النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الشك عادة وتطوعًا أي: ابتداء بلا عادة وقضاء ولنذر صادف لا احتياطًا على أنه إن
كان من رمضان؛ احتسب به وإلا كان تطوعًا فلا يجوز. قال الدسوقي: وإذا صامه
وصادف أنه من رمضان، فلا يجزئه لتزلزل النية. انتهى.
وعند الحنفية على المشهور في مذهبهم: يوم الشك هو الثلاثين من شعبان،
وإن لم يكن في السماء علة من الغيم، ونحوه لعدم اعتبار اختلاف المطالع على
ظاهر المذهب، وجواز تحقق الرؤية في بلدة أخرى هكذا في ((الدر المختار))
وشرحه. وقال في ((الهداية)): لا يصومون يوم الشك إلا تطوعًا.
وهذه المسألة على وجوه: أحدها: أن ينوي صوم رمضان وهو مكروه أي:
تحريمًا وهذا هو محمل النهي عن صوم يوم الشك عندهم، ثم إن ظهر أن اليوم من
رمضان يجزئه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا، وإن أفطر - أي: أفسده - لم
يقضه .
والثاني: أن ينوي عن واجب آخر - كنذر وكفارة وقضاء - وهو مكروه أيضًا إلا
أن هذا دون الأول في الكراهة - يعني: أنه مكروه تنزيهًا - ثم إن ظهر أنه من
رمضان يجزيه لأصل النية، وإن ظهر أنه من شعبان، فقد قيل: يكون تطوعًا.
وقيل: يجزيه عن الذي نواه وهو الأصح.
والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه، والمراد بقوله وَّ: ((لَا تَتَقَدَّمُوا
رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا بِصَوْمٍ يَوْمَينٍ)) نهي التقدم بصوم رمضان؛ لأنه يؤديه قبل
أوانه، ثم إنَ وافقّ صومًا كان يصومه، فالصوم أفضل بالإجماع، وكذا إذا صام
ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعدًا وإن أفرده، فقيل: الفطر أفضل؛ احترازًا عن
ظاهر النهي. وقيل: الصوم أفضل اقتداء بعلي وعائشة، فإنهما كانا يصومانه.
والمختار: أن يصوم المفتي بنفسه؛ أخذًا بالاحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت
الزوال، ثم بالإفطار نفيًا للتهمة، انتهى مختصرًا.
وقال السندي: حمل حديث عمار هذا علماؤنا الحنفية على أن يصوم بنية
رمضان شكًّا أو جزمًا. وأما إذا جزم بأنه نفل فلا كراهة، وبعضهم قال بالكراهة
مطلقًا، والحكم بأنه عصى تغليظ على تقدير القول بالكراهة. انتهى. قلت:
والراجح عندي: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كانت السماء مغيمة
٢٠١
كِتّابُ الصَّوْم
بَاب رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
في ليلته ولم ير الهلال أو تحدث الناس برؤيته بلا ثبت، أو شهد بها من لم تقبل
شهادته، ولا يجوز صومه لا بنية رمضان شكّا أو جزمًا ولا بنية النفل إلا أن يوافق
صومًا كان يصومه وله صومه عن قضاء أو كفارة أو نذر، وإذا صامه بنية رمضان
وصادف أنه من رمضان لم يجزئه، وكذا إذا صامه عن واجب آخر أو تطوعًا والله
تعالى أعلم .
قال الشوكاني في ((النيل)): قد استدل بهذه الأحاديث أي: بحديث عمار،
وبأحاديث الأمر بالصوم برؤية الهلال، وبأحاديث النهي عن استقبال رمضان
بالصوم، وبأحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين على المنع من
صوم يوم الشك. قال: وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه، منهم: علي
وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبو هريرة ومعاوية
وعمرو بن العاص وغيرهم. وجماعة من التابعين، فذكر أسماءهم وذكر أدلة
المجوزين لصومه وتكلم عليها، وليس فيها ما يفيد مطلوبهم، ثم قال: قال ابن
عبد البر: وممن روى عن كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي
طالب وعمار بن ياسر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن
مالك. ثم قال: والحاصل: أن الصحابة مختلفون في ذلك. وليس قول بعضهم
بحجة على أحد، والحجة ما جاءنا عن الشارع، وقد استوفيت الكلام على هذه
المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال.
وقال في ((السيل الجرار)): الوارد في هذه الشريعة المطهرة الصوم للرؤية أو
لكمال العدة، ثم زاد الشارع هذا إيضاحًا وبيانًا، فقال: ((فإن غم عليكم فأكملوا
عدة شعبان ثلاثين يومًا))، فهذا بمجرده يدل على المنع من صوم يوم الشك فكيف
وقد انضم إلى ذلك ما هو ثابت في ((الصحيحين)) وغيرهما من نهيه وي ليه لأ مته عن أن
يتقدموا رمضان بیوم أو یومین؟ فإذا لم يكن هذا نهيًا عن صوم يوم الشك، فلسنا
ممن يفهم كلام العرب ولا ممن يدري بواضحه فضلًا عن غامضه، ثم انضم إلى
ذلك حديث عمار فذكره، وذكر تصحيحه عن الترمذي وابن خزيمة وابن حبان
قلت: ولابن الجوزي تصنيف مستقل في هذه المسألة سماه: ((درء اللوم والضيم
في صوم يوم الغيم)) حكى فيه عن الصحابة الذين تقدم ذكرهم في كلام الشوكاني
القول بصوم يوم الشك.
٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الولي العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٤ ص١١٠): قد رد والدي رَّتُهُ
يعني: الزين العراقي على ابن الجوزي في حكايته هذا القول عن هؤلاء الصحابة
فذكره مفصلًا ثم قال: قال والدي: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن
الجوزي إلا ابن عمر وأسماء وعائشة. واختلف عن أبي هريرة. قال البيهقي:
ومتابعه السنة الثابتة وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل العلم أولى بنا. انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة والحاكم
والدار قطني والطحاوي والبيهقي من طريق الحاكم وذكره البخاري في ((صحيحه))
تعليقًا بصيغة الجزم، أخرجوه من رواية عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق
السبيعي عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتي بشاة
مصلية، فقال: كلوا فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام
... إلخ وقد صححه الترمذي وسكت عليه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح
الترمذي وأقره. وصححه ابن حبان وابن خزيمة.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وقال الدارقطني: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. وقال العراقي في ((شرح
الترمذي)»: جمع الصاغاني في تصنيف له الأحاديث الموضوعة، فذكر فيه حديث
عمار المذكور، وما أدري ما وجه الحكم عليه بالوضع، وليس في إسناده من يتهم
بالكذب وكلهم ثقات. وقال: قد كتبت على الكتاب المذكور كراسة في الرد عليه
في أحاديث، منها هذا الحديث، قال: نعم في اتصاله نظر. فقد ذكر المزي في
((الأطراف))، أنه روى عن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال: حدثت عن صلة بن زفر،
لكن جزم البخاري بصحته إلى صلة، فقال في ((صحيحه)): وقال صلة. وهذا
يقتضي صحته عنده.
وقال البيهقي في ((المعرفة)): إن إسناده صحيح. انتهى. وفي الباب عن
أبي هريرة أخرجه البزار، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف.
وأخرجه أيضًا الدار قطني وفي سنده الواقدي والبيهقي (ج٤ ص٢٠٨) وفي سنده
أبوعباد وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم، وعن ابن عباس أخرجه الخطيب
في (تاریخه)). ورواه إسحاق بن راهويه، فلم يجاوز به عكرمة.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
٢٠٣
١٩٩٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَىاللّهِ
وسلم
فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ - يَعْنِي: هِلَالَ رَمَضَانَ - فَقَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَتَشْهَدْ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((يَا
بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
١٩٩٨ - قوله: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) أي: واحد من الأعراب، وهم سكان البادية.
وجاء الأعرابي من الحرة، كما في رواية لأبي داود والدار قطني والحاكم. (إِنِّي
رَأَيْتُ الْهِلَالَ) وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان: ((إني رأيت الهلال الليلة)). ولابن
ماجه وأبي يعلى الموصلي: ((أبصرت الهلال الليلة)). وللدار قطني والحاكم: ((جاء
ليلة هلال رمضان)). وفيه: دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة
ولا إلى الدعوى. (يَعْنِي: هِلَالَ رَمَضَانَ) أي: قال الحسن بن علي الخلال شيخ أبي
داود في حديثه: يعني: هلال رمضان. (فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ ... ) إلخ. قال
ابن الملك: دل على أن الإسلام شرط في الشهادة. (أَذَّنْ فِي النَّاسِ) من الإيذان أو
التأذين، والمراد: مطلق النداء والإعلام أي: ناد فيهم وأعلمهم.
(أَنْ يَصُومُوا غَدًّا) وفي رواية: ((فَلْيَصُومُوا غَدًا))، وفيه: دليل على العمل بخبر
الواحد وقبوله في الصوم دخولا فيه. قال السندي: قبول خبر الواحد محمول على
ما إذا كان بالسماء علة تمنع إبصار الهلال، وقوله وَلّ له: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ اللهُ))
تحقيق لإسلامه. وفيه: أنه إذا تحقق إسلامه، وفي السماء غيم يقبل خبره في هلال
رمضان مطلقًا، سواء كان عدلًا أم لا، حرًّا أم لا، وقد يقال: كان المسلمون يومئذ
كلهم عدولًا، فلا يلزم قبول شهادة غير العدول إلا أن يمنع ذلك قوله تعالى: ﴿إِن
جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾ الآية [الحجرات: ٦] واللَّه تعالى أعلم.
(١٩٩٨) أَبُو دَاوُد (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنَّسَائِى (١٣١/٤)، وابنُ ماجه (١٦٥٢) عَنْهُ فِيهِ.
٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال المظهر: دل الحديث على أن من لم يعرف منه فسق تقبل شهادته. انتهى.
وأنت تعلم أن الصحابة كلهم عدول.
وقال ابن الهمام: قد يتمسك بهذا الحديث لقبول شهادة المستور لكن الحق أن
لا يتمسك به بالنسبة إلى هذا الزمان؛ لأن ذكره الإسلام بحضرته عليه الصلاة
والسلام حين سأله عن الشهادتين، إن كان هذا أول إسلامه فلا شك في ثبوت
عدالته؛ لأن الكافر إذا أسلم أسلم عدلًا إلى أن يظهر خلافه منه، وإن كان إخبارًا
عن حاله السابق فكذلك؛ لأن عدالته قد ثبتت بإسلامه فيجب الحكم ببقائها ما لم
يظهر الخلاف، ولم يكن الفسق غالبًا على أهل الإسلام في زمانه عليه الصلاة
والسلام، فتعارض الغلبة ذلك الأصل، فيجب التوقف إلى ظهورها، كذا في
((المرقاة)). وقال الشوكاني: أجيب عن الاستدلال بحديث الأعرابي على عدم
اشتراط العدالة، بأنه أسلم في ذلك الوقت والإسلام يجب ما قبله، فهو عدل
بمجرد تكلمه بكلمة الإسلام، وإن لم ينضم إليها؛ عمل في تلك الحال.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم
والدار قطني والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي، كلهم من حديث سماك بن
حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الترمذي: هذا حديث فيه اختلاف وأكثر
أصحاب سماك يروونه عن عكرمة، عن النبي وَلّ مرسلًا، ورواه النسائي مسندًا
ومرسلًا، وذكر أن المرسل أولى بالصواب، وإن سماكًا إذا تفرد بشيء لم يكن
حجة؛ لأنه كان يلقن فليتلقن. انتهى.
وقال في ((المرقاة)): وذكر البيهقي أن الحديث جاء من طرق موصولًا، ومن
طرق مرسلًا، وإن كانت طرق الاتصال صحيحة. انتهى.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)»: صححه ابن خزيمة وابن حبان. انتهى.
وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج
مسلم بأحاديث سماك. وقال ابن حبان: ومن زعم أن هذا الخبر تفرد به سماك، وإن
رفعه غير محفوظ، فهو مردود بحديث ابن عمر يعني الذي يلي هذا.
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
٢٠٥
١٩٩٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَيِّ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ]
الشرح
١٩٩٩ - قوله: (تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ) قال المظهر في ((المفاتيح)»: الترائي أن
يرى بعض القوم بعضًا، والمراد به هاهنا: أنه اجتمع الناس لطلب الهلال ورؤيته
لقوله: (فَأَخْبَرْتُ) أي: وحدي. (أَنِّي رَأَيْتُهُ) أي: الهلال. (فَصَامَ) أي: رسول الله
وَهِ. (وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِیَامِهِ) أي: بصيام رمضان. وفيه: دلیل کحديث ابن عباس
على قبول خبر الواحد في رؤية هلال شهر رمضان.
قال الخطابي: وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه، قال النووي: وهو الأصح،
وقال الولي العراقي: هو أشهر قولي الشافعي عند أصحابه وأصحهما، لكن آخر
قوليه: إنه لا بد من عدلين. ففي ((الأم))، قال الربيع: قال الشافعي - بعد لا يجوز
على رمضان إلا شاهدان - هو قول أحمد بن حنبل، وكان أبو حنيفة وأبو يوسف:
يجيزان على هلال شهر رمضان شهادة الرجل الواحد العدل، وإن كان عبدًا،
وكذلك المرأة الواحد وإن كانت أمة، ولا يجيزان في هلال الفطر إلا رجلين أو
رجلًا وامرأتين، وكان الشافعي لا يجيز في ذلك شهادة النساء، وكان مالك
والأوزاعي وإسحاق بن راهويه والليث والثوري والشافعي في أحد قوليه يقولون:
لا يقبل على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين،
انتھی .
قلت: مذهب الحنفية في هذه المسألة ما في ((الدر المختار)) قیل بلا دعوى،
وبلا لفظ أشهد، وبلا حكم ومجلس قضاء؛ لأنه خبر لا شهادة للصوم مع علة كغيم
وغبار خبر عدل ومستور لا فاسق، ولو كان العدل قِنَّ أو أنثى أو محدودًا في قذف
تاب وشرط للفطر مع العدالة والعلة نصاب الشهادة. ولفظ ((أشهد)) وعدم الحد في
(١٩٩٩) أبُو دَاوُد (٢٣٤٢) عَنْهُ فِيهِ .
٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
قذف لتعلق نفع العبد لكن لا تشترط الدعوى، وقبل بلا علة جمع عظيم يقع العلم
بخبرهم لبعد خفائه عما سوى الواحد وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير
بعدد. انتهى.
واستدل للجمهور على قبول خبر الواحد في هلال رمضان بحديث ابن عباس
المتقدم، وحديث ابن عمر؛ ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة
فقبل من واحد، كالخبر بدخول وقت الصلاة؛ ولأنه خبر ديني يشترك فيه المُخْبِر
والمُخْبَرَ، فقبل من واحد عدل كالرواية، واستدل لمالك ومن وافقه على أنه لا
يقبل في هلال رمضان إلا شهادة اثنين بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن
الخطاب، أنه خطب في اليوم الذي شك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب
رسول اللَّه ◌َ له وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول اللّه وَلَه قال: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ
وَأَقْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ
مُسْلِمَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا)) أخرجه أحمد، وأخرجه النسائي ولم يقل فيه: مسلمان،
وأخرجه أيضًا الدار قطني، وذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٨٧) ولم يذكر فيه
قدحًا. وقال الشوكاني في ((النيل)) و((السيل)): إسناده لا بأس به، واستدل لهم أيضًا
بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب، قال: عهد إلينا رسول اللَّه و ◌َ ل﴿ أن ننسك
للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما أخرجه أبو داود
والدار قطني .
وقال: هذا إسناد متصل صحيح، وأجاب الجمهور عن هذين الحديثين: بأن
التصریح بالاثنین غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس
وحديث ابن عمر المذكوران يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح
من دلالة المفهوم، فيجب تقديمهما، كذا قال الشيخ في ((شرح الترمذي))،
والشوكاني في ((السيل الجرار))، وابن قدامة في ((المغني)) (ج٣ ص١٥٨)، وأما
هلال شوال، فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين في قول الفقهاء جميعهم إلا
أباثور، فإنه قال: يقبل قول الواحد وإليه ذهب ابن حزم ورجحه الشوكاني في
((النيل)) وغيره واحتج الجمهور بحديث عبد الرحمن بن زيد، وحديث الحارث بن
حاطب أمير مكة المتقدمين، وبحديث ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب
النبي وَلّ. قال: اختلف الناس: في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان، فشهدا
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
٢٠٧
عند النبي ◌َّ باللَّه لَأَهَلَّا الهلال أمس عشية، فأمر رسول اللَّه ◌َيّ الناس أن
يفطروا. أخرجه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه الدار قطني .
وقال: إسناده حسن ثابت.
وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح، انتهى، قالوا: هذه الأحاديث تدل على
أن الأصل في أمر الهلال شهادة عدلين، وأن المدار فيه على شاهدي عدل، لكن
استثنى منه هلال رمضان لحديثي ابن عباس وابن عمر ﴿ه، فإنهما نَصَّان في قبول
شهادة العدل الواحد في رؤية هلال رمضان. واحتج لهم أيضًا بما روى
الدار قطني، والطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي من طريق طاوس. قال: شهدت
المدينة وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء رجل إلى واليها، فشهد عنده على رؤية
هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه، قالا:
إن رسول اللّه ◌َلّ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة
الإفطار إلا بشهادة رجلين. قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو
ضعيف الحديث. انتهى. وأما ما ذهب إليه الحنفية من الفرق بين الغيم والصحو
أيٍ: باشتراط الجم الغفير في الصحو ففيه نظر؛ لأنه لا دليل على هذا، لا من كتاب
اللَّه، ولا من سنة رسوله ولا من قول صحابي. قال السندي في ((حاشية النسائي)):
قوله: ((فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانٍ)) في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أي: ولو
بلا علة وإلا فمع العلة يكفي الواحد في رمضان كما تقدم أي: من حديث ابن
عباس وقد قال بهذا الإطلاق بعض المتأخرين من أصحابنا كالجمهور وهو الوجه،
واشتراط الجم الغفير بلا غيم لا يخلو عن خفاء من حيث الدليل والله تعالى أعلم.
انتهى. وبسط في الرد عليهم الخطابي في ((المعالم)) (ج ٢ ص١٠٣) وابن قدامة في
((المغني)) (ج٣ ص١٥٨) فارجع إليهما.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن حبان والدارقطني والحاكم
والبيهقي وابن حزم، وسكت عنه أبو داود وصححه ابن حبان وابن حزم.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. وقال النووي:
إسناده على شرط مسلم.
SOME
٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الفصل الثالث
٢٠٠٠ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ ◌ّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يَتَحَفَّظُ
مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ؛ عَدَّ
ثَلَاثِينَ يَوْمًّا، ثُمَّ صَامَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشرح
٢٠٠٠ - قوله: (يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ) أي: يتكلف في عد أيامه لمحافظة صوم
رمضان، ويحصيها ولا يهملها. (مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ) لعدم تعلق أمر شرعي لغيره
إلا شهر الحج وهو لا يحتاج إليه كل أحد في كل سنة، قاله القاري. (ثُمَّ يَصُومُ
لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ) أي: إذا رئي الهلال ليلة ثلاثين من شعبان، فإن غم عليه الهلال ليلة
الثلاثين من شعبان. (عَدَّ) أي: شعبان، (ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ) أي: بعد إكمال
شعبان ثلاثين يومًا .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الحاكم والدار قطني والبيهقي كلهم من طريق
معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة، وقد سكت عنه أبو داود
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في
(التلخيص)): إسناده صحيح وفي ((الدراية)) هو على شرط مسلم.
وقال الدار قطني: إسناده حسن صحيح. وقال المنذري بعد نقل كلام الدار قطني
ما لفظه: ورجال إسناده كلهم محتج بهم في ((الصحيحين)) على الاتفاق والانفراد،
ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، وإن كان قد تكلم فيه
بعضهم، فقد احتج به مسلم في ((صحيحه)). وقال البخاري: قال علي بن المديني :
کان عبد الرحمن بن مهدي یوثقه.
وقال أحمد بن حنبل: كان ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: ثقة. انتهى.
(٢٠٠٠) أَبُو دَاوُد (٢٣٢٥) عنها .
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهلال
٢٠٩
وقال ابن الجوزي: هذه عصبية من الدارقطني كان يحيى بن سعيد لا يرضى
معاوية بن صالح. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. قال في ((التنقيح)): ليست العصبية
من الدار قطني، وإنما العصبية منه، فإن معاوية بن صالح ثقة صدوق وثقه أحمد
وابن مهدي وأبو زرعة، واحتج به مسلم في ((صحيحه)) ولم يرو شيئًا خالف فيه
الثقات و کون یحیی بن سعید لا يرضاه غیر قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في
الرجال، وكذلك قال: لو لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة، وقول
أبي حاتم: لا يحتج به غير قادح أيضًا فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة
منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحاح الثقات الأثبات من غير بيان السبب،
كخالد الحذاء وغيره والله تعالى أعلم. ذكره الزيلعي (ج٢ ص٤٣٩).
٢٠٠١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرِةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا
بِبَطْنِ نَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، وَقَالَ بَعْضُ
الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَاَ: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ. فَقَالَ بَعْضُ
الْقَوْمَ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَّوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ: أَي لَيْلَةٍ
رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ مَدَّهُ لِلْرُّؤْيَةِ فَهُوَ
لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتٍ عِرْقٍ، فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ
أَمَدَّهُ لِرُؤْيَِّّهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَّأَكْمِلُوا الْعُدَّةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٠٠١ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ) بفتح الموحدة والتاء المثناة، بينهما خاء
معجمة ساكنة، واسمه: سعيد بن فيروز، وهو ابن أبي عمران الطائي مولاهم
الكوفي، ثقة، ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال من أوساط التابعين.
(٢٠٠١) مُسْلِم (١٠٨٨) من طريقٍ أبي البَخْتَريِّ عن ابنِ عباسٍ؛ وفيه قصةٌ. وفي رواية: ((إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ
لِلُّؤْيَةِ، فَهُوَ لِلَيْلَةِ الَّتِي رَأَيْتُمُوهَا)) .
٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال أبو نعيم: مات في الجماجم سنة (٨٣). وقال ابن سعد: قتل بُدجَيْل مع ابن
الأشعث سنة (٨٣). (بِبَطْنِ نَخْلَةَ) بفتح نون وسكون المعجمة غير منصرف. قال
ابن حجر: قرية مشهورة شرقية مكة، تسمى الآن بالمضيق.
(تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) أي: اجتمعنا لرؤيته، وقال النووي: أي: تكلفنا النظر إلى جهته
لنراه. (هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ) أي: صاحب ثلاث ليال لعلوم درجته.
قال السندي: وهذا بعيد، إلا وأن يكون أول الشهر مشتبهًا فافهم. (فَلَقِينَا) أي :
نحن. (ابْنَ عَبَّاسٍ) بالنصب.
قال السندي: يحتمل أن يكون مجازًا عن لقاء رسولهم، ويحتمل أنهم لقوه بعد
أن أرسلوا إليه الرسول، وعلى الوجهين لا منافاة بين هذه الرواية الآتية والله تعالى
أعلم. (إِنَّا) أي: معشر القوم. (رَأَيْنَا الْهِلَالَ) أي: مرتفعًا جدًّا (أَمُّ لَيْلَةٍ).
قال القاري: بالرفع وفي نسخة صحيحة بالنصب وهو أفصح من أيّة ليلة.
(رَأَيْتُمُوهُ؟) أي: الهلال فيها. (لَيْلَةَ كَذَا) أي: رأيناه ليلة كذا وهو الاثنين مثلًا.
(وَكَذَا) يعني: عينوا الليلة التي رأوه فيها، ولم يظهر لي وجه تكرير كذا.
(فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِّ مَدَّهُ). قال النووي: هكذا هو في بعض النسخ من
(صحيح مسلم)) وفي بعضها فقال: إن رسول اللَّه وَ ل قال: إن الله مده. (لِلرُّؤْيَةِ)
قال النووي: جميع النسخ من ((صحيح مسلم)) متفقة على مده من غير ألف في هذه
الرواية. قال الطيبي: أي: جعل مدة رمضان رؤية الهلال. (فَهُوَ) أي: رمضان.
(لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ). قال ابن حجر: بإضافة ليلة إلى الجملة.
قال القاري: وفي النسخ المصححة بالتنوين، ويدل عليه ما سبق من قوله: ((أَُّّ
لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ)) غايته أنه يقدر فيها فيهما. والمعنى: رمضان حاصل لأجل رؤية
الهلال في تلك الليلة، ولا عبرة بكبره. وأما قول ابن حجر، فهو حاصل وقت ليلة
الرؤية فغير صحيح لإضافة الوقت إلى الليلة وهي الوقت أيضًا. انتهى. فتأمل.
(وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أي: عن أبي البختري. (أَهْلَلْنَا هِلاَلَ رَمَضَانَ) في ((النهاية)) أَهُلَّ
المحرم بالحج؛ إذا لبى ورفع صوته، ومنه إهلال الهلال واستهلاله إذا رفع
الصوت بالتكبير عند رؤيته، انتهى. فمعناه: رأيناه هلال رمضان. (وَنَحْنُ بِذَاتِ
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابِ رُؤْيَةِ الْهِلالِ
٢١١
عِرْقٍ) بكسر العين وسكون الراء.
قال ابن حجر: فوق بطن نخلة بنحو يوم؛ إذ هي على مرحلتين من مكة وبطن
نخلة على مرحلة. (يَسْأَلُهُ) أي: عما وقع بيننا مما تقدم.
(قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ) قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ أمده بألف في أوله. قال
القاضي: قال بعضهم: الوجه أن يكون أمّده بتشديد الميم من الأمَد أو أَمدَّه من
الإمداد. قال القاضي: والصواب عندي: بقاء الرواية على وجهها، ومعناه: أطال
مدته إلى الرؤية أي: أطال مدة شعبان إلى رؤية هلال رمضان، يقال منه: مد
وأمد، قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] قرئ بالوجهين أي:
يطيلون لهم. قال: وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له. قال صاحب
((الأفعال)): أمددتك مدة أي: أعطيتكما. انتهى. قال الأبي: الهاء في ((أمده)) عائد
على الشهر، بمعنى: أن الله قد حكم بمد الشهر الأول إلى رؤية هلال الشهر
الثاني. (فَإِنْ أَغْمِيَ عَلَيْكُمْ) أي: أخفي عليكم بنحو غيم.
(فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي: عدة شعبان ثلاثين يومًا، كما في رواية للدار قطني، فيه :
أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وإنما العبرة بالرؤية، أو بإكمال العدة ثلاثين.
قال ابن حجر: لا ينافي هذه الرواية ما قبلها لاحتمال أنهم تراؤوه بذات عرق
وتنازعوا فيه، فأرسلوا يسألونه، فأجابهم بذلك. فلما وصلوا بطن نخلة رأوه،
فسألوه شِفاهًا، فأجابهم بما يطابق الجواب الأول. وحاصلهما: أنه لا بد في
الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثين شعبان من رؤية هلاله؛ ذكره القاري.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الدار قطني، وأخرج البيهقي الرواية الثانية.
FE
٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ
(بَابٌ) أي: في مسائل متفرقة من كتاب الصوم.
الفصل الأول
٢٠٠٢ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ «تَسَخَّرُوا فَإِنَّ فِي
السَّحُورِ بَرَكَةً)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٠٢- قوله: (تَسَخَّرُوا) تفعل من السحر بفتحتين، وهو قبيل الصبح،
والمراد: الأكل في ذلك الوقت أي: تناولوا شيئًا ما وقت السحر؛ لما روى عن
أنس مرفوعًا: (تَسَخَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ)) أخرجه أبو يعلى بسند ضعيف. قال
الحافظ: يحصل السحور بأكل ما يتناوله المرأ من مأكول ومشروب. وقد أخرج
أحمد (ج٣ ص١٢، ٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((السَّحُورُ بِرَكَةٌ، فَلَا
تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلِى
الْمُتَسَخِّرِينَ))، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: (تَسَخَّرُوا وَلَو بِلُقْمَةٍ))،
انتهى. وظاهر الأمر: وجوب التسحر، ولكنه صرفه عنه إلى الندب؛ ما ثبت من
مواصلته ومَّلة، ومواصلة أصحابه، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن التسحر
مندوب .
(فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) بالنصب اسم (إِنَّ) و(السَّحُورِ) بفتح السين: اسم ما
يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم أكله أي: المصدر والفعل نفسه. قال
(٢٠٠٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٢٣)، ومُسْلِم (١٠٩٥/٤٥) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ.
٢١٣
كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ في مَسائِلِ مُتَفْرِقَةٍ مِنْ كِتّابِ الضَّوْمِ
السندي: الوجهان جائزان هاهنا، والبركة في الطعام باعتبار ما في أكله من الأجر
والثواب والتقوية على الصوم، وما يتضمنه من الذكر والدعاء في ذلك الوقت
والفتح هو المشهور رواية. وقال الجزري في ((النهاية)): أكثر ما يروى بالفتح.
وقيل: الصواب بالضم؛ لأنه المصدر والأجر في الفعل لا في الطعام، يعني: إن
الأكل هو محل البركة لا نفس الطعام، والحق: جواز الوجهين كما عرفت.
قال ابن دقيق العيد: البركة محتملة لِأَنْ تضاف إلى كل واحد من الفعل
والمتسحر به معًا. وقال الحافظ: السحور بفتح السين وبضمها؛ لأن المراد بالبركة
الأجر والثواب فيناسب الضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر، أو البركة؛ لكونه يقوي
على الصوم، وينشط له، ويخفف المشقة فيه، فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحر به.
وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر والأولى أن البركة في
السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتّباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب والتقوى
به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع،
والتسبب بالصدقة على من يسأل؛ إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب
للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.
قال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٠٨): هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور
الأخروية، فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور
الدنيوية كقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إضرار بالصائم. قال: ومما
يعلل به استحباب السحور: المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور،
وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية. وقال (ج٢ ص٢٠٩ -
٢١٠) أيضًا: وللمتصوفة في هذا - يعني: مسألة السحور - كلام من جهة اعتبار
معنى الصوم. وحكمته: وهي كسر شهوة البطن والفرج والسحور قد يباين ذلك.
قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية لا
يستحب كعادة المترفين في التأنق في المآكل والمشارب، وكثرة الاستعداد لها،
وما لا ينتهي إلى ذلك، فهو مستحب على وجه الإطلاق. وقد يختلف مراتب هذا
الاستحباب باختلاف مقاصد الناس وأحوالهم واختلاف مقدار ما يستعملون،
انتھی .
٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي.
وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة عند النسائي وأبي سعيد أحمد والطبراني في
((الأوسط)) بنحو حديث أنس.
٢٠٠٣ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
((فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ أَكْلَةُ السَّحَرِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٠٠٣ - قوله: (فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ) ((مَا)) زائدة أضيف
إليها الفصل بمعنى الفرق، قاله القاري، وقال السندي: الفصل بمعنى الفاصل
و((مَا)) موصولة وإضافته من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: الفارق الذي بين
صيامنا وصيام أهل الكتاب.
(أَكْلَةُ السَّحَرِ) قال النووي: الأكلة بفتح الهمزة هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه
الجمهور وهو المشهور في روايات بلادنا، وهي عبارة عن المرة الواحدة من
الأكل كالغَدْوَةِ والعَشْوَةِ - وإن كثر المأكول فيها - وأما الأكلة بالضم فهي اللقمة
الواحدة، وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم، ولعله أراد رواية بلادهم
فيها بالضم. قال: والصواب الفتح؛ لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النووي. وقال
القرطبي في ضبطه: بالضم بعد؛ لأن الأكلة بالضم هي اللقمة، وليس المراد أن
المتسحر يأكل لقمة واحدة. قال: ويصح أن يقال: عبر عما يتسحر به باللقمة؛
لقلته. انتهى.
وقال السندي: الأكلة بالضم لا تخلو عن إشارة إلى أنه يكفي اللقمة في حصول
الفرق، انتهى. و(السَّحَرِ) بفتحتين: آخر الليل. قال التورِبشتي: والمعنى: أن
السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ لأن اللّه تعالى أباحه لنا إلى
(٢٠٠٣) مُسْلِم (١٠٩٦/٤٦)، وَأَبُو دَاوُد (٢٣٤٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٠٩) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّؤْم
بَابٌ في مَسائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
٢١۵
الصبح بعد ما كان حرامًا علينا أيضًا في بدء الإسلام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا،
أو مطلقًا، ومخالفتنا إياهم في ذلك تقع موقع الشكر لتلك النعمة .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٢٠٢) والترمذي وأبو داود والنسائي
والدارمي والبيهقي.
٢٠٠٤ - [٣] وَعَنْ سَهْلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ
بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٠٤ - قوله: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) قال الحافظ: في حديث أبي هريرة
يعني: الآتي في الفصل الثالث: ((لَا يَزَالُ الدَّينُ ظَاهِرًا» وظهور الدين مستلزم لدوام
الخير. وقال الشاه ولي الله الدهلوي: هذا إشارة إلى أن هذه مسألة دخل فيها
التحريف من أهل الكتاب، فبمخالفتهم ورد تحريفهم قيام الملة. (مَا عَجَّلُوا
الْفِطْرَ) أي: ما داموا على هذه السنة.
قال السندي: أي: مدة تعجيلهم فـ((مَا)) ظرفية، والمراد: ((ما)) لم يؤخروا عن
أول وقته بعد تحقق الوقت. انتهى. قال النووي: معناه: لا يزال أمر الأمة منتظمًا
وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخَّروه؛ كان ذلك علامة على
فساد يقعون فيه. انتهى.
وقال الحافظ: زاد أبو ذر في حديثه: ((وَأَخَّرُوا السُّحُورَ)) أخرجه أحمد و((مَا))
ظرفية، أي: مدة فعلهم ذلك؛ إمتثالًا للسنة، واقفين عند حَدِّها، غير متنطعين
بعقولهم، ما يغير قواعدها، زاد أبو هريرة في حديثه؛ لأن اليهود والنصارى
يؤخرون، أخرجه أبو داود وغيره. وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهر النجم.
وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: ((لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي
مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ))، وفيه: بيان العلة في ذلك.
(٢٠٠٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٥٧)، ومُسْلِم (١٠٩٨/٤٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِيهِ.
٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال المهلب: والحكمة في ذلك: أن لا يزاد في النهار من الليل؛ ولأنه أرفق
بالصائم وأقوى له على العبادة. واتفق العلماء: على أن محل ذلك إذا تحقق غروب
الشمس بالرؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح، انتهى كلام
الحافظ. قال التوربشتي: ولو أن بعض الناس أخر الفطر وَقَصْدُهُ في ذلك تأديب
النفس، ودفع جماحها، أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد وجوب التأخير لم
يضره ذلك. قال القاري: بل يضره حيث يفوته السنة، وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا
ينافي في التأديب. والمواصلة مع أن في التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية،
ومبادرة إلى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية. انتهى.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٢٣١ - ٢٣٤ - ٢٤٦ - ٢٣٧ - ٢٣٩)
والترمذي ومالك وابن ماجه والدارمي والبيهقي، وأخرج ابن حبان وابن خزيمة
والحاكم بنحوه.
٢٠٠٥ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ
هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٠٥- قوله: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ) أي: ظلامه. (مِنْ هَاهُنَا) أي: من جهة
المشرق، ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري: ((إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ
هَاهُنَا)) وَأشار بأصبعه قبل المشرق. (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ) أي: ضياؤه فكل على حذف
مضاف. (مِنْ هَاهُنَا) أي: من جهة المغرب. (وَغَرَبَتِ) بفتح الراء، أي: غابت.
(الشَّمْسُ) أي: كلها. قال الطيبي: وإنما قال: غربت الشمس مع الاستغناء عنه؛
لبيان كمال الغروب، كيلا يظن أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها. انتهى.
(٢٠٠٥) البُخَارِي (١٩٥٤)، ومُسْلِم (١١٠٠/٥١)، وأَبُو دَاوُد (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨)، والنسائي
في الكبرى (٣٣١٠) عَنْهُ فِيهِ .
٢١٧
كِتّاب الصَّوْم
بَابَ في مَسائِلِ مُتَفرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْم
وقال الحافظ: ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور؛ لأنها وإن كانت متلازمة في
الأصل، لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة
المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، و کذلك إدبار
النهار، فمن ثم قيد بقوله: (وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ) إشارة إلى تحقق الإقبال والإبادر،
وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر. (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: انقضى
صومه شرعًا وتم، ولا يوصف الآن بأنه صائم، فإن بغروب الشمس خرج النهار
ودخل الليل، والليل ليس محلًا للصوم، قاله النووي.
وقال الحافظ: أي: دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر، كما يقال: أنجد؛
إذا أقام بنجد، وأَتْهَمَ؛ إذا أقام بتهامة وأصبح؛ إذا دخل في وقت الصبح، وأمسى
وأظهر كذلك، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا في الحكم وإن لم يفطر
حسًّا لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي، وقد رد هذا الاحتمال ابن خزيمة.
وأومأ إلى ترجيح الأول من المعنيين اللذين ذكرهما الحافظ فقال قوله: (فَقَدْ أَفْطَرَ
الصَّائِمُ) لفظ خبر ومعناه الأمر، أي: فليفطر الصائم، ولو كان المراد: فقد صار
مفطرًا كان فطر جميع الصوام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى.
انتهى. ورجح الحافظ المعنى الأول بما وقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند
أحمد (ج٤: ص ٣٨٢) من طريق شعبة عن سليمان الشيباني بلفظ: ((إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ
مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ حَلَّ الْإِقْطَارُ))، وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل الإخبار على الإنشاء؛
إظهارًا للحرص على وقوع المأمور به.
قال ابن حجر: أي: إذا أقبل الليل، فليفطر الصائم، وذلك أن الخيرية منوطة
بتعجیل الأفطار، فكأنه قد وقع وحصل وهو یخبر عنه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٨ - ٣٥ - ٤٨ - ٥٤) والترمذى
وأبو داود والدارمي وابن خزيمة والبيهقي (ج ٤: ص٢١٦ - ٢٣٧).
٢١٨
EN *=
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٠٦ - [٥] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثْلَهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَنِ
الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ:
(وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِ رَبِّي وَيَسْقِينِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٠٠٦ - قوله: (نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ) هو تتابع الصوم من غير فطر
بالليل. وقال الحافظ: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد، فيخرج
من أمسك اتفاقًا ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه. انتهى. وقال الطحاوي:
هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلًا حتى يتصل صوم الغد بالأمس، والفرق
بين صيام الوصال وصيام الدهر، أن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما، فهو
مواصل، وليس هذا صوم الدهر ومن صام عمره وأفطر جميع لياله هو صائم
الدهر، وليس بمواصل. فهما حقيقتان مختلفان متغائرتان.
وفي الحديث: دليل على تحريم الوصال؛ لأنه الأصل في النهى، واختلف
العلماء في ذلك على أقوال كما ستعرف، وقد أبيح الوصال إلى السحر؛ لحديث
أبي سعيد عند البخاري ومسلم: ((لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى
السَّحَرَ))، وفي حديث أبي سعيد هذا دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة،
واختلف العلماء في حكم الوصال بترك الإفطار مطلقًا، فذهب أهل الظاهر إلى
القول بتحريمه، صرح به ابن حزم وصححه ابن العربي من المالكية، وللشافعية فيه
وجهان: التحريم، والكراهة التنزيهه، والراجح الأصح عندهم: التحريم. قال
ابن قدامة: ظاهر قول الشافعي: أنه محرم تقريرًا لظاهر النهى. انتهى. وذهب
مالك وأحمد وأبو حنيفة وأتباعهم: إلى أنه غير محرم بل مكروه تنزيهًا، وذهب
جماعة من السلف إلى جوازه مطلقًا، وقيل: محرم في حق من يشق عليه، ويباح
لمن لا یشق علیه.
(٢٠٠٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٦٥)، ومُسْلِم (١١٠٣/٥٧) عَنْهُ فِيهِ.
٢١٩
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
كِتّابُ الصَّوْم
<<<<<< <<<<<<<******<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<<<<<<<<<**
قال الحافظ: اختلف في المنع المذكور في أحاديث النهى عن الوصال. فقيل:
على سبيل التحريم. وقيل: على سبيل الكراهة. وقيل: يحرم على من شق عليه
ويباح لمن لا يشق عليه، وقد اختلف السلف - أي: الصحابة والتابعون - في ذلك
فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان
يواصل خمسة عشر يومًا، وذهب إليه من الصحابة أيضًا أخت أبي سعيد الخدري،
ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن الزبير وإبراهيم بن يزيد التيمي
وأبوالجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في الحلية وغيرهم رواه الطبري وغيره.
من حجتهم في ذلك ما ثبت عنه بَّه أنه واصل بأصحابه بعد النهى لما أبو أن ينتهوا
عن الوصال، فواصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: ((لَوْ تَأَخَّرَ لِزِدْتُكُمْ،
كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهوا. فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم
أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم، كما صرحت به عائشة في حديثها عند
الشيخين، حيث قالت: نهى رسول اللَّه وَ ل عن الوصال؛ رحمة لهم، وهذا مثل ما
نهاهم عن قيام الليل؛ خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن
لم يشق عليه، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة
في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال، ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود
عن رجل من الصحابة، قال: نهى النبي ◌ّ عن الحجامة والمواصلة، ولم
يحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه. إسناده صحيح كما قال الحافظ، وإبقاء متعلق
بقوله: نهى وروى البزار والطبراني من حديث سمرة: نهى النبي ◌َّ عن الوصال
وليس بالعزيمة وإسناده ضعيف، كما قال الهيثمي، لكنه يصلح شاهدًا للحديث
السابق .
ومن أدلة الجواز: إقدام الصحابة على الوصال بعد النهى، فإن ذلك يدل على
أنهم، فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم وإلا لما لقدموا عليه، ويؤيد أنه ليس
بمحرم أيضًا ما روى أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي
حاتم في ((تفسيريهما)) بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية، قالت:
أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير. وقال: إن النبي ◌ُّ نهى عن هذا،
وقال: ((يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَىِ وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمْ اللهُ تعالى: ﴿أَفِقُواْ الْصِيَامَ إِلَ
الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا)) لفظ ابن أبي حاتم. قال الحافظ: فيه: