النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ممن انتقدهما، بل اتفقوا على صحته وقبوله، وأجيب عن الثاني: بعدم تسليم
الاضطراب فيه كما بين ذلك الحافظ في ((الفتح)). وأجابوا أيضًا: بأنه روي عن
عائشة وابن عباس، وهما رويا حديث الصيام عن الميت أنَّهما لم يريا الصيام عنه
كما تقدم، وفتوى الرَّاوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ. وتعقبه ابن حزم
بوجوه: أحدها: إِن اللَّه تعالى إنما افترض علينا اتباع رواية الصحابي عن
النبي ◌َّر، ولم يفترض علينا قط اتباع رأي أحدهم.
والثاني: أن قد يترك الصحابي اتِّباع ما روى لوجوه؛ وهي أن يتأوَّل فيما روى
تأويلاً ما اجتهد فيه فأخطأ فأخبر مرة، أو أن يكون نسي ما روى فأفتى بخلافه، أو
أن تكون الرواية عنه بخلافه وهمًّا ممن روى ذلك عن الصحابي، فإن كل ذلك
ممكن فلا يحلُّ ترك ما افترض عليها اتِّباعه من سنن رسول اللَّه وَّ لما لم يأمرنا
باتِّباعه لو لم يكن فيه هذه العلل، فكيف وكلها ممكن فيه؟ ولا معنى لقول من قال:
هذا دليل على نسخ الخبر؛ لأنه يعارض بأن يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك
الصحابي دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعلّه قد رجع عن ذلك.
والثالث: أن نقول: لعلَّ الذي روي فيه عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصحَّ حتى
ماتت فلا صوم عليها . والرابع: أنه قد روي عن ابن عباس الفتيا بما روى من الصوم
عن الميت كما تقدم، فصحَّ أنه قد نسي أو غير ذلك مما اللّه تعالى أعلم به، انتهى
مختصرًا. وقال الحافظ بعد ذكر اعتلال الحنفية بنحو ما تقدم ما لفظه: والراجح أنَّ
المعتبر ما رواه الصحابي لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاده ومستنده فيه
لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحقّق صحة الحديث لم
يترك المُحَقَّقُ للمظنون، وتعقبه العيني كعادته بما لا يلتفت إليه.
وأجابوا أيضًا عن حديث عائشة: بأنَّ المراد بقوله: (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ))، أي: فعل
عنه ولِيُّهُ ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال الماوردي: وهو نظير قوله: ((التُّرَابُ
وَضُوءُ المُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ))، قال: فسمي البدل باسم المبدل فكذلك هنا.
وقال الخطابي (ج٢: ص١٢٢): تأوله بعض أهل العلم فقال: معناه: أطعم عنه
وليه، فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه وسمى الإطعام صيامًا؛ على سبيل
المجاز والاتساع إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ

٣٨١
كِتّاب الصَّوْم
بَابُ الْقَضَاءِ
صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أو عدل ذلك صيامًا فدلَّ على أنهما يتناوبان، انتهى. وتعقب: بأنه
صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، بل يدل على ما ذكرنا من آثار ابن عمر وابن
عباس وعائشة على كون الصوم في حديث عائشة المرفوع في معناه الحقيقي.
قال السندي: من لا يقول بالصيام عن الميت يدَّعي النسخ بأدلة غير تامة،
ومنهم من يقول: معنى قوله في حديث بريدة («أفأصوم عنها؟)): أفأفدي عنها؟ على
تسمية الفداء صومًا لكونه بدلًا عن الصوم، وكل ذلك غير تام، انتهى. وقال
صاحب فتح الملهم: قوله وَالثِّ: ((فَصُومِي عَنْ أُمُّك))، في حديث ابن عباس،
وقوله وَله: ((صُوْمِي عَنْهَا))، في حديث بريدة، قد صدر في معرض الجواب عن
قولها: أفأصوم عنها؟ فكأنه وَ له قررها على ما سألته، والظاهر: أنها ما أرادت
بسؤالها إلا الصوم الحقيقي لا الإطعام، وحمل كلامها على الإطعام لا يخلو عن
تعسف فالوجدان السليم يحكم بأنَّ التأويل المذكور في حديث عائشة لا يجري في
حديثي ابن عباس وبريدة إلا بتكلَّف بارد والله تعالى أعلم، انتهى. وقال الشيخ
محمد أنور: لا حاجة إلى تأويل أحاديث الباب، وصرف لفظ الصوم فيها عن
ظاهره، بل المراد بقوله: (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ))، وقول: ((صُوْمِي عَنْهَا)) هو الصوم
الحقيقي، لكن لا بطريق النيابة، بل بطريق التبرع لإيصال الثواب، وقد أجاب وك اله
عن قولها: أفأصوم عنها؟ بقوله: ((صُوْمِي عَنْهَا))، لما رأى من حرصها على إيصال
الخير والثواب لأمها ولا شك في أنه ينفع لها في الجملة، فأمَّا أنه يقع قضاء عمَّا
عليها ويبرأ ذمتها عن الواجب، فليس في الحديث دلالة على هذا، انتهى. قلت:
هذا التوجيه أيضًا سخيف جدًّا يدلُّ على سخافته تمام حديث ابن عباس.
قال صاحب «فتح الملهم)) بعد ذكر التوجيه المذكور: هذا توجيه لطيف لو لا ما
ورد في حديث ابن عباس من التشبيه بقضاء الدين، ولا سيما قوله في رواية زيد بن
أبي أنيسة عن الحكم - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عند مسلم - قال: ((أَرَأَيْتِ
لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟»، قالت: نعم، قال:
((فَصُومِي عَنْ أُمُّكِ))، وهذا كالصَّريح في أن صومها عن أمها يؤدي ما على أمها من
دين اللَّه تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وأجاب المالكية عن حديث عائشة:
بأنَّ عمل أهل المدينة بخلافه، وهذا مبني على أن تركهم العمل بالحديث حجة
ودليل على نسخه وليس كذلك كما عرف في الأصول. واستدل القائلون بجواز

٣٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصيام عن الميت في النذر دون غيره: بأنَّ حديث عائشة مطلق، وحديث ابن
عباس مقيد بالنذر كما تقدم، فيحمل عليه ويكون المراد بالصيام: صيام النذر.
وفيه: أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة
مستقلة سأل عنها من وقعت له. وأمَّا حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد
وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره:
((فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)) قاله الحافظ .
قال الشوكاني: وإنما قال: إنَّ حديث ابن عباس صورة مستقلة، يعني: أنه من
التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه، ولا لتقييده كما تقرر في
الأصول. واختلف في المراد بقوله: ((وَلِيُّهُ)) فقيل: كل قريب سواء كان وارثًا أو
عصبة أو غيرهما. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبه، قال الحافظ: والأول
أرجح والثاني قريب ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها . وقال
الكرماني والنووي: الصحيح الأول واختلفوا أيضًا، هل يختص ذلك بالولي؟ لأنَّ
الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية؛ ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة،
فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على
الأصل.
قال الحافظ: وهذا هو الراجح. وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبيًّا بأنْ
يصوم عنه أجزأ كما في الحج. وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي
لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري
وقواه بتشبيهه مَّله ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب، انتهى. وقال
الشوكاني: وظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليه وإن لم يوص بذلك، وإن من
صدق عليه اسم الولي لغة أو شرعًا أو عرفًا صام عنه ولا يصوم عنه من ليس بولي،
ومجرد التمثيل بالدين لا يدل على أن حكم الصوم كحكمه في جميع الأمور،
انتھی .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأَبُو دَاوُدَ والنسائي في ((السنن الكبرى))
والدار قطني (ص٢٤٥) والبيهقي (ج٤: ص ٢٥٥) والطحاوي في ((مشكل الآثار))
(ج ٢: ص١٣٩ - ١٤٠).

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٨٣
الفصل الثاني
٢٠٥٤ - [٥] عَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: (مَنْ مَاتَ
وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ)).
- رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَىَّ ابْنِ عُمَرَ (*).
الشرح
٢٠٥٤ - قوله: (فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ) على بناء المفعول. (مَكَانَ كُلَّ يَوْم) من أيام
الصيام الفائتة. (مِسْكِينٌ) كذا وقع في الرفع في جميع النسخ من اَّالمشكاة)»
الموجودة عندنا، وكذا وقع في ((المصابيح))، وفي ((التلخيص)) (ص١٩٦) و((نصب
الراية)) (ج ٢: ص٤٦٤) و((الدراية)) (ص١٧٧) و((المنتقى))، وهكذا وقع في رواية
ابن ماجه والبيهقي، ووقع في ((جامع الترمذي)) ((مسكينًا)) بالنصب، وهكذا نقله
الجوزي في ((جامع الأصول)) (ج٧: ص ٢٨٢) وابن قدامة في ((المغني))
(ج ٣: ص ١٤٣) وعلى هذا يكون قوله: ((فَلْيطعِم)) على بناء الفاعل أي: فليطعم
ولي من مات، وبهذا الحديث تمسك الحنفية والمالكية لكن بقيد إنْ أوصى،
وبدون الوصية لا يلزم خلافًا للشافعي، فإنه یطعم أوصى به أو لم یوص.
قال القاري: لا بدَّ من الإيصاء عندنا في لزوم الإطعام على الوارث خلافًا
للشافعي، وإنْ أوصى فإنما يلزم الوارث إخراجه، إذا كان يخرج من الثلث، فإن
زاد على الثلث لا يجب على الوارث، فإن أخرج كان متطوعًا عن الميت، ويحكم
بجواز إجزائه كذا قاله ابن الهمام. ولم يبيِّن في هذه الرواية مقدار الطعام، وقد جاء
عند البيهقي (ج٤: ص٢٥٤) من رواية شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: ((أَنَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرِّ))، وبه أخذ الحنفية
قالوا: أو صاع من غير البرِّ أو قيمة أحدهما، لكن قال البيهقي: هذه الرواية خطأ.
(٢٠٥٤) التِّرْ مِذِي (٧١٨) فيه عَنْهُ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
(*) هُوَ كَلَامُ التِّرْ مِذِي.

٣٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإنما قال ابن عمر: ((مدًّا من حنطة))، وروي من وجه آخر عن ابن أبي ليلى ليس فيه
ذکر الصاع، انتھی.
قلت: وبقول ابن عمر: ((مدًّا من حنطة)) أخذ مالك والشافعي وأحمد، وحديث
ابن عمر الذي نحن في شرحه ضعيف، والمحفوظ أنه موقوف على ابن عمر كما
ستعرف، فلا يصح الاستدل به، ولو صح لا يقاوم حديث عائشة المُتَّفَقَ عَلَيْهِ.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) من طريق عبثر عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر وأخرجه
ابن ماجه والبيهقي أيضًا من هذا الطريق، لكن وقع عند ابن ماجه عن محمد بن
سیرین منسوبًا وهو وَهْمٌ كما سيأتي.
(وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ) أي: من قوله. وقال الترمذي
أيضًا: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، قال: وأشعث هو ابن سوار ومحمد هو
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، انتهى. قال الحافظ في ((التلخيص))
(ص١٩٧): رواه ابن ماجه من هذا الوجه - أي: من طريق عبثر عن أشعث عن
محمد - ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمن وهو وهم منه
أو من شيخه. وقال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر وتابعه البيهقي على
ذلك، انتهى.
وقال ابن الملقن: هذا الحديث رواه الترمذيُّ وابن ماجه بإسناد ضعيف،
والمحفوظ وقفه على ابن عمر، قاله الترمذي والدارقطني والبيهقي كذا في
((المرقاة)). وقال الزيلعي (ج٢: ص٤٦٤): وضعفه عبد الحق في ((أحكامه)) بأشعث
وابن أبي ليلى. وقال الدارقطني في ((علله)): المحفوظ موقوف، هكذا رواه
عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر، انتهى.
وقال البيهقي في ((المعرفة)): لا يصح هذا الحديث؛ فإنَّ محمد بن أبي ليلى كثير
الوهم، ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر قوله، ثم أخرجه عن عبد الله بن
الأخنس عن نافع عن ابن عمر قال: من مات وعليه صيام رمضان فليطعم عنه كل
يوم مسكينًا مُدًّا من حنطة، وأخرجه البيهقي في ((سننه)) (ج ٤: ص٢٥٤) من طريق
شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى به مرفوعًا قال في الذي يموت وعليه
رمضان ولم يقضه، قال: ((يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُوِّ) قال البيهقي: هذا

كِتّاب الصَّؤْمِ
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٨٥
خطأ من وجهين، أحدهما: رفعه، وإنما هو موقوف من قول ابن عمر. والثاني:
قوله فيه: نصف صاع. وإنما قال ابن عمر: مُدًّا من حنطة، انتهى.
فإن قلت: قال ابن التركماني (ج٤: ص ٢٥٤): قد أخرج ابن ماجه هذا الحديث
في ((سننه)) صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا،
فإن صحَّ هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى على رفعه فلقائل أن يمنع الوقف.
وقال العيني (ج١١ : ص ٦٠): قد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى على رفعه فلقائل أن
يمنع الوقف. قلت: قد تقدم عن الحافظ أن ما وقع في سند ابن ماجه من قوله: عن
محمد بن سيرين وهم منه أو من شيخه. وقال المزي في ((الأطراف)): قوله : - أي:
في سند ابن ماجه - عن محمد بن سيرين وهم؛ فإنَّ الترمذيَّ رواه ولم ينسبه، ثم
قال الترمذي: وهو عندي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى نقله السندي عن
البوصيري .
وقال العيني (ج١١: ص٥٩) قال الحافظ المزي: وهو - أي: قوله: عن محمد
ابن سيرين - وهم، وقال ابن عدي في ((الكامل)): ومحمد هذا هو محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، انتهى. فقد ثبت بهذا كله أن محمدًا هذا هو محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى لا محمد بن سيرين، وأنه قد تفرد بحديث الإطعام
المرفوع ولم يتابعه أحد عليه، وهو وإن كان فقيها عالمًا لكنَّه سيئ الحفظ فاحش
الخطأ کثیر الوهم، فلا يحتجُّ بما تفرد به.

٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٠٥٥ - [٦] عَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ
عَنْ أَحَدٍ، أو يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، ولا يُصَلِّي
أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
[رَوَاهُ فِي اْوَطَّأ]
الشرح
٢٠٥٥ - قوله: (عَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ) وفي ((الموطأ»: أنه بلغه. (كَانَ يُسْأَلُ) بصيغة
المجهول .
(لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) في ((شرح السُّنَّةِ)): هذا مذهب
الشافعي - في الجديد - وأصحاب أبي حنيفة، وذهب قوم: إلى أنه يصوم عنه
وليه. وقال الحسن: إنْ صام عنه ثلاثون رجلًا كل واحد يومًا جاز، واتفق أهل العلم
على أنه لا كفارة للصلاة وهو قول الشافعي.
وقال أصحاب أبي حنيفة: أنه يطعم عنه، وقال قوم: يصلي عنه، انتهى. قلت:
واحتج بقول ابن عمر هذا من ذهب إلى منع الصوم والصلاة عن الميت، وقد تقدم
أن البخاري ذكر في باب: من مات وعليه نذر عن ابن عمر تعليقًا الأمر بالصلاة،
فاختلف قوله، والحديث الصحيح أولى بالاتِّباع.
(رَوَاهُ) أي: مالك. (فِي الْمُوَطَّأ) قد تقدم بيان ما يرد على المصنف في هذه
العبارة، وبلاغ مالك هذا وصله عبد الرزاق في ((مصنفه)) في كتاب الوصايا من
طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ((لا يصلينَّ أحدٌ عن أحدٍ، ولا
يصومنَّ أحد عن أحد، ولكنْ إنْ كنت فاعلًا تصدقت عنه أو أهديت))، ورواه
أبو بكر بن الجهم في كتابه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع والبيهقي
(ج٢ : ص٢٥٤) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع.
(٢٠٥٥) مَالِك (٣٠٣/١/ ٤٣) أنه بلغه عنه بذلك.

٣٨٧
كِتّابُ الصَّوْم
****<<<******<<<<<<<<<<<<***<<<< > <<<<<<<<<<<<< ><> <<<<<< > <<<<<<<<<<<<< **
بَابُ الْقَضَاءِ
تنبيه:
هذا الاختلاف والتفصيل الذي سبق في الصوم عن الميت إذا فاته شيء بعد
إمكان قضائه. وأمَّا من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك ولا إثم .
وأجمع العلماء على ذلك إلّا طاوسًا وقتادة فإنهما يوجبان التدارك بالصوم أو
الكفارة، ولو مات قبل إمكان القضاء. ذكره القاري.
وقال الخطابي (ج٢: ص ١٢٢، ١٢٣): اتَّفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر
في المرض أو السفر ثمَّ لم يفرط في القضاء حتى مات، فإنه لا شيء عليه ولا يجب
الإطعام عنه، غير قتادة فإنه قال: يطعم عنه. وقد حكي ذلك عن طاوس أيضًا،
انتھی .
وقال ابن قدامة (ج ٣: ص١٤٢): من مات وعليه صيام من رمضان لكنْ قبل
إمكان الصيام، إمَّا لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم،
فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا :
يجب الإطعام عنه؛ لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه،
كالشَّيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه. ولنا أنه حق اللّه تعالى وجب بالشرع،
مات من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، ويفارق الشيخ
الهرم فإنه يجوز ابتداء، الوجوب علیه بخلاف الميت، انتهى.

٣٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦ - بَابُ صِيامِ التَّطَوَعِ
الفصل الأول
٢٠٥٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّه يَصُومُ حَتَّى
نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ اَلـ
اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرِ قَطَّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي
شَعْبَانَ .وَفِي رِوَايةٍ قَّالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٥٦ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَصُومُ) أي: النفل متتابعًا. (حَتَّى نَقُولَ:
لَا يُفْطِرُ) أي: ينتهي صومه إلى غاية نقول: إنَّه لا يفطر في هذا الشهر. (وَيُفْطِرُ)
أي: يستمر على الإفطار. (حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي: ينتهي إفطاره إلى غاية
نقول: إنه لا يصوم من هذا الشهر، وذلك؛ لأنَّ الأعمال التي يتطوع بها ليست
منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، قاله العيني.
وقال الباجي: وإنما كان كذلك، والله أعلم؛ لأنَّ هذا أفضل الصوم وأشده لمن
استطاع عليه. وقال الغزالي في ((الإحياء)): الفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله
فقد يقتضي حاله دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الفطر، وقد يقتضي مزج الإفطار
بالصوم، وإذا فهم المعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم
يخف عليه صلاح قلبه. وذلك لا يوجب ترتيبًا مستمرًا، ولذلك روي أنه وَّ كان
(٢٠٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٦٩)، ومُسْلِم (١١٥٦/١٧٥) (١١٥٦/١٧٦) عَنْهَا فِي الصِّيَامِ.

كِتّاب الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٣٨٩
يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وكان ذلك بحسب ما
ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات، انتهى.
قال الأمير اليماني: في الحديث: دليل على أن صومه وَّه لم يكن مختصًّا بشهر
دون شهر، وإنَّه كان ◌َله يسرد الصيام أحيانًا ويسرد الفطر أحيانًا، ولعلَّه كان يفعل
ما يقتضيه الحال من تجرده عن الأشغال، فيتابع الصوم، ومن عكس ذلك فيتابع
الإفطار، انتهى. ولا يعارض هذا ما روي عن عائشة عند البخاري وغيره: ((كان
عمله ديمة))؛ لأنَّ المراد بذلك: ما اتخذه راتبًا لا مطلق النفل والله تعالى أعلم (وَمَا
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطَّ إِلَّا رَمَضَانَ) إنما لم يستكمل شهرًا غير
رمضان؛ لئلا يظن وجوبه. (وَمَا رَأَيْتُهُ) ◌ِِّ. (فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ) بالنصب ثاني مفعول
رأيت، والضمير في (مِنْهُ) له عليه الصلاة والسلام. (صِيامًا) تمييز.
(فِي شَعْبَانَ) سمي بذلك؛ لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج
شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله. وقيل: فيه غير ذلك والجار متعلق
بـ(صِيامًا))، والمعنى: كان رسول اللَّه وَل يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور
سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه. كذا ذكره
الطيبي .
وقيل: قوله: ((فِي شَهْرٍ)) يعني به: غير شعبان، وهو حال من المستكن في أكثر،
و(فِي شَعْبَانَ)) حال من المجرور في ((منه))، العائد إلى رسول اللَّه ◌َلّه، أي: ما رأيته
كائنًا في غير شعبان أكثر صيامًا منه كائنًا في شعبان، مثل زيد قائمًا أحسن منه
قاعدًا. أو كلاهما ظرف، ((أكثر)) الأول باعتبار الزيادة والثاني باعتبار أصل
المعنى، ولا تعلق له برؤيته وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة،
كذا في ((المرقاة)). وفيه: دليل على أنه ود ليل كان يخص شعبان بالصوم أكثر من
غيره. واختلف في وجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم. فقيل: كان يشتغل عن
صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، يدل على
هذا ما رواه الطبراني عن عائشة: ((كان رسول اللّه ◌َايل يصوم ثلاثة أيام من كل
شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان))، وفيه ابن أبي
ليلى وهو ضعيف. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان كما أخرجه للترمذي من
حديث أنس قال: سئل النبي ◌َّله، أي: الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان

٣٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لتعظيم رمضان))، وفيه صدقة بن موسى. قال الترمذي: هو عندهم ليس بذاك
القوي .
قال الحافظ: ويعارضه حديث أبي هريرة أفضل الصوم بعد رمضان صوم
المحرم. وقيل: وجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم أنَّ نساءه كنَّ يقضين ما عليهنَّ
من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونهن يؤخرن قضاء
رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنَّ يشتغلن معه وَّ عن الصوم.
وقيل: الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم
في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام
رمضان.
قال الحافظ: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى، أخرجه
النسائي وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول اللَّه لم أرك
تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ
بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيْهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالِمِينَ، فَأَحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ
عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: ((إِنَّ اللهَ
يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّئَةٍ تِلْكَ السَّنَةِ، فَأَحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))، انتهى. قيل :
ويحتمل أنه كان يكثر من صومه لهذه الحكم كلها. قلت: والمراد برفع الأعمال في
حديث أسامة: الرفع الخاص لا الرفع العام الذي يكون صباحًا و مساءً، أو المراد:
الرفع الإجمالي لا التفصيلي.
قال في ((المواهب وشرحه)): بَيَّن ◌َل وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور
بقوله: ((إِنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَانَ))، يشير إلى أنه لما اكتنفه أحاط
به شهران عظيمان: الشهر الحرام - رجب - وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما
فصار مغفولًا عنه مع رفع الأعمال فيه إلى اللَّه وكثير من الناس يظن أن صيام رجب
أفضل من صيامه - أي: شعبان - لأنه - أي: رجب - شهر حرام، وليس كذلك.
فقد روى ابن وهب بسنده عن عائشة قالت: ذكر للنبي ◌ّ ناس يصومون شهر
رجب فقال: ((فَأَيْنَ هُمْ مِنْ شَعْبَانَ))، وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد
منها: أنْ تكون - أي: الطاعة - أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيَّما

كِتَابُ الصَّوْم
Ber *< x <- 3 **
بَابُ صِيامِ التَّطوُعِ
٣٩١
الصيام فإنَّه سر بين العبد وربه، ومنها: أنَّه أشق على النفوس؛ لأنَّ النفوس تتأسى
بما تشاهد من أحوال بني الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت
الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على النفوس
المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدي بهم، وأفضل العمل أشقة.
ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين الغافلين قد يرفع به البلاء عن الناس. وقد روي
في صيامه ◌ُّ شعبان معنى آخر وهو: أنه تنسخ فيه الآجال، أي: تنقل وتفرد أسماء
من يموت في تلك الليلة إلى مثلها من العام القابل، عن أسماء من لم يمت من أم
الكتاب فيكتب في صحيفة، ويسلم إلى ملك الموت. فروي عند أبي يعلى
والخطيب وغيرهما بإسناد فيه ضعف عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبي وَّ في
شعبان. فقلت: يا رسول الله أرى أكثر صيامك في شعبان - وفي رواية: أَرَى أَحَبّ
الشَّهْرِ إِلَيْكَ أَنْ تَصُومَهُ شَعْبَان - قال: ((إِنَّ هَذَا الشَّهرَ يُكْتَبُ فِيْهِ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَسْمَاء
مَنْ يُقْبِضُ، فَأُحِب أَنْ لَا يُنْسَخَ اسْمِي إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ)) - وفي رواية أبي يعلى: ((إِنَّ اللهَ
يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةِ، فَأَحِبّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) - أي: يأتيني
كتابة أجلي، وفيه: أن كتابته في زمن عبادة يرجى لصاحبها الموت على الخير،
وإنَّ من أَوْلى تلك العبادة الصوم؛ لأنه يروض النفوس وينور الباطن ويفرغ القلب
للحضور مع الله، وقد روي مرسلًا عن التَّابعي بدون ذكر عائشة وقيل: إنه أصح
من وصله بذكرها وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر، وهو: أنَّ صيامه كالتمرين
على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن
الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل في
رمضان بقوة ونشاط، انتهى.
وأجاب النووي عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله: إن أفضل
الصيام ما يقع فيه: بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن
من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الإعذار بالسفر والمرض، مثلًا ما
منعه من كثرة الصوم فيه. وأمَّا حديث أنس المتقدم عند الترمذيِّ فهو ضعيف كما
سبق، فلا يقاوم حديث أفضلية المحرم المخرَّج في ((صحيح مسلم)).
وقال ابن رجب في ((اللطائف)» بعد ذكر فضل صوم شعبان ما ملخصه: أفضل

BeeN
٣٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه،
وتكون منزلته من صوم رمضان بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها،
فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة للفرائض. وكذلك صيام ما قبل رمضان
وبعده، فكما أنَّ السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام
ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قوله: ((أَفْضَلُ الصَّيامِ بَعْدَ
رَمَضَانَ الْمُحَرَّمُ)) محمولًا على التطوع المطلق بالصيام، انتهى. فتأمل وسيأتي شيء
من الكلام في ذلك في شرح الحديث الرابع من هذا الباب، هذا وزاد في رواية
يحيى بن كثير في حديث الباب عند البخاري: ((فإنَّه يصوم شعبان كله)).
واستشكل هذا: مع قوله في رواية الباب: ((مَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرِ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي
شَعْبَانَ))، وأجيب: بأن رواية الباب مفسرة لرواية يحيى بن أبي كثير، ومبينة بأنّ
المراد بـ((كله)): غالبه، أي: يصوم شعبان بحيث يصح أن يقال فيه: إنَّه يصوم كله
لغاية قلة المتروك، بحيث يمكن أن لا يعتد به من غاية قلته. وقيل: كان يصوم
شعبان كله تارة، أي: في سنة ويصوم معظمه أخرى، أي: في سنة أخرى؛ لئلا
يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها كله: أنه كان يصوم من أوله
تارة، ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام، لكن في
أكثر من سنة .
قال السنديُّ: معنى ((كله)»: أنه لا يخص أوله بالصيام أو وسطه أو آخره، بل يعمِ
أطرافه، وإنْ كان بلا اتصال الصيام بعضه ببعض، وتعقبه في ((المصابيح)): بأنَّ
الثلاثة كلها ضعيفة، فأمَّا الأول: فلأن إطلاق الكلٍّ على الأكثر مع الإتيان به تو كيد
غير معهود، انتهى. وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام
العرب، إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع،
ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذيُّ: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله: أنَّ رواية
الباب مفسرة لرواية يحيى بن أبي كثير ومبينة لها، وأنَّ المراد بالكلِّ: الأكثر وهو
مجاز قليل الاستعمال. واستبعده أيضًا فقال: ((كلَّ)) تأكيد لإرادة الشمول ورفع
التجوز من احتمال البعض، فتفسیره بالبعض منافٍ له، انتهى.

كِتّابُ الصَّوْم
=>
بَابُ صِيام التَّطوُعِ
٣٩٣
قال الزرقاني في ((شرح المواهب)): لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع؛ لأنَّ
الحديث يفسر بعضه بعضًا، لا سيَّما والمخرج متحد وهو عائشة وهي من
الفصحاء. وقد نقله ابن المبارك عن العرب ومن حفظ حجَّة. قال في ((المصابيح)):
وأمَّا الثاني: فلأن قولها: ((كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ)) يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك
عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة، انتهى. واختلف في دلالة ((كان))
على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال: وهذا استفدناه من قولهم:
كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في ((المحصول)) أنَّها لا تقتضيه
لا لغةً ولا عرفًا .
وقال النووي في ((شرح مسلم)): إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من
الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد: أنَّها تقتضيه عرفًا، انتهى. قال في ((المصابيح)):
وأمَّا الثالث: فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ ((شَهْرٍ)) كان العمل
عامًّا لجميعها، لا تقول: سرتُ المحرم وقد سرت بعضًا منه، ولا تقول: صمتُ
رمضان، وإنَّما صمت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم، هذا مذهب
سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلّا الزجاج.
ويمكن أن يقال: إنَّ قولها: ((وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ»، لا ينفي
صيامه لجميعه، فإن المراد: أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي
لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله؛ لأنَّه إذا صامه جميعه صدق أن
الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة، أنه لم يصم
غيره مما عدا رمضان كاملًا.
وأمَّا قولها: لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان، فيحمل على الحذف، أي: إلَّا
رمضان وشعبان. بدليل قولها في الطريق الأخرى: فإنه يصوم شعبان كله، وحذف
المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيز في كلامهم، ففي التنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ
مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أي: ومن أنفق بعده، ويمكن الجمع بطريق
أخرى وهي أن يكون قولها: ((وَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ)) محمولًا على حذف أداة
الاستثناء والمستثنى، أي: إلّا قليلًا منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ: ((ما
رأيت رسول اللَّه ◌َ له أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه إلا قليلًا)). وقيل
في الجمع: إنَّ قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره: أنه كان

٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره: أنه كان يصومه كله. وقيل
بالعكس ولا يخفى ما في ذلك.
وقال الباجي: يحتمل أن تريد بقولها: ما استكمل صيام شهر قطَّ غير رمضان،
أنه استکمله على وجه التعیین والتخصیص له، وما روي أنه کان یصوم شعبان کله،
لم يكن على وجه التعيين له، وقد روي عن عبد الله بن شقيق قلت لعائشة: هل كان
رسول اللَّه ◌َلّه يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان؟ قالت: لا، والله إنْ صام شهرًا
معلومًا سوى رمضان حتَّى مضى لوجهه ... الحديث. فقولها: شهرًا معلومًا
يقتضي أن يكون معلومًا بصومه، وهذا لا يمنع أنْ يكون صامه على غير هذا الوجه،
انتھی .
قال الحافظ: والأوَّل - من وجوه الجمع الثلاثة الأول - هو الصواب، ويؤيده
و
رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيِّ
ولفظه: ولا صام شهرًا كاملًا قطَّ منذ قدم المدينة غير رمضان، وهو مثل حديث
عبد الله بن عباس عند البخاريٍّ، قال: ما صام النبي ◌ِّ شهرًا كاملًا قطُّ غير
رمضان، انتهى. واختاره النوويُّ كما سيأتي وابن القيم كما في ((الهدي)). ومال
الطيبي إلى الوجه الثاني. وقال القاري: وهو أقرب لظاهر اللفظ. وقال العيني بعد
الكلام في الوجه الأول من وجوه الجمع: والأحسن أن يقال فيه: إنَّه باعتبار عامين
فأكثر، فكان يصومه كله في بعض السِّنين وكان يصوم أكثره في بعض السِّنين،
انتھی .
قال الحافظ: ولا تعارض بين هذا، وبين ما تقدم من الأحاديث في النهي عن
تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان
الثاني؛ فإنَّ الجمع بينهما ظاهر: بأنْ يحمل النهي على من لم يدخل تلكِ الأيامِ في
صيام اعتاده. وقد تقدم أنَّ أحاديث النهي عن التقدم مقيدة بقوله ◌َّله: ((إِلَّا أَنْ يَكُونَ
رَجُلٌ يَصُومُ يَوْمًا))، وفي الحديث: دليل على فضل الصوم في شعبان. (وَفِي رِوَايَةٍ)
أي: الْمُسْلِمٍ فإنَّه قد تفرد بها، وأخرجها أيضًا النسائيُّ وابن ماجه والبيهقِيُّ. (كَانَ
يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) أي: غالبه، ولذلك ذكرت قولها: ((كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا))؛

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيامِ التَّطوَّعِ
٣٩٥
تفسيرًا له. (كَانَ) كذا في أكثر النسخ، وهكذا وقع في ((صحيح مسلم)) و((سنن ابن
ماجه)) والبيهقي و((المحلى)) (ج ٧ص ١٤) لابن حزم، وكذا نقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج١ص ٢٠٧) قال القاري: وفي نسخة: ((وكان))، انتهى.
والظاهر: أنَّه خطأ من الناسخ. (يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا) قال النووي: الثاني
تفسير للأول وبيان أنَّ قولها: ((كُلَّهُ)) أي: غالبه، انتهى. وقال الحافظ: هذا يبيِّن أن
المراد بقولهِ في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره: أنَّه كان لا يصوم من السنة
شهرًا تامًّا إلَّا شعبان يصله برمضان، أي: كان يصوم معظمه، انتهى. وقيل: كان
يصوم كلَّه، أي: في أول الأمر، وقولها: ((كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا)) إخبارٌ عن
آخر الأمر. وقيل: المراد: أنه كان يصومه كلَّه في سنة وأكثره في سنة أخرى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد ومالك وأَبُو دَاوُدَ والنسائي وابن
ماجه والبيهقي وابن حزم (ج٧ص١٤) وأخرجه الترمذيُّ مختصرًا.
٢٠٥٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ
النَّبِيُّ وَلِّهِ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: مَا عَلِّمْتُهُ صَّامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا
أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٥٧ - قوله: (مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ)، وفي رواية: ((ما رأيته
صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلّا أن يكون رمضان))، وهذا يؤيد قول من تأوَّل
قول عائشة: كان يصوم شعبان كلَّه، بأنَّ المراد: معظمه وغالبه. (وَلَا أَفْطَرَهُ) أي :
شهرًا. (كُلَّهُ) تأكيد له. (حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ) أي: بعضه. (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) وفي
رواية: ((حتَّى مضى لوجهه))، وهو كناية عن الموت أي: حتى مات.
قال القاري: واللام في ((لِسَبِيلِهِ)) مثلها في قولك: لقيته لثلاث بقين من الشهر،
تريد مستقبلاً الثلاث، أي: كان حاله ما ذكر إلى أن مات. قال الطيبي: ((حتَّى))
(٢٠٥٧) مُسْلِم (١٧٦ / ١١٥٦)، والنَّسَائِي (١٥٢/٤) عنها فيه.

٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأُولى بمعنى كي كقولك: سرت حتى أدخل البلد بالنصب، إذا كان دخولك
مترقبًا لما يوجد كأنك قلت: سرت كي أدخلها، وكان منقضيًا إلّا أنه في حكم
المستقبل من حيث إنَّه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبًا.
وتحريره: أنَّ ((حتَّى)) الأُولى: غاية عدم الصوم باستمرار الإفطار، استعقب
للصوم، والثانية: غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار والاستمرار، هو
مستفاد من النفي الداخل على الماضي. والحديث وارد على هذا؛ لأنه عليه
الصلاة والسلام حين عزم أنْ لا يصوم الشهر كله كان مترقبًا أنْ يصوم بعضه،
و((حتَّى)) الثانية غاية لما تقدمه من الجمل كلها، انتهى. وفي الحديث: أنه يستحب
أن لا يخلي شهرًا من صيام. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه النسائيُّ والترمذيُّ.
٢٠٥٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ
رَجُلَّا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ: ((يَا أَبَا فُلانٍ، أَمَّا صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟)) قَالَ:
لَا، قَالَ: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنٍ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٥٨- قوله: (أَنَّهُ) أي: النبي ◌َ. (سَأَلَهُ) أي: عمران. (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا)
قال الحافظ: هذا شك من مطرف، أي: راوي الحديث عن عمران، فإن ثابتًا رواه
عنه بنحوه على الشك أيضًا، أخرجه مسلم، وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف
بدون شك على الإبهام أنه قال لرجل، زاد أبو عوانة في ((مستخرجه)): من
أصحابه، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به قال لعمران بغير شك، انتهى.
(وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) جملة حالية. (فَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ. (يَا أَبَا فَلَانٍ) قال الحافظ:
كذا في نسخة من رواية أبي ذر للبخاريِّ بأداة الكنية، وللأكثر ((يا فلان)) بإسقاطها .
(أَمَا) الهمزة للاستفهام. و(مَا) نافية (صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ) بفتح السين المهملة
ويجوز كسرها وضمها والراء مفتوحة في الجميع، جمع سرة بضم السين وتشديد
الراء .
(٢٠٥٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٨٣)، ومُسْلِم (١١٦/١٩٩) عَنْهُ فِيهِ.

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صِيام التَّطوّعِ
بيب
٣٩٧
قال النووي: ضبطوا السرر بفتح السين وكسرها، وحكى القاضي ضمها، قال :
وهو جمع سرة، ويقال أيضًا: سَرار وسِرار بفتح السين وكسرها، ذكره ابن
السكيت وغيره. قال الفراء: والفتح أفصح وكله من الاستسرار. واختلف في
تفسيره، والمشهور: أنَّ المراد به هنا آخر الشهر، وهو قول الجمهور من أهل اللغة
والغريب والحديث. وسمي بذلك؛ لاستسرار القمر، يعني: استتاره فيه وهي ليلة
ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين، وهذا موافق لما ترجم له البخاريُّ بقوله:
باب الصوم آخر الشهر، واستشكل بقوله ◌َّله في حديث أبي هريرة السابق: ((لَا
تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنٍ)) ، وأجيب: بأنَّ الرجل كان معتادًا لصيام سرر الشهر،
أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه.
قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): يحمل حديث السرر على أنَّ الرجل كانت له
عادة بصيام الشهر أو قد نذره. وقال الزين المنير: يحتمل أنْ يكون الرجل كانت له
عادة بصيام آخر الشهر، فلما سمع نهيه وَّ أنْ يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو
يومين ولم يبلغه الاستثناء بقوله: ((إِلَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَصُمْ)) ترك
صيام ما كان اعتاده من ذلك، فأمره بقضائها؛ لتستمر محافظته على ما وظف على
نفسه من العبادة؛ لأن أحبَّ العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه، قال: وأطلق
البخاريُّ في ترجمته الشهر، وإن كان المذكور في الحديث شهرًا مقيدًا وهو شهر
شعبان؛ إشارة منه إلى أنَّ ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى
صيام أواخر كلٍّ شهر ليكون عادة للمكلف، فلا يعارضه النهي عن تقدم رمضان
بيوم أو يومين لقوله فيه: ((إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُهُ فَلْيَصُمْهُ))، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٩٦): هذان الحديثان متعارضان في
الظاهر، ووجه الجمع أنْ يكون حديث السرر، إنما هو شيء كان الرجل قد أوجبه
على نفسه بنذره فأمره بالوفاء أو كان ذلك عادة قد اعتادها في صيام أواخر الشهور
فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له وَّيّ أنْ يقضيه. وأمَّا المنهيُّ عنه في حديث ابن
عباس وأبي هريرة فهو أن يبتدئ المرء متبرعًا به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان
تعودها فيما مضى، انتهى. وكذا قال المازري والقرطبي وغيرهما.
وقالت طائفة: سرر الشهر أوله، وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز فيما

٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حكاه أَبُو دَاوُدَ، وتعقب: بأنه لا يصحُّ أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله؛ لأنَّ أوَّل
الشهر يشتهر فيه الهلال، ويرى من أول الليل؛ ولذلك سُمِّي الشهر شهرًا؛
لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السرار قلب اللغة
والعرف، وقد أنكر العلماء ما رواه أَبُو دَاوُدَ عن الأوزاعي، منهم الخطابي حيث
قال: أنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في اللغة. ثم
حكى عن الأوزاعي بسنده مثل قول الجمهور، ثم قال: وهذا هو الصواب. وقال
البيهقي (ج٤ ص٢١١): وروى غير أبي داود عن الأوزاعي أنه قال: سره آخره،
وهو الصحيح. وقيل: سرر الشهر وسطه، ورجَّحه بعضهم وَوَجَّهَهُ بأنَّ السرر جمع
سرة، وسرة الشيء وسطه، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، وسرارة الوادي وسطه
وخياره .
وقال ابن السكيت: سرار الأرض أكرمها ووسطها، ويؤيده ما ورد من استحباب
صوم أيام البيض، وأنَّه لم يَرِد في صيام آخر الشهر ندب. بل ورد فيه نهي خاص،
وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان. ورجحه النووي بأنَّ مسلمًا أفرد الرواية
التي فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحض
على صيام البيض وهي وسط الشهر.
قال الحافظ: لكن لم أر في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره وهو سرة بل
هو عند أحمد من وجهين بلفظ: سرار، وأخرجه من طرق عن سليمان التيمي في
بعضها سرر وفي بعضها سرار، وهذا يدل على أن المراد آخر الشهر، انتهى، وتقدم
وجه الجمع بين هذا وبين النهي عن صوم آخر شعبان، أي: عن تقدم رمضان بيوم
أو يومين. وروى أَبُو دَاوُدَ ومن طريقه البيهقي عن معاوية مرفوعًا: ((صُوْمُوا الشَّهْرَ
وَسَرَّهُ))، قال في ((النهاية)): أراد صوموا أول الشهر وآخره، يعني: أول كل شهر
وآخره والمقصود: بيان الإباحة.
قال الخطابي: والعرب تسمي الهلال الشهر، تقول: رأيت الشهر، أي:
الهلال. قال الشاعر :
وَالشَّهْرِ مِثْلِ قُلَامَةِ الظُّفْرِ
أي: الهلال، وقيل: المراد بـ((الشَّهْرَ)): شعبان، أي: صوموا شعبان، ثم أكد

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صِيامِ التَّطوع
٣٩٩
بقوله: ((وَسَرَّهُ)) بأنَّ آخر شعبان أولى بالصيام، وقيل: المراد بـ(الشَّهْرَ)): رمضان
وبـ(سِرَّهُ)) آخر شعبان، وإضافته إلى رمضان للاتصال والخطاب لمن تعود (قَالَ:
لَا)، أي: قال الرجل: ما صمته. (قَالَ) أي: النبي ◌ِّهِ. (فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من
رمضان كما في أحمد ومسلم، أي: فرغت من رمضان. (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد
عوضًا عن سرر شعبان، ففي رواية لأحمد ومسلم: ((فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَّانَهُ))، أي :
مكان سرر شعبان، وفيه: مشروعية قضاء التطوع، وقد يؤخذ منه: قضاء الفرض
بطريق الأولى خلافًا لمن منع ذلك. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري وأخرجه أحمد
(ج ٤ ص٤٢٨ - ٤٣٢ - ٤٣٤ - ٤٣٩ - ٤٤٢ - ٤٤٤ - ٤٤٦) وأَبُو دَاوُدَ والدارمي
والبيهقي (ج ٤ ص ٢١٠).
٢٠٥٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفْضَلُ
الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ
لَّيْلِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٥٩ - قوله: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ) وفي رواية التر مذي: «بَعْدَ صِيَام
شَهْرِ رَمَضَانَ))، (شَهْرُ اللهِ) أي: صَيام شهر الله، والإضافة إلى الله للتشريفُ
والتعظيم. وقال العراقي في ((شرح الترمذي)): لما كان المحرم من الأشهر الحرم
التي حرم فيها القتال، وكان أول شهور السنة أضيف إليه إضافة تخصيص، ولم
يصح إضافة شهر من الشهور إلى اللَّه تعالى عن النبي ◌َّ إلَّا شهر الله المحرم،
انتهى. (الْمُحَرَّمُ) بالرفع صفة المضاف.
قال الطيبي : أراد بصيام شهر الله صيام يوم عاشوراء، انتهى. فيكون من باب
ذكر الكل وإرادة البعض، لكن الظاهر: أنَّ المراد جميع شهر المحرم وتمامه.
(٢٠٥٩) مُسْلِمٍ (٢٠٢ / ١١٦٣)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٢٩)، والتِّرْمِذِي (٧٤٠)، والنَّسَائِي في ((الكبرى))
(٢٩٠٧)، وابن مَاجَهْ (١٧٤٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.