النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠٠
sent
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن خراش وابن عمار والعجلي وأبو همام وأبو زرعة
وابن سعد وابن حبان والحاكم أبو أحمد والدار قطني وآخرون، مات سنة (١٨٧)
وقيل: سنة (١٩١) ودعوى تفرد عيسى بن يونس بهذا الحديث خطأ؛ لأنه قد تابعه
عن هشام حفص بن غياث عند ابن ماجه والحاكم.
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المحلى)) (ج١ ص ١٧٥ - ١٧٦): قد
غلط الترمذي في دعوى انفراد عيسى به، فقد رواه ابن ماجه من طريق الحكم بن
موسى عن عيسى بن يونس ومن طريق أبي الشعثاء عن حفص بن غياث كلاهما عن
هشام بن حسان به. وكذا رواه الحاكم (ج١ ص٤٢٦ - ٢٢٧) من طريق علي بن
حجر عن عيسى، ومن طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن حفص. وقال أبو داود
بعد حديث عيسى: ورواه أيضًا حفص بن غياث عن هشام مثله، فسقطت دعوى
تفرد عيسى بروايته، بل نقل الدارمي، وكذا إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) كما في
تخريج ((الهداية)) للزيلعي (ج ٢ ص ٤٤٩) عن عيسى أنه قال: زعم أهل البصرة أن
هشامًا أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا وهشام ثقة حجة من أثبت الناس في ابن
سيرين. قال ابن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن ابن سيرين من هشام.
وقال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل
عنهما، والذي هنا من رواية ابن سيرين وليس الحكم بالوهم على الراوي الثقة
بالهين، ولذلك صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو الحق،
انتهى. قلت: وسكت عنه أبو داود وقواه الدار قطني وابن حزم حيث قال الدار قطني
بعد روايته طريق من عيسى بن يونس: رواته ثقات كلهم. وقال ابن حزم: عيسى
ابن يونس ثقة. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ - لَا أُرَاهُ) بضم الهمزة أي: لا
أظنه. (مَحْفُوظًا) قال الطيبي: الضمير راجع إلى الحديث وهو عبارة عن كونه
منکرًا، انتھی.
وحكى الحافظ في ((الفتح)) عن البخاري أنه قال بعد رواية الحديث من طريق
عيسى: لَمْ يَصِحَّ، وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي
هريرة، وعبد الله ضَعِيف جِدًّا، انتهى. وقال البيهقي (ج٤ ص٢١٩): بعد روايته
من طريق عيسى وحفص : تفرد به هشام بن حسان، وقد أخرجه أبو داود، وبعض
٣٠١
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ تَنْزیهِ الصَّوْم
الحفاظ لا يراه محفوظًا. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا
شيء. قال الخطابي (ج٢ ص١١٢): يريد أن الحديث غير محفوظ. وقال الحافظ
في (بلوغ المرام)): أعله أحمد. وقال في ((التلخيص)) (ص١٨٨): وأنكره أحمد،
وقال في رواية : ليس من ذا شيء، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عیسی ولیس هو
في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما،
وأخرجه من حديث حفص بن غياث أيضًا، انتهى.
وقال النسائي: وقفه عطاء عن أبي هريرة. وقال ابن عبد البر: الأصح أنه موقوف
على أبي هريرة، قلت: لم يظهر لي وجه كون الوقف أرجح ولا وجه كون رواية
عيسى غلطًا. وقد ثبت أنه تابعه حفص بن غياث، وهما من ثقات الرواة ومن رجال
الستة، وكذا هشام بن حسان فلا يضر تفرده، فالظاهر: أن الحديث حسن كما قال
الترمذي أو صحيح كما قال الحاكم والذهبي. قال الترمذي: قد روي هذا الحديث
من غير وجه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح إسناده.
وقال البيهقي: قد روي من وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا، انتهى.
قلت: يشيران بذلك إلى ما أشار إليه البخاري من رواية عبد الله بن سعيد المقبري
عن أبيه عن أبي هريرة، ومن هذا الطريق أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) وابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) كما في ((نصب الراية)) والدار قطني (ص ٢٤٠) ولا شك أن هذا
الطريق ضعيف. وفي الباب عن ابن عمر موقوفًا عند مالك في (الموطأ))
والشافعي، وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي وعن علي موقوفًا أخرجه
عبد الرزاق والبيهقي.
٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٢٨ - [١٠] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: فَلَقِيتُ ثَّوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا
الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَاء فَأَفْطَرَ. قَالَ: صَدَقَ وَأَنَا صَبَيْتُ لَهُ
وَضُوَءهُ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاودَ والثِّمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٠٢٨- قوله: (وَعَنْ مَعْدَانَ) بفتح الميم. (بْنِ طَلْحَةَ) كذا وقع في رواية
أبي داود، ووقع عند الترمذي والدارمي: ابن أبي طلحة. ورجحه الترمذي ورجح
ابن معين: معدان بن طلحة. (أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ) أي: أخبره كما في رواية
لأحمد. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَاءَ فَأَفْطَرَ)، قد استدل به على أن القيء يفطر مطلقًا،
سواء كان غالبًا أو مستخرجًا. ووجه الاستدلال: أن الفاء تدل على أن الإفطار كان
مرتبًا على القيء وبسببه وهو المطلوب فتكون هي للسببية. وأجيب عن هذا بوجوه:
منها: أن في سنده اضطرابًا لا يصلح لذلك للاحتجاج.
قال البيهقي (ج١ ص١٤٤): إسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه
اختلافًا شديدًا، وحكى الحافظ عنه في ((التلخيص)) (ص١٨٨) أنه قال: إسناده
مضطرب، ولا تقوم به حجة، انتهى. وتعقب: بأن وجوه الاختلاف هاهنا ليست
بمستوية كما لا يخفى على من نظر في طرقها ولا تعذر الجمع بينهما، فدعوى
الاضطراب مردودة. وقد صححه ابن منده. وقال الترمذي: هو أصح شيء في هذا
الباب. وكذا قال أحمد: ومنها: أن قوله: ((قَاءَ فَأَفْطَرَ)) ليس نصًّا صريحًا، في أن
القيء مفطر للصوم؛ لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب من دون أن تكون للسببية.
قال الطحاوي (ص٣٤٨): ليس فيه دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه
أنه قاء فأفطر بعد ذلك. قال: يجوز أن يكون قوله: «قَاءَ فَأَفْطَرَ)) أي: قاء فضعف
فأفطر. وقال الترمذي: معناه: أن النبي وَّ كان صائمًا متطوعًا فقاء فضعف، فأفطر
(٢٠٢٨) أَبُو دَاوُد (٢٣٨١)، والتِّرْمِذِي (٨٧)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣١٢٠)، رَوَاهُ التِّرْ مِذِي في
الطهارة عَنْهُ فِیهِ .
٣٠٣
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
كِتّابُ الصَّؤْم
******************<<<<<<<<<**************<<<< > <<<<<<< > <<<<<<**
لذلك. هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في
((تعليقه على الترمذي)) (ج١ ص١٤٦): لو كانت الفاء للسببية لم تدل أيضًا على
نقض الصوم بالقيء؛ لأنه قد يفطر الإنسان لما ينوبه من الضعف والتراخي مما لا
يستطيع معه احتمال مشقة الصوم، أو خشية الضرر والمرض، فالقيء سبب له.
ولكنه سبب عادي طبيعي، ولا يكون سببًا شرعيًّا إلا بنص صريح من الشارع،
انتهى. وبهذا يندفع ما قال ابن المنير متعقبًا على الطحاوي من أن الحكم إذا عقب
بالفاء دل على أنه العلة، كقولهم: ((سها فسجد)). ومنها: أن قوله: ((قَاءَ)) أي: عمدًا
لما تقدم من أن من ذرعه ليس عليه قضاء. قال البيهقي (ج٤ ص ٢٢٠): هذا حديث
مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول على أنه تقيأ عامدًا. وكأنه وَلَّ كان
متطوعًا بصومه، انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٨٨): حديث أبي درداء: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّل
قَاءَ فَأَفْطَرَ)) أي: استقاء. وقال في ((الفتح)): ويمكن الجمع بين قول أبي هريرة: ((إِذَا
قَاءَ لَا يُفْطِرْ))، وبين قوله: ((أَنَّهُ يُقْطِرْ))، بما فصل في حديثه المرفوع المتقدم،
فيحتمل قوله: ((إِذَا قَاءَ يُفْطِرْ))، أنه تعمد القيء واستدعى به، وبهذا أيضًا يتأول قوله
في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أصحاب السنن مصححًا: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَاءَ
فَأَقْطَرَ)) أي: استقاء عمدًا وهو أولى من تأويل من أوله بأن المعنى: قاء فضعف
فأفطر، والله أعلم، انتهى. قلت: ويؤيد حمل قوله: ((فَاءَ)) على القيء عامدًا رواية
أحمد (ج٦ ص٤٤٩) بلفظ: عن أبي الدرداء قال: ((استقاء رسول اللّه ◌َيّ فأفطر،
فأتي بماء فتوضأ)).
(فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ) مولى رسول اللَّه ◌ِهِ. (صَدَقَ) أي: أبو الدرداء. (وَأَنَا صَبَيْتُ لَهُ)
أي: للنبي وَلَه. (وَضُوءَهُ) بالفتح أي: ماء وضوئه، وهذا يدل على أن الوضوء وإن
لم يذكر في اللفظ بعد قوله: (قَاءَ)) لكنه ثابت في المعنى؛ لأن قول ثوبان تصديقًا
لأبي الدرداء: ((صَدَقَ وَأَنَا صَبَيْتُ له وَضُوءَهُ)) دليل: على أن الوضوء مذكور في
أصل الحديث، وإن اختصر في الرواية؛ لأن ثوبان يؤكد الرواية، بأنه هو الذي
صب له الوضوء بعد القيء.
٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
KeSee
وأما رواية الترمذي في الطهارة بلفظ: ((قاء فتوضأ)، ففي كون لفظ: ((فتوضأ)»
فيها محفوظًا نظر، فإن حديث أبي الدرداء هذا ذكره الترمذي في الصيام بلفظ:
((قاء فأفطر))، وبهذا اللفظ رواه أحمد (ج٥ ص ١٩٥، ٢٧٧ وج٦ ص ٤٤٣ - ٤٤٩)
وأبو داود والنسائي في ((الكبرى)) وابن حبان والطبراني وابن منده كما في
((التلخيص)) (ص١٨٨) والحاكم (ج١ ص٢٢٦) والطحاوي (ج١ ص ٣٤٧، ٣٤٨)
والدار قطني (ص٥٧، ٥٨، ٢٣٨) وابن الجارود (ص١٥) والبيهقي (ج١
ص١٤٤ وج٤ ص٢٢٠) واختلفت نسخ الترمذي في رواية كتاب الطهارة كما ذكره
الشيخ شاكر في تعليقه على الترمذي (ج١ ص١٤٣ - ١٤٥) ففي بعضها: ((قاء
فتوضأ))، وفي بعضها: ((قاء فأفطر فتوضأ))، ويؤيد هذه النسخة رواية أحمد في (ج٦
ص٤٤٩) بلفظ: ((استقاء رسول اللَّه وَال ◌ِ فأفطر، فأتى بماء فتوضأ)). وفي بعضها:
((قاء فأفطر)). ويؤيده سائر الروايات المذكورة، ويؤيده أيضًا أن أصل الحديث ورد
عن ثوبان من وجه آخر بلفظ: قال: رأيت رسول اللَّه وَال قاء فأفطر. أخرجه أحمد
(ج٥: ص ٢٧٦) والطيالسي والطحاوي (ج١: ص ٣٤٨) والبيهقي (ج٤: ص ٢٢٠)
بسند جيد. وهذا كله يورث الشك والتردد في كون لفظ: ((فتوضأ» محفوظًا.
واستدل الحنفية بهذا على كون القيء ناقضًا للوضوء، وقد ذكرنا جوابه في
الطهارة، وإن شئت البسط في الجواب، فارجع إلى تعليق الترمذي للعلامة الشيخ
أحمد شاكر وشرحه لشيخنا الأجل المباركفوري رحمهما الله تعالى. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ)، واللفظ لأبي داود، ورواه الثلاثة من طريق حسين
المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو، والأوزاعي عن يعيش بن
الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة، ومن هذا الطريق رواه أحمد (ج٦: ص ٤٤٣)
والطحاوي (ج١: ص١٤٧، ١٤٨) والحاكم (ج١: ص٤٢٦) والدارقطني
(ص٥٧، ٥٨، ٢٣٨) والبيهقي (ج ١: ص١٤٤ وج ٤: ص ٢٢٠) وابن الجارود
(ص١٥) وابن منده وابن حبان وله طرق أخرى عند بعضهم. وقد سكت عنه
أبو داود. وقال الترمذي في كتاب الطهارة: قد جود حسين المعلم هذا الحديث
وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره
وزاد .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حسين المعلم يجوده. وقال الحاكم: صحيح على
٣٠٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِیهِ الصَّؤْم
شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف في سنده ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٨٨): قال ابن منده: إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان
لاختلاف في إسناده، ثم قال الحافظ بعد ذكر كلام الترمذي المتقدم وكذا قال
أحمد، وفيه اختلاف كثير، قد ذكره الطبراني وغيره. ثم ذكر كلام البيهقي السابق
فيما يتعلق باضطراب إسناده. وأجاب عنه ابن التركماني (ج١: ص١٤٣) بأن
الترمذي قال: قد جوده حسین المعلم عن یحیی بن أبي کثیر، وحديث حسين أصح
شيء في هذا الباب.
وقال ابن منده: هذا إسناد متصل صحيح. قال ابن التركماني: وإذا أقام إسنادًا
ثقة اعتمد ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث ((الصحيحين)) لم تسلم من مثل
هذا الاختلاف، وقد فعل البيهقي مثل هذا في حديث: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ))، حيث
بين الاختلاف الواقع فيه. ثم قال: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك في
((الموطأ)) وأخرجه أبو داود في ((السنن))، انتهى.
٢٠٢٩ - [١١] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ مَا لَا أُخْصِى
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
يَتَسَوَُّكُ وَهُوَ صَائِمٌ.
الشرح
٢٠٢٩- قوله: (مَا لَا أُحْصِي) أي: مقدارًا لا أقدر على إحصائه وعده
لكثرته. (يَتَسَوَُّك) مفعول ثان؛ لأنه خبر على الحقيقة و((مَا)) موصوفة، و((لَا أُخْصِي))
صفتها وهي ظرف ليتسوك أي: يتسوك مرات لا أقدر على عدها. قاله الطيبي. قال
مَيْرَك: ولعله حمل الرؤية على معنى العلم، فجعل ((يتسوك)) مفعولًا ثانيًا، ويحتمل
أن تكون بمعنى الإبصار، ويتسوك حينئذٍ حال.
وقوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) حال أيضًا إما مترادفة، وإما متداخلة كذا في ((المرقاة))
وهذا لفظ الترمذي، ولأبي داود: رأيت رسول اللَّه ◌َ له يستاك وهو صائم ما لا أعد
(٢٠٢٩) أَبُو دَاوُد (٢٣٦٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٢٥) عَنْهُ فِيهِ .
٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولا أحصي. والحديث: يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقًا، سواء
كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس، وسواء كان صائما فرضًا أو تطوعًا،
وسواء كان في أول النهار أو في آخره. وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وابن علية
وأبو حنيفة وأصحابه وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي، وروي عن
ابن عمر كما في ابن أبي شيبة وحكاه الترمذي عن الشافعي وهو اختيار أبي شامة
وابن عبد السلام والنووي والمزني، وإليه ذهب البخاري حيث قال: باب السواك
الرطب واليابس للصائم، ويذكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول اللّه وَله
يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد. وقال أبو هريرة عن النبي وَله: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلُّ وُضُوءٍ))، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد
عن النبي ◌َّله، ولم يخص الصائم من غيره. وقالت عائشة: عن النبي وَل:
((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَةٌ لِلرَّبِّ))، وقال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه، انتهى.
قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك
بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم في باب اغتسال الصائم قياس ابن
سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد
حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب، فإن فيه أنه تمضمض واستنشق.
وقال فيه: ((مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا))، ولم يفرق بين صائم ومفطر، ويتأيد ذلك بما
ذكر في حديث أبي هريرة في الباب. قال: ومناسبة حديث عامر للترجمة؛ إشعاره
بملازمة السواك، ولم يخص رطبًا من يابس، وهذا على طريقة المصنف - يعني:
البخاري - في أن المطلق يسلك به مسلك العموم، أو أن العام في الأشخاص عام
في الأحوال. وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة، ولم يخص
صائمًا من غيره أي: ولم يخص أيضًا رطبًا من يابس، وبهذا التقرير يظهر مناسبة
جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة، والجامع لذلك كله قوله في حديث أبي
هريرة: (لَأَّمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلُّ وُضُوءٍ))، فإنه يقتضي إباحته في كل وقت وعلى
كل حال. قال ابن المنير: أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص،
ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستاك به،
ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو المضمضة؛ إذهي أبلغ من السواك الرطب.
٣٠٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
قال الحافظ: ومناسبة أثر عطاء وقتادة للترجمة من جهة أن أقصى ما يخشى من
السواك الرطب، أن يتحلل منه شيء في الفم وذلك الشيء كماء المضمضة، فإذا
قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه، انتهى. واستدل لهذا القول أيضًا بما
رواه ابن ماجه والدار قطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج٤: ص٢٧٢) من حديث عائشة
مرفوعًا: ((مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السَّوَاكَ))، قال في ((التلخيص)) (ص٢٤): هو
ضعيف ورواه أبو نعيم من طريقينَ آخرين عنها. قلت: في سنده عند الثلاثة مجالد
ابن سعيد وضعفه الجمهور، ووثقه النسائي. وروى له مسلم مقرونًا بغيره،
واستشهد لهذا القول بما رواه النسائي في ((الكنى)) والعقيلي وابن حبان في
((الضعفاء))، والدار قطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج ٤: ص ٢٧٢) من طريق عاصم
الأحول عن أنس: ((يَسْتَاكُ الصَّائِمُ أَوَّلَ النَّهَارِ وآخِرِهِ بِرطبِ السِّوَاكِ وَيَابِسِهِ)).
ورفعه، وفيه أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار. قال الدارقطني: ضعيف.
وقال البيهقي: تفرد به إبراهيم بن بيطار، ويقال: إبراهيم بن عبد الرحمن قاضي
خوارزم. وقد حدث عن عاصم بالمناکیر لا يحتج به، وقد روي عنه من وجه آخر
ليس فيه ذكر أول النهار وآخره، ثم ساقه من طريق ابن عدي كذلك. وقال ابن
حبان: لا يصح ولا أصل له من حديث النبي ◌َّ، ولا من حديث أنس وذكره ابن
الجوزي في ((الموضوعات)). قلت: وله شاهد من حديث معاذ عند الطبراني في
الكبير وسيأتي. وبما روى ابن حبان في ((الضعفاء)) عن ابن عمر قال: كان
رسول اللَّه وَلّه يستاك آخر النهار وهو صائم، وأعله بأحمد بن عبد الله بن ميسرة
الحراني، وقال: لا يحتج به ورفعه باطل. والصحيح عن ابن عمر من فعله كذا في
((نصب الراية)) (ج ٢: ص ٤٦٠) و((اللسان)) (ج١: ص ١٩٥) وبما روى أحمد بن
منيع بسنده عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ تسوك وهو صائم. ذكره الحافظ في
((التلخيص)) (ص٢٤) وسكت عنه. وذهب أبو ثور والشافعي في المشهور من
مذهبه وفي أصح قوليه: أنه يكره السواك - رطبًا كان أو يابسًا - للصائم بعد
الزوال، ويستحب قبله برطب أو يابس. وقد رُوي عن علي قال: إذا صمتم
فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا
كانت نورًا بين عينيه يوم القيامة. أخرجه الدارقطني (ص٢٤٩) والبيهقي
(ج٤: ص٢٧٤) والطبراني والبزار. قال في ((التلخيص)) (ص١٩٣): ضعفه
٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدار قطني والبيهقي. وقال في (ص٢٢): إسناده ضعيف. قلت: في سنده كيسان
أبو عمر القصار ضعفه أحمد والساجي.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي. ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال في ((التقريب)): إنه ضعيف، وفيه أيضًا: يزيد بن بلال. قال
البخاري: فيه نظر، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال الأزدي: منكر الحديث.
وقال الذهبي: حديثه منكر. وقال الدارقطني: يزيد بن بلال غير معروف، وقال في
((التقريب)): إنه ضعيف. وذهب أحمد وإسحاق بن راهويه إلى كراهة السواك
للصائم بعد الزوال مطلقًا، وكراهة الرطب للصائم مطلقًا. قال ابن قدامة
(ج٣: ص ١١٠): لم ير أهل العلم بالسواك أول النهار بأسًا إذا كان العود يابسًا،
واستحب أحمد وإسحاق ترك السواك بعد العشي. واختلفت الرواية عنه في
التسوك بالعود الرطب، فرويت عنه الكراهة وهو قول قتادة والشعبي، والحكم
وإسحاق ومالك في رواية، وروي عنه أنه لا يكره، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو
حنيفة، انتھی مختصرًا.
والمشهور من مذهب مالك وأصحابه: أنه يكره بالرطب دون غيره، سواء كان
أول النهار أو آخره، واستدل لهم بما روى البيهقي (ج ٤: ص٢٧٢) عن زياد بن
حدير قال: ما رأيت أحدًا أدأب سواكًا وهو صائم من عمر، أراه قال: بعود قد
ذوي. قال أبو عبيد: يعني: يبس؛ ولأنه مغرر بصومه لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء
إلى حلقه فيفطره، وفيه ما قال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم،
قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به، ذكره البخاري، واستدل لكراهة السواك
بعد الزوال بما رواه الدار قطني (ص٢٤٩) والبيهقي (ج٤: ص٢٧٤) والطبراني من
حديث جناب مرفوعًا مثل قول علي المتقدم. قال الحافظ في ((التلخيص)): ضعفه
الدار قطني والبيهقي. قلت: فيه كيسان أبو عمر القصار المذكور وقد عرفت حاله.
واستدل لذلك أيضًا بحديث الخلوف المتقدم في أوائل الصوم؛ لأن في الاستياك
بعد الزوال إزالة الخلوف المحمود.
وأجيب عنه بوجوه: منها: ما قاله ابن العربي من أن الخلوف تغير رائحة فم
الصائم، وإنما يحدث من خلو المعدة بترك الأكل ولا يذهب بالسواك؛ لأنها
كِتّابُ الصَّوْم
بَاب تَنْزِيهِ الصَّؤْم
٣٠٩
رائحة النفس الخارجة من المعدة. وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من
التغير أي: الوسخ.
وقال ابن الهمام: إنما يزيل السواك أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا
لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع
السبب، ولهذا روي عن معاذ مثل ما قلنا: روى الطبراني في ((الكبير)) عن
عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم،
قلت: أي: النهار أتسوك؟ قال: أيّ النهار شئت، غدوة أو عشية، قلت: إن الناس
يكرهونه عشية، ويقولون: إن رسول اللّهِ وَ لَه قال: ((لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ
اللَّهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ))، فقال: سبحان اللَّه، لقد أمرهم بالسواك، وهو يعلم أنه لا بد
أن يكون بفَي الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم
عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر إلا من ابتلي بلاء لا يجد منه بدًّا،
انتهى. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩٣): إسناده جيد، وقال الهيثمي
(ج ٣: ص ١٦٥): فيه بكر بن خنيس وهو ضعيف، وقد وثقه ابن معين في رواية.
قلت: ووثقه أيضًا العجلي وضعفه غيرهما. وقال في ((التقريب)): هو كوفي عابد
سکن بغداد صدوق، له أغلاط، انتھی.
وقد تعقب الحافظ في التلخيص (ص٢٢) على هذا الجواب، فقال: في قول
ابن العربي: السواك لا يزيل الخلوف وإنما يزيل وسخ الأسنان نظر، لأنه يزيل
المتصعد إلى الأسنان الناشئ عن خلو المعدة ولا يخفى ما فيه؛ لأن المضمضة
أيضًا تزيل هذا، وهم لا يكرهونها.
ومنها: ما قاله ابن العربي أيضًا: أن الحديث لم يسق لكراهية السواك، وإنما
سيق لترك كراهة مخاطبة الصائم. وقال الزرقاني: إنما مدح الخلوف نهيًّا للناس
عن تقذر مكالمة الصائم بسبب الخلوف لا نهيًّا للصائم عن السواك، واللّه غني عن
وصول الروائح الطيبة إليه، فعلمنا يقينًا أنه لم يرد استبقاء الرائحة، وإنما أراد نهي
الناس عن كراهتها، وهذا التأويل أولى؛ لأن فيه إكرامًا للصائم، ولا تعرض فيه
للسواك فيذكر أو يتأول، انتهى. وقد تعقب الحافظ على هذا الجواب أيضًا، فقال
بعد ذكر كلام ابن العربي: فيه نظر، لما رواه الدار قطني (ص٢٤٨) والبيهقي
ECISE
٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ج ٤: ص٢٧٤) عن أبي هريرة راوي حديث الخلوف أنه قال: لك السواك إلى
العصر، فإذا صليت العصر فألقه؛ فإني سمعت رسول اللّه وَله يقول: ((خُلُوفُ
الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))، وفيه: أن هذا الأثر ضَعِيف جِدًّا، فإن في
سنده عمر بن قيس المعروف بسند وهو واه. قال أحمد والنسائي والفلاس
وغيرهم: متروك.
وقال أحمد: أحاديثه بواطيل لا تساوي شيئًا. وقال البيهقي: ضعيف، لا يحتج
به، ومع ضعفه فقد عارضه ما هو أقوى منه من أثر معاذ بن جبل عند الطبراني وقد
تقدم لفظه. ومنها: أن في السواك تطهيرًا وإجلالًا للرب حال مناجاته في الصلاة؛
لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الفم تعظيم، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال،
وهذه المسألة من قاعدة ازدحام المصالح التي يتعذر الجمع بينها، ويدل على أن
مصلحة تطهير الفم بالسواك أعظم من مصلحة الخلوف قوله وَله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلُّ صَلَاةٍ))، فيقدم السواك. وما ذكره الشافعي ومن
وافقه هو تخصيص للعمومات بمجرد كونه مزيلًا للخلوف، وهذا معارض بالمعنى
الذي ذكرناه.
وقال العز بن عبد السلام في ((قواعده الكبرى)) (ج١: ص٣٦، ٣٧): قد فضل
الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلا بأن ثوابه
أطيب من ريح المسك، ولم يوافق الشافعي على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب
العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان
بالأفضلية. ألا ترى الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر،
مع قوله مَّهِ: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))، وكم من عبادة قد أثنى الشارع
عليها وذكر فضيلتها مع أن غيرها أفضل منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين
اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب
وَال؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم، لا شك فيه، ولأجله شرع
السواك. وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف
تربى على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ إلى أن قال: والذي ذكره الشافعي
تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارض، لما ذكرناه كذا في ((النيل)).
٣١١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
وقال ابن دقيق العيد: من يكره السواك بعد الزوال يحتاج إلى دليل خاص بهذا
الوقت یخص به عموم (عند كل صلاة))، وفي تخصيصه بحديث الخلوف بحث،
انتهى. وقال القاري: إذا ورد عن الشارع أحاديث مطلقة شاملة لما قبل الزوال وما
بعده، وعن الصحابة فعلهم وإفتاؤهم على جوازه بعد الزوال، فكيف يصلح بعد
هذا كله أن يكون حديث الخلوف دليلاً للشافعي ومن تبعه على منع السواك بعد
الزوال وصرف الإطلاق إلى ما قبل الزوال من غير دليل صريح أو تعليل صحيح؟
انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة
ومن وافقه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) واللفظ للترمذي وأخرجه أحمد (ج٣ : ص ٤٤٥) وابن
خزيمة في صحيحه والدار قطني (ص٢٤٨) والبيهقي (ج ٤: ص ٢٧٢) وإسحاق بن
راهويه وأبو يعلى والبزار والطبراني، وعلقه البخاري بصيغة التمريض كما تقدم.
وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي:
في إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد. وذكر البخاري هذا
الحديث في ((صحيحه)) معلقًا في الترجمة فقال: ويذكر عن عامر بن ربيعة. وقال
الحافظِ في ((التلخيص)) في (ص٢٢): إسناده حسن وفي (ص٢٤) فيه عاصم بن
عبيد الله وهو ضعيف. فقال ابن خزيمة: أنا أبرأ من عهدته لكن حسن الحديث
غيره، انتهى. وحكى في ((الفتح)) عن ابن خزيمة أنه قال: كنت لا أخرج حديث
عاصم ثم نظرت، فإذا شعبة والثوري قد رویا عنه، وروی یحیی وعبد الرحمن عن
الثوري، وروى مالك عنه خبرًا في غير ((الموطأ)). قال الحافظ: وضعفه ابن معين
والذهلي والبخاري وغير واحد، انتهى. وقال ابن القطان: لم يمنع من صحة هذا
الحديث إلا اختلافهم في عاصم بن عبيد الله.
وقال النووي في ((الخلاصة)): بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسنه، لكن مداره
على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد، انتهى. قلت: تكلم فيه
أحمد وابن معين وابن سعد وأبو حاتم والجوزجاني وابن خراش والبيهقي
والساجي وابن نمير. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الدار قطني: متروك
وهو مغفل. وقال ابن خزيمة: لست أحتج به لسوء حفظه. وقال ابن حبان: كان
سيئ الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ فترك من أجل كثرة خطئه.
٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال المزي: وأحسن ما قيل فيه قول العجلي: لا بأس به، وقول ابن عدي: قد
روی عنه ثقات الناس واحتملوه، وهو مع ضعفه یکتب حديثه، انتهى. قلت:
الظاهر: أن الترمذي إنما حسن هذا الحديث لما اعتضد به من شواهده التي قدمنا
ذكرها، والله تعالى أعلم.
٢٠٣٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَ قَالَ:
اشْتَكَيتُ عَيْنَيَّ، أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَأَئِمٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَأَبُو عَاتِكَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ]
الشرح
٢٠٣٠- قوله: (اشْتَكَيْتُ عَيْنَيَّ) قال القاري: بالتشديد، وفي نسخة
بالتخفيف، أي: أشكو من وجع عيني. (قَالَ: نَعَمْ) فيه: جواز الاكتحال بلا كراهة
للصائم، وبه قال الأكثرون، وذكر العيني (ج١١: ص١٥) في مسألة الكحل
للصائم أقوالًا، فقال: لم ير الشافعي به بأسًا سواء وجد طعم الكحل في الحلق أم
لا، واختلف قول مالك فيه في الجواز والكراهة، قال في ((المدونة)): يفطر ما
وصل إلى الحلق من العين. وقال أبو مصعب: لا يفطر، وذهب الثوري وابن
المبارك وأحمد وإسحاق إلى كراهة الكحل للصائم، وحكي عن أحمد أنه إذا وجد
طعمه في الحلق أفطر، وعن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي
حنيفة وأبي ثور: يجوز بلا كراهة، وأنه لا يفطر به سواء وجد طعمه أم لا، وحكى
ابن المنذر عن سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم
قالوا: يبطل صومه.
وقال ابن قتادة: يجوز بالإثمد ويكره بالصبر. وفي ((سنن أبي داود)) عن الأعمش
قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم، انتهى كلام العيني. وقال
ابن قدامة (ج٣: ص ١٠٥، ١٠٦): أما الكحل فما وجد طعمه في حلقه أو علم
(٢٠٣٠) التِّرْمِذِي (٧٢٦) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ، وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وَلَا يَصِحُ .
٣١٣
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْم
كِتّابُ الصَّوْم
وصوله إليه فطره وإلا لم يفطره نص عليه أحمد. وقال ابن أبي موسى: ما يجد
طعمه كالذرور والصبر والقطور أفطر، وإن اكتحل باليسير من الإثمد غير المطيب
كالميل ونحوه لم يفطر نص عليه أحمد.
وقال ابن أبي عقيل: إن كان الكحل حادًّا فطره وإلا فلا، ونحو ما ذكرناه. قال
أصحاب مالك، وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: إن الكحل يفطر الصائم. وقال أبو
حنيفة والشافعي: لا يفطره؛ لما روي عن النبي وَل أنه اكتحل في رمضان وهو
صائم؛ ولأن العين ليست منفذًا، فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه،
انتھی .
قلت: قد استدل من ذهب إلى كراهة الكحل للصائم أو إلى كونه مفسدًا للصوم
بما رواه أبو داود والبخاري في ((تاريخه)) (ج ٤: ص٣٩٨) والبيهقي (ج٤: ص ٢٦٢)
من طريق عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي وَلآه
أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ((لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ))، وأجيب عن هذا
الحديث: بأنه ضعيف. لا يصلح للاستدلال. قال أبو داود: قال لي يحيى بن
معین : هو حدیث منکر، انتهى.
وقال الأثرم: عن أحمد هذا حديث منكر، انتهى. وعبد الرحمن بن النعمان،
قال ابن المديني فيه: مجهول، وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال في ((التقريب)): صدوق، وربما غلط
وأبو النعمان بن معبد ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال في ((التقريب)): هو
مجهول. وقال صاحب ((التنقيح)): هو كالمجهول. واستدلوا أيضًا بما علقه
البخاري ووصله البيهقي والدار قطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس بلفظ :
((الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ))، قالوا: وإذا وجد طعمه فقد دخل،
وأجيب: بأن هذا الحديث موقوف، ثم المراد بالدخول: دخول شيء بعينه من
منفذ إلى جوف البطن، أي: المعدة لا وصول أثر شيء من المسامات إلى الباطن،
ولذا لا يفطر تدهين الرأس وشم العطر، وليس للعين منفذ إلى جوف البطن، كذا
قیل .
واحتج لأبي حنيفة والشافعي ومن وافقهما على جواز الاكتحال للصائم بحديث
٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيح
الباب، وهو حديث ضعيف كما ستعرف، لكن له شواهد يقوي بعضها بعضًا
وتصلح بمجموعها للاستدلال، فمنها: ما رواه ابن ماجه والبيهقي (ج ٤: ص ٢٦٢)
عن عائشة قالت: اكتحل النبي ◌َّ وهو صائم، وفيه: سعيد بن أبي سعيد عبد
الجبار الزبيدي الحمصي وهو ضعيف. قاله الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٨٩).
وقال الزيلعي (ج٢: ص٤٥٦) قال في ((التنقيح)): هو مجمع على ضعفه، انتهى.
قال صاحب ((الإمام)): ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب سعيد بن أبي سعيد هذا
فقال: اسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) كذا في
((الجوهر النقي)) (ج١: ص٢٥٣ وج٤: ص ٢٦٢). ومنها: ما رواه ابن عدي في
((الكامل)) والبيهقي من طريقه (ج ٤: ص٢٦٢) والطبراني في (الكبير)) من طريق
محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه وَ ليل كان يكتحل
وهو صائم. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
وقال في محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في
الضعفاء من حديث ابن عمر. قال في ((التلخيص)): وسنده مقارب. ومنها: ما روي
عن بريرة مولاة عائشة قالت: رأيت النبي وَليّ يكتحل بالإثمد وهو صائم. أخرجه
الطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي (ج٣: ص١٦٧): فيه جماعة لم أعرفهم،
انتهى. فهذه الأحاديث، وإن كان لا يخلو واحد منها من كلام، لكنها يقوي بعضها
بعضًا. وتنتهض بمجموعها للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم، وليس في
كراهته حديث صحيح أو حسن، فالراجح: هو القول بالجواز من غير كراهة والله
تعالى أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) وقال: ولا يصح عن النبي ◌َّ في هذا
الباب شيء. وقال في ((التنقيح)): حديث واه جدًّا وأشار البيهقي (ج ٤: ص ٢٦٢)
إلى هذا الحديث فقال: روى عن أنس بن مالك مرفوعًا بإسناد ضعيف بمرة: أنه لم
ير به أي: بالكحل للصائم بأسًا .
(وَأَبُوعَاتِكَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) قال في ((التنقيح)): هو مجمع على ضعفه واسمه
طريف بن سليمان، ويقال: سليمان بن طريف. قال البخاري: منكر الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الرازي: ذاهب الحديث، انتهى. ورواه أبو داود
كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ تَنْزِیهِ الصَّؤْم
٣١٥
من فعل أنس، وسكت عنه هو والمنذري. وقال في ((التنقيح)): إسناده مقارب،
وكذا قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٨٩).
٢٠٣١ - [١٣] وَعَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ
وَّهِ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الحرِّ.
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُودَاوُدَ] {صحيح}
الشرح
٢٠٣١ - قوله: (وَعَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََّ) إبهام الصحابي والجهالة به
لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول بالإتفاق. (بِالْعَرْج) بفتح العين وسكون الراء
المهملتين، وبالجيم موضع بين مكة والمدينة. وقيل: موضع بالمدينة. وقال ابن
حجر: محل قريب من المدينة كذا في ((المرقاة)). وقال في ((العون)): قرية جامعة
من أعمال الفرع على أيام من المدينة، انتهى.
وقيل: على نحو ثلاث مراحل من المدينة. (يَصُبُّ) بصيغة المعلوم
والمجهول. (عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ) أي: ليتقوى به
على صومه، وليدفع به ألم الحر أو العطش. و(أَوْ) للشك من الراوي، وفي رواية
للبيهقي (ج٤: ص ٢٦٣): من العطش، أو قال: من الحر أي: قال هذا اللفظ أو
ذاك. قال الباجي: هذا أصل في استعمال ما يتقوى به الصائم على صومه مما لا يقع
به الفطر من التبرد بالماء والمضمضة به؛ لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به
الفطر. وقال ابن الملك: هذا يدل على أن لا يكره للصائم أن يصب على رأسه
الماء، وأن ينغمس فيه وإن ظهرت برودته في باطنه. وقال الشوكاني: فيه: دليل
على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله. وقد ذهب
إلى ذلك الجمهور، ولم يفرقوا بين الاغتسال الواجبة والمسنونة والمباحة.
(٢٠٣١) أَبُو دَاوُد (٢٣٦٥)، والنَّسَائي في الكبرى (٣٠٢٩) مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عبدالرحمن، عَنْ
بَعْضِ الصَّحَابَةِ
٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقالت الحنفية: يكره الاغتسال للصائم. واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق عن
علي من النهي عن دخول الصائم الحمام وفي إسناده ضعف. كما قال الحافظ في
((الفتح))، انتهى. وقال ابن الهمام: ولو اكتحل لم يفطر سواء وجد طعمه في حلقه،
أو لا؛ لأن الموجود في حلقه أثره داخلًا من المسام، والمفطر الداخل من المنافذ
كالمدخل والمخرج، لا من المسام الذي هو جميع البدن للاتفاق فيمن شرع في
الماء يجد برده في باطنه أنه لا يفطر. وإنما كره أبو حنيفة ذلك أعني: الدخول في
الماء، والتلفف بالثوب المبلول، لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا لأنه
قريب من الإفطار، انتهى. قال القاري: كلام الإمام أبي حنيفة محمول على كراهة
التنزيه، وخلاف الأولى، وهو ◌ُالَّ فعل ذلك لبيان الجواز، انتهى.
قلت: الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم
دليل على كراهة الدخول في الماء، أو التلفف بالثوب المبلول، بل ثبت خلافه
فالقول بكراهته مردود على قائله. وقال الكاساني في ((البدائع)): أما الاستنشاق
والاغتسال، وصب الماء على الرأس، والتلفف بالثوب المبلول، فقد قال أبو
حنيفة: أنه يكره. وقال أبو يوسف: لا يكره، واحتج بما روي: أن النبي ◌َّ- صب
على رأسه ماء من شدة الحر وهو صائم وعن ابن عمر - عند البخاري في صحيحه
معلقًا، وفي تاريخه موصولًا، وكذا عند ابن أبي شيبة - أنه كان يبل الثوب ويتلفف
به وهو صائم؛ ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر فلا يكره كما لو استظل، ولأبي
حنيفة: أن فيه إظهار الضجر من العبادة، والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل
رسول اللَّه ◌َليل محمول على حال مخصوصة، وهي حال خوف الإفطار من شدة
الحر، وكذا فعل ابن عمر محمول على مثل هذه الحالة ولا كلام في هذه الحالة،
انتھی .
قلت: يحتاج هذا الحمل إلى قرينة، وليس شيء هنا يدل على ذلك إلا قول أبي
حنيفة بالكراهة مع أنها رواية عنه غير معتبرة، والفتوى عند الحنفية على قول أبي
يوسف. ففي ((الدر المختار)): لا تكره حجامة وتلفف بثوب مبتل، واستنشاق
واغتسال للتبرد عند الثاني. وبه يفتي شرنبلالية عن البرهان. قال ابن عابدين لرواية
٣١٧
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
أبي داود - يعني التي نحن في شرحها: ولفعل ابن عمر؛ ولأن هذه الأشياء فيها عون
على العبادة ودفع الضجر الطبيعي، وكذا حكى عليه الفتوى صاحب ((مراقى
الفلاح)) وغيره.
وقال العيني: كراهة الاغتسال للصائم رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها،
والمذهب المختار: أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة نبه عليه صاحب
((الواقعات))، وذكر في ((الروضة)) و((جوامع الفقة)): لا يكره الاغتسال وبل الثوب،
وصب الماء على الرأس بالحر، ثم ذكر العيني حديث أبي داود هذا. (رَوَاهُ مَالِك)
عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض
أصحاب للنبي وَله. (وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أحمد (ج٣: ص ٤٧٥) والطحاوي
(ج ١ : ص٣٣١) والحاكم (ج ١: ص ٤٣٢) والبيهقي (ج ٤: ص ٢٤٦ - ٣٦٣) كلهم
من طريق مالك، وهو مختصر من حديث طويل عندهم. وقد سكت عنه أبو داود
والمنذري. وقال الشوكاني: رجال إسناده رجال الصحيح.
وقال العيني: رواه أبو داود بسند، صحيح ورواه الحاكم من طريق محمد بن
نعيم السعدي، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: رأيت
رسول اللَّه ◌َله بالعرج يصب على رأسه الماء من الحر وهو صائم. قال الحاكم:
هذا حديث له أصل في ((الموطأ))، فإن كان محمد بن نعيم السعدي حفظه هكذا،
فإنه صحيح على شرط الشيخين، ثم روى حديث الباب من طريق مالك ووافقه
الذهبي .
٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٣٢ - [١٤] وعن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ أَتَى رَجُلًا
بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمانِّ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ:
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {صحيح}
((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)).
- قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَتَأوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ:
أَيْ: تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ: الْمَحْجُومُ لِلصَّعْفِ وَالحَاجِمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ
يَصِلَ شَيءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ المَلَازِمِ(*).
الشرح
٢٠٣٢- قوله: (أَتَی رَجُلًا) أي: مر علیه وهکذا وقع في جميع الروايات بغير
تسمية الرجل، ووقع عند أحمد (ج٤: ص١٢٤) من طريق داود بن أبي هند عن أبي
قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن شداد ابن أوس قال: مر
رسول اللّه ◌َلّه عليَّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلون من رمضان، فقال: ((أَفْطَرَ
الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)). (بِالْبَقِيع) أي: بمقبرة المدينة، وفي رواية لأحمد في بعض
طرق المدينة. (وَهُوَ) الرجلَ. (يَحْتَجِمُ وَهُوَ) أي: النبي ◌َّ. (آَخِذٌ) بصيغة
الفاعل. (بِيَدِي)؛ إشارة إلى كمال قربه منه وَالجلاد .
(لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ) أي: مضت. (مِنْ رَمَضَانَ)، وهذا يدل: على كمال حفظ
الراوي وضبطه بذكر المكان والزمان وحاله. (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)، استدل
بظاهر هذا الحديث من قال: بحرمة الحجامة للصائم. وقد تقدم ذكرهم مع بسط
الكلام في هذه المسألة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص١٢٢ - ١٢٣
- ١٢٤ - ١٢٥) والنسائي في ((السنن الكبرى)) وابن خزيمة وابن حبان في
(٢٠٣٢) أَبُو دَاوُد(٢٣٦٩)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٣١٣٩)، وَابن مَاجَهْ (١٦٨١) عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ إِسْحَاقُ بْنُ
رَاهَوِیةِ.
(*) قُلْتُ: جَزَمَ الشَّافِعِيُّ رَوَّهُ، بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ.
٣١٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
صحيحيهما والحاكم (ج١: ص ٤٢٨ - ٤٢٩) والطحاوي (ج١: ص٣٤٩)
والبيهقي (ج٤ : ص٢٦٥ - ٢٦٨) وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذري: روى
هذا الحديث بضع عشر صحابيًّا إلا أن أكثر الأحاديث ضعاف.
وقال إسحاق بن راهويه: حدیث شداد إسناده صحيح تقوم به الحجة، وذكر أبو
داود بعد هذا حديث ثوبان من طريقين، الطريق المتقدم أجود منهما. وقال أحمد:
أحاديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها، انتهى.
وقال الزيلعي (ج٢ ص ٤٧٣): قال الحاكم: حديث شداد ظاهر الصحة، وصححه
أحمد وابن المديني وإسحاق بن راهويه واستقصى النسائي طرقه. والاختلاف فيه
في (سننه الكبرى)). وقد روى مسلم في ((صحيحه)) بهذا الإسناد - أي: من طريقٍ
أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد - حديث: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ))، ونقل الحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص٤٢٨) عن ابن راهويه أنه قال:
إسناده صحيح تقوم به الحجة، انتهى كلام الزيلعي.
قلت: وصححه أيضًا البخاري وابن خزيمة وابن حبان وعثمان الدار مي كما قال
الحافظ في ((الفتح))، وعقد البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٤: ص ٢٦٦) بابًا ذكر
فيه بعض ما بلغه عن حفاظ الحديث في تصحيح حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ))، وقد رواه أئمة الحديث عن ثمانية عشر من الصحابة. وقال السيوطي
في ((الجامع الصغير)): إنه متواتر، وكذا حكاه صاحب ((التنقيح)) عن بعض الحفاظ
كما في ((نصب الراية)) (ج ٢: ص ٤٧٢) قال: وليس ما قاله ببعيد، ومن أراد ذلك
فلينظر ((مسند أحمد)) و(معجم الطبراني)) و(السنن الكبير)) للنسائي قال: وقال
إسحاق بن راهويه: هو ثابت من خمسة أوجه، انتهى كلامه. وقد ذكر الزيلعي
(ج ٢: ص ٤٧٢ - ٤٧٣ - ٤٧٤ - ٤٧٥ - ٤٧٦ - ٤٧٧) هذه الأحاديث مع الكلام
عليها، وذكرها أيضًا العيني في ((شرح البخاري)) (ج ١١: ص ٣٧ - ٣٨ - ٣٩) وذكر
شيئًا منها الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٩٠) من شاء الوقوف عليها فليرجع إلى هذه
الکتب .
قلت: وحديث شداد بن أوس وإن صححه الأئمة لكن في سنده ومتنه اضطراب
شديد، ولم أر أحدًا التفت إلى رفعه. وأما ما حكاه الترمذي في ((العلل)) عن