النص المفهرس
صفحات 361-380
EGENE
٣٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحمول بلا هاء، فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن، انتهى.
(تَأَوْي) أي: تأويه فإن أوى لازم ومتعد على لفظ واحد يقال: أوى البيت وإلى
البيت نزل فيه، وأواه البيت وإلى البيت أنزله فيه، وفي الحديث يجوز الوجهان،
والمعنى: من كانت له دابة تؤوي صاحبها أو تأوي بصاحبها، وقوله: (تَأَوْي) كذا
في جميع النسخ من ((المشكاة)) وكذا في ((المصابيح)) وبعض نسخ أبي داود،
وهكذا وقع عند أحمد (ج٣ص٤٧٦) ووقع في بعض نسخ أبي داود: ((يَأْوِي))،
وكذا نقله في ((جامع الأصول)) (ج١ص ٢٧٣) وهكذا وقع عند أحمد (ج٥ص٧)
والبيهقي (ج٤ ص٢٤٥) وكذا نقله ابن حزم في ((المحلى)) (ج٦ ص ٢٤٧) وابن
قدامة (ج٣ص ١٥٠) أي: من كانت له حمولة يأوي صاحبها. (إِلَى شِبَع) بكسر
الشين وسكون الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر.
والمعنى الأول هنا أظهر، والثاني يحتاج إلى تقدير مضاف، وهو في الرواية
أكثر يعني: من كان له حمولة تأويه إلى حال الشبع ورفاهية، أو إلى مقام يقدر على
الشبع فيه، ولم يلحقه في سفره وعثاء ومشقة وعناء. (فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ)،
أي: رمضان، يعني: من كان له مركب يوصله إلى منزله في حال الشبع والرفاهية
ولا يلحقه في سفره جهد ومشقة فليصم، والأمر محمول على الندب، والحث
على الأولى والأفضل للنصوص الدالة على جواز الإفطار في السفر مطلقا، أي:
وإن لم يلحقه مشقة. وقيل: المعنى من كان راكبًا وسفره قصير بحيث يبلغ إلى
المنزل ففي يومه فليصم رمضان، والأمر على هذا محمول على الوجوب؛ لأنه لا
يباح الفطر عند الجمهور إلا في السفر الطويل الذي يبيح القصر، وقد تقدم ذكر
قدره في الصلاة. وقال داود: يجوز الإفطار في السفر، أيُّ قدر كان.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أحمد والبيهقي (ج٤ ص٢٤٥) وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ.
وقال المنذري: في إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي العوذي البصري. قال ابن
معين: ليس به بأس. وقال أبوحاتم الرازي: يكتب حديثه وليس بالمتروك. وقال:
يحول من كتاب ((الضعفاء)). وقال البخاري: لين الحديث ضعفه أحمد، وقال
البخاري أيضًا: عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب الحديث ولم يعد
البخاري هذا الحديث شيئًا. وقال أبوحاتم الرازي: لين الحديث ضعفه أحمد وذکر
له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث، وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلَّا به، انتهى.
كِتّابُ الصَّوْم
بَاب صَوْمِ الْمُسَافِرِ
٣٦١
الفصل الثالث
-
٢٠٤٧ - [٩] عَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَه خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ
فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَّحِ مِنْ مَاءٍ
فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَّهُ: بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضََّ النَّاسِ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
قَدْ صَامَ، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)) .
الشرح
٢٠٤٧ - قوله: (حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيم) بضم الكاف والغميم بفتح الغين
المعجمة، وادٍ بالحجاز، منتهاه قريب من عسَفان سمي ذلك المنتهى كراعًا؛ لأنه
يشبه كراع الغنم وهو مادون الركبة من الساق، ذكره ابن حجر، وقال في ((النهاية)):
هو اسم موضع بين مكة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحرة تشبيها
بالكراع، والغميم بالفتح واد بالحجاز، انتهى.
وقال الحافظ: هو اسم واد أمام عسفان. (فَصَامَ النَّاسُ) عطف على ((فَصَامَ))،
أي: صام هو وأصحابه. (ثُمَّ دَعَا بِقَدَح مِنْ مَاءٍ)، أي: بعد العصر كما تقدم. قال
السِّنديُّ: فيه دليل على جواز الفطر للَّمسافر بعد الشروع في الصوم، ومن يقول
بخلافه، فلا يخلو قوله عن إشكال، انتهى. (ثُمَّ شَرِبَ)، أي: ليتابعوه في الإفطار.
(إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ)، ظنًّا منهم. أنَّ إفطاره كان لبيان الجواز.
(قَدْ صَامَ) أفرد الضمير للفظ البعض، ثم رجع لمعناه. (فَقَالَ: أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ،
أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ) جمع العاصي، كذا وقع مكررًا مرتين تأكيدًا أو تشديدًا، ورواه
الترمذي والنسائي والبيهقي والطحاوي، وقالوا: ((أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ)) مرة واحدة،
وسياق الترمذي أنَّ رسول اللَّه وَ لَه خرج إلى مكة عام الفتح حتى بلغ كراع الغميم
وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنَّ الناس ينظرون
(٢٠٤٧) صحيح مسلم (٩٠).
٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطرَ
بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أنَّ ناسًا صاموا فقال: ((أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ))، انتهى.
وإنما نسب الصائمين إلى العصيان؛ لأنهم خالفوا فعل الرسول وَ له ولم يمتثلوا ما
أراده وَئية برفع قدح الماء وشربه من اتباعه في الإفطار مع وجود المشقة.
قال الحافظ: نسب الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم فخالفوا. وقال
النووي: هذا محمول على من تضرر بالصوم، أو أنهم أمروا بالفطر أمرًا جازمًا
لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين: لا يكون الصائم اليومِ
في السفر عاصيًا إذا لم يتضرر به، ويؤيد التأويل الأول قوله في الرواية الثانية: إنّ
الناس قد شق عليهم الصيام، انتهى. وقال الطيبي: التعريف في الخبر للجنس،
أي: أولئك الكاملون في العصيان؛ لأنه ◌َّ بالغ في الإفطار حتى رفع قدح الماء
بحیث یراه كلُّ الناس، ثم شرب لكي يتبعوه ویقبلوا رخصة الله، فمن أبى فقد بالغ
في العصيان، والله أعلم، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق عبد الوهاب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر،
ورواه أيضًا من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن جعفر، وزاد، فقيل له :
إنَّ الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد
العصر، ومن طريق الدَّرَاوَرْدِي رواه الترمذي والبيهقي ورواه النسائي والطحاوي
من طريق ابن الهاد عن جعفر بن محمد.
٢٠٤٨ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌ِ :
((صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ)».
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٠٤٨ - قوله: (صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ) فيه مبالغة في
المنع عن الصوم في السفر، وهو محمول على حال عدم القدرة ولحوق الضرر
(٢٠٤٨) رَوَاهُ ابن مَاجَهْ (١٦٦٦). وإسنادُهُ ضعيفٌ، والصوابُ فيه: أنَّهُ موقوفٌ على عبد الرحمنِ بنِ
عوفٍ، كما بُيِّنَ في ((التَّعْلِيقِ)) الرغيبِ، و((الضَّعِيفَة)) (٤٩٨).
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
٣٦٣
والاستنكاف عن العمل برخصة الله. وقال مَيْرك: يفهم من الحديث منع الصوم في
السفر كمنع الإفطار في الحضر. قلت: هذا ظاهر الحديث ومشى عليه الظاهرية
كما تقدم، وإنما أوَّلناه بما سبق جمعًا بينه وبين الأحاديث التي وردت على خلاف
ذلك صريحًا، وذهب إليها جمهور العلماء. وقال السِّنديُّ: قوله: ((كَالِمُفْطِرِ فِي
الْحَضَرِ))، أي: في غير رمضان فمرجعه إلى أن الصوم خلاف الأولى، أو كالمفطر
في رمضان، فمدلوله أنَّه حرام، والأول هو أقرب، ومع ذلك لا بد عند الجمهور
من حمله على حالة مخصوصة، كما إذا أجهده الصوم، انتهى.
وقال الشوكاني: هو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم
كحالة المشقة جمعًا بين الأدلة. وقال الحافظ: هو محمول على ما تقدم أولًا،
حيث يكون الفطر أولى من الصوم. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، وكذا البزار وابن حزم في
((المحلى)) (ج ٦ ص٢٥٨) كلهم من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن أبي سلمة
ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه. قال في ((الزوائد»: في إسناده انقطاع، وأسامة
ابن زيد متفق على تضعيفه، وأبوسلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا. قاله
ابن معین و البخاري، انتھی .
وقال ابن حزم: قد صح سماع أبي سلمة عن أبيه قال: ولا نحتجُ بأسامة بن زيد
الليثي، ولا نراهً حجّة لنا ولا علینا. وقال البزار: أسنده أسامة وتابعه يونس، ورواه
ابن أبي ذئب وغيره عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه موقوفًا، ولو ثبت مرفوعًا
لكان منسوخًا بحديث الكدید.
وقال الحافظ في ((الفتح)): رواه الأثرم من طريق أبي سلمة مرفوعًا، والمحفوظ
عن أبي سلمة عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائي وابن المنذر، ومع وقفه فهو
منقطع؛ لأنَّ أبا سلمة لم يسمع من أبيه. وقال في ((التلخيص)) (ص١٩٥): أخرجه
ابن ماجه والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف - أي: مرفوعًا - والنسائي من
حديثه بلفظ: قال كان يقال: ((الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ كَالْإِفْطَارِ فِي الْحَضَرِ)»، وصوب
وقفه على عبد الرحمن، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر وضعَّفه، وكذا صحح
كونه موقوفًا ابن أبي حاتم، عن أبيه في ((العلل)) (ج١ ص٢٣٩) والدار قطني في
((العلل)) والبيهقي (ج ٤ ص٢٤٤)، انتهى. قلت: أسامة بن زيد الليثي قد تكلّم فيه
٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحيى القطان وأحمد وأبوحاتم والنسائيُّ، ووثقه ابن معين والعجلي، وقال ابن
عدي: ليس به بأس.
وقال أَبُو دَاوُدَ: صالح، وروى له مسلم استشهادًا أو مقرونًا به في الإسناد، فهو
من الرجال الذين اختلفوا فيهم، لا ممن اتفقوا على تضعيفهم، ثم إنه وإن تكلِّم
فيه، لكن الحق أنه ثقة صالح للاحتجاج، ولذلك ذكره الذهبي في كتابه، ذكر
أسماء من تكلم فيه وهو موثّق حيث قال: أسامة بن زيد الليثي لا العدوي صدوق
قوي الحديث، أكثر مسلم في إخراج حديث ابن وهب عنه، ولكن أكثرها شواهد
أو متابعات. والظاهر: أنه ثقة. وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، انتهى.
فتضعیف المرفوع من جهة أسامة هذا ليس بصحيح عندي، على أنه قد تابعه يونس
كما قال البزار، نعم تضعيفه من جهة كونه منقطعًا حق لا شك فيه؛ فإنَّ أبا سلمة بن
عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. قال في ((تهذيب التهذيب)) (ج١٢ ص١١٧): قال
علي بن المديني وأحمد وابن معين وأبوحاتم ويعقوب ابن شيبة وأَبُو دَاوُدَ: حديثه
عن أبيه مرسل، قال أحمد: مات وهو صغير. وقال أبوحاتم: لا يصحُّ عندي،
وصرَّح الباقون بكونه لم يسمع منه.
وقال ابن عبد البر: لم يسمع من أبيه، وحديث النضر بن شيبان في سماع أبي
سلمة عن أبيه لا يصححونه، انتهى.
٢٠٤٩ - [١١] وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الْأَسْلَمِيِّ، أُنَهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَّرِ، فَهَّلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: ((هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ
اللَّهِ رَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ)).
[رَوَاهُ مُسلِم] {صحيح}
الشرح
٢٠٤٩ - قوله: (إِنِّي أَجِدُ) كذا في جميع النسخ وهكذا في ((جامع الأصول))
(ج٧ص ٢٦٤) وكذا وقع في رواية الدارقطني، والذي في ((صحيح مسلم)):
(٢٠٤٩) النسائي (٢٣٠٣).
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابَ ضؤْم الْمُسَافِرِ
٣٦٥
((أجد))، أي: بحذف كلمة (إِنِّي)، وهكذا نقله المجد بن تيمية في ((المنتقى)). (بِي
قُوَّةً)، أي: زائدة. (عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ)، أي: إثم أو بأس
بالصوم أو الفطر. (قَالَ: هِيَ) أي: الإفطار والتأنيث باعتبار الخبر.
(رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ رَى) فإن الصوم عزيمة منه تعالى. وقال الطيبي: قوله: ((هِيَ
رُخْصَةٌ)) الضمير راجع إلى معنى السؤال، أي: هل عليَّ إثم إن أفطرت؟ فأنثه
باعتبار الخبر كما في قوله: من كانت أمك، ويحتمل أن السائل قد سمع أنَّ الصوم
في السفر عصيان، كما في حديث جابر: ((أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ))، فسأل هل عليَّ جناح أن
أصوم لأني قوي عليه؟ فقال: لا؛ لأن الإفطار رخصة، ولفظ الحسن يقوي الوجه
الأول. وقال ابن حجر: يحتمل أن مراده: فهل علي جناح في الفطر لأني قوي،
والرخصة للضعيف؟ أو في الصوم؛ لأن الفطر رخصة، وقد تكون واجبة. وقوله:
((هِيَ)) أي: تلك الفعلة أو الخصلة المذكورة وهي الإفطار في السفر، وأنث ضميره
وهو رخصة، أي: تسهيل من اللَّه رَ لعباده؛ دفعًا للمشقة عليهم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وتأنيث الضمير التأنيث الخبر.
(فَمَنْ أَخَذَ بِهَا) أي: بالرخصة. (فَحَسَنٌ) أي: فعله حسن مرضي لا جناح عليه
للحديث الآخر: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى عَزَائِمُهُ))، (وَمَنْ
أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْه) قال القاري: كان ظاهر المقابلة، أن يقول: فحسن أو
فأحسن، بل مقتضى كون الأول رخصة والثاني: عزيمة، أن يعكس في الجزاء بأن
يقال في الأول: فلا جناح عليه، وفي الثاني: فحسن لكن أريد المبالغة؛ لأنَّ
الرخصة إذا كانت حسنًا فالعزيمة أولى بذلك، ولعله الثلا علم بنور النبوة أن مراد
السائل بقوله: (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟) أي: في الصوم، ويدل عليه المقدمة المتقدمة
من قوله: ((إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَام))، وكذا ما سبق من حديثه أول الباب،
انتهى باختصار. قلت: ظاهر الحديث ترجيح الإفطار في السفر مطلقًا كما هو
مذهب أحمد خلافًا للجمهور لقوله: ((فَحَسَنٌ)).
قال الشوكاني: قوله: ((أَجِدُ بِي قُوَّةً)) ظاهره: أن الصوم لا يشق عليه ولا يفوت به
حق، وفي رواية لمسلم: ((إني أسرد الصوم))، وقد جعل المصنف - يعني : صاحب
((المنتقى)) - هذا الحديث قوي الدلالة على فضيلة الفطر؛ لقوله بَّثية: «فَمَنْ أَخَذَ بِهَا
٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
=*
فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ))، فأثبت للآخذ بالرخصة الحسن، وهو أرفع
من رفع الجناح.
وأجاب الجمهور: بأن هذا فيمن يخاف ضررًا أو يجد مشقة، كما هو صريح
الأحاديث. وقد أسلفنا تحقيق ذلك. وقال الأُبِّي في شرحه لمسلم: احتج بالحديث
من جعل الفطر أفضل لقوله فيه: ((فَحَسَنٌ))، وقال في الصوم: ((فَلَا جُنَاحٌ))، ولا
حجة فيه؛ لأن قوله: ((لَا جُنَاحٌ)) إنما هو جواب لقوله: ((هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ))، ولا يدل
على أن الصوم ليس بحسن وقد وصفهما معًا في الآخر بالحسن.
وإنما لم يدل على أن الصوم ليس بحسن؛ لأنَّ نفي الجناح أعم من الوجوب
والندب والإِباحة والكراهة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق عروة بن الزبير عن أبي مرواح
عن حمزة، وأخرجه أيضًا النسائي والدارقطني (ص٢٤٢)، والطحاوي
(ج١ : ص٤٣٣) والبيهقي (ج٤: ٢٤٣).
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٦٧
٥ - بَابُ الْقَضَاءِ
(باب القضاء) أي: حكمه وآدابه .
الفصل الأول
٢٠٥٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ،
فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّ فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ: تعني: الشُّغْلُ مِنَ
النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِّ ◌َلِّ .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٥٠- قوله: (قَالَتْ: كَانَ) أي: الشأن. (يَكُونُ عَلَيَّ) بتشديد التحتانية.
(الصَّوْمُ) أي: قضاؤه. (مِنْ رَمَضَانَ) تريد أيامًا من رمضان فاتتها بحيض أو مرض،
أو غير ذلك من الأعذار المبيحة للفطر، وتكرير الكون لتحقيق القضية وتعظيمها،
والتقدير: كان الشأن يكون كذا، والتعبير بلفظ الماضي أولًا. والمضارع ثانيًا؛
لإرادة الاستمرار وتكرار الفعل، قاله القسطلاني، وقيل: لفظه ((يَكُونُ)) زائدة كما
قال الشاعر :
وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كَرَاما
وقال الطيبي: ((الصَّوْمُ)) اسم كان و(عَلَيَّ)) خبره و ((يَكُونُ)) زائدة. (فَمَا أَسْتَطِيعُ)
أي: ما أقدر. (أَنْ أَقْضِيَ) أي: ما فاتني من رمضان. (إِلَّا فِي شَعْبَانَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ) أي: الراوي المذكور في سند هذا الحديث، وهو يحيى بن سعيد الأنصاري
(٢٠٥٠) البُخَارِي (١٩٥٠)، ومُسْلِم (١٥١/ ١١٤٦)، وأَبُو دَاوُد (٢٣٩٩)، والتِّرْمِذِي (٧٨٣)، وابن
ماجه (١٦٦٩)، والنَّسَائِي (٤ / ١٩١) عَنْهَا فِي الصِّيَامِ.
٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نصَّ عليه الحافظ المزي عند ذكر هذا الحديث. وقال الحافظ: هو يحيى بن سعيد
الأنصاري، ولا جائز أن يكون يحيى بن سعيد القطان؛ لأنه لم يدرك أبا سلمة بن
عبد الرحمن، وليست لزهير بن معاوية عنه رواية، وإنما هو يروي عن زهير.
(تَعْنَي: الشُّغْلُ) كذا في أكثر النسخ بزيادة كلمة: ((تعني))، وهكذا وقع في
((المصابيح))، والشغل بضم الأولى وسكون الثانية مرفوع على أنه فاعل فعل
محذوف أي: قال يحيى: تريد عائشة يمنعني الشغل، أو أوجب ذلك الشغل ووقع
في نسخة القاري. قال يحيى بن سعيد: ((الشغل)) أي: بإسقاط كلمة. ((تَعْنِي)) وكذا
نقله الجزري في ((جامع الأصول)) وهكذا وقع في البخاري.
قال الحافظ: قوله: ((الشُّغْلُ)) هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: المانع لها هو
الشغل، أو هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره الشغل هو المانع. (مِنَ النَّبِيِّ) أي: من
أجله. (أَوْ بِالنَّبِّ ◌ََّ) قال القاري: (مِنْ) للتعليل أي: لأجله والباء للسببية، و(أَوْ)
للشك من أحد الرواة عن يحيى على ما هو الظاهر، ويمكن أن يكون للتنويع.
و((الشُّغْلُ)) مبتدأ، والتقدير: الشغل المانع لقضاء الصوم كان ثابتًا من جهته، أو
اشتغالها بخدمته وهو المانع من القضاء، انتهى. والمراد من الشغل: أنها كانت
مهيئة نفسها لرسول اللَّه وَ ل مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها، إن أراد ذلك ولا
تعلم متى يريده. وأمَّا في شعبان فإنه وَّر كان يصومه، فتفرغ عائشة فيه لقضاء
صومها، وفي هذا التعليل إشكال كما ستعرف.
قال الحافظ: وفي قوله: ((قَالَ يَحْيَى ... )) إلخ. تفصيل لكلام عائشة من كلام
غيرها، أي: فيه بيان من البخاري أن هذا ليس من قول عائشة. بل مدرج من قول
غيرها، ووقع في رواية أحمد بن یونس عند مسلم مدرجًا، لم يقل فیه: قال یحیی،
فصار كأنه من كلام عائشة أو من روى عنها. وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن
بلال عن يحيى مدرجًا أيضًا، ولفظه: وذلك لمكان رسول اللَّه وَّ، وأخرجه من
طريق ابنٍ جريج عن يحيى، فبيَّن إدراجه، ولفظه: ((فظننت أن ذلك لمكانها من
رسول اللَّه وَلّ)) يحيى يقوله. وأخرجه أَبُو دَاوُدَ من طريق مالك، والنسائي من
طريق يحيى القطان وسعيد بن منصور عن ابن شهاب وسفيان، كلهم عن يحيى
بدون هذه الزيادة. وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٦٩
بدون الزيادة، لكن فيه ما يشعر بها فإن لفظه ((قالت: أنْ كانت إحدانا لتفطر في
زمان رسول اللَّه ◌َ﴾ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول اللَّه ◌َ ﴾ حتى يأتي شعبان)».
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالمعية: الزمان، أي: أنَّ ذلك كان خاصًّا
بزمانه، وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة: ما كنت أقضي ما يكون
عليَّ من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول اللَّه ◌َّةٍ، انتهى.
قلت: قد اعترض على التعليل المذكور. فقال ابن عبد البر: هذا التعليل ليس
بشيء؛ لأن شغل سائر أزواجه كشغلها أو قريب منه؛ لأنه أعدل الناس، حتى قال:
((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكَ فَلَا تَلُمْنِي فِيْمَا لَا أَمْلِك))، وإنما أخرت ذلك للرخصة
والتوسعة. وقال في ((اللامع)): قد كان يُّل له تسع نسوة، يقسم لهن ويعدل، فما
تأتي نوبة الواحدة إلا بعد ثمانية أيام، فكان يمكنها أن تقضي في تلك الأيام.
وأجاب عنه القرطبي: بأن القسم لم يكن واجبًا عليه، فهنَّ يتوقعن حاجته في كل
الأوقات، انتهى.
قال القسطلاني: والصحيح عند الشافعية وجوبه عليه، فيحتمل أن يقال: كانت
لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن
لها، انتهى. وقيل: إن القسم إنما هو في المبيت في الليل دون النهار. وقال
الحافظ: ومما يدل على ضعف الزيادة المذكورة أنه مَّل﴾. كان يقسم لنسائه فيعدل،
وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها
بشيء من ذلك ما يمنع الصوم، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: أنَّها كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم
يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو رَّةٍ يكثر
الصوم في شعبان فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان، انتهى.
وقال النووي: كانت كل واحدة منهن مهيأة نفسها لرسول اللَّه وَّل مترصدة
الاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا تدري متى تريده ولا تستأذنه في
الصوم؛ مخافة أنْ يأذن، وقد يكون له حاجة فيها فيفوتها عليه، وهذا من الأدب،
وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأنَّ النبي ◌َّ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة
له فيهن حينئذٍ في النهار؛ ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز
تأخیره عنه، انتهى .
٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيح
وقال الباجي: والظاهر: أنه ليس للزوج جبر المرأة على تأخير القضاء إلى شعبان
إلا باختيارها؛ لأن لها حقًّا في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها، وأمَّا التنفل فإن
له منعها لحاجة إليها لحديث أبي هريرة: ((لَا يَحِلَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا
بِإِذْنِهِ))، وفي الحديث حجة للجمهور أن القضاء لا يجب على الفور؛ إذ لو منع
التأخير لم يقرها وَله، نعم، يندب التعجيل؛ لأن المبادرة إلى الطاعة والمسارعة
إلى الخير أولى. وأوجب داود القضاء من ثاني شوال، فإن أخره أثم وحديث
عائشة يرد عليه. وقال الشوكاني: في الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان
مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة المذكورة مدرجة، ولكن الظاهر
اطلاع النبي وَّ على ذلك لا سيَّما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام
الشرعية، فيكون ذلك - أعني: جواز التأخير - مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك.
قلت: واحتج الجمهور أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥) فإنه
أمر بالقضاء مطلقًا عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل،
فيكون وجوب القضاء موسعًا على التراخي لا على الفور، ويؤخذ من حرص عائشة
على القضاء في شعبان: أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر، فإنْ
دخل فالقضاء واجب أيضًا فلا يسقط، وأمَّا الإطعام فليس له في الحديث ذكر لا
بالنفي ولا بالإثبات.
واختلف العلماء فيه، فذهب الجمهور - مالك والشافعي وأحمد - إلى وجوب
الإطعام مع القضاء، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعمر، ونقل الطحاوي
عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستّة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا،
انتهى. وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى
قول الجمهور في ذلك، ومال البخاريُّ إلى أنه يقضي ولا كفارة عليه، حيث قال
بعد ذكر قول أبي هريرة وابن عباس في الإطعام ما لفظه: ولم يذكر اللَّه الإطعام،
إنما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أي: وسكت عن الإطعام وهو الفدية لتأخير
القضاء ولم يثبت فيه شيء مرفوع. وفي الحديث: إنَّ حق الزوج من العشرة
والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضًا محصورًا في الوقت. وقيل:
قول عائشة: ((فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)) يدل على أنها كانت لا تتطوع
بشيء من الصيام لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا في غيرهما، وهو مبني
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٧١
على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دينٌ من رمضان، ولكن من أين
ذلك لمن يقول به؟ والحديث ساكت عن هذا.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) اللفظ للبخاريِّ، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأَبُو دَاوُدَ
والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن خزيمة.
٢٠٥١ - [٢] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((لَا يَحِلُّ
لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٠٥١- قوله: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ) أي: المزوجة. (أَنْ تَصُومَ) أي: نفلاً أو
واجبًا على التراخي قاله القسطلاني، وخصَّه البخاريُّ بالتطوع، وكأنه تلقاه من
رواية الحسن بن علي عن عبد الرزاق، فإنَّ فيها لا تصوم المرأة غير رمضان.
وأخرج الطبراني من حديث ابنِ عباس مرفوعًا في أثناء حديث: (وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ
عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا)) .
(وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ) أي: حاضر عندها مقيم في بلدها، وفي رواية: ((وَبِعِلْمِهَا
شَاهِدٌ))، قال الحافظ: رواية ((بَعْلَهَا)) أفيدُ؛ لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أنَّ البعل
اسم للزوج والسيد، فإن ثبت وإلا أُلحق السيد بالزوج للاشتراك في المعنى يعني :
يلتحق به السيد بالنسبة لأمته التي يحل له وطؤها. (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: تصريحًا أو
تلويحًا، فيه: دليل على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو قول الجمهور.
قال النووي: وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كلِّ الأيام
وحقه فيه واجب على الفور، فلا يفوته بتطوع ولا بواجبٍ على التراخي، فإن قيل :
فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد
صومها، فالجواب: أنَّ صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة فإنّ المسلم يهاب
(٢٠٥١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥١٩٥)، ومُسْلِم (١٠٢٦/٨٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِيهِ.
BACK
٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انتهاك الصوم بالإفساد، ولا شك أن الأولى له خلاف ذلك إن لم يثبت دليل كراهة،
نعم لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد يقتضي جواز التطوع لها،
إذا كان زوجها مسافرًا، لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه، وفي معنى
الغيْبَة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع.
قال القاري: ظاهر الحديث إطلاق منع صوم النفل فهو حجّة على الشافعية في
استثناء نحو عرفة وعاشوراء.
قال شيخنا: الأمر كما قال القاري، وإنما لم يلحق بالصوم صلاة التطوع لقصر
زمنها، وفي معنى الصوم الاعتكاف، لا سيما على القول: بأنَّ الاعتكاف لا يصحُّ
بدون الصوم، قال: ولا يبعد أن يحمل قوله: ((لَا يَحِلَّ)) على معنى لا ينبغي أن
تصوم قضاء رمضان أو قضاء صوم النفل، إذا كان الوقت متسعًا؛ ليكون مناسبًا
لعنوان الباب، انتھی.
قلت: عدم حل الصوم ظاهر في حرمته، وهو يشمل ابتداء الصوم وقضاءه، فلا
يجوز لها صوم النفل ولا قضاء الواجب إذا كان الوقت متسعًا إلا بإذن زوجها، وفي
الحديث: أن حقَّ الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأنَّ حقه واجب،
والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع. (وَلَا تَأْذَنَ) قال القاري: بالنصب في
النسخ المصححة عطفًا على (تَصُومَ)، أي: ولا يحل لها أن تأذن أحدًا من الأجانب
أو الأقارب حتى النساء و((لَا)) مزيدة للتأكيد.
وقال ابن حجر: يصحُّ رفعه خبرًا يراد به النهى وجزمه على النهى. (فِي بَيْتِهِ)
أي: دخول بيته والمراد ببيت زوجها: مسكنه، سواء كان ملكه أو لا. (إِلَّا بِإِذْنِهِ)
وفي معناه: العلم برضاه، وفي رواية مسلم: ((وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، قال الحافظ :
هذا القيد لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب، وإلّا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة
للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذٍ عليها المنع لثبوت الأحاديث
الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات، أي: من غاب عنها زوجها. ويحتمل
أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذّر، فلو دعت
الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره.
كِتّاب الصَّوْم
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٧٣
وقال النووي: في هذا الحديث: إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في
بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أمَّا لو علمت رضا الزوج
بذلك فلا حرج عليها كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعًا معدًّا لهم. سواء
كان حاضرًا، أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك.
وحاصله: أنَّه لا بد من اعتبار إذنه تفصيلاً أو إجمالًا .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هذا يوهم أنَّ الحديث من أفراد مسلم، وأنه رواه بهذا اللفظ وليس
كذلك، فإن الحديث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللفظ المذكور للبخاري، أخرجه في أثناء
حديث في كتاب النكاح من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وذكره
مسلم كذلك في كتاب الزكاة من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة بلفظ: ((لَا تَصُم
الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، ورواه البخاريُّ
أيضًا من هذا الطريق مقتصرًا على الجملة الأولى فكان حق المصنف أن يقول:
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، واللفظ للبخاري. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص٢١٦) من
طريق همام بن منبه، والترمذي وابن ماجه من طريقٍ أبي الزناد عن الأعرج بلفظ:
((لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ شَهْرٍ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، وأَبُو دَاوُدَ من طريق
همام وزاد: ((غَيْرِ رَمَضَانَ))، وأخرجه أيضًا الدارمي والبيهقي (ج٤: ص ٣٠٣) وفي
الباب عن أبي سعيد عند أبي داود والدارمي وابن ماجه وعن ابن عباس عند
الطبراني .
٢٠٥٢ - [٣] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ
تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكِ، فَتُؤْمَرُ
بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٠٥٢- قوله: (وَعَنْ مُعَاذَةَ) بميم مضمومة وعين مهملة وذال معجمة بنت
عبد الله. (الْعَدَوِيَّةِ) بعين ودال مفتوحتين منسوبة إلى عدي بن كعب، بطن من
(٢٠٥٢) الْبُخَارِي (٣٢١)، ومُسْلِم (٦٩/ ٣٣٥)، وأَبُو دَاوُد (٢٦٢)، والترمذي (١٣٠)، والنَّسَائِي (٤/
٩١)، وابن ماجه (٦٣١) عَنْهَا فيه .
٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
# BaeeR
قريش. (أَنَّها قَالَتْ لِعَائِشَةَ)، وفي رواية البخاري، وكذا في رواية لمسلم: ((عن
معاذة: أن امرأة قالت لعائشة)). قال الحافظ: كذا أبهمها همام، وبيَّن شعبة في
روايته عن قتادة أنَّها هي معاذة الراوية أخرجه الإسماعيلي، وكذا لمسلم من طريق
عاصم وغيره عن معاذة. (مَا بَالُ الْحَائِضِ) أي: ما شأنها، وإنما لم يدخله التاء
للاختصاص.
(تَقْضِي الصَّوْمَ) أي: الذي فاتها أيام حيضها. (وَلَا تَقْضِي الصَلَاةَ) مع أنهما
فرضان تُركا لعلةٍ واحدة وهي الحيض، وفي معناه النفاس تعنى: أن مقتضى الرأي
أن يكون الصوم والصلاة متساويان في الحكم، لأنَّ كلَّا منهما عبادة تركت لعذر.
(كَانَ) أي: الشأن. (يُصِيْبُنَا ذَلِكَ) بكسر الكاف وبفتح أي: الحيض. (فَتُؤْمَرُ) أي:
نحن معاشر النساء. (بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) في شرح الطيبي: قيل :
الجواب من الأسلوب الحكيم، أي: دع السؤال عن العلة إلى ما هو أهم منها من
متابعة النصِ والانقياد للشارع، وذكر البخاريُّ في كتاب الصيام من (صحیحه)) عن
أبي الزناد أنه قال: إنَّ السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي فما يجد
المسلمون بُدًّا من اتباعها، من ذلك: أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي
الصلاة، انتهى. يعني: أنَّ الأمور الشرعية التي تأتي على خلاف الرأي والقياس،
ولا يعلم وجه الحكمة فيها يجب الاتِّباع بها ولا يعترض، ولا يقال: لم كان كذا؟
ولا يطلب وجه الحكمة فيها، بل يتعبد بها ويوكل أمرها إلى اللَّه تعالى؛ لأنَّ أفعال
الله لا تخلو عن حكمة، ولكن غالبها تخفى على الناس ولا تدركها العقول.
قال الحافظ: قال الزين بن المنير: نظر أبو الزناد إلى الحيض، فوجده مانعًا من
هاتين العبادتين، وما سلب الأهلية استحال أن يتوجَّه به خطاب الاقتضاء، وما يمنع
صحة الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك
على اتّباع السُّنَّة والتعبد المحض. وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذة من
عائشة عن الفرق المذكور، وأنكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون
تلقنته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على
الحوالة على النصِّ، وكأنها قالتِ: دع السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها
وهو الانقياد إلى الشارع. وقد تكلّم الفقهاء في الفرق بين الصلاة والصوم، واعتمد
كثير منهم على أنَّ الحكمة فيه: أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٧٥
الذي لا يقع في السَّنَّةِ إلا مرة. واختار إمام الحرمين أنَّ المتبع في ذلك هو النص
وأنَّ كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، انتهى.
قال ابن دقيق العيد (ج١: ص١٢٨): اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط
القضاء بكونه لم يؤمر به يحتمل وجهين: أحدهما: أنْ تكون أخذت إسقاط القضاء
من إسقاط الأداء ويكون مجرد سقوط الأداء دليلًا على سقوط القضاء، فيتمسك به
حتى يوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم. والثاني: قال: وهو
الأقرب: أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ لتكرر الحيض منهن عنده وَالخير ،
فلو وجب قضاء الصلاة فيه لوجب بيانه، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب
لاسيَّما، وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم
به، قال: وفي الحديث دليل لما يقوله الأصوليون من أنَّ قول الصحابي كنا نؤمر
ونُنهى في حكم المرفوع إلى النبي ◌َّ وإلا لم تقم الحجة به، انتهى. ووقع في
رواية البخاري: ((كنَّ نحيض عند النبي وَّر فلا يأمرنا به))، أو قالت: ((فلا نفعله)).
قال الحافظ: في هذه الرواية بالشك، وعند الإسماعيلي من وجه آخر: ((فلم
نكن نقضي ولم نؤمر به))، والاستدلال بقولها: ((فلم نكن نقضي)) أوضح من
الاستدلال بقولها فلم نؤمر به؛ لأنَّ عدم الأمر بالقضاء هنا قد ینازع في الاستدلال به
على عدم الوجوب؛ لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، والله
أعلم. قال الشوكاني: نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه
لا يجب على الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام، وروى عبد الرزاق
عن معمر، أنه سأل الزهري عنه، فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر
عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، وعن سمرة
ابن جندب: أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة. قال الحافظ: لكن استقر
الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره.
وقال النووي: قال الجمهور من أصحابنا وغيرهم: وليست الحائض مخاطبة
بالصيام في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمرٍ جديد. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في
كتاب الطهارة، وأخرجه البخاري في كتاب الحيض، وقد تقدم لفظه، فالحديث
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فكان الأولى للمصنف أن يقول: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. واللفظ لمسلم وأخرجه
٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أيضًا أحمد والترمذي وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والدارمي في الطهارة والنسائي فيه وفي
الصيام، والبيهقي في كتاب الحيض (ج١: ص٣٠٨) وفي الصيام (ج٤: ص٢٣٦).
٢٠٥٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «مَنْ مَاتَ
وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٥٣- قوله: (مَنْ مَاتَ) أي: من المكلَّفين بقرينة قوله: (وَعَلَيْهِ صَوْمٌ)؛
لأن كلمة (عَلَيْهِ) للإيجاب والواو فيه للحال. (صَامَ عَنْهُ) أي: عن الميت. (وَلِيُّهُ)
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث: دليل لعمومه على أنَّ الوليَّ يصوم عن الميت،
وأن النيابة تدخل الصوم، وذهب إليه قوم، والذي عليه الأكثرون عدم دخول النيابة
في الصوم؛ لأنها عبادة بدنية. قال: وقوله: ((صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)) ليس المراد: أنَّه يلزمه
ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب ((التهذيب)) من الشافعية،
وحكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي محمد - أبيه - وفيه بحث: وهو أن الصيغة
صيغة خبر أعني: ((صام)) ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى الأمر ويبقى
النظر في أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المتعينة وهي أفعل مثلًا، أو يعمها
مع ما يقوم مقامها، انتهى. وقال الحافظ: قوله: ((صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)) خبر بمعنى الأمر
تقديره: فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام
الحرمين ومن تبعه فَادَّعَوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأنَّ بعض أهل الظاهر
أوجبه فلعلّه لم يعتد بخلافهم علی قاعدته، انتھی
وقال العيني: أطلق ابن حزم (ج ٧: ص ٢) النقل عن الليث بن سعد وأبي ثور
وداود أنه فرض على أوليائه أنْ يصوموه عنه هم أو بعضهم، وبه صرح القاضي
أبو الطيب الطبري في ((تعليقه)): بأنَّ المراد منه: الوجوب، وجزم به النووي في
((الروضة)) من غير أن يعزوه إلى أحد. وزاد في ((شرح المهذب)) فقال: إِنَّه بلا
خلاف .
(٢٠٥٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٥٢)، ومُسْلِم (١٥٣/ ١١٤٧) عَنْهَا فِيهِ.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ الْقَضَاءِ
٣٧٧
وقال شيخنا العراقي: هذا عجيب منه ثم قال: وحكى النوويُّ في ((شرح مسلم))
عن أحد قولي الشافعي: أنه يستحب لوليه أنْ يصوم عنه، ثم قال: ولا يجب عليه،
انتهى كلام العيني. قلت: الحديث رواه البزار بلفظ: ((مَنْ مَاتَ فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ إِنْ
شَاءَ)) ، قال الهيثمي (ج٣ : ص١٧٩): إسناده حسن، انتهى. واحتجَّ به من ذهب إلى
عدم وجوب الصوم من المجيزين له، لكن في سنده ابن لهيعة، وهو صدوق خلط
بعد احتراق کتبه ولم يعرف أنَّ هذا الحدیث حدَّث به قبل احتراق کتبه أو بعده، فلا
يصحُّ الاحتجاج به.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ج١: ص١٩٧): وفي رواية للبزار: ((فَلْيَصُمْ عَنْهُ
وَلِيُّهُ إِنْ شَاءَ))، وهي ضعيفة؛ لأنها من طريق ابن لهيعة، انتهى. والراجح عندي
هو: الوجوب والله تعالى أعلم. وقد اختلف السلف في هذه المسألة، أي: في
مشروعية الصوم عن الميت، فأجاز الصيام عن الميت - أي: صوم كان - أصحاب
الحديث، وعلَّق الشافعيُّ في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي
في ((المعرفة))، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية. وقال البيهقي في
((الخلافيات)): هذه المسألة ثابتة لا أعلمُ خلافًا بين أهل الحديث في صحتها،
فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعيِّ، قال: كلَّ ما قلتُ، وصحَّ عن
النبي ◌َّ- خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدوني.
قلت: واحتجَّ لهذا القول بحديث عائشة هذا، وبما روي عن ابن عباس أن امرأة
قالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال:
((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُِّ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا))، قالت: نعم، قال:
((فَصُوْمِي عَنْ أُمُّكِ))، وبما روى أحمد ومسلم وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والبيهقي عن
بريدة. قال: بَيْنا أنا جالس عند رسول اللَّه ◌َله، إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت
على أُمِّي بجارية، وإنها ماتت، فقال: ((وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيْرَاتُ))،
قالت: يا رسول اللَّه؛ إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: ((صُوْمِي
عَنْهَا)). وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت.
وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبوعبيد: لا يصام عنه إلا النذر. واستدل الحنفية
ومن وافقهم بحديث ابن عمر الآتي. وفيه: أن المحفوظ أنه موقوف كما ستعرف
٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وللاجتهاد فيه مسرح، فلا يصحُّ للاستدلال، ثم ليس فيه ما يمنع الصيام، وأمَّا ما
ذكره المصنف في الفصل الثالث من رواية مالك عنه بلاغًا مما يدلُّ على منع
الصيام عن الميت. ففيه: أنه قد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك، كما ذكره البخاري
تعليقًا في باب من مات وعليه نذر - وسيجيء - فاختلف قوله فلا يقوم به حجة
لأحد، على أنه موقوف أيضًا والحديث الصحيح أولى بالاتباع وفيه غنية عن كل
قولٍ، واستدلوا أيضًا بما رواه النسائي في ((الكبرى)) بسند صحيح عن ابن عباس
قال: ((لا يصلِّي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد))، وبما روى الطحاوي عن
روح بن الفرج حدثنا يوسف بن عدي حدثنا عبيدة بن حميد عن عبد العزيز بن رفيع
عن عمرة بنت عبد الرحمن، قلت لعائشة: إنَّ أمي توفيت وعليها صيام رمضان
أيصلح أنْ أقضي عنها؟ فقالت: لا، ولكنْ تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين
خير من صيامك، كذا ذكره ابن التركماني (ج٤: ص٢٥٧) وقال: هذا سند
صحيح، وذكره ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٧: ص ٤٠٣) من رواية ابن أبي شيبة عن
جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن امرأة منهم اسمها: عمرة أنَّ
أمها ماتت، وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل
تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين.
وفيه: أن هذا الاستدلال أيضًا مخدوش، أما أولًا: فلأنه جاء عن ابن عباس
خلاف ذلك، فروی ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في ((المحلی)) (ج ٧ : ص ٧) سئل
ابن عباس عن رجلٍ مات وعليه رمضان وصوم شهر، فقال: يطعم عنه لرمضان
ويصام عنه النذر. وفي ((صحيح البخاري)) تعليقًا: أمر ابْنُ عُمَرَ امرأة جعلت أمها
على نفسها صلاة بقباء، فقال: صلِّ عنها. وقال ابن عباس نحوه، قال ابن عبد البر:
النقل في هذا عن ابن عباس مضطرب. قال الحافظ: ويمكن الجمع بحمل الإثبات
في حق من مات والنفي في حق الحي، انتهى. وقال العيني: النقل عنه في هذا
مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد. وأمَّا أثر عائشة الذي نقله ابن التركماني عن
الطحاوي، ففيه: إنَّ بعض ألفاظه مخالف لما في ((مشكل الآثار)) المطبوع ففيه
(ج ٣: ص ١٤٢): عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة قالت: توفيت أمي وعليها صيام
من رمضان، فسألت عائشة عن ذلك فقالت: أقضيه عنها؟ ثم قالت: بل تصدقي
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ الْقَضَاءِ
٣٧٩
مكان كل يوم على مسكين نصف صاع، وهذا كما ترى ليس فيه ما يمنع الصيام.
وأمَّا أثرها الذي ذكره ابن حزم فسيأتي الجواب عنه.
وأمَّا ثانيًا: فلأن فتيا الصحابي لا تقاوم الحديث المرفوع الصحيح، السنة
الصحيحة الثابتة عن رسول اللّه ◌َ ﴾ أحق بالاتباع وفيها غنية عن كل قول. واستدلوا
أيضًا بالقياس على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها . قال
العيني: قد اجمعوا على أنه لا يصلّي أحد عن أحد فكذلك الصوم؛ لأنَّ كلَّ منهما
عبادة بدنية، وحكى ابن القصار عن المهلب، أنه قال: لو جاز أن يصوم أحد عن
أحد في الصوم؛ لجاز أن يصلّي الناس عن الناس، فلو كان ذلك سائغًا لجاز أنْ
يؤمن رسول اللّه وَّل عن عمِّه أبي طالب لحرصه على إيمانه، وقد أجمعت الأمة
على أنه لا يؤمن أحد عن أحد ولا يصلّي أحد، عن أحد فوجب أن يردَّ ما اختلف فيه
إلى ما أجمع عليه .
وفيه: أولًا: أنَّ هذا قياس في مقابلة النصِّ.
وثانيًا: أنَّ دعوى الإجماع على القول بأن لا يصلي أحد عن أحد باطلة لما تقدم
عن ابن عمر، أنه أمر بالصلاة عن الميت، ولأنَّ الظاهرية قالوا: يجب قضاء صلاة
النذر وصلاة الفرض عن الميت.
وثالثًا: أنهم أجمعوا على أن تصلِّي الركعتان أثر الطواف عن الميت الذي يحج
عنه .
ورابعًا: أنَّ في كلام المهلب غضاضة وترك محاسن الأدب في حق الشارع
ومصادمة الأخبار الثابتة فيه، قاله العيني (ج ١١: ص ٦٠) وأجاب بعض الحنفية عن
حديث الباب، بأنَّ في سنده عبيد الله بن أبي جعفر.
ونقل صحاب ((الميزان)) عن أحمد أنه قال: ليس بقوي؛ وعن حديث ابن عباس
بأنَّه مضطرب متنًا، وأجيب عن الأول: بأنَّ عبيد الله هذا من رجال الستة، ووثقه
أحمد في رواية عبد الله ابنه عنه وأبوحاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن يونس :
كان عالمًا زاهدًا، وإنْ صحَّ ما نقل صاحب ((الميزان)) عن أحمد فلعلَّه في شيء
مخصوص، وقد احتجَّ به الجماعة قاله الحافظ في (مقدمه الفتح)). فالحديث
صحيح جدًّا، ولذلك اتفق الشيخان على تخريجه في ((صحيحهما))، ولم ينتقده أحد