النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأَنَا صَائِمٌ) جملة حالية من قوله: ((وَقَعْتُ))، فيؤخذ منه: أنه لا يشترط في
إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة؛ لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا
في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: ((وطئت)) أي: شرعت في الوطء، أو أراد
جامعت بعد ((إذا أنا صائم)) قاله الحافظ. (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا) أي: تقدر،
فالمراد: الوجود الشرعي ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه، ويخرج عنه مالك
الرقبة المحتاج إليها بطريق معتبر شرعًا. وفي رواية لأحمد: ((أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ
رَقَبَّةً)). (قَالَ) الرجل. (لَا) أجد رقبة، وفي حديث ابن عمر عند أبي يعلى
والطبراني: فقال: ((والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط)). واستدل به من أجاز
إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة لأجل الإطلاق، وهم الحنفية وابن حزم، ومن
يشترط الإيمان وهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، يقيد الإطلاق هاهنا
بالتقييد في كفارة القتل، وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل
يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول
الفقه. والأقرب: أنه إن قيد فبالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى.
(فَهَلْ تَسْتَطِيعُ) أي: تقوى وتقدر. (أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) وفي رواية
للبخاري: قال: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ))، وفيه: اشتراط التتابع، وعلى هذا
جمهور الفقهاء. وقال ابن أبي ليلى: ليس التتابع بلازم في ذلك، والحديث حجة
عليه. (قَالَ: لَا)، وفي رواية: لا أقدر عليه. وللبزار: ((وهل لقيت ما لقيت إلا من
الصيام)). قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن
رواية البزار هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ
للشافعية نظر هل يكون ذلك أي: شدة الشبق عذرًا، حتى يعد صاحبه غير مستطيع
للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم: اعتبار ذلك. ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به
عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد كذا
في ((الفتح)). (قَالَ: هَلْ) وفي البخاري: قال: ((فَهَلْ)).
(تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا)، وفي رواية: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ إِطْعَامَ))، وفي
أخرى: (فَتُطْعِم سِتِينَ مِسْكِينًا))، قال: ((لا أجد)). ولأحمد: ((أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ
سِتِّينَ مِسْكِينًا))، قال: ((لا))، وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر: قال: ((والذي
بعثك بالحق ما أشبع أهلي))، والمراد: بالمسكين هنا أعم من الفقير؛ لأن كلا

٢٨١
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابَ تَنْزِیهِ الصَّوْم
منهما حيث أفرد يشمل الآخر. وإنما يفترقان عند اجتماعهما نحو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروف.
قال ابن دقيق العيد: قوله (إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) يدل على وجوب إطعام هذا
العدد؛ لأنه أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك
موجودًا في حق من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيام مثلًا. ومن أجاز ذلك، فكأنه
استنبط من النص معنى يعود بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو
أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستين يومًا كفى.
قال الحافظ: والمراد بالإطعام: الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع
المطعوم في الفم. بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما
يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض، فإن
فيها النص على الإيتاء. وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء، وفي ذكر الإطعام
ما يدل على وجود طاعمين، فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر
الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لوليه، وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها،
ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. والحكمة في هذه الخصال
الثلاث في الكفارة على ما ذكر: أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع، فقد أهلك
نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه. وقد صح أن من أعتق رقبة
أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا منه من النار، وأما الصيام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه
كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ
كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله
من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة
النقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين.
وفي الحديث: دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة، في الكفارة وإليه
ذهب جمهور العلماء، واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور عنه الجزم
في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق، وعنه يكفر
بالأكل بالتخيير، وفي الجماع بالإطعام فقط. وعنه التخيير مطلقًا، وفي
((المدونة)): ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام.

٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث
الثابت غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ، وتأوله على
الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال، ووجهوا ترجيح الطعام على
غيره بوجوه فذكرها ثم قال: وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من
تقديم العتق على الصيام، ثم الإطعام، سواء قلنا: الكفارة على الترتيب، أو
التخيير، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب، فلا أقل من أن تقتضي
استحبابه، واحتج لمالك أيضًا: بأن حديث عائشة لم يقع فيه سوى الإطعام،
وجوابه: أنه اختصار من بعض الرواة، وقد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضًا،
ووقع في حديث أبي هريرة ذكر العتق وصيام شهرين أيضًا، والقصة واحدة. ومن
حفظ حجة على من لم يحفظ. ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب،
ومنهم من قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدة تكون
بالإطعام، وفي غيرها تكون بالعتق والصوم، ونقلوه عن محققي المتأخرين.
ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث، وبغيره لا يكفر إلا
بالإطعام وهو قول أبي مصعب. وقال ابن جرير الطبري: هو مخير بين العتق
والصوم، ولا يطعم إلا عند العجز عنهما.
وفي الحديث: أنه لا مدخل لغير هذه الثلاث في الكفارة، وجاء عن بعض
المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد الصيام
بإفساد الحج. وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك في ((الموطأ)»
وهو مع إرساله قد رده سعيد بن المسيب، و کذب من نقله عنه كما روى سعيد بن
منصور. ورواه ابن عبد البر من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولًا، لكنه من
رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيف، وقد اضطرب في روايته سندًا
ومتنًا فلا حجة فيه. واختلف في أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب أو على
التخيير؟ والمراد بالترتيب: أن لا ينتقل المكلف إلى المؤخر في الذكر إلا بعد
العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز، فذهب
مالك إلى أنها على التخيير. وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة: هي مرتبة فالعتق
أولًا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام، واحتجوا بحديث الباب.
قال ابن العربي: لأن النبي وَلّ نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر، وليس هذا شأن

٢٨٣
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
****<<<<<<<<<<****<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<***
كِتّابُ الضَّوْم
التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك. فقال: إن مثل
هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنير: بأن شخصًا لو
حنث فاستفتى. فقال المفتى: أعتق رقبة فقال: لا أجد فقال: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام
. .. إِلَى آخِرِهِ، لم يكن مخالفًا لحقيقة التخيير بل يحمل على أن إرشاده إلى العتقَ
لكونه أقرب لتنجيز الكفارة.
وقال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد
الثاني، يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان، وجواب السؤال فينزل
منزلة الشرط للحكم. قال الحافظ: وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح، بأن
الذين رَوَوا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير، فإن الذين رووا الترتيب
عنه هم تمام ثلاثين نفسًا أو أزيد، ورجح الترتيب أيضًا: بأن راويه حكى لفظ القصة
على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي
الحديث، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار أو لغير
ذلك، ويترجح الترتيب أيضًا: بأنه أحوط لأن الأخذ به مجزئ، سواء قلنا:
بالتخيير أو لا بخلاف العكس. وقيل: ((أو)) في الرواية الأخرى ليست للتخيير،
وإنما هي للتفسير، والتقدير: أمر رجلًا أن يعتق رقبة أو يصوم إن عجز عن العتق،
أو يطعم إن عجز عنهما. (قَالَ: اجْلِسْ) قيل: إنما أمره بالجلوس؛ لانتظار الوحي
في حقه، أو كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به. (وَمَكُثَ) بضم الكاف وفتحها.
(النَِّيُّ وََّ) لفظ البخاري في هذه الرواية التي ساقها في الصيام في باب: إذا
جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر قال : - أي أبو هريرة -
فمكث النبي وَّل. وفي بعض النسخ: فمكث عند النبي ◌َّ، وفي رواية ابن عيينة
عند البخاري في النذور. قال: ((اجْلِسْ)) فجلس، فجمع المصنف هنا بين الروايتين
تقليدًا لما في ((جامع الأصول)) للجزري (ج٧ ص٢٧٨). (فَبَيْئًا) بغيرِ ميم. (نَحْنُ
عَلَى ذَلِكَ) أي: ما ذكر من الجلوس والمكث وجواب ((بينا)) قوله: (أَتِيَ النَِّّ وَّ)
بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولم يسم الآتي وعند البخاري في الكفارات فجاء رجل
من الأنصار.
(بِعَرَقٍ) بفتح العين والراء بعدها قاف. قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة، وفي

٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رواية أبي الحسن القابسي بإسكان الراء. قال عياض: والصواب الفتح. وقال ابن
التين: أنكر بعضهم الإسكان؛ لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم.
قال الحافظ: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح؛ لأنه يشترك
مع الماء الذي يتحلب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح، ومن حيث
اللغة أيضًا، إلا أن الإسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللغة كالقزاز، انتهى.
قال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص٥٤٧): العرق بفتح الراء خوص
منسوج مضفور يعمل منه الزنبيل عرقًا فسمي الزنبيل؛ لأنه يعمل منه. (فِيهِ تَمْرٌ)
أي: من تمر الصدقة ويروى فيها بالتأنيث على معنى القفة. قال عياض: المكتل
والقفة والزنبيل سواء. (وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة
بعدها لام الزنبيل الكبير. (الضَّخْمُ) بفتح الضاد وسكون الخاء أي: العظيم وهذا
لفظ البخاري في النذور. ووقع في الصيام في هذه الرواية: و((العرق: المكتل))،
أي: بحذف لفظ ((الضَّخْمُ))، وهاهنا أيضًا تقلد المصنف الجزري. قال الحافظ:
وهو تفسير من أحد رواته وظاهر هذه الرواية: أنه الصحابي لكن في رواية ابن عيينة
ما يشعر بأنه الزهري، وفي رواية: فأتى بمكتل يدعى العرق، وفي أخرى: فأتى
بعرق فيه تمر، وهو الزبيل، ولأحمد: فأتي بزبيل، وهو المكتل. قال الأخفش:
سمي المكتل عرفًا؛ لأنه يضفر عرقه عرقة، فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقه،
والعرقة الضفيرة من الخوص، بضم الخاء ورق النخل. والزبيل بوزن رغيف هو
المكتل سمي زبياًا؛ لحمل الزبل فيه. وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاي أوله
وزيادة نون ساكنة. وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات
الثلاث زنابيل .
قال الحافظ: ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم: ((فجاءه عرقان))،
والمشهور في غيرها ((عرق))، ورجحه البيهقي في ((السنن)) (ج ٤ ص٢٢٥) وجمع
غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لا نرضاه لاتحاد مخرج الحديث، والأصل
عدم التعدد. والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق، لكنه كان في عرقين في حال
التحميل على الدابة؛ ليكون أسهل في الحمل فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ
أحدهما في الآخر، فمن قال: عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق أراد ما آل
إليه، والله أعلم. قال: ولم يعين في هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر بل

٢٨٥
كِتّابُ الصَّوْم
KEYS
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
ولا في شيء من طرق ((الصحيحين)) في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي
حفصة. عند أحمد (ج٢ ص٥١٦) والدار قطني (ص٢٥٢) والبيهقي (ج ٤ ص ٢٢٢)
فيه خمسة عشر صاعًا، وفي رواية مؤمل عن سفيان: فيه خمسة عشر أو نحو ذلك،
وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عند ابن خزيمة: فيه خمسة عشر أو
عشرون، وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب، وفي
مرسله عند الدار قطني: الجزم بعشرين صاعًا. ووقع في حديث عائشة عند ابن
خزيمة، والبيهقي (ج٤ ص٢٢٣): ((فأتى بعرق فيه عشرون صاعًا)).
قال البيهقي: قوله: ((عشرون صاعًا)) بلاغ بلغ به محمد بن جعفر يعني بعض
رواته وقد بين ذلك محمد بن إسحاق عنه فذكر الحديث، وقال في آخره: قال
محمد بن جعفر: فحدثت بعد أن تلك الصدقة كانت عشرين صاعًا من تمر، قلت:
قائله الحافظ ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد فأمر له ببعضه،
وهذا يجمع الروايات، فمن قال: إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال :
خمسة عشر أراد ما تقع به الكفارة ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني
(ص ٢٥١): ((تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلُّ مِسْكِينٍ مُدٌ))، وفيه: فأتى بخمسة عشر صاعًا
فقال: ((أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا))، وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدار قطني
(ص٢٤٢) والبيهقي (ج ٤ ص٢٢٦) في حديث أبي هريرة. وفيه رد على الكوفيين -
أي: أبي حنيفة وأصحابه - في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا ومن غيره
ستون صاعًا، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعًا، أو بالجماع أطعم
خمسة عشر وعلى أشهب في قوله: لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الإطعام،
ولقول الحسن: يطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا، انتهى.
واحتج الكوفيون بما وقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم والبيهقي (ج ٤
ص٢٢٤): فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق به، فإن العرق إذا كان
خمسة عشر صاعًا، فالعرقان ثلاثون صاعًا على ستين مسكينًا لكل مسكين نصف
صاع، وتعقبه العيني فقال: ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين؟ وهم قد احتجوا
بما رواه مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام، وقد ذكرنا أن العرقين يكون ثلاثين صاعًا
فيعطي لكل مسكين نصف صاع بل الرد على أئمتهم، حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه

EXCK:
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالروايات المضطربة، وفي بعضها الشك، فالعجب أنه يرد على الكوفيين مع علمه
أن احتجاجهم قوي صحیح، انتھی.
قال صاحب ((فتح الملهم)) بعد ذكره: قلت: والإنصاف أن الاحتجاج بحديث
العرقين، يتوقف على إثبات أن المراد بلفظ: ((الطعام)) الوارد فيه القمح وهو غير
ظاهر بل الظاهر أنه التمر، كما صرح به في حديث أبي هريرة، ولا يكفي منه
ثلاثون صاعًا عند الكوفيين أيضًا اللهم إلا أن يقال بتعدد القصة في حديثي
أبي هريرة وعائشة، نعم وقع في قصة المظاهر عند أبو داود قوله وَّر: ((فَأَطْعِمْ
وَسْقًّا مِنْ تَمْرِ بَيْنَ سِقِينَ مِسْكِينًا)»، والوسق: ستون صاعًا، وكفارة الظهار هي كفارة
الصوم، فبهذا ينتهض الاستدلال للكوفيين والله تعالى أعلم، انتهى. قلت: دعوى
التعدد مخدوشة لكونها خلاف الظاهر والأصل. وأما رواية أبي داود في قصة
المظاهر ففي إسنادها محمد بن إسحاق، وقد عنعن وفيه أيضًا سليمان بن يسار عن
سلمة بن صخر. قال البخاري: هو مرسل سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر
ودعوى الاضطراب في حديث أبي هريرة مدفوعة كما رأيت في كلام الحافظ.
(أَيْنَ السَّائِلُ؟) أطلق عليه ذلك؛ لأن كلامه متضمن للسؤال، فإن مراده:
هلكت فما ينجيني وما يخلصني مثلًا، وفي حديث عائشة: ((أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟))، وقد
سبق توجيهه. (قَالَ: أَنَا) أي: أنا هو أو أنا السائل. (خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتمر
الذي فيه على المساكين. وفيه: دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن الإعسار لا
يسقط الكفارة، وسيأتي الكلام في هذه المسألة.
قال الحافظ: وزاد ابن إسحاق - عند البزار - ((فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِكَ))، ويؤيده
رواية منصور في الصيام عند البخاري بلفظ: ((أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ))، ونحوه في مرسل
سعيد بن المسيب عند الدار قطني. واستدل بأفراده بذلك على أن الكفارة عليه
وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ)) و ((هَلَ تَجِدُ)) وغير
ذلك وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي. وقال الجمهور : - مالك
وأبو حنيفة وأحمد في الروايتين عنه - وأبو ثور وابن المنذر: تجب الكفارة على
المرأة أيضًا على الاختلاف، وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٨٧
والمكرهة، وهل هي عليها، أو على الرجل عنها؟ واستدل الشافعية: بسكوته عليه
الصلاة والسلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة.
وأجيب: بمنع وجود الحاجة إذ ذاك؛ لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف
الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف، وبأنها قضية حال فالسكوت عنها
لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار. ثم
إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة
الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف
عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما
عرفه من كلام زوجها، بأنها لا قدرة لها على شيء، انتهى كلام الحافظ. وبنحو
هذا ذكر ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٩ - ٢٢٠).
وقال الخطابي (ج٢ ص١١٧): في أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من
الجناية، دليل على أن على المرأة كفارة مثلها؛ لأن الشريعة قد سوت بين الناس
في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليل التخصيص وإذا لزمها القضاء؛ لأنها
أفطرت بجماع متعمد كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة
كالرجل سواء، وهذا مذهب أكثر العلماء.
وقال الشافعي: يجزيهما كفارة واحدة وهي على الرجل دونها، وكذلك قال
الأوزاعي إلا أنه قال: إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم
شهرين، واحتجوا بأن قول الرجل: أصبت أهلي سؤال عن حكمه وحكمها؛ لأن
الإصابة معناها أنه واقعها وجامعها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه، ومنها معًا .
ثم أجاب النبي ◌َّ عن المسألة، فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل ولم يعرض
لها بذكر دل على أنه لا شيء عليها، وأنها مجزئة في الأمرين معًا ألا ترى أنه بعث
أنيسًا إلى المرأة التي رميت بالزنا، وقال: ((إِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا))، فلم يهمل
حكمها لغيبتها عن حضرته. فدل هذا: على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك
ولم يسكت عنها. قلت : - قائله الخطابي - وهذا غير لازم؛ لأن هذا حكاية حال لا
عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعد زمن مرض، أو سفر، أو تكون
مكرهة، أو ناسية لصومها، أو نحو ذلك من الأمور، وإذا كان كذلك لم يكن ما

٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذكروه حجة يلزم الحكم بها. واحتجوا أيضًا في هذا بحرف يروونه في هذا
الحديث وهو قوله: ((هَلَكْتُ وأهلكت))، قالوا: دل قوله: ((وَأُهْلِكَتْ)) على مشاركة
المرأة إياه في الجناية؛ لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة، كما أن القطع يقتضي
الانقطاع.
قلت : - قائله الخطابي - وهذه اللفظة غير محفوظة والمعلى بن منصور الذي
روى هذا الحديث بهذا الحرف ليس بذاك في الحفظ والإتقان، انتهى.
قلت: حكى العيني (ج١١ ص ٣٠) عن شيخه العراقي أنه قال: وردت هذه
اللفظة مسندة من طرق ثلاثة: أحدها: الذي ذكره الخطابي وقد رواها الدار قطني
(ص٢٥١) من رواية أبي ثور. قال: حدثنا معلى بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة
عن الزهري ... فذكره. قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن معلى بن منصور عن
ابن عيينة بقوله: ((وَأَهْلِكَتْ)) وكلهم ثقات. الطريق الثاني: من رواية الأوزاعي عن
الزهري، وقد رواها البيهقي بسنده (ج٤ ص ٢٢٧) ثم نقل عن الحاكم أنه ضعف
هذه اللفظة وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني، ثم استدل
على ذلك. والطريق الثالث: من رواية عقيل عن الزهري رواها الدار قطني في غير
السنن، قال: حدثنا النيسابوري حدثنا محمد بن عزيز حدثني سلامة بن روح عن
عقيل عن الزهري فذكره، وقد تكلم في سماع محمد بن عزيز من سلامة، وفي
سماع سلامة من عقيل وتكلم فيهما. ثم ذكر الكلام فيهما، ثم قال: وأجود طرق
هذه اللفظة طريق المعلى بن منصور على أن المعلى بن منصور وإن اتفق الشيخان
على إخراج حديثه فقد تركه أحمد. وقال: لم أكتب عنه كان يحدث بما وافق
الرأي، وكان كل يوم يخطىء في حديثين أو ثلاثة، انتهى.
قلت: معلى بن منصور هذا وثقة ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وابن
سعد لكن قال: اختلف فيه أصحاب الحديث، فمنهم: من يروي عنه. ومنهم: من
لا يروي عنه. وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا في الحديث. وقال ابن عدي:
أرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أجد له حديثًا منكرًا وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وروى له البخاري حديثين. وأما محمد بن عزيز فضعفه النسائي مرة، وقال مرة: لا
بأس به، ووثقه العقيلي وسعيد بن عثمان ومسلمة. وقال أبو أحمد الحاكم: فيه

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصّؤْم
٢٨٩
نظر. وقال الذهبي: صدوق إن شاء الله. وقال الحافظ في ((التقريب)): فيه ضعف،
وقد تكلموا في صحة سماعة من عمه سلامة، انتهى.
وأما سلامة فقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث يكتب حديثه على الاعتبار.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوى محله عندي محل الغفلة. وقال ابن قانع: ضعيف.
وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مستقيم
الحديث. وقال في ((التقريب)): صدوق له أوهام. وقيل: لم يسمع من عمه عقيل،
وإنما يحدث من كتبه، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): لا يلزم من قوله:
((وأُهلكت)) إيجاب الكفارة على المرأة بل يحتمل أن يريد بقوله: (هَلَكَتُ) أثمت
وأهلكت أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني فواقعتها إذ لا ريب في حصول الإثم
على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة ولا نفيها أو المعنى: هلكت،
أي: حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته ((وَأَهْلِكَتْ)) أي: نفسي بفعل الذي
جر عليَّ الإثم، وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة، وقد ذكر البيهقي أن للحاكم
في بطلانها ثلاثة أجزاء، ومحصل القول فيها أنها وردت من طريق الأوزاعي، ومن
طريق ابن عيينة. أما الأوزاعي فتفرد بها محمد بن المسيب عن عبد السلام بن
عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد بن مسلم، وعن محمد بن عقبة بن
علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعي.
قال البيهقي: رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها وكذلك جميع الرواة عن
الوليد وعقبة وعمر ومحمد بن المسيب كان حافظًا مكثرًا، إلا أنه كان في آخر أمره
عمي فلعل هذه اللفظة أدخلت عليه، وقد رواه أبوعلي النيسابوري عنه بدونها،
ويدل على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد عن أبيه. قال: سئل عن رجل جامع
امرأته في رمضان قال: عليهما كفارة واحدة إلا الصيام. قيل له: فإن استكرهها
قال: عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة فتفرد بها أبو ثور عن معلى بن منصور عنه.
قال الخطابي: المعلى ليس بذاك الحافظ، وتعقبه ابن الجوزي: بأنه لا يعرف أحد
طعن في المعلى، وغفل عن قول الإمام أحمد: أنه كان يخطئ كل يوم في حديثين
أو ثلاثة فلعله حدث من حفظه بهذا فوهم.
وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب الصيام للمعلى بخط موثوق به وليست هذه

٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزي: أن الدار قطني أخرجه من طريق عقيل أيضًا وهو
غلط منه، فإن الدار قطني لم يخرج طريق عقيل في ((السنن))، وقد ساقه في ((العلل))
بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها، انتهى كلام الحافظ. وراجع («السنن
الكبرى)) للبيهقي (ج٤ ص٢٢٧) مع ((الجوهر النقي)).
(أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّ) بهمزة الاستفهام والمجرور متعلق بمحذوف، أي: أأتصدق
على شخص أكثر حاجة مني. وقال الشيخ زكريا الأنصاري في ((شرح البخاري)):
هو بتقدير همزة الاستفهام التعجبي الداخلة على فعل حذف للعلم به من قوله:
((فَتَصَدَّقْ بِهِ))، قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه فهم الإذن له في التصدق على من
يتصف بالفقر، وقد بين ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه: إلى من أدفعه؟ قال: ((إلى
أفقر من تعلم)) أخرجه البزار والطبراني في (الأوسط)). وفي رواية إبراهيم بن سعد:
((أعلى أفقر من أهلي)). ولابن مسافر عند الطحاوي: أعلى أهل بيت أفقر مني.
ولمنصور: أعلى أحوج منا.
(مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزة تثنية لابة، بالباء الموحدة المفتوحة، ثم التاء المثناة
من فوق، والضمير للمدينة. قال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص ٥٤٧):
اللابة: الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة، وهي الحرة ولابتا المدينة حرتاها
من جانبيها، انتهى. (يُرِيدُ) أي: الرجل باللابتين وهذا من كلام بعض رواته.
(الْحَرَّتَيْنِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء تثنية حرة، وهي الأرض ذات
الحجارة السود، والمدينة بين حرتين. (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) برفع أهل اسم
(مَا) النافية وأفقر بالنصب على أنه خبرها إن أجعلت (مَا) حجازية، وبالرفع إن
جعلتها تميمية قاله الزركشي وغيره. وقال البدر الدماميني: وكذا إن جعلتها
حجازية ملغاة من عمل النصب بناء على أن قوله: ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)) خبر مقدم، وأهل
بيت مبتدأ مؤخر، ((وأفقر)) صفة له، وفي رواية عقيل: ما أحد أحق به من أهلي ما
أحد أحوج إليه مني. وفي مرسل سعيد: والله ما لعيالي من طعام. وفي حديث
عائشة عند ابن خزيمة: ((ما لنا عشاء ليلة)).
(فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ حَتَّى بَدَتْ) أي: ظهرت. (أَنْيَابُهُ) جمع ناب، وهو السن
الذي بعد الرباعية، وهي أربعة. وفي رواية ابن إسحاق: حتى بدت نواجذه.

٢٩١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
قيل: إن ضحكه مَ لٍ كان تعجبًا من تباين حال الرجل حيث جاء خائفًا على نفسه،
راغبًا في فدائهما مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من
الكفارة. وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأنيه، وتلطفه في
الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. قيل: وقد يكون من رحمة الله
تعالى وتوسعه عليه وإطعامه له هذا الطعام، وإحلاله له بعد أن كلف إخراجه،
والضحك غير التبسم. وقد ورد أن ضحكه كان تبسمًا أي: في غالب أحواله.
(أَطْعِمْهُ) أي: ما في العرق من التمر. (أَهْلَكَ) أي: من تلزمك نفقته، أو مطلق
أقاربك، ولابن عيينة عند البخاري في الكفارات: ((أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ))، ولأبي قرة عن
ابن جريج ثم قال: ((كُلُهُ))، ولابن إسحاق: ((خُذْهَا وَكُلْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ))،
ونحوه في رواية عبد الجبار بن عمر وحجاج بن أرطاة وهشام بن سعد كلهم عن
الزهري عند البيهقي (ج٤ ص٢٢٦) وغيره. واستدل به: على سقوط الكفارة عن
المعسر وهو أحد قولي الشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وبه جزم عيسى بن
دينار من المالكية وهو قول الأوزاعي.
قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٢): وإن عجز عن العتق والصيام والإطعام سقطت
الكفارة عنه في إحدى الروايتين عن أحمد بدليل أن الأعرابي لما دفع إليه النبي :
الى الله
التمر، وأخبره بحاجته إليه قال: ((أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))، ولم يأمره بكفارة أخرى، وهذا
قول الأوزاعي. وقال الزهري: لابد من التكفير، وهذا خاص لذلك الأعرابي لا
يتعداه بدليل: أنه أخبر النبي ◌َّله بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق، ولم يسقطها
عنه؛ ولأنها كفارة واجبة فلم تسقط بالعجز عنها كسائر الكفارات، وهذا رواية ثانية
عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا الحديث المذكور ودعوى التخصيص لا تسمع بغير دليل، وقولهم: إنه أخبر
النبي ◌َّه بعجزه فلم يسقطها، قلنا: قد أسقطها عنه بعد ذلك، وهذا آخر الأمرين
من رسول اللَّه ◌َ له، ولا يصح القياس على سائر الكفارات؛ لأنه إطراح للنص
بالقیاس والنص أولی، انتهى.
قلت: آخر الحديث ليس نصًا في إسقاط الكفارة عند الإعسار، بل هو محتمل
لوجوه أخرى كما سيأتي، وأول الحديث نص في عدم سقوط الكفارة بالإعسار،
فلا يترك بالمحتمل. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٨): تباينت المذاهب فيه

٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: في قوله: ((أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))، فقيل: إنه دليل على سقوط الكفارة بالإعسار
المقارن لسبب وجوبها؛ لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين
النبي وَلّه استقرارها في ذمته إلى حين يساره، ويتأيد ذلك بصدقة الفطر، حيث
تسقط بالإعسار المقارن بسبب وجوبها وهو هلال الفطر لكن الفرق بينهما: أن
صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة. وليس
في الخبر ما يدل على إسقاطها، بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز. وقيل:
لا تسقط الكفارة بالإعسار المقارن، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والصحيح من
مذهب الشافعي أيضًا، وبعد القول بهذا المذهب. ففيه طريقان: أحدهما: منع أن
لا تكون الكفارة أخرجت في هذه الواقعة، يعني: إن الذي أذن له في التصرف فيه
كان على سبيل الكفارة.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: هذا خاص بهذا الرجل أي: كونه أكله من صدقة
نفسه، وإطعام أهله منها مجزئًا عن كفارته مخصوص بهذا الرجل لا يتعداه. ورُدَّ :
بأن الأصل عدم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ وهذا أيضًا مردود؛ لأنه لا
دليل على النسخ. وقال بعضهم: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم: من لا
تلزمه نفقته من أقاربه، وضعف بالرواية التي فيها: ((عيالك)). وبالرواية المصرحة
بالإذن له في الأكل من ذلك. وقال بعضهم: لما كان فقيرًا عاجزًا لا يجب عليه
النفقة لغيره، وكان أهله فقراء أيضًا جاز إعطاء الكفارة عن نفسه لهم. وقد جوز
بعض الشافعية لمن لزمته الكفارة مع الفقر أن يصرفها إلى أهله وأولاده. وضعف
أيضًا بالرواية التي فيها تصريح بالإذن له في الأكل من ذلك. الطريق الثاني: وهو
الأقرب الأقوى أن يجعل إعطاءه إياها لا على جهة الكفارة، بل على جهة التصدق
عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم. وأما الكفارة، فلم تسقط
بذلك ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث، وأما ما اعتلوا به
من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد في الحديث
ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا
سقوط عن العاجز ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة، وهو القدرة كذا في
((الفتح)). وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة، أو على أجزائها عنه بإنفاقه إياها
EX

كِتّابُ الصَّوْم
بَاب تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٩٣
على عياله وهو قوله في حديث علي: ((وَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ فَقَدْ كَفَّرَ اللهُ عَنْكَ))،
ولكنه حديث ضعيف لا يحتج بما انفرد به.
قال القسطلاني: ولابن إسحاق: ((خُذْهَا وَكُلْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ))، أي: لا
عن الكفارة بل هو تمليك مطلق بالنسبة إليه، وإلى عياله وأخذهم إياه بصفة الفقر،
وذلك لأنه لما عجز عن العتق لإعساره وعن الصيام لضعفه، فلما حضر ما يتصدق
به ذكر أنه وعياله محتاجون، فتصدق به عليه الصلاة والسلام عليه، وأذن له في
أكله، وإطعام عياله وكان من مال الصدقة. وبقيت الكفارة في ذمته، انتهى.
وحكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: أن الكفارة غير واجبة أصلًا لا
على موسر ولا معسر. قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها ولو كانت واجبة لما جاز
ذلك وهو استدلال غير ناهض؛ لأن الحديث ظاهر في الوجوب، وإباحة الأكل لا
تدل على أنها كفارة، بل فيها الاحتمالات التي سلفت. واعلم: أنه وُّ لم يأمره في
هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع فيه، إلا أنه ورد الأمر بالقضاء في حديث
أبي هريرة عند أبي داود والبيهقي والدارقطني، وفي حديث عمرو بن شعيب عند
البيهقي وابن أبي شيبة، وإليه ذهب أكثر العلماء.
قال الزرقاني: إيجاب القضاء مع الكفارة هو قول الأئمة الأربعة والجمهور،
وأسقطه بعضهم؛ لأنه لم يرد في خبر أبي هريرة ولا خبر عائشة، ولا في نقل
الحفاظ لهما ذكر القضاء. وأجيب: بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها أن لهذه
الزيادة أصلًا يصلح للاحتجاج، وعن الأوزاعي: إن كفر بعتق أو إطعام قضى
اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، انتهى. وقال الحافظ في
((الفتح)): استدل بالحديث: على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاء
بالكفارة إذ لم يقع التصريح في ((الصحيحين)) بقضائه وهو محكي في مذهب
الشافعي. وعن الأوزاعي: يقضي إن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضًا. قال
ابن العربي: إسقاط القضاء لا يشبه منصب الشافعي إذ لا كلام في القضاء لكونه
أفسد العبادة، وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم. قال: وأما كلام
الأوزاعي فليس بشيء.
قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس

٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعبد الجبار بن عمر وهشام بن سعد كلهم عن الزهري عند البيهقي (ج ٤ ص٢٢٦)
وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري. وحديث
إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث
عن الزهري في ((الصحيحين)) بدونها، ووقعت الزيادة أيضًا في مرسل سعيد بن
المسيب ونافع بن جبير، والحسن ومحمد بن كعب. وبمجموع هذه الطرق يعرف
أن لهذه الزيادة أصلاً. ويؤخذ من قوله: ((صُمْ يَوْمًا)) عدم اشتراط الفورية للتنكير
في قوله: ((يَوْمًا))، انتهى. وهذا الخلاف في الرجل، فأما المرأة فيجب عليها
القضاء من غير خلاف عندهم.
واعلم: أن هذا الحديث جليل كثير الفوائد. قال الحافظ في ((الفتح)): قد اعتنى
بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا بهذا الحديث، فتكلم عليه في مجلدين جمع
فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى. وما ذكرناه فيه كفاية.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء
فتصدق عليه، فليكفر. من كتاب الصيام إلا قوله: ((اجْلِسْ))، وقوله: ((الضَّخْمُ))،
وقد سبق التنبيه على هذا، والحديث أخرجه البخاري أيضًا في الهبة والنفقات
والأدب والنذور والمحاربين، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي
في ((الكبرى)) وابن ماجه والدارمي والدار قطني وابن خزيمة وأبو عوانة والبيهقي
والطحاوي والبزار وغيرهم.

كِتَابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٩٥
الفصل الثاني
٢٠٢٥ - [٧] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيمَصُّ
لِسَانَهَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ] {ضعيف}
الشرح
٢٠٢٥ - قوله: (كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) أي: في رمضان وغيره. (وَيَمَصُّ)
بفتح الميم ويجوز ضمه. (لِسَانِهَا) قال مَيْرَك: قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر
إجماعًا، وأجيب على تقدير صحة الحديث: أنها واقعة حال فعلية محتملة: أنه
عليه الصلاة والسلام كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه، ويلقي جميع ما في فمه
في فمها، والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، انتهى. قال القاري: ولا
يخفى أن الوجه الثاني مع بُعْدِهِ إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): إسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على من لم يبتلع
ريقه الذي خالط ريقها، والله أعلم. وقال في ((فتح الودود)): إن صح يحمل على
غير حالة الصوم - إذ ليس فيه تصريح بأنه كان يفعل ذلك وهو صائم - أو على أنه
يخرج ذلك الريق. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٠٦، ١٠٧): إن بلع ريق غيره أفطر،
وأما حديث عائشة: ((أن النبي وَّ يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها)). فقد روي
عن أبي داود أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح، ويجوز أنه كان يقبل في الصوم،
ويمص لسانها في غيره، ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه؛ ولأنه لم يتحقق انفصال ما
على لسانها من البلل إلى فمه، فأشبه ما لوترك حصاة مبلولة في فيه، أو لو
تمضمض بماء ثم مجَّه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال الحافظ في ((الفتح)): رواه أبو داود وحده وإسناده ضعيف.
وقال في ((تهذيب التهذيب)) (ج٩ ص١٥٦): قال النسائي: في حديث عائشة: ((كان
(٢٠٢٥) أَبُو دَاوُد (٢٣٨٦) فِيهِ عَنْهَا .

٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يقبلها، ويمص لسانها)): هذه اللفظة لا توجد إلا في رواية محمد بن دينار، انتهى.
والحديث عند أحمد وأبي داود، انتهى كلام الحافظ. وكتب على هامش ((عون
المعبود» (ج٢ ص ٢٨٥): أنه وجدت العبارة الآتية بعد هذا الحديث في نسخة:
قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح، وقال
المنذري: في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري. قال يحيى بن معين:
ضعيف. وفي رواية: ليس به بأس ولم يكن له كتاب. وقال غيره: صدوق. وقال
ابن عدي: قوله: ((يَمَصُّ لِسَانَهَا)» في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي
رواه، وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس. قال ابن معين: بصري ضعيف. انتهى.
قلت: محمد بن دينار هذا. قال في ((التقريب)) ترجمته: إنه صدوق سيئ الحفظ
رمي بالقدر وتغير قبل موته. وأما سعد بن أوس وهو العدوي، ويقال: العبدي
البصري، فذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الساجي: صدوق، ذكره في
((تهذيب التهذيب)). وقال في ((التقريب)): صدوق له أغاليط: والحديث أخرجه
أيضًا البيهقي (ج٤ ص ٢٣٤).
٢٠٢٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ
لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيخٌ، وَإِذَا
الَّذِي نَهَاهُ شُابٌ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشرح
٢٠٢٦ - قوله: (عَنِ الْمُبَاشَرَةِ) قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج.
وقيل: هي القبلة واللمس باليد. (فَسَأَلَهُ) أي: عن المباشرة. (فَنَهَاهُ) أي: عنها.
(فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ) أي: فيها. (شَيْخٌ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ) عنها. (شَابٌّ) فيه إشارة
إلى أنه ◌َّلّ أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن
الفتنة، فأجاز له بخلاف الشاب فنهاه اهتمامًا له، وفيه حجة لمن فرق بين الشيخ
والشاب في المباشرة والقبلة. وقد تقدم البسط في هذه المسألة.
(٢٠٢٦) أَبُو دَاوُد (٢٣٨٧) عَنْهُ فِيهِ .

كِتَابَ الصَّوْم
بَابَ تَنْزِيهِ الصَّوْم
٢٩٧
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وكذا البيهقي (ج ٤ ص٢٣١) وسكت عنه أبو داود والمنذري
والحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩١) وقال في ((الفتح)): فيه ضعف، قلت: في سنده
أبوالعنبس الكوفي العدوي الحارث بن عبيد ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال في ((التقريب)): مقبول وقد أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، ولم يصرح
برفعه، والبيهقي من حديث عائشة، وأحمد والطبراني من حديث عبد الله بن
عمرو، وقد تقدم لفظهما .
٢٠٢٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيُ وَهُوَ
صَائِمٌ فليس عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ والدَارِمِيُّ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ
مِنْ حَدِيثٍ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ مُحَمَّدٌ - يَغْنِي الْبُخَارِيُّ -: لَا أُرَاهُ مْفُوظَاَ]
الشرح
٢٠٢٧- قوله: (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) بالذال المعجمة أي: غلب عليه القيء
فخرج بغير اختيار منه. (فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ)؛ لأنه لا تقصير منه. (وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا)
أي: تسبب لخروجه قصدًا، يعني: طلب القيء وأخرجه باختياره. قال ابن قدامة:
معنى استقاء: تقيأ مستدعيًا للقيء، وذرعه خرج من غير اختيار منه. (فَلْيَقْضِ)،
وفي رواية: ((فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ))، والحديث: دليل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء
لقوله: ((فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ))، إذ عدم القضاء فرع الصحة. وعلى أنه يبطل صوم من
تعمد إخراجه، ولم يغلبه لأمره بالقضاء، وإليه ذهب الجمهور، منهم الشافعي
وأحمد ومالك وإسحاق، وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد
القيء، لكن روي عن ابن عباس وابن مسعود وربيعة وعكرمة أن القيء لا يفطر
مطلقًا، سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختياره، وهي إحدى
الروايتين عن مالك. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه
القيء.
(٢٠٢٧) أَبُو دَاوُد (٢٣٨٠)، والتِّرْ مِذِي (٧٢٠)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣١٣٠)، وابن مَاجَهْ (١٦٧٦)
عَنْهُ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَ الْبُخَارِي: لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا.

٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذهب قوم: إلى أن القيء يفطر مطلقًا، سواء كان غالبًا أو مستخرجًا، واستدلوا
لذلك بحديث أبي الدرداء التالي وسيأتي الكلام فيه. قال ابن قدامة (ص١١٧):
من استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه يفسد به ومن ذرعه فلا شيء عليه، وهذا قول
عامة أهل العلم. قال الخطابي (ج٢ ص١١٢): لا أعلم خلافًا بين أهل العلم فيه،
ولكن اختلفوا في الكفارة على من استقاء عامدًا. فقال عامة أهل العلم: ليس عليه
غير القضاء. وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، وحكي عن الأوزاعي وهو قول
أبي ثور. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدًا.
وحكي عن ابن مسعود وابن عباس: أن القيء لا يفطر لما روي أن النبي ◌َّ قال:
(ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاِحْتِلَامُ))؛ ولأن الفطر مما دخل لا
مما خرج. ولنا ما روى أبو هريرة مرفوعًا: ((مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ... ))،
الحديث. وحديثهم غير محفوظ - كما ستعرف - والمعنى الذي ذكر لهم يبطل
بالحيض والمني، انتهى.
قلت: ويجاب عن حديث الثلاث بعد تسليم صلاحيته للاستدلال: بأنه محمول
على من ذرعه القيء؛ جمعًا بين الأدلة وحملًا للعام على الخاص. قال ابن قدامة:
وقليل القيء وكثيره، سواء في ظاهر قول الخرقي وهو إحدى الروايات عن أحمد،
والرواية الثانية: لا يفطر إلا بملء الفم، والثالثة: نصف الفم، والأولى أولى
لظاهر حديث أبي هريرة؛ ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها، انتهى
مختصرًا. وقال الباجي (ج٢ ص٦٤): من استقاء يلزمه القضاء، هذا قول مالك
واختلف أصحابه في ذلك، فقال الأبهري: هو على الاستحباب.
وقال أبو يعقوب الرازي: هو على الوجوب وبه قال الشافعي وأبو حنيفة،
والدليل على وجوب ذلك: أن المتعمد للقيء والمكروه لنفسه عليه لا يسلم في
الغالب من رجوع شيء إلى حلقه فيقع به فطره، فلما كان ذلك الغالب من حاله
حمل سائره على ذلك كالنوم في الحدث، فإذا قلنا: بوجوب القضاء، فهل تلزمه
الكفارة؟ قال أبو بكر عن ابن الماجشون: عليه الكفارة. وقال القاضي أبو محمد:
من قال من أصحابنا: إن القضاء على الوجوب، فإنه تلزمه الكفارة. وقال

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ تَنْزِیهِ الصَّوْم
٢٩٩
أبو الفرج: لو سئل عنه مالك لأوجب عليه الكفارة. قال الباجي: وفيه نظر. ويبطل
عندي من وجهين :
أحدهما: أننا نوجب عليه القضاء؛ لأننا لا نتيقن سلامة صومه فلا بد له من
القضاء لتبرأ ذمته من الصوم الذي لزمها، ونحن لا نتيقين فساد صومه فتوجب عليه
الكفارة، والكفارة لم تثبت في ذمته قبل ذلك بأمر واجب.
والثاني: إن الكفارة إنما تجب إذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم، فأما إذا فعل
فعلًا يؤدي إلى وقوع الفطر منه بغير اختيار، فلا تجب به عليه الكفارة، انتهى.
وقيل: الجمع بين ما روي عن ابن عباس وابن مسعود وعلي: من أن الفطر مما
دخل لا مما خرج، وبين حديث الباب: أن في الاستقاء يتحقق رجوع شيء مما
يخرج وإن قلَّ حتى لا يحس به فلاعتباره يفطر، وفيما إذا ذرعه إن تحقق ذلك أيضًا
لكن لا صنع له فيه ولغيره من العباد، فكان كالنسيان والخطأ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. واللفظ للترمذي وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢
ص٤٩٨) والنسائي في ((الكبرى)) وابن حبان والدار قطني (ص ٢٤٠) والحاكم (ج١
ص٤٢٧) والبيهقي (ج٤ ص٢١٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص١٩٨)
والطحاوي (ج١ ص٣٤٧) وابن حزم في ((المحلى)) (ج٦ ص ١٧٥) وإسحاق بن
راهويه في ((مسنده)) جميعًا من طريق عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن
سيرين عن أبي هريرة. (وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) كذا في جميع النسخ
الحاضرة عندنا، وكذا ذكره الحافظ في الفتح. ووقع في نسخ الترمذي الموجودة
عندنا حديث حسن غريب، وكذا وقع في نقل المنذري في ((مختصر السنن))،
والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٤٤٨) والعيني في ((شرح البخاري)) (ج١١
ص٣٥) وابن الهمام في ((فتح القدير))، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي في
ذلك. ولعل الصواب: وجود لفظ الحسن، فإن الظاهر: أن الحديث لا ينحط عن
درجة الحسن كما ستعرف.
(لَا نَعْرِفُهُ) أي: من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي وَلَه .
(إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ عِيسَى بْنِ يُونُسَ) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي
الكوفي أخو إسرائيل نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون من رجال الستة، وثقه أحمد