النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واحتجوا أيضًا بحديث أنس بن مالك الكعبي الآتي في الفصل الثاني. وأجيب
عنه: بأنه مختلف فيه كما سيأتي، وعلى تسليم صحته، فالوضع لا يستلزم عدم
صحة الصوم في السفر وهو محل النزاع. وذهب أكثر العلماء منهم مالك والشافعي
وأبو حنيفة: إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق به، ويروى ذلك عن أنس
وعثمان بن أبي العاص واحتجوا بحديث سلمة بن المحبق الآتي، ولأنَّ الصوم
تعلق بالذمة فالمبادرة إلى إبرائها أولى فربما طرأ من الموانع والاشتغال بخلاف
القصر، فإن الذمة تبرأ فيه بما يؤتي. وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة،
وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: هو مخير مطلقًا، وروي عن
ابن عباس وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن ومجاهد والليث.
وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾
[البقرة: ١٨٥] فإنْ كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإنْ كان الصيام أيسر كمن
يسهل عليه حينئذٍ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وهو قول
عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر. قال الشوكاني: والأولى أن يقال: من
كان يشق عليه الصوم ويضره، وكذلك من كان معرضًا عن قبول الرخصة فالفطر
أفضل له. أمّا الطرف الأول فلما تقدم من الأدلة في حجج القائلين بالمنع من
الصوم. وأما الطرف الثاني فلحديث: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ))، وقد تقدم،
ولحديث: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُتَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))، وكذلك يكون الفطر أفضل في حق من
خاف على نفسه العجب أو الرِّياء إذا صام في السفر، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر،
فروى الطبريُّ عن ابن عمر أنه قال: إذا سَافرتَ فلا تصم، فإنَّك إن تصم، قال
أصحابك: اکفوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم،
فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك. وأخرج نحوه عن أبي ذر، ومثل ذلك حديث
أنس الآتي بعد حديثين وما كان من الصيام خاليا عن هذه الأمور أفضل من
الإفطار، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك والترمذي
وأَبُو دَاوُدَ، والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي وغيرهم.

كِتّابَ الصَّوْم
بَابُ ضؤْم المُسافِرِ
٣٤١
٢٠٤٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه
لِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ فَلَمْ يَعِبٍ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.
الشرح
٢٠٤٠ - قوله: (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه) فيه: تجريد أو تأكيد؛ لأن الغزوة
لا تكون إلَّ معه، بخلاف السَّرية، والمراد: غزوة فتح مكة. (لِسِتَّ عَشْرَةَ) أي:
ليلة. (مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) كذا في جميع النسخ، وفي مسلم: من رمضان،
أي: بإسقاط لفظ (شَهْرٍ)، وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج١ص ٢٦٢)
والمصابيح، واختلفت الروايات في تعيين التأريخ، ففي رواية لمسلم: ((لثمان
عشرة خلت)) وفي رواية: ((ثنتي عشرة))، وفي رواية: ((لسبع عشرة)) أو ((تسع
عشرة))، والمشهور في كتب المغازي: أنَّ رسول اللَّه ◌ِ لّ خرج في غزوة الفتح من
المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت. قال الحافظ في
الصيام من الفتح بعد الإشارة إلى اختلاف الرواة في ضبط ذلك في حديث أبي
سعيد ما لفظه: والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة
لتسع عشرة ليلة خلت منه.
وقال في ((المغازي)): أخرج البيهقي من طريق ابن أبي حفصة عن الزهري، قال:
صبح رسول الله آل﴾ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان، وروى أحمد بإسناد
صحيح من طريق قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي وَلّ عام الفتح
لليلتين خلتا من شهر رمضان، هذا یعین یوم الخروج. وقول الزهري یعین یوم
الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا.
وأمَّا ما قال الواقدي : أنه خرج لعشر خلون من رمضان، فليس بقوي لمخالفته ما
هو أصحُّ منه، وفي تعيين هذا التأريخ أقوال أخرى. منها: عند مسلم (لست
(٢٠٤٠) مُسْلِم (١١١٦/٩٣) عَنْهُ فِيهِ.

٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عشرة))، ولأحمد: ((لثماني عشرة))، وفي أخرى: ((لثنتي عشرة))، والجمع بين
هاتين بحمل إحداهما على ما مضى، والأخرى على ما بقي والذي في المغازي:
دخل لتسع عشرة مضت وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في
أخرى بالشك في ((تسع عشرة))، أو ((سبع عشرة)). وروى يعقوب بن سفيان من
رواية ابن إسحاق عن جماعة من مشائخه، أنَّ الفتح کان في عشر بقین من رمضان،
فإن ثبت حمل على أن مراده: أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر
الأخير، انتهى. فتأمل.
قال ابن الملك: في الحديث دلالة على غلط من قال: إنَّ أحدًا إذا أنشأ السفر
في أثناء رمضان لم يجزْ له أنْ يفطر. (فَمِنَّا مَنْ صَامَ) وهم الأقوياء. (وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ)
وهم الضعفاء. (فَلَمْ يَعِب) بفتح الياء وكسر العين، أي: لم يلم، وفي رواية: فلا
يجد، أي: لا يغضب.
(الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرٍ)؛ لأنه عمل بالرخصة. (وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم)؛ لعمله
بالعزيمة، يعني: لم ينكر الصائم على المفطر إفطاره دينا ولا المفطر على الصائم
صومه، فهما جائزان وزاد في رواية: يرون أنَّ من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن
ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. قال النووي: هذا صريح بترجيح
مذهب الأكثرين وهو تفصيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة. وقال
بعض العلماء: الفطر والصوم سواء، لتعادل الأحاديث. والصحيح قول
الأكثرين، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: وهذا
التفصيل هو المعتمد وهو رافع للنزاع، انتھی.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي والطحاوي (ج١ ص٣٣٣)
والبيهقي (ج٤ ص٢٤٤، ٢٤٥) وفي الباب عن أنس عند الشيخين وأبي داود
والطحاوي والبيهقي وعن جابر عند مسلم والنسائي والطحاوي والبيهقي.

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
٣٤٣
٢٠٤١ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى
زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَّ: ((مَا هَذَا؟)) قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: ((لَّيْسَ مِنَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْبِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)).
الشرح
٢٠٤١ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح، كما في حديث
جابر الآتي في الفصل الثالث. قال الحافظ: تبيَّنَ من رواية جعفر بن محمد عن أبيه
عن جابر أنها غزوة الفتح، انتهى. يريد بذلك حديث جابر الآتي، فإنه رواه مسلم
والترمذي والنسائي وغيرهم، من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. (فَرَأَى
زِحَامًا) بكسر الزاي اسم للزحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوف أي: فرأى قومًا
مزدحمين. وقيل: أي: رأى مزاحمة في الاجتماع على غرض الاطلاع.
(وَرَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدمته من أنَّ
عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسر به؛ لقول أبي الدرداء
أن لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيره، انتهى. وقيل: إنه أبو إسرائيل
القرشي العامري واسمه: قيس، وفيه نظر. فإنَّ بين القصتين مغايرات ظاهرة،
أظهرها أنَّ أبا إسرائيل كان في الحضر في المسجد، ففي ((مسند أحمد»: أن
النبي ◌َّ دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلِّي، فقيل للنبي ◌ّ: هو ذا يا رسول الله؟
لا يقعد ولا يكلُّم الناس ولا يستظل ولا يفطر، فقال: ((لِيَقْعُدْ وَلِيَتَكَلَّمْ وَلِيَسْتَظِلَّ
وَلْيُفْطِرْ))، وروى الخطيب عن ابن عباس كان رسول اللّه ◌َل يخطب يوم الجمعة
فنظر إلى رجل من قريشٍ يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم ويقوم في
الشمس ... الحديث.
وأمَّا صاحب القصة في حديث جابر فكان في السفر تحت الظلِّ، والله أعلم.
(٢٠٤١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٤٦)، ومُسْلِم (٩٢/ ١١١٥) عَنْهُ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (٢٤٠٧)، والنَّسَائِي
(٤ / ١٧٧) .

Beext
٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) بتشديد اللام الأولى على بناء المفعول، أي: جعل عليه شيء يظله
من الشَّمس؛ لغلبة العطش عليه وحر الصوم، وفي رواية للنَّسائي: رأى ناسًا
مجتمعين على رجل فسأل، فقالوا: رجل أجهده الصوم، وفي أخرى مر برجل في
ظلِّ شجرة يرش عليه الماء، قال: ((مَا بَالُ صَاحِبُكُمْ؟))، (فَقَالَ: مَا هَذَا؟)، أي: ما
حال صاحبكم هذا؟، وقيل: أي: ما هذا الزحام أو التظليل؟ (قَالُوا)، أي: من
حضر من الصحابة. (صَائِمٌ)، أي: وقد أجهده الصوم وشقَّ عليه. (لَيْسَ مِنَ الْبِّ)
بكسر الباء، أي: ليس من الطاعة والعبادة.
(الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) قال الزركشي: (مِنَ) زائدة لتأكيد النفي، وقيل: للتبعيض
وليس بشيء، وتعقبه البدر الدماميني، فقال: هذا عجيب؛ لأنه أجاز ما المانع منه
قائم، ومنع ما لا مانع منه، وذلك أنَّ من شروط زيادة (مِنَ) أن يكون مجرورها
نكرة، وهو في الحديث معرفة. وهذا هو المذهب المعول عليه وهو مذهب
البصريين خلافًا للأَخفش والكوفيين، وأمَّا كونها للتبعيض فلا لمنعه وجه؛ إذ
المعنى: إنَّ الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البر كذا ذكره القسطلاني، وقد
تقدم أنَّ بعض الظاهرية تمسكوا به على عدم انعقاد صوم الفرض في السفر وسلك
المجيزون، وهم عامة أهل العلم فيه طرقا.
فقال الخطابي (ج٢ ص١٢٤): هذا الكلام خرج على سبب فهو مقصور عليه
وعلى من كان في مثل حاله كأنه قال: ليس من البر أن يصوم المسافر، إذا كان
الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي ◌َّ في سفره عام الفتح، وبدليل
خبر حمزة الأسلمي وتخييره بين الصوم والإفطار، ولو لم يكن الصوم برًّا لم يخيره
فيه، ولو كان إثما لكان أبعد الناس منه، وإلى هذا جنح البخاري حيث بوب على
هذا الحديث بلفظ: باب قول النبي وَّ﴾ لمن ظلل عليه واشتدَّ الحرُّ: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ
الصِّومُ فِي السَّفَرِ)، قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله مَّ ذلك ما
ذكر من المشقة، وأن من روى الحديث مجردًا، فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه
من اعتبار المشقة يجمع بين حديث الباب، والذي يدل على صومه في السفر،
انتھی .
وقال ابن دقيق العيد (ج٢ص ٢٢٥): أخذ من هذا: إن كراهة الصوم في السفر

٣٤٥
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما
هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)
على مثل هذه الحالة. قال: والظاهرية المانعون من الصوم في السفر يقولون: إن
اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال: ويجب أن يتنبه للفرق
بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم وبين
مجرد ورود العام على سبب، فإن بين العامين فرقًا واضحًا ومن أجراهما مجرى
واحدًا لم يصب، فإنَّ مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول
آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأمَّا السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد
المتكلم، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث
الباب. وقال ابن المنير: هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل
أنه يساويه في الحكم، وأمَّا من سلّم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على
أصله .
وقال الطَّحاوي: المراد بالبرِّ هنا: البرُّ الذي هو أبرُّ البرِّ وأعلى مراتب البرِّ،
وليس المراد بذلك: إخراج الصوم في السفر من أن يكون برًّا؛ لأنَّه قد يكون برًّا،
لأنه قد يكون الإفطار أبر منه، إذا كان للتقوي على لقاء العدو مثلًا، والمعنى: ليس
من البرِّ الذي هو أبرُّ البرِّ وأعلى مراتب البرِّ الصوم في السفر، وإن كان الصوم في
السفر برًّا إلا أنَّ غيره من البرِّ وهو الإفطار قد يكون أبر منه إذا كان يراد به القوة للقاء
العدو. قال: وهو نظير قوله ◌َّله: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ ... ))، الحديث. فإنه لم
يرد به إخراجه إيَّه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك ليس هو المسكين
المتكامل المسكنة، ولكن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس ولا
يعرف فيتصدق عليه، وحمل الشافعيُّ نفي البرَّ المذكور في الحديث على من أبى
قبول الرخصة، فقال: معنى قوله: ليس من البرِّ أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة
صوم ولا نافلة، وقد أرخص اللّه تعالى له أن يفطر وهو صحيح. قال: ويحتمل أن
يكون معناه: ليس من البرِّ المفروض الذي من خالفه إثم، كذا في ((الفتح)).
وقال السندي: ظاهر أنَّ ترْك الصوم أولى ضرورة فإن الصوم مشروع طاعة، فإذا
خرج عن كونه طاعة فينبغي أن لا يجوز ولا أقل: من كون الأولى تركه ومن يقول:
إن الصوم هو الأولى في السفر يستعمل الحديث في مورده، أي: ليس من البر، إذا

٣٤٦
** *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
**
بلغ الصائم هذا المبلغ من المشقة، وكأنه مبني على تعريف الصوم للعهد،
والإشارة إلى مثل صوم ذلك الصائم، نعم، الأصل هو عموم اللفظ لا خصوص
المورد. لكن إذا أدَّى عموم اللفظ إلى تعارض الأدلة يحمل على خصوص المورد
كما هنا. وقيل: من في قوله: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ) زائدة، والمعنى: ليس هو البر، بل
قد يكون الإفطار أبر منه، إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه. والحاصل: أنَّ
المعنى على القصر لتعريف الطرفين.
وقيل: محمل الحديث على من يصوم ولا يقبل الرخصة، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
واللفظ للبخاري وأخرجه أيضًا أحمد وأَبُو دَاوُدَ والنسائي والدارمي والطحاوي
(ج ١ ص٣٢٩) والبيهقي (ج٤ ص ٢٤٢) وفي الباب عن ابن عمر عند ابن ماجه
والطحاوي وعن كعب بن عاصم الأشعري عند أحمد (ج٥ص٤٣٤) والنسائي وابن
ماجه والدارمي وعبد الرزاق والطبراني في الكبير، والطحاوي والبيهقي: وعن أبي
برزة الأسلمي عند أحمد والبزار والطبراني في ((الأوسط))، وعن ابن عباس عند
البزار والطبراني في ((الكبير)) وابن عدي وعن عبد الله بن عمر وعند الطبراني في
((الكبير))، وعن عمار بن ياسر عند الطبراني أيضًا، وعن أبي هريرة عند ابن عدي.
ذكر هذه الأحاديث الهيثمي (ج٣ ص١٦١) والعيني (ج ١١ ص٤٨) مع الكلام عليها
وروى بلفظ: ((لَيْسَ مِنْ أَمْبِرِّ أَمْصِيَامُ فِي أَمْسَفَرٍ))، أخرجه أحمد (ج٥ص٤٣٤)
وعبد الرزاق في ((مصنفه))، والطبراني في ((معجمه)) من حديث كعب بن عاصم
الأشعري .
قال الزمخشري: هي لغة طي. فإنهم يبدلون اللام ميما. وقال الجزري في ((جامع
الأصول)): (ج١ ص ٥٤٦) الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا
ينطقون بلام التعريف ويجعلون مكانها الميم، انتهى. ورواه النسائي وابن ماجه
والدارمي والطحاوي والبيهقي (ج ٤ ص ٢٤٢) بلفظ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِّ الصَّوْمُ فِي
السَّفَرِ)).

كِتّابُ الصَّوْم
باب صوم المُسَافِرِ
وجر
٣٤٧
*
٢٠٤٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا
الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنَزِلًا فِي يَوْمِ حَارِّ، فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ، وَقَامَ
الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوْا الرَّكَابِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((ذَهَبَ
الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٤٢ - قوله: (فَمِنَّا الصَّائِمُ) أريد به الجنس. (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ)، وفي رواية :
فصام بعض وأفطر بعض. وفيه: دليل على جواز الصوم في السفر؛ لتقرير النبي وَال
للصائمين على صومهم. (فَتَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْم حَارِّ)، وقع بعد هذا أكثرنا ظلا
صاحب الكساء، ومنَّ من يتقي الشمس بيده. (فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ) جمع صوام بفتح
المهملة بصيغة المبالغة، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا وقع في
((المصابيح))، والذي في ((صحيح مسلم)): فسقط الصُّوَّام، وهكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج٧ص٢٥٩) والمنذري في ((الترغيب)) والحافظ في ((الفتح)
وكذا وقع في ((عمدة الأحكام))، وكذا عند النسائي والطحاوي والبيهقي. والصُّوَّام
بضم المهملة كحكام جمع صائم، أي: عجزوا عن العمل، وما قدروا على قضاء
حاجتهم. وقال القاري: أي: ضعفوا عن الحركة ومباشرة حوائجهم لأجل
ضعفهم. (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أي: بالخدمة. (فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ) أي: نصبوا الخيام
جمع بناء. والمراد: البيوت التي يسكنها العرب في الصحراء كالخباء والقبة.
(وَسَقَوْا الرِّكَابَ) بكسر الراء أي: الإبل التي يسار عليها واحدها راحلة، ولا واحد
لها من لفظها. (ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ) الوافر وهو أجر ما فعلوه من خدمة
الصَّائمين بضرب الأبنية والسقي وغير ذلك لما حصل منهم من النفع المتعدي،
ومثل أجر الصُّوَّام؛ لتعاطيهم أشغالهم، وأشغال الصُّوَّام. وأمَّا الصائمون فحصل
لهم أجر صومهم القاصر عليهم ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل للمفطرين من
ذلك.
(٢٠٤٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٨٩٠)، ومُسْلِم (١١١٩/١٠٠) عَنْهُ فِيهِ.

٣٤٨
SEE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: قوله: (بِالْأَجْرِ)، أي: الوافر وليس المراد: نقص أجر الصوام،
بل المراد: أنَّ المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام؛ لتعاطيهم
أشغالهم، وأشغال الصُّوَّام؛ فلذلك قال: (بِالأَجْرِ) كله لوجود الصفات المقتضية
لتحصيل الأجر منهم. وقال القاري: أي: بالثواب الأكمل؛ لأن الإفطار كان في
حقهم حينئذٍ أفضل، وفي ذكر اليوم إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال
الطيبي: أي: أنهم مضوا واستصحبوا الأجر ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه على
طريقة المبالغة، يقال: ذهب به إذا استصحبه، ومضى به معه، انتهى. يعني :
بالأجر كله أو بكلِّ الأجر؛ مبالغة، انتهى كلام القاري.
وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال
التي فعلوها والمصالح التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلق الأجر على سبيل
العموم. والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا
ينغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأن الأجر كله
للمفطر، انتهى. وفي الحديث: أنه إذا تعارضت المصالح قدم أولالها وأقواها. قال
الحافظ: وفيه: الحض على المعاونة في الجهاد، وأن الفطر في السفر أولى عن
الصيام، وأنَّ الصيام في السفر جائز خلافًا لمن قال: لا ينعقد وليس في الحديث
بيان كونه؛ إذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب
فضل الخدمة في الغزو من كتاب الجهاد، وهو من الأحاديث التي أوردها في غير
مظنتها؛ لكونه لم يذكره في الصيام، واقتصر على إيراده هنا، وأخرجه مسلم في
الصيام وكذا النسائي والطحاوي (ص٣٣٣) والبيهقي (ج ٤ ص٢٤٣) واللفظ
المذكور لمسلم. ولفظ البخاري: قال أنس: كنا مع النبي وَلّ أكثرنا ظلَّ الذي
يستظل بكسائه، وأمّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأمَّا الذين أفطروا، فبعثوا
الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي وَله: ((ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بْالْأَجْرِ)).

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صَوْم المُسَافِرِ
٣٤٩
٢٠٤٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه مِنَ الْمَدِينَةِ
إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ لِيرَاهُ النَّاسُ،
فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكّةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٤٣- قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قال أبو الحسن القابسي: هذه الحديث من
مرسلات الصحابة؛ لأنَّ ابن عباس كان في هذه السفرة مقيمًا مع أبويه بمكة، فلم
يشاهد هذه القصة، فكأنه سمعها من غيره من الصحابة (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنَ
الْمَدِيْنَةِ إِلَى مَكَّةَ)، أي: في غزوة الفتح في رمضان كما في رواية (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ
عُسْفَانَ) بضم العين وسكون السين المهملتين. قيل: هو موضع على مرحلتين من
مكة. وقال عياض: هي قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلاً من مكة.
قال النووي بعد ذكره: والمشهور أنها على أربعة برد من مكة وكل بريد أربعة
فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلًا هذا هو الصواب
المعروف الذي قاله الجمهور، انتهى. ووقع في رواية للشيخين حتى بلغ الكديد
بفتح الكاف وكسر الدال الأولى، وهو موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل أو
نحوها، وبينه وبين مكة قريب من مرحلتين، قاله النووي.
وقال عياض: هي عين جارية على اثنين وأربعين ميلًا من مكة. وقال الحافظ:
وقع في رواية (حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ) بدل الكديد، وفيه مجاز القرب؛ لأن الكديد
أقرب إلى المدينة من عسفان، وبين الكدید و مكة مرحلتان. قال البكري: هو بین
أمج بفتحتين وجيم وعسفان، وهو ماء عليه نخل كثير، انتهى. ووقع في رواية
لأحمد والنسائي: حتى أتى قُديدًا بضم القاف على التصغير، وهو موضع قرب
عسفان. ووقع في حديث جابر الآتي. فلما بلغ كراع الغميم هو بضم الكاف
(٢٠٤٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٤٨)، ومُسْلِم (٨٨/ ١١١٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٠٤)،
والنَّسَائِي (١٨٤/٤).

٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
* *********
والغمم بفتح المعجمة، وهو اسم وَادٍ أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا
الكراع، وهو جبل أسود متصل به .
وقال في ((المجمع)): كراع الغميم اسم موضع بين مكة والمدينة، والكراع
جانب مستطيل من الحرة تشبيها بكراع الغنم، وهو ما دون الركبة من الساق،
والغميم بالفتح واد بالحجاز. قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي
أفطر وَّيه فيه والكل في سفر واحد في غزاة الفتح. قال: وسميت هذه المواضع في
هذه الأحاديث؛ لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، لكنها
كلها مضافة إليها ومن عملها فاشتمل اسم عسفان عليها. قال: وقد يكون علم حال
الناس ومشقتهم في بعضها فأفطر وأمرهم بالفطر في بعضها، انتهى.
(ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ)، وفي رواية للبخاري: دعا بإناء من لبن أو ماء بالشك، وفي رواية
لأحمد والنسائي: ثم أتى بقدح من لبن وكذا وقع عند الطحاوي. قال الداودي:
يحتمل أن يكون دعا بهذا، أي: الماء مرة وبهذا أي: اللبن مرة، وتعقبه الحافظ :
بأنه لا دليل على التعدد؛ فإن الحديث واحد والقصة واحدة، وإنما وقع الشك من
الراوي فتقدم عليه رواية من جزم، وأبعد ابن التين، فقال: كانت قصتان: إحداهما
في الفتح والأخرى في حنين، انتهى. ولم يجب الحافظ عن روايات الجزم
باللبن. وقيل في توجيهها: أنه شرب الماء في موضع أو في مواضعٍ، وشرب اللبن
في موضع آخر وأراهم الفطر مرتين أو مرات؛ لكثرة الناس، والله أعلم. (فَرَفَعَهُ)
أي: الماء منتهيًا. (إِلَى) أقصى حد. (يَدِهِ) بالإفراد، وفي رواية: يديه بالتثنية.
قال القاري: الجار والمجرور حال أي: رفع الماء منتهيًا إلى أقصى مد يده أي
إلى غاية طولها. قال الزركشي والبرماوي: كذا للأكثرين، وفي رواية ابن السكن:
إلى فيه، وهو الأظهر إلا أن تؤول لفظة إِلَى في رواية الأكثرين بمعنى ((على))؛
ليستقيم الكلام، وتعقبه في ((المصابيح)): بأنه لا يعرف أحدًا ذكر إِلَى بمعنى عَلَى
قال، والكلام مستقيم بدون هذا التأويل. وذلك أنَّ ((إلى)) لانتهاء الغاية على بابها،
والمعنى: فرفع الماء ممن أتى به رفعًا قصد به رؤية الناس له، فلا بدَّ أن يقع ذلك
على وجه يتمكن فيه الناس من رؤيته ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج إلى عن بابها.
وقال الكرماني: كالطيبي أو فيه تضمين، أي: انتهى الرفع إلى أقصى غايتها،

٣٥١
كِتّابُ الصَّؤْم
بَابُ ضؤْم المُسافِرِ
ويمكن أن يكون بمعنى فِي للظرفية كقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾
[النساء: ٨٧] أي: فرفعه حال كونه في يده. (لِيَرَاهُ النَّاسُ) بفتح التحتية والراء والناس
بالرفع؛ لأنه فاعله، والضمير المنصوب فيه مفعوله. قال الحافظ: كذا للأكثر وفي
رواية المستملي: ليريه بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية، والناس نصب على
أنه مفعول ثان؛ ليريه؛ لأنه من الإراءة وهي تستدعي مفعولين، واللام للتعليل في
الوجهين. والمعنى: رفع الماء حتى ينظر الناس إليه فيقتدوا به في الإفطار؛ لأن
الصيام أضر بهم، وكان لا يأمن الضعف عن القتال عند لقاء عدوهم، ويفهم منه أن
أفضلية الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم أو خشي العجب والرياء، أو ظن به
الرغبة عن الرخصة، بل يلحق بذلك من يقتدي به ليتابعه من وقع له شيء من
الأمور الثلاثة، ويكون الفطر في حقِّه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان.
(فَأَفْطَرَ) أي: بعد العصر كما في حديث جابر واستمرَّ مفطرًا. (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ
وَذَلِكَ) أي: ما ذكر من الصوم والإفطار كان. (فِي رَمَضَانَ) سنة ثمان. (فَكَانَ ابْنُ
عَبَّاسِ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ)، أي: في رمضان سنة ثمان حال السفر.
(فَمَنَّ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ)، أي: لا حرج على أحدهما، وفيه: دلالة لمذهب
الجمهور في جواز الصوم والفطر جميعا. قال الحافظ: فهم ابن عباس من فعله بَالآله
ذلك أنه لبيان الجواز لا للأولوية. وقد تقدم في حديث أبي سعيد عند مسلم ما
يوضح المراد، وسيأتي أيضًا في حديث جابر.
قال في ((شرح السُّنَّةِ)): لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشئ السفر في شهر
رمضان، وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر. وقال عبيدة السلماني: إذا
أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا الحديث حجة على القائل. ومعنى الآية الشهر
كله، فأمّا من شهد بعضه فلم يشهد الشهر، انتهى. قال القاري: والأظهر أن معنى
الآية: فمن شهد منكم شيئًا منه من غير مرض وسفر، انتهى. وقال الحافظ: استدل
بالحديث: على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار، ولو استهل رمضان في
الحضر. والحديث نص في الجواز؛ إذ لا خلاف في أنه ◌ّ استهل رمضان في عام
غزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في أثنائه، وقد ترجم عليه البخاري بلفظ: باب
إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر.

٣٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قال الحافظ: كأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي وإلى رد ما روي عن غيره
في ذلك. قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به عبيدة بن عمر
وأبو مجلز وغيرهما: إنَّ من استهلَّ عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس
له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال: وقال أكثر
أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهلَّ رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر
بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾
نسخها قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]، ثم احتج
للجمهور بحديث ابن عباس هذا، انتهى. واستدل به على أنَّ للمرء أن يفطر ولو
نوی الصوم من الليل وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النهار وهو قول الجمهور،
وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر وكأن مستند قائله ما وقع في
البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما لو
نوى الصوم في السفر.
قال ابن قدامة (ج٣ص١٠١): إن نوى المسافر الصوم في سفره، ثم بدا له أن
يفطر فله ذلك .
واختلف قول الشافعي فيه: فقال مرة: لا يجوز له الفطر. وقال مرة أخرى: إن
صح حديث الكديد لم أر به بأسًا أن يفطر. وقال مالك: إن أفطر فعليه القضاء
والكفارة، ولنا حديث ابن عباس وهو حديث صحيح مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثم ذكر حديث
جابر في إفطاره بعد العصر، ثم قال: وهذا نص صريح فلا يعرج على من خالفه،
انتھی .
وأجاب المانعون من الفطر عن حديث ابن عباس: بأنه ليس بنصٌّ في أنه وَله
بيت الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون لم ينو الصيام في ذلك
اليوم، لما كان من قصده أن يظل مفطرًا وشرب الماء بعد العصر؛ ليريهم كونه غير
صائم. قال الحافظ: واعترض بعض المانعين في أصل المسألة فقال: ليس في
الحديث دلالة على أنه وّ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن
يكون نوى أن يصبح مفطرًا ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس، لكن سياق الأحاديث
ظاهر في أنه كان أصبح صائمًا أفطر. وقد روى ابن خزيمة وغيره عن أبي هريرة

كِتّابُ الضّؤْمِ
بَابٌ ضَوْم المسافِر
٣٥٣
قال: كنّا مع النبي بمرِّ الظّهران فأتي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: ((ادْنُوَا فَكُلَا))،
فقال: ((اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ، ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ، ادْنُوَا فَكُلَا)) ، قال ابن خزيمة: فيه
دليل: على أنَّ للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار، انتهى.
وأجاب بعض المالكية عن حديث ابن عباس: بأنه إنما أفطر بعد أن بيَّت الصيام
للضرورة، كالتقوي للعدو والمشقة الحاصلة له ولهم. ولو نوى الصوم من الليل
وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه
الجمهور. وقال أحمد وإسحاق: بالجواز، واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث،
ظنًّا منه أنه أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة وليس كذلك، فإن بين المدينة
والكديد عدة أيام. قال النووي: قد غلط بعض العلماء في فهم هذا الحديث،
فتوهم أن الكديد وكراع الغميم قريب من المدينة، وإن بلوغه الكديد وکراع
الغميم كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة
صائما، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر من نهاره. واستدل به: على أنه إذا
سافر بعد طلوع الفجر صائمًا له أن يفطر في يومه. ومذهب الشافعي والجمهور: أنه
لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر،
واستدلاله بهذا الحديث من العجائب الغريبة؛ لأن الكديد وكراع الغميم على سبع
مراحل أو أكثر من المدينة، انتهى.
قلت: لأحمد روايتان، فيما إذا نوى الصوم من الليل وهو مقيم، ثم سافر في
أثناء النهار. قال ابن قدامة (ج٣ص ١٠٠): في إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه عن
أحمد روايتان :
إحداهما: له أن يفطر، وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وداود
وابن المنذر؛ لحديث أبي بصرة الغفاري؛ إذ أكل الغداء في السفينة حين رفع من
الفسطاط في شهر رمضان، وكان يرى البيوت أخرجه أَبُو دَاوُدَ.
والرواية الثانية: لا يباح له الفطر ذلك اليوم، وهو قول مكحول والزهري
ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر
والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر. قال ابن قدامة: والأول أصح

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للخبر، انتهى. ووافق الحنفية والمالكية في المسألتين لكن لا كفارة عند الحنفية.
قال ابن عابدين: لو سافر بعد الفجر لا يحل الفطر، وكذا لو نوى المسافر الصوم لا
يحل فطره في ذلك اليوم، فلو أفطر لا كفارة عليه، انتهى.
وقال صاحب ((فتح الملهم)): وذهب الحنفية إلى عدم الجواز في الصورتين،
ولهذا استشكل ابن الهمام أحاديث الباب، ثم أجاب عنها بما لا يقبله الوجدان
السليم، نعم، نقل الشيخ الأنور تخمّتُهُ عن ((التتار خانية)) أنه يحل الفطر للغزاة عند
مسيس الحاجة إليه مطلقًا للتقوي على الجهاد والتّهب له، وحمل حديث الباب
على تلك الحالة، وكذا حققه الحافظ بن القيم في ((الهدي))، انتهى.
قلت: والراجح عندي في المسألتين هو: ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه واللّه
تعالى أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصيام وفي الجهاد وفي المغازي، ومسلم في
الصيام واللفظ المذكور للبخاري في الصيام، وأخرجه أحمد سبع عشرة مرة،
ومالك وأَبُو دَاوُدَ والنسائي والدارمي والطحاوي (ج١ ص٣٣١) والبيهقي
(ج٤ ص٢٤٠ - ٢٤٣) بألفاظ مطولاً ومختصرًا.
٢٠٤٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ رَهُ أَنَّهُ شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ.
{صحيح}
الشرح
٢٠٤٤- قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم عَنْ جَابِرٍ)، أي: في هذه القصة. (أَنَّهُ)
أي: النبي وَهُ. (شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ) يعنِّي: كان رسول اللَّهِ وَل صائمًا إلى وقت
العصر، ثم أفطر ليعلم الناس أن الإفطار في السفر جائز، بل أولى عند المشقة.
وأخرج هذه الرواية مسلم من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر بن محمد
(٢٠٤٤) رَوَاهُ مُسْلِم (١١١٤/٩١) عَنْهُ فِيهِ.

٣٥٥
كِتّابُ الصَّوْم
بابُ صْم المُسَافِرِ
عن أبيه عن جابر بلفظ: فقيل: ((إنَّ الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما
فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر)). وأخرجها أيضًا الترمذي والنسائي
والبيهقي (ج ٤ ص٢٤١) وذكر المصنف هذه الرواية؛ لأنها أقرب، بل أصرح في
الدلالة، على أنَّ من أصبح صائمًا في السفر جاز له أن يفطر خلافًا للحنفية
والمالكية وبعض الشافعية.

٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثانى
٢٠٤٥ - [٧] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك الْكَعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ:
(إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَعَنِ الْمُرْضِعِ
والْحُبْلَى)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٠٤٥- قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك الْكَعْبِيِّ) صحابي، نزل البصرة له ثلاثة
أحاديث وله عند الأربعة هذا الحديث فقط، روى عنه عبد الله بن سوادة
وأبو قلابة. قال الحافظ في ((الإصابة)): أنس بن مالك الكعبي القشيري أبوأمية:
وقيل أبو أميمة. وقيل: أبو مية - بحذف الألف وتشديد التحتانية - نزل البصرة،
وروى عن النبي ◌َّل حديثا في وضع الصيام عن المسافر، وله معه فيه قصه، أخرجه
أصحاب السنن وأحمد وصحَّحه الترمذيُّ وغيره، ووقع فيه عند ابن ماجه - وكذا
عند البيهقي - أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل وهو غلط، وفي رواية أبي
داود: عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب، إخوة قشير، وهذا هو
الصواب. وبذلك جزم البخاري في ترجمته، وعلى هذا فهو كعبي لا قشيري؛ لأن
قشير هو ابن كعب، ولكعبٍ ابن اسمه عبد الله، فهو من إخوة قشير، لا من قشير
نفسه .
وقد تعقب الرشاطي قول ابن عبد البر فيه: القشيري، ويقال: الكعبي، وكعب
أخو قشير، بأنَّ كعبًا والد قشير لا أخوه، انتهى.
قال المنذري: من يسمَّى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة، اثنان
صحابيان هذا، وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول اللّه وَّل، وأنس بن
(٢٠٤٥) أَبُو دَاوُد (٢٤٠٨)، والتِّرْمِذِي (٧١٥)، والنَّسَائِي (١٩٠/٤)، وابن ماجه (١٦٦٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِك القُشَيْرِيِّ فِهِ.

٣٥٧
كِتّابُ الضَّوْمِ
باب صوم المُسَافِرِ
مالك والد الإمام مالك بن أنس بن مالك، روي عنه حديث في إسناده نظر.
والرابع: شيخ حمصي حدث، والخامس: كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان
والأعمش وغيرهما، انتهى.
(إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرٍ) أي : رفع ابتداء عنه، قاله القاري . وقال ابن حجر:
وضع بمعنى أسقط، وإسقاط الشيء يقتضي إسقاط وجوبه الأخص لا جوازه
الأعم، ففيه حجة لما عليه الشافعي إنَّ القصر جائز لا واجب، انتهى. وقد رد عليه
القاري بأن موضوع وضع ليس بمعنى الذي ذكر لا لغة ولا اصطلاحًا، أمَّا لغة
فظاهر، وأمَّا الاصطلاح الشرعي فقد ورد ((أن اللّه تعالى وضع عن أمتي الخطأ
والنسيان))، أي: كلفتهما وما يترتب عليهما من الحرج والإثم، وكذا قوله تعالى:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، انتهى.
(شَطْرَ الصَّلَاةِ) أي: نصف الصلاة الرباعية لا إلى بدل بخلاف الصوم.
(وَالصَّوْمَ) بالنصب عطف على قوله: (شَطْرَ الصَّلَاةِ)، (عَنِ الْمُسَافِرِ) أي: وضع عنه
لزومه في تلك الأيام وخيَّره بين أن يصوم تلك الأيام وبين عدة من أيام أخر. قال
الطيبي: وإنما ذكر عن المسافر بعد الصوم ليصح عطف عن المرضع عليه؛ لأن
شطر الصلاة ليس موضوعا عن المرضع، انتهى. ورواه أحمد بلفظ: ((إِنَّ اللهَ وَضَعَ
عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - أَوِ الصِّيَامَ -)،
قال التوربشتي: الصوم منصوب والعامل فيه وضع، وشتان بين الوضعين، فإنَّ
الموضوع عن الصلاة ساقط لا إلى قضاء، ولا كذلك الصوم.
وإنما ورد البيان على تقرير الرخصة فأتى بقضايا منسوقة في الذكر مختلفة في
الحكم؛ وذلك لاتكاله على بيان التنزيل من قوله ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم على علم المخاطبين بذلك،
انتهى. (وَعَنِ الْمُرْضِع) لم تدخله التاء للاختصاص مثل الحائض. (وَالْحُبْلَى)،
أي: إذا خافتا على الحمل والرضيع أو على أنفسهما، ثم هل هو وضع إلى قضاء أو
فداء أو لا؟ الحديث ساكت عنه، فكل من يقول ببعضه لا بدَّ له من دليل، قاله
السندي. قلت: حكى ابن قدامة والزرقاني اتفاق العلماء على وجوب القضاء من
غير فدية، فيما إذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما.

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن قدامة (ج ٣ص١٣٩): إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فلهما
الفطر. وعليهما القضاء فحسب، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافا؛ لأنهما بمنزلة
المريض الخائف على نفسه. وقال الزرقاني: إذا خافتا على أنفسهما فلا فدية
باتفاق أهل المذهب وهو إجماع، إلا عند من أوجب الفدية على المريض، انتهى.
وأمَّا إذا خافتا على ولديهما فقط وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال:
أحدها: يطعمان ولا قضاءً عليهما وهو مرويٌّ عن ابن عمر وابن عباس، رواه
أَبُو دَاوُدَ والبزار والدار قطني والبيهقي عن ابن عباس، ومالك وابن أبي حاتم
والدار قطني والبيهقي عن ابن عمر وهو أحد أقوال مالك. والثاني: أنهما يقضيان
فقط ولا إطعامَ عليهما، وبه قال عطاء والزهري والحسن وسعيد بن جبير والنخعي
وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري، واستدل لهم بحديث
الباب. قال الجصاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره عليه الصلاة والسلام بأنَّ
وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر؛ ألا ترى أن وضع
الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل؛
لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره، فثبت بذلك إن حكم وضع
الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما،
ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من
غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع، وفيه دلالة على أنه لا
فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما؛ إذ لم يفصل
النبي وَلّه بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء، وإنما
أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا
کالمريض والمسافر، انتهى.
والثالث: إنهما يقضيان ويطعمان وهو المشهور من مذهب الشافعي، وهو ثاني
أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد. والرابع: إن الحامل تقضي وتطعم، وبه قال
الليث وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها
بخلاف الحامل؛ ولأنَّ الحمل متصل بالحامل فالخوف عليه كالخوف على بعض
أعضائها. والخامس: إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما وإن شائتا قضتا ولا إطعام
حكاه الترمذي عن إسحاق بن راهويه، فعنده لا يجمع بين القضاء والإطعام، فإذا

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ صَوْمِ المُسَافِرِ
٣٥٩
BOE
أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام، أو أطعمتا ولا قضاء.
قال الشاه ولي الله في ((المصفى)) بعد ذكر قول إسحاق: هذا ما لفظه: أين قوله
بتطبيق أدلة تناسب ترمي نمايد؟ انتهى. وقال ابن رشد بعد ذكر سبب اختلاف
الأئمة: ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى ممن حمل، كما أن من أفردهما بالقضاء
ممن أفردهما بالإطعام فقط، انتهى. قلت: وكذا أولى الأقوال عندي في ذلك هو
قول من أفردهما بالقضاء دون الإطعام، فهما في حكم المريض فليزمهما القضاء
فقط والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ. واللفظ لأبي داود
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٣٤٧) والبخاري في ((تاريخه)) (٢/ ١ / ٣٠) والطبراني
والطحاوي (ج ١ ص٢٤٦) والبيهقي (ج٤ ص٢٣١) ومنهم من ذكر فيه قصة،
وسكت عنه أَبُو دَاوُدَ وحسنه الترمذي، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
قلت: قد تقدم قول الحافظ عن ((الإصابة)) أنَّ الترمذيَّ صححه، وكذا قال في
((تهذيب التهذيب)) (ج١ ص٣٧٩): وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي في ذلك
وفي إسناد هذا الحديث اختلاف بينه البيهقي (ج ٤ ص ٢٣١) والنسائي والجزري في
((جامع الأصول)) (ج١ص٢٦٨).
٢٠٤٦ - [٨] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إِلَى شِبَع، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٠٤٦- قوله: (وَعَنْ سَلَمَةَ) بفتح اللام. (بْنِ الْمُحَبَّقِ) بمهملة ثم موحدة
مشددة كمعظم أو محدث. (مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ) بفتح الحاء ما يحمل عليه من
الدواب، كانت عليه الأحمال أولًا: كالركوبة، والمراد: مركب، وضبطه
الجزري في ((النهاية)) و((جامع الأصول)) (ج٧ص ٥٤٧) بضم الحاء. قال: حمولة
بالضم، الأحمال يعني: أنه يكون صاحب أحمال يسافر بها يأوي إلى شبع، وأمَّا
(٢٠٤٦) أَبُو دَاوُد (٣٤١١.٢٤١٠) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ.