي يوم أصومه.
وللبيهقي أخبرني عن صيام عاشوراء، أي يوم نصوم؟ وهذا يشعر بأن مقصوده
السؤال عن كيفية صوم عاشوراء، لا عن تعيين يوم عاشوراء أي يوم هو؟ ووقع في
رواية الترمذي، وكذا البيهقي: ثم أصبح من يوم التاسع صائمًا، وفيه: تنبيه على
أن من أراد صوم عاشوراء ابتدأ من يوم التاسع، ولا ينبغي أن يقتصر على صوم

٤٠٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيام التّطوَّع
العاشر فقط. وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على ذلك، فقد روى الطحاوي
والبيهقي عنه قال: ((خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ))، فقد تبيَّن بهذا مراد
ابن عباس من رواية مسلم، وإلى هذا الجواب نحا البيهقيُّ حيث قال بعد رواية
حديث الحكم بن الأعرج (ج٤: ص ٢٨٧) وكان ابن عباس رَوُّة أراد صوم التاسع
مع العاشر، وأراد بقوله في الجواب: نعم ما روى من عزمه ◌ُ ثير على صومه،
والذي يبين هذا ما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن
عباس يقول: ((صوموا التّاسع والعاشر وخالفُوا اليهودَ))، وما روينا من طريق سفيان
عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه ◌َِه
قال: ((لَئِنْ بَقِيتُ لَآمُرَنَّ بِصَيامٍ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ يَوْم بَعْدَهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ))، وما روينا من
طريق هشيم عن ابن أبي ليلى عَن دَّاود بن عليّعن أبيه عن جده ابن عباس قال: قال
رسول اللّه ◌َاثله: ((صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ
بَعْدَهُ يَومًا»، انتهى ملخصًا.
وقال الشوكاني: الأولى أن يقال: أنَّ ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي
يصام فيه وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنَّه اليوم العاشر؛ لأنَّ
ذلك مما لا يسئل عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لما فهم من السائل
أنَّ مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنَّه التاسع، وقوله: نعم، بعد
قول السائل أهكذا كان النبي ◌َل يصوم؟ بمعنى: نعم هكذا كان يصوم، لو بقي؛
لأنه قد أخبرنا بذلك. ولا بدَّ من هذا؛ لأنه وَ لّ مات قبل صوم التاسع، انتهى.
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١: ص٧٢): لم يجعل ابن عباس عاشوراء هو اليوم
التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أنَّ يوم عاشوراء
هو اليوم العاشر، الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام
التاسع معه، وأخبر أنَّ رسول اللَّه ◌َ ليل كان يصومه، كذلك بأن يكون حمل فعله
على الأمر وعزمه عليه في المستقبل. ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: ((صُومُوا
يَوْمًّا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ))، وهو الذي روى أمرنا رسول اللّه مَثّل بصيام يوم عاشوراء يوم
العاشر. وكل هذه الآثار يصدق بعضها بعضًا ويؤيد بعضها بعضًا. فمراتب صومه
ثلاثة، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر،
وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده. وأمَّا إفراد التاسع فمن نقص

٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فهم الآثار وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، انتهى.
قلت: وهكذا جعل الشوكاني والحافظ والشيخ عبد الحق الدهلوي مراتب
صوم عاشوراء ثلاثة، وجعلوا صوم العاشر وقبله يومًا وبعده يومًا أكمل المراتب
وأفضلها. قال الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)): الأفضل أن يصوم العاشر ويومًا قبله
ويومًا بعده، وقد جاء ذلك في حديث أحمد، انتهى. قلت: يريد بذلك ما أشار إليه
ابن القيم من حديث ابن عباس المرفوع بلفظ: ((صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ))، لكن
الذي وقع في ((مسند الإمام أحمد)) (ج١: ص٢٤١) طبعة الحلبي: ((صُومُوا قَبْلَهُ
يَوْمَّا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا))، أي: بحرف ((أَوْ))، لا بالواو، وهكذا وقع في طبعة دار المعارف
بشرح الشيخ أحمد شاكر (ج٤: ص٢١)، وكذا نقله الحافظ في ((الفتح)) كما
سيأتي، وكذا وقع عند البيهقي (ج٤: ص ٢٨٧) من رواية علي بن محمد المقرئ
عن الحسن بن محمد عن يوسف بن يعقوب القاضي عن أبي الربيع عن هشيم عن
ابن أبي ليلى، وكذا رواه الطحاوي (ج١: ص٣٣٨) من وجه آخر وذكر الهيثمي
(ج ٣: ص ١٨٨) بلفظ: ((صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ)) وعزاه إلى أحمد والبزار،
وهكذا ذكره المجد في ((المنتقى)) وابن القيم في ((الهدي)) والقاري في ((المرقاة))،
وكذا وقع عند البيهقي من رواية ابن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفار عن إسماعيل
بن إسحاق عن مسدد عن هشيم. وقال القاري: وظاهره أن الواو بمعنى ((أَوْ))؛ لأن
المخالفة تحصل بأحدهما، انتهى.
فالاستدلال برواية أحمد على كون الصوم في التاسع والحادي عشر مع العاشر،
أي: الجمع بين الثلاثة فيه نظر، وعندي مراتب صوم عاشوراء الثلاث هكذا أدناها
أنْ يصوم العاشر فقط، وفوقه أن يصوم الحادي عشر معه وفوقه أن يصوم التاسع
والعاشر، وإنما جعلت هذه فوق الوقتين الأوليين؛ لكثرة الأحاديث فيها والله
تعالى أعلم. (وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) أي: أصحابه تطوعًا بعد نسخ وجوبه.
وقال القاري: أمر بصيامه، أي: أولًا: بالوجوب ثم بعد النسخ بالندب، فلمَّا
كانت السنة العاشرة من الهجرة. (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ)، أي: يوم عاشوراء يوم.
(يُعَظِّمُهُ) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، والذي في ((صحيح مسلم)) :
((تُعَظِّمُهُ)) بالتأنيث، وكذا نقله المجد بن تيمية في ((المنتقى)) والجزري في ((جامع

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيام التّطوّع
٤٠٧
الأصول)) والزيلعي في ((نصب الراية))، وكذا وقع في رواية البيهقي. (الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى) أي: وقد أمرنا بمخالفتهم فكيف نوافقهم على تعظيمه بالصوم فيه؟
وقد استشكل ذكر النصارى: بأنَّ التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون المذكور
في حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثالث يختص بموسى واليهود. وأجيب:
باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه، وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى؛ لأن
كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥٠ ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من
التوراة. (لَئِنْ بَقِيتُ) أي: في الدنيا، أو لئن عشت. (إِلَى قَابِل) أي: إلى عام قابل
وهو السنة الآتية. (لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) وفي رواية: ((فَإِذَا كَانَ الْعَّامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ
صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)) قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول اللَّه ◌َائِيلَ ،
والمعنى: لأصومن التاسع مع العاشر؛ لأجل مخالفة أهل الكتاب.
قال الحافظ في ((الفتح)): ما همَّ به وَلَّهَ من صوم التاسع يحتمل معناه: أنه لا
يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إمَّا احتياطًا، وإمّا مخالفة لليهود
والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم ولأحمد من وجه آخر عن
ابن عباس مرفوعًا: ((صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، وَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ
يَوْمًا بَعْدَهُ))، وهذا كان في آخر الأمر وقد كان ◌َله يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم
يؤمر فيه بشيء، ولا سيَّما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة
واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا كما ثبت في الصحيح، فهذا
من ذلك فوافقهم أولا، وقال: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ))، ثم أحب مخالفتهم،
فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوما بعده خلافًا لهم. ويؤيده رواية الترمذي من
طريق أخرى بلفظ: ((أمرنا رسول اللّه ◌َ ليل بصيام عاشوراء يوم العاشر))، انتهى. وقال
الرافعي: في صوم التاسع معنيان منقولان عن ابن عباس أحدهما: الاحتياط فإنه
ربما وقع في الهلال غلط، فيظن العاشر التاسع، وثانيهما: مخالفة اليهود فإنهم لا
يصومون إلّا يومًا واحدًا، فعلى هذا لو لم يصم التاسع استحب له صوم الحادي
عشر، انتهى .
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٩٩): والمعنيان كما قال عن ابن عباس منقولان،

٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وكذا القياس الذي ذكره، منقول عنه بل مرفوع من روايته. وقد روى البيهقي من
طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كان ابْنُ عبّاس يصوم عاشوراء
يومين ويوالي بينهما مخافة أن يفوته، فهذا المعنى الأول، وأمَّا المعنى الثاني: فقال
الشافعي: أنا سفيان أنه سمع عبيدالله بن أبي يزيد يقول: سمعتُ ابن عباس يقول:
صوموا التاسع والعاشر ولا تشبَّهوا باليهود. وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس
مرفوعًا: ((لَئِنْ بَقِيتُ لَآمُرَنَّ بِصِيامِ يَوْم قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ)) كما تقدم، وفي رواية له:
((صُومُوا عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، صُوَّمُوا قَبْلَهُ يَوْمًّا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا»، انتهى.
وقال بعض أهل العلم: قد ظهر أنَّ القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة
مع الإتيان بها، وذلك يحصل بأحد أمرين: إمّا بنقل العاشر إلى التاسع أو
بصيامهما معًا، وقوله: (لَئِنْ بَقِيتُ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ)) يحتمل الأمرين، فلمَّا
توفي وَ﴾ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين معًا، انتهى. ورجح ابن القيم
المعنى الذي ذكره الحافظ في ((الفتح)) إحتمالًا قال: هو أصوب إن شاء الله تعالى،
ومجموع أحاديث ابن عبّاس عليها تدلَّ وتبين صحة هذا المعنى والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) اعلم: أنَّ الحديث رواه مسلم من طريقين سياق الأولى مطول
والأخرى مختصر، وحذف المصنف تبعًا للبغوي عجز الطريق الأولى، وجعل
مكانه لفظه الطريق الثاني، وكان الأولى له أن يذكر سياق الطريق الأولى بتمامه ثم
يقول، وفي رواية: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلِ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ))، والرواية الأولى رواها
أيضًا أَبُو دَاوُدَ والبيهقي (ج ٤: ص ٢٨٧) والرواية الأخرى المختصرة أخرجها أحمد
(ج١: ص٢٢٤ - ٢٣٦ - ٢٤٢) وكذا البيهقي والطحاوي (ج١: ص٣٣٨).

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صِيامِ التَّطوُّعِ
٤٠٩
٢٠٦٢ - [٧] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا
يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَيْسَ بِصَائِم فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٦٢- قوله: (وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) اسمها لبابة وهي امرأة العباس وأخت
ميمونة أم المؤمنين. (إِنَّ نَاسًا) أي: من أصحاب النبيِ نَّهِ (تَمَارُوا) أي: اختلفوا
كما في رواية: أوشكوا، كما في رواية أخرى، وقع عند الدار قطني في الموطآت
اختلف ناس من أصحاب رسول ◌َ لّ. (عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ)، أي: بعرفات. (فِي صِيَامِ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ﴾ أي: ذلك اليوم. (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ
بِصَائِم).
قال الحافظ: قوله: (فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) هذا يشعر بأنَّ صوم يوم عرفة كان
معروفًا عندهم معتادًا لهم في الحضر، وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه
من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافر، أو قد عرف
نهيه عن صوم الفرض في السفر، فضلًا عن النفل. (فَأَرْسَلْتُ) بلفظ: المتكلم
والغيبة، وفي رواية البخاري في الصيام على ما في بعض النسخ: فأرسلت أم
الفضل، فتتعين الغيبة. وفي حديث كريب عن ميمونةَ عند البخاريِّ: أنَّ النَّاس
شكوا في صيام النبي ◌ُّه يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب - وفي رواية مسلم:
فأرسلت إليه ميمونة بحلاب اللبن وهو واقف في الموقف فشرب منه، والناس
ينظرون، وهذا صريح في أنَّ ميمونة هي المرسلة، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما
أرسلتا معًا، فنسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين، وتكون ميمونة
أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال في ذلك، ويحتمل العكس.
ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي من طريق سعيد بن
(٢٠٦٢) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٨٨)، ومُسْلِم (١١٠/ ١١٢٣) عَنْهَا فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٤١).

٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي ذلك أنه كان ممن
جاء عنه أنه أرسل، إمَّا أمه، وإمّا خالته كذا في ((الفتح)). (إِلَيْهِ) وَّ. (بِقَدَحِ لَبَنٍ)؛
لعلمها بمحبته عليه الصلاة والسلام له حيث يقوم مقام الأكل والشرب، ولذا كان
إذا أكل طعامًا قال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِيْهِ وَأَطْعِمْنِي خَيْرًا مِنْهُ))، وإذا كان لبنًا قال:
((اللَّهُمَّ بَارِْ لِي فِيْهِ وَزِدْنِي مِنْهُ))، أو لمناسبة الزمان والمكان، قاله القاري.
قال الباجي: أرادت أن تختبر بذلك صومه وتعلم الصحيح من قول المختلفين،
وهذا وجه صحيح في معرفة أحد القسمين، وهو أن يشربه، فيعلم بذلك فطره.
وأمَّا لو امتنع من شربه فليس في ذلك دليل على صومه لجواز أن يمتنع من ذلك
لشبع، وروي وغير ذلك، ولعله أن یکون في رده ما يدل على صومه، أو يتسبب به
إلى سؤاله. (وَهُوَ وَاقِفٌ) أي: راكب.
(عَلَى بَعِيْرِهِ بِعَرَفَةَ) وفي ((المستخرج)) لأبي نعيم وهو يخطب الناس بعرفة،
والحديث نص في أنه وَّ كان بعرفة على بعير، وكذا وقع في حديث خالد بن
العداء، وحديث نبيط عند أبي داود. وهذا يخالف ما في حديث جابر الطويل عند
مسلم وغيره حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن
الوادي فخطب الناس. وأجيب: بأنَّ البعير يطلق على الأنثى أيضًا. قال في ((مجمع
البحار)): البعير، يقع على الذكر والأنثى. وقال الراغب: يقع على الذكر والأنثى
كالإنسان في وقوعه عليهما. وقال في ((القاموس)): البعير، الجمل البازل، أو
الجذع، وقد يكون للأنثى، فالمراد بالبعير في حديث الباب. وكذا في حديثي
خالد ونبيط هي: النَّاقةُ لا الجمل. وأمَّا ما وقع عند أحمد والنسائي في حديث نبيط
من لفظ الجمل فهي رواية شاذة، أو أطلق لفظ الجمل على الناقة على طريق
الشذوذ. وقد بوب عليه النسائي بلفظ: الخطبة بعرفة على الناقة، أو يقال: أنه رآه
من بعيد فظنّها جماًا فروى على ما ظنه.
والصواب: أنه كان على ناقته القصواء حين وقف في الموقف، وخطب كما
وقع في حديث جابر. واستدل به على أنَّ الوقوف على ظهر الدواب مباح، وأنَّ
النهي الوارد في ذلك بقوله: ((إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابٌّكُمْ مَنَابِرَ ... )) الحديث.
أخرجه أَبُو دَاوُدَ من حديث أبي هريرة مرفوعًا، محمول على ما إذا حصل للدابَّة
مشقة، أو أنَّ هذا الموضع مستثنى عما نهي عنه. قال الخطابي: قد ثبت أنه وَالخيال

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيام التَّطَوعِ
٤١١
خطب على راحلته فدلَّ ذلك على أنَّ الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه بأنْ يستوطنه
الإنسان ويتخذه مقعدًا فيتعب الدابة ويضربها من غير طائل، انتهى.
واختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة: ؟ فذهب الجمهور:
إلى أنَّ الأفضل الركوب؛ لكونه ◌َ ﴿ وقف راكبًا. ومن حيث النظر فإن في الركوب
عونًّا على الاجتهاد في الدُّعاء والتضرع المطلوب حينئذٍ كما ذكروا مثله في
الفطر. وذهب آخرون: إلى أنَّ استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى
التعليم منه، وعن الشافعي قول: أنهما سواء كذا في ((الفتح)). (فَشَرِبَهُ) زاد في
حديث ميمون: والناس ينظرون إليه ولأحمد والنسائي من طريق عبد الله بن عباس
عن أمه أم الفضل: أن رسول اللَّه وَل أفطر بعرفة. قال الباجي: وشرب النبي وَّ في
ذلك الموقف ليبين للناس فطره، ولعلَّه قد علم بتماري أصحابه في ذلك الوقت
فأراد تبيين الشرع، وإيضاح الحق ورفع اللبس وَله. ومقتضى حديث الباب وكذا
حديث ميمونة: أن صوم يوم عرفة غير مستحب، لكن في حديث أبي قتادة الآتي:
((إن صومه يكفر سنة آتية وسنة ماضية)). فالجمع بينه وبين حديثهما أن يحمل حديث
أبي قتادة على غير الحاج، أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء
المطلوب للحاج كما سيأتي تفصيل ذلك. قال الزرقاني: فطر يوم عرفة للحاج
أفضل من صومه لأنه الذي اختاره وَلّ لنفسه، وللتقوي على حمل الحج، ولما فيه
من العون على الاجتهاد في الدعاء والتضرع المطلوب في ذلك الموضع، ولذا قال
الجمهور: يستحب فطره للحاج، وإن كان قويًّا، ثم اختلفوا هل صومه مكروه؟
وصححه المالكية، أو خلاف الأولى؟ وصححه الشَّافعية، وتعقب: بأنَّ فعله
المجرد لا يدل على عدم استحباب صومه، إذ قد يتركه لبيان الجواز، ويكون في
حقّه أفضل لمصلحة التبليغ .
وأجيب: بأنَّه قد روى أَبُو دَاوُدَ والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم عن أبي
هريرة قال: نهى وَ ل عن صوم عرفة بعرفة. وأخذ بظاهره قوم منهم: يحيى بن
سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج، والجمهور: على استحبابه حتى قال
عطاء: كلَّ من أفطره ليتقوى به على الذكر، كان له مثل أجر الصائم، انتهى.
وقال الحافظ: روي عن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه،

٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: بعرفة، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب
آخر قال: لا بأس به، إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في ((المعرفة)) عن
الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولى من الشافعية، انتهى. قلت: قال
الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص١٣١) بعد ذكر حديث أبي هريرة في النهى عن
الصوم بعرفة ما لفظه: هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب، وإنما نهي المحرم عن
ذلك خوفًا عليه أنْ يضعف عن الدعاء والابتهال في ذلك المقام، فأمَّا من وجد قوة
ولا يخاف معها ضعفًا فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله، وقد قال وَله : ((صِيَامُ
يَوْمَ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً قَبْلَهَا وَسَنَةً بَعْدَهَا))، انتهى. وقال ابن قدامة
(ج٣: ص ١٧٦): أكثر أهل العلم يستحبُّون الفطر يوم عرفة بعرفة وكانت عائشة
وابن الزبير يصومانه. وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء.
وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف؛ لأن كراهة صومه إنما هي
معللة بالضعف عن الدعاء. فإذا قوي عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول
الكراهة، ولنا ما روي عن أم الفضل يعني: حديث الباب. وقال ابن عمر: حججت
مع النبي ◌َّ فلم يصمه، يعني: يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم
يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهي عنه، أخرجه
الترمذي وحسنه. وروى أَبُو دَاوُدَ عن أبي هريرة النهى عنه؛ ولأنَّ الصوم يضعفه
ويمنعه الدعاء في هذا المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف
الشريف، فكان تركه أفضل، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام في هذه المسألة في
شرح حديث أبي هريرة في الفصل الثاني وقد ذكر لفطره وَل بعرفة عدة حكم.
منها: أنه أقوى على الدعاء، ومنها: إنَّ الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم
فكيف بنفله؟ ومنها: أنَّ ذلك اليوم كان يوم الجمعة، وقد نُهي عن إفراده بالصوم،
فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدًا لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومه
لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة .
قال الحافظ: ويبعد هذا سياق أول الحديث، ومنها: أنه يوم عيد لأهل الموقف
لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة دون
أهل الآفاق، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: ((يَوْمُ عَرَفَةَ
وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ مِنَى عِيْدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَام))، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٤١٣
المجمع لا جتماعهم فيه.
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ الأكل والشرب في المحافل مباح ولا كراهة فيه
للضرورة، وفيه: التحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال، وفيه: فطنة أم
الفضل لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال؛ لأنَّ
ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، والحديث أخرجه البخاري في الحج والصيام
والأشربة، ومسلم في الصيام وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٣٣٨ - ٣٣٩ - ٣٤٠)
ومالك في الحج وأَبُو دَاوُدَ في الصيام والبيهقي (ج ٤: ص ٢٨٣).
٢٠٦٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَائِمًا
فِي الْعَشْرِ قَطَّ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٦٣ - قوله: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِلّهِ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطَّ). وفي روايةٍ:
أنَّ النبي ◌َّ لم يصم العشر، وفي رواية: ما رأيت رسول اللّه وَ لاَل صام العشر قطُّ،
يعني: العشر الأول من ذي الحجة، وهذا بظاهره يخالف ما تقدم في باب:
الأضحية، من فضيلة مطلق العمل المتضمن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن
فضيلة خصوص للصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة الذي يليه من استحباب
الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة. وما في حديث حفصة في الفصل الثالث
من عدم تركه ◌َّ﴾ صيام العشر، وما في حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض
أزواج النبي ◌َّ قالت: كان رسول اللّه وَ ل يصوم تسع ذي الحجة ... الحديث.
أخرجه أحمد وأَبُو دَاوُدَ والنسائي.
والجواب عنه: أنَّ المراد من قولها: لم يصم العشر أنَّه لم یصمها لعارض مرض
أو سفر أو غيرهما، أو أنَّها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في
(٢٠٦٣) مُسْلِم (٩/ ١١٧٦)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٣٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٥٦) عَنْهَا فِيهِ .

٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى بالقبول.
قال البيهقيُّ بعد رواية حديث هنيدة وحديث عائشة ما لفظه: والمثبت أولى من
النافي، مع ما مضى من حديث ابن عباس في فضيلة العمل الصالح في عشر ذي
الحجة .
وقيل: المراد: نفي جميع العشر وفيها يوم العيد، وهذا لا ينافي صوم بعضها،
وقيل: يحتمل أن يكون ذلك؛ لكونه كان يترك العمل في بعض الأحيان وهو يحب
أن يعمله خشية أن يظن وجوبه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأَبُو دَاوُدَ
وابن ماجه والبيهقي (ج٤ : ص٢٨٥).
٢٠٦٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: كَيْفَ
تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ وَلَه مِنْ قَوْلِهِ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ رَِفْتَهُ غَضْبَهُ قَالَ:
رَضِينَا بِاللَّهِ رَبَّ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ
وَغَضَبٍ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُّ ◌َوْتَهُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ
عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ مَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ قَالَ: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) أَوْ
قَالَ: ((لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ)) قال: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنٍ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ:
((وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟)) قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: ((ذَلِكَ
صَوْمُ دَاوُدَ نِالَّ)). قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: ((وَدِدْتُ
أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ
إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمٍ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَّلَى اللَّهِ أَنْ
يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَّةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى
اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٦٤- قوله: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى) لم أقف على اسمه، وفي رواية البيهقي: أنَّ
(٢٠٦٤) مُسْلِم (١٩٦ / ١١٦٢)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٢٥)، والترمذي (٧٤٩)، والنَّسَائِي (٢٠٧/٤)، وابن
ماجه (١٧١٣) عَنْهُ فِيهِ .

٤١۵
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطُوْعِ
أعرابيًّا وقوله: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى)، هكذا هو في جميع النسخ من ((المشكاة))، وكذا
نقله الجزري في جامع الأصول (ج ٧: ص ٢٢١) وهكذا وقع في بعض النسخ من
صحيح مسلم، ووقع في أكثر النسخ منه: رجل أتى.
قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ، أي: من صحيح مسلم عن أبي قتادة:
رجل أتى، وعلى هذا يقرأ رجلٌ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الشأن
والأمر رجلٌ أتى النبي ◌ِّ، فقال: وقد أصلح في بعض النسخ: ((إنَّ رجلا أتى))،
وكان موجب هذا الإصلاح جهالة انتظام الأول، وهو منتظم كما ذكرته فلا يجوز
تغييره والله أعلم. (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ) أي: ظهر أثر الغضب على وجهه. (مِنْ
قَوْلِهِ) أي: من قول الرجل وسؤاله، يحتمل أنه بَ لّ ما أراد إظهار ما خفي من عبادته
بنفسه، فكره لذلك سؤاله، أو أنه خاف على السائل في أن يتكلّف في الاقتداء،
بحيث لا يبقى له الإخلاص في النية، أو أنه يعجز بعد ذلك.
قال الخطابي: يشبه أن يكون غضبه وَ له من مسألته إياه عن صومه كراهة أن
يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه، ثم يعجز عنه فعلًا أو يسأمه ويمله بقلبه،
فيكون صيامًا عن غير إخلاص وقد كان ◌َّجلّ يواصل وهو محرم على أمته، وقد كان
وَّ يترك بعض النوافل خوفًا من أن يفرض على أمته، إذا فعلوه اقتداء به كما ترك
القيام في شهر رمضان بعد أن قام بهم ليلة أو ليلتين، ثم لم يخرج إليهم، انتهى.
وقال النووي: سبب غضبه أنه كره مسألته؛ لأنه خشي من جوابه مفسدة، وهي
أنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله، أو يقتصر عليه و کان يقتضي حاله أكثر منه.
وإنما اقتصر عليه النبي ◌َّ؛ لشغله بمصالح المسلمين، وحقوقهم وحقوق أزواجه
وأضيافه والوافدين عليه؛ ولئلا يقتدي به كل أحد فيؤدي إلى الضرر في حق
بعضهم، وكان حقُّ السائل أن يقول: كم أصوم؟ أو كيف أصوم؟ فيخص السؤال
بنفسه ليجيبه بما يقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم، انتهى. (فَلَمَّا رَأَى
عُمَرُ) بن الخطاب. (غَضَبُهُ) وَّر على السائل، وخاف أن يكون سؤاله سببًا
لِأَذيته وَِّ فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] (قال)
أي: أدبًا وإكرامًا له وَّه وشفقة على السائل واعتذارًا منه واسترضاء. (رَضِيْنَا بِاللهِ
ربَّا وبِالْإِسْلَامِ دِيْنًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) المنصوبات الثلاث تمييزات، ويمكن أن تكون
حالات مؤكدة.

٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
(نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ) ذكر غضب الله تزيينًا للكلام وتعيينًا
بأن غضبه تعالى يوافق غضبه عليه الصلاة والسلام قاله القاري. (يُرَدِّدُ) أي: يكرر.
(كَيْفَ مَنْ) أي: حال من. (يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟) أي: هل هو محمود أو مذموم؟
انظر حسن الأدب، حيث بدأه بالتعظيم ثم سأله على وجه التعميم، ولذا قيل:
حسن السؤال نصف العلم. (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ) قال الخطابي في ((المعالم))
(ج٢ : ص١٢٩): معناه لم يصم ولم يفطر. وقد يوضع (لَا) بمعنى لَمْ كقوله تعالى:
[القيامة: ٣١] أي: لم يصدق. ولم يصل، وقد يحتمل أنْ يكون
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى
معناه: الدعاء عليه كراهية لصنيعه وزجرًا له عن ذلك؛ لكونه مظنَّة لتفويت الحقوق
الواجبة .
وقال الجزري في ((النهاية)): قوله: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) أي: لم يصم ولم يفطر
وهو إحباط لأجره على صومه حيث خالف السنة. وقيل: هو دعاء عليه كراهية
لصنیعه . وقال التوربشتي: فسر هذا من وجهين :
أحدهما: على معنى الدعاء عليه زجرًا له على صنيعه والآخر على سبيل الإخبار،
والمعنى: لم يكابد سورة الجوع وحر الظمأ لاعتياده الصوم حتَّى خف عليه، ولم
يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فصار كأنه لم يصم، انتهى.
وحيث أنه لم ينل راحة المفطرين ولذتهم، فكأنه لم يفطر، أو قال: ((لَمْ يَصُمْ وَلَمْ
يُفْطِرْ))، وفي رواية: ((أو مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ)) ، قال الحافظ بعد ذكر رواية الباب: هو
شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد. والمعنى بالنفي، أنَّه لم يحصل
أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر؛ لأنَّه أمسك. وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)):
حديث: (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ)) في ((الصحيحين)) في حديث عبد الله بن عمرو،
وكذلك حديث: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ - أو - لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ)) في حديث أبي قتادة
معناهما: أنه لما خالف الهدي النبوي الذي رغب فيه ◌ّ كان بمنزلة من لم يصم
صومًا مشروعًا يؤجر عليه، ولا أفطر فطرًا ينتفع به. ويؤيد أنَّ هذا المعنى هو
المراد: أنَّ رسول اللَّهُ وَّلِّ قال لعبد الله بن عمرو، وقد كان أراد أنْ يصوم الدهر
فقال له: ((صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام))، فقال: إني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني
حتَّى قال: ((صُمْ يَوْمًّا وَأَفْطِّرْ يَوْمًا، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الصِّيامِ وَهُوَ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ)، فقلت :

٤١٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ صِيام التّطوّع
إنِّي أُطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ◌ِّ: ((لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ)) هكذا في
((الصحيحين)) وغيرهما من حديثه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس أنه مَالثّ
قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنَّه يصوم ولا يفطر، وقال الثاني: إنَّه يقوم الليل ولا
ينام، وقال الثالث: إنَّه لا يأتي النساء، فقال ◌ََّ: ((أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأَقُومُ
وَأَنَامُ، وَآتِي النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي))، فهذا الحديث الصحيح يدلُّ:
على أنَّ صيام الدهر من المرغوب عن سنة رسول اللَّه وَّل، فليستحق فاعله ما رتبه
عليه من الوعيد بقوله: ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَِّي فَلَيْسَ مِنِّي)) . وقد أخرج أحمد
وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه: أنَّ النبي ◌َّ قال للرجل الذي أخبره أنَّه يصوم الدهر: ((مَنْ
أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ))، انتهى كلام الشوكاني.
قلت: اختلف العلماء في صيام الدَّهر : فذهب إسحاق وأهل الظاهر: إلى كراهته
مطلقًا، أي: وإن أفطرِ الأيام الخمسة المنهي عنها، وهي رواية عن أحمد. قال
الأثرم: قيل لأبي عبد اللَّه - يعني: الإمام أحمد - فسر مسدد قول أبي موسى: «مَنْ
صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ))، أي: فلا يدخلها فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين
حديث عبد الله بن عمرو أنَّ النبي كره ذلك، وما فيه من الأحاديث كذا في
((المغني)) (ج ٣ ص ٦٧) وقال ابن حزم: لا يحلُّ صوم الدهر أصلًا يعني: أنه يحرم،
وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربي من المالكية فقال: قوله: ((لَا صَامَ مَنْ صَامَ
الْأَبَدَ))، في حديث عبد الله بن عمرو إنْ كان معناه: الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء
النبي ◌َّ وإنْ كان معناه: الخبر فيا ويح، من أخبر عنه النبي أنه لم يصم، وإِذا لم
يصم شرعًا لم يكتب له الثواب، لوجوب صدق قوله وَّر؛ لأنَّه نفى عنه الصوم،
وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي انتهى. وإلى
الكراهة ذهب أيضًا ابن قدامة كما سيأتي، وابن القيم كما في ((الهدي))
(ج١ ص١٧٤).
والحنفية كما في ((مراقي الفلاح)) حيث قال: يكره صوم الدهر؛ لأنه يضعفه أو
يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على خلاف العادة، انتهى. وهكذا في ((البرهان))
و((فتح القدير)) وغيرهما. وقال في ((البدائع)): قال بعض الفقهاء: من صام سائر
الأيام وأفطر يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت النهي، وردّ عليه

٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو يوسف فقال: ليس هذا عندي كما قال، والله أعلم.
((هذا قد صام الدهر)) كأنه أشار إلى أنَّ النهي عن صوم الدهر ليس لمكان صوم
هذه الأيام بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب، ويؤدي إلى
التبتل المنهي عنه، والله أعلم، انتهى. واستدل للكراهة والمنع بقوله وَلخير: (لَا
صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)) وقد تقدم وجه الاستدلال به في كلام الشوكاني وابن العربي
والجزري وغيرهم. وقد روي مثل هذا مرفوعًا عن جماعة من الصحابة، منهم:
عبد الله بن الشخير عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وعمران بن
حصينٍ عند النسائي والحاكم، وابن عمر عند النسائي واستدل أيضًا لذلك بقصة
عبد الله بن عمرو التي أشار إليها الشوكاني.
قال ابن التين: استدل على كراهة صوم الدَّهر من هذه القصة من أوجه نهيه وَل
عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأنْ يصوم ويفطر وقوله: ((لَا أَفْضَلَ مِنْ
ذَلِكَ))، ودعاؤه على من صام الأبد، انتهى. وبحديث أنس الذي أشار إليه
الشوكاني مع وجه الاستدلال منه. وبحديث رجل من أصحاب النبي وَّ قال:
قيل: للنبيِّ وَّه رجل يصوم الدهر، قال: ((وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ الدَّهْرَ شَيْئًا ... ))
الحديث. أخرجه النسائيُّ.
قال السنديُّ: أي: وددت أنه ما أكل ليلاً ولا نهارًا حتَّى مات جوعًا،
والمقصود: بيان كراهة عمله وأنه مذموم العمل حتَّى يتمنى له الموت بالجوع.
وبحديث أبي موسى رفعه: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ))، هكذا وقبض
كفه، أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (ج ٤ ص ٣٠٠) وابن
أبي شيبة والبزار ولفظ ابن حبَّان والبزار والبيهقي: ((ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ))، هكذا
وعقد تسعين، وأخرجه أيضًا الطبراني. قال الهيثمي (ج ٣ ص١٩٣): رجاله رجال
الصَّحیح.
قال الحافظ: ظاهره: أنَّها تضيق علیه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه وحمله
عليها، ورغبته عن سنَّة نبيه، واعتقاده أنَّ غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد
الشديد فيكون حرامًا، انتهى. وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث: يقتضي
المنع من صوم الدهر، وقد أورده ابن أبي شيبة في باب: من كره صوم

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوُّعِ
٤١٩
الدهر. واستدل به ابن حزم على المنع وقال: إنما أورده رواته كلهم على التَّشديد
والنهي عن صومه.
وقال ابن حبان: ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر وذكر هذا
الحديث، انتهى. واستدل للمنع أيضًا بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي
عمرو الشيباني: قال بلغ عمر رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول:
کل یا دهري! قال ابن حزم: قد صحَّ عن عمر تحریم صيام الدهر كما رويناه فذكر
هذا الأثر ثم قال: هذا في غاية الصِّحَّة عنه فصحَّ أنَّ تحريم صوم الدهر كان من
مذهبه ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه ولا أمر بالفطر، انتهى. وبما روى ابن أبي
شيبة أيضًا من طريق أبي إسحاق أنَّ عبد الرحمن بن أبي نُعيم كان يصوم الدهر،
فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه، وبما روى الطبراني
عن عمرو بن سلمة قال: سئل ابْنُ مسعود عن صوم الدهر فكرهه.
قال الهيثمي: إسناده حسن، وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي
عليه ولم يفوت فيه حقًّا وأفطر الأيام المنهية عنها، وإلى ذلك ذهب الجمهور منهم
مالك والشافعي وأحمد في رواية، قال مالك في ((الموطأ): إِنَّه سمع أهل العلم
يقولون: لا بأس بصيام الدَّهر إِذَا أفطر الأيام الَّتِي نهى رسول اللَّه ◌َلّه عن صيامها،
وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك، انتهى. وصرح الزرقاني وغيره من المالكية:
باستحبابه بالشروط المذكورة.
قال النووي: مذهب الشافعي وأصحابه أنَّ سرد الصيام إِذَا أفطر العيدين
والتَّشريق لا كراهة فيه، بل هو مستحب بشرط: أنْ لا يلحقه به ضرر ولا يفوت
حقًّا، فإن تضرر أو فوت حقًّا فمكروه، انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ص ١٦٧): قال
أبو الخطاب: إِنَّما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأنَّ أحمد قال:
إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التَّشريق رجوت أنْ لا يكون بذلك بأس . وروي نحو
هذا عن مالك وهو قول الشافعي؛ لأنَّ جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم
منهم أبوطلحة .
قال ابن قدامة: والذي يقوى عندي: أنَّ صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه
الأيام، فإن صامها فقد فعل محرمًا، وإنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من المشقة