النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إذا دخل وقت الصوم وهو من فجر الغد. (لِرُؤْيَتِهِ) أي: لأجل رؤية الهلال، فاللام
للتعليل، ولا يلزم تقديم الصوم على الرؤية كما زعمت الروافض، كما لا يقتضي
قوله: أكرم زيدًا لدخوله تقديم الإكرام على الدخول، والضمير للهلال، وإن لم
يسبق له ذكر؛ لدلالة السياق عليه على حد قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
﴾ [ص:
٣٢]. وقيل: اللام للتوقيت كهي في قوله: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي:
وقت دلوكها. وفيه: أن الصوم بعد الرؤية بزمان طويل يتحقق، وأن الإقامة بعد
تحقق الدلوك فلا جامع بينهما، وفيه أيضًا: أنه لا بد حينئذٍ من احتمال تجوز،
وخروج عن الحقيقة؛ لأن وقت الرؤية وهو الليل ليس محلًا للصوم. وأجيب عن
هذا: بأن المراد بقوله: (صُوْمُوا) أي: انووا الصيام والليل كله ظرف للنية. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن فيه المجاز الذي فر منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنه
يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر. وقال ابن مالك وابن هشام:
اللام في الآية والحديث بمعنى بعد، أي: بعد زوالها وبعد رؤية الهلال.
(وَأَفْطِرُوا) أي: اجعلوا عيد الفطر. (لِرُؤْيَتِهِ) أي: لأجلها أو بعدها أو وقتها.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) قال الحافظ: وقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملي: ((فَإِنْ
غُمَّ)) أي: بضم المعجمة وتشديد الميم ومن طريق الكشميهني: ((أَغْمِيَ)) ومن رواية
السرخسي: (غَبِي)) بفتح الغين المعجمة وتخفيف الموحدة، وأغمي وغم وغمي
بتشديد الميم وتخفيفها وبضم المعجمة فيهما الكل بمعنى. وأما ((غبي)) فمأخوذ
من الغباوة وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال. ونقل ابن العربي أنه
روى: عمي بالعين المهملة من العمي. قال: وهو بمعناه؛ لأنه ذهاب البصر عن
المشاهدات، أو ذهاب البصيرة عن المعقولات. انتهى. وقال القسطلاني: ((غُبِّيَ))
بضم المعجمة وتشديد الموحدة المكسورة مبنيًّا للمفعول، وللحموي: ((فَإِنْ غَبِيَ)»
بفتح المعجمة وكسر الموحدة كعلم.
وقال عياض: ((غبي)) بفتح الغين وتخفيف الباء لأبي ذر وعند القابسي بضم الغين
وشد الباء المكسورة وكذا قيده الأصيلي، والأول أبين، ومعناه: خفي عليكم وهو
من الغباوة، وهو عدم الفطنة؛ استعارة لخفاء الهلال وللكشميهني ((أغمى)) بضم
الهمزة مبنيًّا للمفعول من الإغماء يقال: أغمي عليه الخبر، إذا استعجم وللمستملي
((غم)) بضم المعجمة وتشديد الميم. انتهى.

كِتّاب الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٨١
(فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ) أي: أتموا عدده. (ثَلَاثِينَ) أي: فكذا رمضان بطريق
الأولى، وفيه: تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بها في حديث ابن عمر المتقدم
تكون من شعبان، لكن قد وقع الاختلاف في هذه الزيادة، فرواها البخاري كما
ترى بلفظ : (فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ)، وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل :
إن آدم شيخه انفرد بذلك. قال الإسماعيلي في «صحيحه)» الذي أخرجه على
البخاري: تفرد به البخاري عن آدم عن شعبة، فقال: فيه: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ
ثَلاثِينَ يَوْمًا»، وقد رويناه عن غندر وعبد الرحمن بن مهدي وابن علية وعيسى بن
يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون، كلهم عن شعبة
لم يذكر أحد منهم: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا)»، وإنما قالوا فيه: ((فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمْ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ))، قال الإسماعيلي: فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من
عنده وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا اللفظ من رواه عنه وجه. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): الذي ظنه الإسماعيلي صحيح، فقد رواه البيهقي (ج٤
ص ٢٠٥) من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ
يَوْمًّا)) يعني: عدُّوا شعبان ثلاثين - وكذا رواه الدار قطني من طريق علي بن داود عن
آدم ص ٢٣٠) - فوقع للبخاري إدراج التفسير في نفس الخبر، ويؤيده رواية أبي
سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْم وَلَا يَوْمَيْنٍ)) فإنه يشعر بأن
المأمور بعدده هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريقَ الرَّبِّيع بن مسلم عن محمد بن
زياد بلفظ: ((فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ)) وهو يتناول كل شهر، فدخل فيه شعبان. وروى
الدار قطني وصححه وابن خزيمة في (صحيحه)) من حديث عائشة: كان رسول الله
وَلا- يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه
عد ثلاثين يومًا، ثم صام. وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا. وروى أبو داود والنسائي
وابن خزيمة من طريق ربعي، عن حذيفة مرفوعًا: ((لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا
الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)). انتهى.
وقال صاحب ((التنقيح)): أي: ابن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ما ذكره
الإسماعيلي من أن آدم ابن أبي إياس يجوز أن يكون رواه على التفسير من عنده
للخير فغير قادح في صحة الحديث؛ لأن النبي بَلَّ، أما أن يكون قال اللفظين هو
ظاهر اللفظ، وأما أن يكون قال أحدهما: وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللام في قوله: (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ) للعهد أي: عدة الشهر والنبي ظلَّلّ لم يخص
بالإِ کمال شهرًا دون شهر، إذا غم فلا فرق بين شعبان وغيره؛ إذ لو كان شعبان غير
مراد من هذا الإكمال لبينه؛ لأن ذكر الإكمال عقيب قوله: ((صُومُوا وَأَفْطِرُوا))
فشعبان وغيره مراد من قوله: ((فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ))، فلا تكون رواية: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ
شَعْبَانَ)) مخالفة لرواية: ((فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ)) بل مبينة لها. أحدهما: أطلق لفظًا يقتضي
العموم في الشهر.
والثاني: ذكر فردًا من الأفراد قال: ويشهد له حديث أخرجه أبو داود والترمذي
وأحمد والطحاوي والنسائي عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: (لَا تَصُومُوا
قَبْلَ رَمَضَانَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ، فَكَمِّلُوا
الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ، وَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا))، قال الترمذي: حديث حسن صحيح
ورواه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) ورواه الطيالسي ومن طريقه البيهقي
حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا
لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْتَكُمْ وَبَيْتَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ فَأَكْمِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، وَلَا
تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْم مِنْ شَعْبَانَ))، قال: وبالجملة: فهذا الحديث نص في
المسألة وهو صحيح كما قَّال الترمذي، قال: والذي دلت عليه الأحاديث في هذه
المسألة وهو مقتضى القواعد أن كل شهر غم أكمل ثلاثين، سواء في ذلك شعبان
ورمضان وغيرهما وعلى هذا، فقوله: ((فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ)) يرجع إلى الجملتين، وهما
قوله: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدََّ) أي: غم
عليكم في صومكم أو فطركم هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث تدل على
ذلك، كقوله: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). انتهى. وذكر نحو ذلك الولي العراقي
في ((طرح التثريب)) (ج ٤ ص١٠٨ - ١٠٩).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري كما عرفت، ورواه مسلم بلفظ: ((فَصُومُوا ثَلاثِينَ
يَوْمًّا))، وفي رواية له: ((فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ))، وفي أخرى: ((فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ))، والحديث
أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي والدار قطني والبيهقي.

كِتّاب الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٨٣
١٩٩١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ طَهِ: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ،
لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهَرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا)). وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي
الثَّالِئَةِ. ثُمَّ قَالَ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا)). يَعْنِي: تَمَامَ الثَّلَاثِينَ،
يَعْنِي: مَرَّةً تِسْئًا وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٩١- قوله: (إِنَّا) أي: معاشر العرب. وقيل: أراد نفسه القدسية. (أُمَّةٌ)
أي: جماعة. قال الجوهري: الأمة الجماعة. وقال الجزري في ((جامع الأصول))
(ج٧ ص٥٣٩): الأمة: الجيل من الناس. (أَمِّيَّةٌ) أي: التي لا تكتب ولا تقرأ.
قيل: هو منسوب إلى أمة العرب، فإنهم غالبا لا يكتبون ولا يقرؤون، والكاتب
فيهم نادر وقيل: منسوب إلى الأم؛ لأن هذه صفة النساء غالبًا، أو باقون على الحالة
التي ولدتنا عليها الأمهات لم نتعلم قراءة ولا كتابة، أي: فلذلك ما كلفنا اللَّه تعالى
بحساب أهل النجوم، ولا بالشهور الشمسية الخفية، بل كلفنا بالشهور القمرية
الجلية لكنها مختلفة، كما بين بالإشارة مرتين، فالعبرة حينئذٍ للرؤية. وقيل:
منسوب إلى أم القرى وهي مكة أي: أنا أمة مكية.
(لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) بضم السين من باب نصر، وهذا تفسير وبيان لكونهم أمة
أمية أي: لا نعرف حساب النجوم وتسييرها، فلم نكلف في تعريف مواقيت صومنا
ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عبادتنا بأعلام
واضحة وأمور ظاهرة لائحة يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم.
قال الحافظ: قيل للعرب: أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة قال الله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم
من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا :
حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلق
الحكم بالصوم وغيره بالرؤية؛ لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التيسير،
(١٩٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩١٣)، ومُسْلِم (١٥ /١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر
بنفي تعليقِ الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: ((فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ))، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه:
كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم،
وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن
بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم.
وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم
النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو أربط الأمر بها
لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل. انتهى. ثم تمم عليه الصلاة والسلام المعنى
المذكور بإشارته بيده من غير لفظ إشارة يفهمها الأخرس والأعجمي. (الشَّهْرُ)
مبتدأ. (هَكَذَا) مشار بها إلى نشر الأصابع العشر. (وَهَكَذَا) ثانيًا. (وَهَكَذَا) ثالثًا
خبره بالربط بعد العطف. (وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ) أي: أحد الإبهامين، أو التقدير من
إحدى اليدين، أو إبهام اليمين، على أن اللام عوض عن المضاف إليه. (فِي الثَّالِئَةِ)
أي: في المرة الثالثة من فعله هكذا، فصار الجملة تسعة وعشرين.
(ثُمَّ قَالَ: الشَّهْرُ) أي: تارة أخرى. (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قال الطيبي: أي: عقد
الإبهام في المرة الأولى في الثالثة؛ ليكون العدد تسعًا وعشرين، ولم يعقد الإبهام
في المرة الثانية ليكون العدد ثلاثين. وقال الحافظ: أي: أشار أولًا بأصابع يديه
العشر جميعًا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه بقوله: وفي
الرواية الأخرى ((تسع وعشرون)). وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر
عنه بقوله: ((ثلاثون)). (يَعْنِي: تَمَامَ الثَّلاثِينَ) تفسير من الراوي، لفعله عليه الصلاة
والسلام هكذا وهكذا وهكذا في المرة الأخيرة. والتقدير: قال الراوي: يعني:
أي: يريد ◌َل﴿ بكونه هنا لم يعقد الإبهام تمام الثلاثين، ثم زاد البيان، فبين الكيفية
في المرتين جميعًا والتقدير: قال الراوي: أيضًا زيادة في الإيضاح؛ تأسَّيًا به وَله .
(يَعْنِي) أي: يريد وَّر بمجموع ما ذكره أن الشهر يكون، (مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً
ثَلاثِينَ) قال ابن حجر: وإنما بالغ في البيان بما ذكر مع الإشارة المذكورة؛ ليبطل
الرجوع إلى ما عليه الحساب والمنجمون، وبه يبطل ما مر عن ابن سريج ومن
وافقه. انتهى.

كِتّاب الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٨٥
قال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول
رؤية الأهلة، وقد نهينا عن التكلف، ولا شك أن مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا
بالظنون غاية التكلف. وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة المفهمة،
وأعمال أدلة الإيماء في النكاح والطلاق ونحوهما.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث وإلا فقوله: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)) إلى
قوله: ((تمام ثلاثين)) لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)) يَعْنِي: مَرَّةً
تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ، قال الحافظ: هكذا ذكره آدم شيخ البخاري
مختصرًا، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره
عن غندر، ثم ذكر اللفظ المذكور عن مسلم، وفي رواية للبخاري: ((الشهر هكذا
وهكذا)) وخنس الإبهام في الثالثة. والمصنف تبع في ذلك البغوي، فإنه ذكر في
((المصابيح)) كذلك، ولا يخفى ما فيه، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣،
٥٢، ١٢٢، ١٢٩) وأبو داود والنسائي والبيهقي.
١٩٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((شَهْرَا عِيدٍ لَا
يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٩٢ - قوله: (شَهْرَا عِيدٍ) أي: شهر رمضان وشهر ذي الحجة، وإنما سمي
شهر رمضان شهر عيد بطريق المجاورة.
قال السندي: عد شهر رمضان شهر عيد مع أن العيد بعده.
والجواب: أن المقارنة مجوزة للإضافة. وقال الحافظ: أطلق على رمضان أنه
شهر عيد؛ لقربه من العيد، ونظيره قوله وَّه: ((الْمَغْرِبِ وِتْرُ النَّهَارِ))، أخرجه
الترمذي من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأطلق كونها وتر النهار
(١٩٩٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩١٢)، ومُسْلِم (١٠٨٩/٣١) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (٢٣٢٣)،
والتِّرْمِذِي (٦٩٢)، وابن مَاجَهْ (١٦٥٩).

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لقربها. (لَا يَنْقُصَانِ) اختلف في معناه على أقوال، فقيل: أي: لا ينقصان في
الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين، قاله إسحاق بن راهويه. والمراد: أنه لا
يكونان ناقصين في الثواب، وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب. فثواب تسع
وعشرين كثواب ثلاثين منهما، وحاصله: أنه لا يتفاوت أجر ثلاثين وتسعة عشرين
كأنه أراد سد أن يخطر ذلك في قلب أحد.
قال النووي: الأصح: أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما، وإن
نقص عددهما هذا هو الصواب المعتمد، والمعنى: أن كل ما ورد عنهما من
الفضائل والأحكام حاصل، سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعًا وعشرين، سواء
صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره. قال الحافظ: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم
يحصل تقصير في ابتغاء الهلال، وفائدة الحديث: رفع ما يقع في القلوب من شك
لمن صام تسعًا وعشرين، أو وقف في غير يوم عرفة، وقد استشكل بعض العلماء:
إمكان الوقوف في الثاني؛ اجتهادًا وليس مشكلًا؛ لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين؛
لأن أول ذي الحجة الخميس مثلا، فوقفوا يوم الجمعة، ثم تبين أنهما شهدا زورًا،
انتھی .
وقال الكرماني: استشكل ذكر ذي الحجة؛ لأنه إنما يقع الحج في العشر الأول
منه، فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه، وأجيب: بأنه مؤول بأن الزيادة والنقص إذا
وقعا في ذي القعدة يلزم منهما نقص عشر ذي الحجة الأول، أو زيادته فيقفون
الثامن أو العشر، فلا ينقص أجر وقوفهم عما لا غلط فيه، ذكره القسطلاني. وقال
الطيبي : ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في سائرها،
ليس المراد أن ثواب الطاعة في سائرها قد ينقص دونهما، فينبغي أن يحمل على
الحكم ورفع الحرج والجناح عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم؛ لاختصاصهما
بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثم لم يقتصر على قوله:
((رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ)) بل قال: ((شَهْرًا عِيْدٍ)). انتهى.
وقال الزين بن المنير: أقرب الأقوال أن المراد: أن النقص الحسي باعتبار العدد
ينجبر بأن كلَّا منهما شهر عيد عظيم، فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما
من الشهور. قال الحافظ: وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق. وقيل: معناه لا

١٨٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع ذلك.
وحاصله: أنهما غالبًا لا يجتمعان في سنة واحدة على النقص، بل إن كان أحدهما
ناقصًا كان الآخر وافيًا، وهذا أكثري لا كلي، فقد جاء وجودهما ناقصين معًا،
وقيل: معناه: لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع وهذا
أشار إليه ابن حبان، ولا يخفى بعده، وقيل: معناه: لا ينقصان في عام بعينه، وهو
العام الذي قال فيه وسير تلك المقالة، وهذا حكاه ابن بزيزة، ومن قبله أبوالوليد بن
رشد، ونقله المحب الطبري، عن أبي بكر بن فورك، وقيل: المعنى: لا ينقصان
في الأحكام وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي، فقال: معنى لا ينقصان إن
الأحكام فيهما، وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمها إذا كانا
ثلاثین .
وقيل: المراد: أنهما في الفضل سواء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((مَا مِنْ أَيَّام
الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ))، فالمعنى: أنه لا ينقص ثواب العمل فيّ
أحدهما عن العمل في الآخر، ويقرب منه ما ذكره الخطابي والتوربشتي من أنه أراد
تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر
رمضان؛ لأن فيه المناسك والعشر، وقيل: المراد: إن شهرا عيد لا ينقصان
عند الله أجرًا وثوابًا، بل الأجر والثواب فيهما على الأعمال دائمًا على حد واحد،
لا يتفاوت ذلك بالسنين والأعوام مثلًا؛ لأن رمضان أحيانًا يكون في الشتاء،
وأحيانًا يكون في الصيف، وكذا الحجة ... إلخ. فبين أن الأجر في الكل سواء،
وفي الحديث حجة لمن قال: إن الثواب ليس مرتبًا على وجود المشقة دائمًا،
بل لله أن يتفضل بالحق الناقص بالتام في الثواب.
(رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) بدلان أو بيانان، أو هما خبر مبتدأ محذوف، أي: أحدهما
رمضان، والآخر ذو الحجة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٣٨ و ٤٧ -
٤٨، ٥١) وأبو داود والترمذي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي.

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٩٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَةٍ: (لَا
يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ
صَوْمًّا، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٩٣- قوله: (لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْم ... ) إلخ. وعند
الإسماعيلي: ((لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ بِصَوْم))، وفي رواية لأحمد: (لَا
تَقَدَّمُوا قَبْلَ رَمَضَانَ بِصَوْم))، وللترمذي في رواية: (َلَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَام
قَبْلَهُ))، قال الحافظ: أي: لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه، بقصد الاحتياط له،ً
فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف. قال العلماء: معنى الحديث:
لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي: لما أخرجه
العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر
رمضان لمعنی رمضان، انتهى.
وقال السيوطي في (قوت المغتذي)): إنما نُهي عن فعل ذلك؛ لئلا يصوم
احتیاطًا؛ لاحتمال أن یکون من رمضان وهو معنى قول الترمذي لمعنى رمضان،
وإنما ذكر اليومين؛ لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغيم والظلمة في
شهرين أو ثلاثة، فلذا عقب ذكر اليوم باليومين، انتهى. قلت: وعندي في تقييد
هذا النهي بنية الاحتياط لرمضان نظر، كما سيأتي.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ) كان تامة أي: إلا أن يوجد رجل، قاله الحافظ. (كَانَ يَصُومُ
صَوْمًا) أي: نفلاً معتادًا، كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي، وفي رواية
الكشميهني: ((يَصُومُ صَوْمَهُ)). (فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ) أي: ذلك الوقت، فإنه مأذون
له فيه، وللترمذي، وفي رواية: ((إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ))،
وفي رواية للنسائي: ((إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا أَتَى ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى صِيَامِهِ))،
يعني: أتى يوم عادته مع صيام رمضان متصلاً به، وفي رواية لأحمد: ((إِلَّا رَجُلٌ كَانَ
(١٩٩٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩١٤)، ومُسْلِم (٢١/ ١٠٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِيهِ.

كِتّابُ الصَّوْم
xxxxxosa x
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٨٩
يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصِلْهُ بِهِ)»، قال الخطابي: معنى الاستثناء: أن يكون قد اعتاد صوم
الاثنین و الخمیس مثلًا فیوافق صوم الیوم المعتاد فیصومه، ولا یتعمد صومہ إن لم
تکن له عادة .
قال السندي: قوله: (لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ ... ) إلخ. أي: لا يستقبلنه بصوم
يوم أو يومين يعني: تعظيمًا لرمضان. وحمله كثير من العلماء على أن بنية رمضان،
أو لتكثير عدد صيامه، أو لزيادة احتياطه بأمر رمضان، أو على صوم يوم الشك،
ولا يخفى أن قوله: ((أَوْ يَوْمَيْنٍ)) لا يناسب الحمل على صوم الشك؛ إذ لا يقع الشك
عادة في يومين، والاستثناء بقوله: ((إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ ... )) إلخ. لا يناسب
التأويلات الأول؛ إذ لازمه جواز صوم يوم أو يومين قبل رمضان لمن يعتاده بنية
رمضان مثلًا، وهذا فاسد. والوجه أن يحمل النهي على الدوام، أي: لا تداوموا
على التقدم لما فيه من إبهام لحوق هذا الصوم برمضان إلا لمن يعتاد المداومة على
صوم آخر الشهر مثلًا، فإنه لو داوم عليه لا يتوهم في صومه اللحوق برمضان.
والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي.
وقال الأمير اليماني: الحديث: دليل على تحريم صوم يوم أو يومين قبل
رمضان. ثم ذكر كلام الترمذي المتقدم، ثم قال: وقوله لمعنى رمضان تقييد
للنهي، بأنه مشروط بكون الصوم احتياطًا، لا، لو كان الصوم صومًا مطلقًا كالنفل
المطلق والنذر ونحوه، قلت: قائله الأمير اليماني ولا يخفى أنه بعد هذا التقييد
يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان وهو خلاف ظاهر النهي، فإنه عام لم
يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق ذلك آخر يوم من شعبان،
ولو أراد ◌َّ الصوم المقيد بما ذكر، لقال: إلا متنفلًا، أو نحو هذا اللفظ، وإنما
نهى عن تقدم رمضان؛ لأن الشارع قد علق الدخول في صوم رمضان برؤية هلاله،
فالمتقدم عليه مخالف للنص أمرًا ونهيًا. انتهى.
وقال الحافظ: وفي الحديث: رد على من قال بجواز صوم النفل المطلق، وأبعد
من قال: المراد بالنهي: التقدم بنية رمضان، واستدل بلفظ التقدم؛ لأن التقدم على
الشيء بالشيء، إنما يتحقق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنية النفل
المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. انتهى. وقد اختلف في الحكمة

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين فقيل: هي الخوف من أن يزاد في
رمضان ما ليس منه، كما نهى عن صيام يوم العيد لذلك؛ حذرًا مما وقع فيه أهل
الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وقيل: هي التقوى على صيام
رمضان؛ ليدخل فيه بقوة ونشاط، فإن مواصلة الصيام تضعف عن صيام الفرض،
وفيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث إنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام فصاعدًا جاز،
وسنذكر ما فيه. وقيل: الحكمة فيه: خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر
أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له عادة، كما في الحديث. وقيل: لزوم التقدم بين يدي الله
ورسوله، فإنه عليه الصلاة والسلام قد علق الصوم بالرؤية، فهو كالعلة للحكم
فمن تقدمه بصوم يوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. قال الحافظ :
وهذا هو المعتمد. ومعنى الاستثناء: أن من كان له ورد فقد أذن له فيه؛ لأنه اعتاده
وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق
بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة
القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظني. وفي الحديث: إبطال
لما يفعله الرافضة والباطنية من تقدم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال رمضان،
وزعمهم أن ((اللام)) في قوله: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ)) في معنى مستقبلين لها، وذلك لأن
الحديث يفيد أن اللام لا يصح حملها على هذا المعنى، وإن وردت له في مواضع.
ومفهوم الحديث: جواز الصوم إذا كان التقدم بأكثر من يومين. وقيل: يمتد المنع
لما قبل ذلك، وبه قطع كثير من الشافعية، وأجابوا عن الحديث: بأن المراد منه
التقدم بالصوم، فحيث وجد منع. وإنما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنه الغالب
ممن يقصد ذلك. وقالوا: ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث
أبي هريرة التالي.
وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين للحديث الذي نحن في
شرحه، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقيل: يجوز من بعد
انتصافه ويحرم قبل رمضان بيوم أو يومين، أما جواز الأول؛ فلأنه الأصل،
وحديث أبي هريرة الآتي ضعيف. قال أحمد وابن معين: إنه منكر. وأما تحريم
الثاني؛ فلحديث الباب.

كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلالِ
١٩١
قال الأمير اليماني: وهو جمع حسن، وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم
تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد فيه. واستدل البيهقي
بحديث الباب على ضعفه. فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث
الانتصاف. وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا:
((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ))، لكن إسناده ضعيف. واستظهر أيضًا بحديث
عمران بن حصَين، أن رسول اللَّهُ وَلّه قال الرجل: ((هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ
شَيْئًا؟))، قال: لا، قال: ((فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنٍ))، والمراد بالسرر
بفتحتين عند الجمهور هنا: آخر الشهر، سميت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي
ليلة ثمانية وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ثم جمع الطحاوى بين حديث
الانتصاف، وحديث التقدم بيوم أو يومين، بأن حديث الانتصاف محمول على من
يضعفه الصوم، وحديث التقدم مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان.
قال الحافظ: وهو جمع حسن. قلت: الظاهر عندي: أنه يحرم التقدم بيوم أو
يومين مطلقًا إلا لمن يكون له صوم معتاد، فيأتي ذلك على صيامه، فيجوز له أن
يصوم ذلك، ويتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين، وفي حكم المعتاد النذر والقضاء
كما تقدم، وعلى هذا يحمل حديث السرر، كما سيأتي في باب صوم التطوع. وأما
حديث الانتصاف، وهو حديث صحيح كما ستعرف، فهو محمول على من يضعفه
الصوم، أو على من صامه بلا سبب، أو على من لم يصله بما قبله، أي: لم يصم
قبل نصف الشهر والله تعالى أعلم. وسيأتي مزيد الكلام فيه عند شرحه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٢٤ - ٢٨١) والترمذي، وأبو داود
والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني والبيهقي، والطحاوي وغيرهم.

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٩٩٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
انْتَصَفَ شَعْبَانَ؛ فَلَا تَصُومُوا)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {صحيح }
الشرح
١٩٩٤- قوله: (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانَ؛ فَلَا تَصُومُوا) هذا لفظ أبي داود،
وللترمذي: ((إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَلَا تَصُومُوا))، وللدارمي: ((إِذَا كَانَ النِّصْفُ
مِنْ شَعْبَانَ، فَأَمْسِكُوا عَنِ الصَّوْم))، وعند ابن ماجه: ((فَلَا صَوْمَ حَتَّى يَجِيءَ رَمَضَانُ»،
قال ابن القطان في ((كتابه)): رَوَي: ((فَأَمْسِكُوا)) كما تقدم، وروي: ((فَكَفُّوا)) - عند
النسائي في ((الكبرى)) - وبين هذين اللفظين ولفظ الترمذي وأبي داود فرق، فإن
هذين اللفظين لمن كان صائمًا عن التمادي في الصوم، ولفظ الترمذي: ((نهى لمن
كان صائمًا ولمن لم يكن صائمًا عن الصوم بعد النصف)) ذكره الزيلعي.
قال القاري: والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام
رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله، فيتعود بالصوم ويزول عنه
الكلفة، ولذا قيد بالانتصاف، أو نهي عنه؛ لأنه نوع من التقدم. والله أعلم. قال
القاضي: المقصود استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام، فاستحب الإفطار كما
استحب إفطار عرفة؛ ليتقوى على الدعاء. فأما من قدر، فلا نهي له؛ ولذا جمع
النبي ◌َّ بين الشهرين في الصوم. انتهى.
قال القاري: وهو كلام حسن لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد
نصف شعبان مكروه. وقال المنذري: من قال: إن النهي عن الصيام بعد النصف
من شعبان لأجل التقوي على صيام رمضان والاستجمام له، فقد أبعد، فإن نصف
(١٩٩٤) أَبُو دَاوُد (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في الكبرى (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١)
عَنْ أَبِي هُرَیْرَةَ فِهِ.

١٩٣
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
شعبان إذا أضعف كان كل شعبان أحرى أن يضعف، وقد جوز العلماء صيام جميع
شعبان. وفي شرح ابن حجر المكي، قال بعض أئمتنا: يجوز بلا كراهة الصوم بعد
النصف مطلقًا؛ تمسكًا بأن الحديث غير ثابت، أو محمول على من يخاف الضعف
بالصوم، ورده المحققون بما تقرر بأن الحديث ثابت بل صحيح، وبأنه مظنة
للضعف وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها. انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي كلهم من حديث العلاء
ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا
نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. انتهى. وصححه ابن حبان أيضًا. وقال
أحمد وابن معين: إنه منکر کما تقدم. وقال أبو داود في «سننه)): وكان عبد الرحمن
- يعني: ابن مهدي - لا يحدث به. قلت لأحمد: لِمَ قال؟ لأنه كان عنده أن
النبي ◌َّه كان يَصِلُ شعبان برمضان، وقال عن النبي څ﴾ خلافه. قال أبو داود:
وليس هذا عندي خلافة ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه. انتهى.
وقال المنذري في ((تلخيصه)): حكى أبو داود عن الإمام أحمد، أنه قال: هذا
حديث منكر. قال: وكان عبد الرحمن - يعني: ابن المهدي - لا يحدث به،
ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن، فإن فيه
مقالًا لأئمة هذا الشأن. قال: والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال ، فقد
حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به
مسلم في ((صحيحه))، وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها. وكذلك فعل البخاري
أيضًا، وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول
والرد ﴿ّ، انتهى كلام المنذري. قال شيخنا في شرح الترمذي: الحق عندي: أن
الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٩٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ
لِرَمَضَانَ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
١٩٩٥- قوله: (أَحْصُوا) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة أمر من
الإحصاء. قال تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ الْعِذَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. قال القاري: والإحصاء، في
الأصل: العد بالحصا، أي: عدوا. (هِلَالَ شَعْبَانَ) أي: أيامه. (لِرَمَضَانَ) أي:
لأجل رمضان أو للمحافظة على صوم رمضان. وقال في ((المفاتيح)): يقال: أحصى
الرجل إذا علم وعد عددًا، يعني: اطلبوا هلال شعبان، واعلموه وعدوا أيامه؛
لتعلموا دخول رمضان. وقال الطيبي: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط لما فيه من
أنواع الجهد في العد. ومن ثم كنى عنه بالطاقة في قوله : ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا))،
انتھی .
وقال ابن حجر: أي: اجتهدوا في إحصائه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراؤوا
منازله؛ لأجل تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقة حتى لا
يفوتكم منه شيء. وقال العراقي: يحتمل أن المراد: أحصوا استهلاله حتى تكملوا
العدة إن غم عليكم، أو المراد: تحروا هلال شعبان، وأحصوه لرمضان ليترتب
عليه الاستكمال أو بالرؤية. انتهى. وهذا الحديث مختصرٍ من حديث، وقد رواه
الدار قطني بتمامه (ص ٢٣٠) فزاد: ((وَلَا تَخْلِطُوا بِرَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صِيَامًا
كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ؛ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ
تُغَمَّى عَلَيْكُمُ الْعِدَُّ)). انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قال: حدثنا مسلم بن حجاج، نا يحيى بن يحيى، نا أبو معاوية،
عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومسلم بن حجاج هذا هو
صاحب ((الصحيح)). قال العراقي: لم يرو الترمذي في كتابه شيئًا عن مسلم
صاحب ((الصحيح)) إلا هذا الحديث وهو من رواية الأقران، فإنهما اشتر كا في كثير
(١٩٩٥) التِّرْمِذِي (٦٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِيهِ.

١٩٥
كِتّابُ الصَّوْم
*<<< se <<<< <<<<<<<<<<<< <<<<<<<<<< ***
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلالِ
من شيوخهما. انتهى. والحديث أخرجه الحاكم (ج١ ص٢٥) عن أبي بكر بن
إسحاق الفقيه عن إسماعيل بن قتيبة عن يحيى عن أبي معاوية مختصرًا بلفظ
الترمذي. وأخرجه الدار قطني عن محمد بن مخلد عن مسلم بن حجاج مطولًا كما
تقدم، وأخرجه البيهقي (ج٤ ص٢٠٦) من طريق الحاكم مختصرًا، ومن طريق
الدار قطني مطولًا، وصححه الحاكم، ثم الذهبي على شرط مسلم. وقال
الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية والصحيح
ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَل﴾ (لَا
تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِیَوْم وَلَا یَوْمَیْنٍ))، وهكذا روى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي
سلمة عن أبي هريرة نحّو الحديث محمد بن عمرو. انتهى.
وقد تعقبه شيخنا في ((شرح الترمذي)): بأن حديث أبي معاوية عن محمد بن
عمرو. بلفظ: ((أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ))، وما روى عن محمد بن عمرو بلفظ: ((لَا
تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ ... )» إلخ. حديثان يدلان على معنيين، فالأول يدل على إحصاء
هلال شعبان والتحفظ به. وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: كان رسول اللّه ◌َله.
يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره. الحديث. والحديث الآخر يدل على
النهي عن تقدم رمضان بيوم أو بیومین، فالظاهر أن محمد بن عمرو یروي هذين
الحديثين عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فروى عنه أبو معاوية الحديث الأول،
وروى عنه غيره الحديث الآخر، فعلى هذا يكون الحديثان صحيحين فتفكر. والله
تعالى أعلم.
١٩٩٦ - [٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
الشرح
١٩٩٦- قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح اللام - أم المؤمنين - (مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ
مَّ يَصُومُ شَهْرَیْنِ مُتَتَابِعَیْنِ إِلّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) أي: فإنه كان يصوم شعبان كله أو
(١٩٩٦) التِّرْ مِذِي (٧٣٦)، وَالنَّسَائِي (١٥٠/٤) عَنْهَا فِيهِ.

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
معظمه أي: أكثره، وهذا لفظ الترمذي، ولأبي داود: لم يكن يصوم من السنة
شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان. وعند النسائي في رواية: ما رأيت رسول الله
وَاللّه يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان. وله في أخرى ولا بن
ماجه: ((كان رسول الله ﴿ ل﴾ل يصل شعبان برمضان)).
قال السندي: أي: فيصومهما جميعًا، ظاهره: أنه يصوم شعبان كله كما في
حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما أنه كان يصوم شعبان كله لكن قد جاء من
حديث عائشة أيضًا ما يدل على خلافه، فلذلك حمل على أنه كان يصوم غالبه،
فكأنه يصوم كله وأنه يَصِله برمضان. انتهى. وسيأتي بسط معنى هذا الحديث في
باب: صيام التطوع إن شاء الله تعالى، وسبب إيراده ههنا: أنه يوهم بظاهره
التعارض بينه وبين ما روي من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومن
النهي عن الصوم بعد نصف شعبان الأول، وهذا الوهم ليس بشيء.
قال الشوكاني: لا تعارض بين ما روي عنه وَل من صوم كل شعبان أو أكثره،
ووصله برمضان، وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. وكذا
ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينها ظاهر: بأن يحمل
النهي على من يدخل تلك الأيام في صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن
التقدم بقوله وَله: ((إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)). انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ . قد تقدم بيان ألفاظهم، وقد أخرجه أيضًا الترمذي في
((شمائله)) والدارمي والطحاوي والبيهقي، وحسنه الترمذي، وسكت عنه أبو داود
والمنذري.

كِتّاب الصَّؤْم
بَابَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٩٧
أَّ قَالَ: ((مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي
١٩٩٧ - [٩] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ یَاسِرٍ
يُشَُكُ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمَِّ)).
[َرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
١٩٩٧ - قوله: (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَلَّك) على بناء المجهول مسندًا إلى.
(فِيهِ) قال الطيبي: إنما أتى بالموصول، ولم يقل: يوم الشك للمبالغة؛ تنبيهًا على
أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع، فكيف بمن صام يوما
الشك فيه قائم وثابت؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود:١١٣]
أي: الذين أونس منهم أدنى ظلم، فكيف بالظالم المستمر عليه؟ انتهى. قلت:
الحديث رواه الحاكم، ومن طريقه البيهقي بلفظ: ((مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّلِّ))، وكذا
ذكره البخاري في (صحيحه)) تعليقًا. وقال الحافظ بعد ذكر كلام الطيبي: قلت: قد
وقع في كثير من الطريق بلفظ: (يوم الشك))، انتهى. والمراد من اليوم: الذي
يشك فيه يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم ير الهلال في ليلته بغيم ساتر أو نحوه،
فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان، وهذا عندنا وسيأتي بيان الاختلاف في
تعريفه .
(فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَلِّ) هو كنية رسول اللَّه ◌َل، قيل: فائدة تخصيص ذکر
هذه الكنية: الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانًا وغير
ذلك. قال الحافظ: استدل به على تحريم صوم يوم الشك؛ لأن الصحابي لا يقول
ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا
يختلفون في ذلك، وخالفهم أبو القاسم الجوهري المالكي، فقال: هو موقوف.
والجواب: أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، انتهى.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٩٩): اختلف الناس في معنى النهي عن
(١٩٩٧) أَبُو دَاوُد (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنَّسَائِي (١٥٣/٤)، وابن ماجه (١٦٤٥) عَنْهُ فِيهِ.
قُلْتُ: وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِي (١١٩/٤).

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صیام یوم الشك. فقال قوم: إنما نهی عن صيامه إذا نوی به أن يكون عن رمضان،
فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز، هذا قول مالك بن أنس والأوزاعي
وأصحاب الرأي، ورخص فيه على هذا الوجه أحمد وإسحاق. وقالت طائفة: لا
يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه، وليقع الفصل بذلك بين شعبان
ورمضان هكذا. قال عكرمة: وروى معناه عن أبي هريرة وابن عباس، وكانت
عائشة وأسماء تصومان ذلك اليوم وكانت عائشة تقول: لأن أصوم يومًا من شعبان
أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان. وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب
صوم يوم الشك، إذا كان من ليلة في السماء سحاب أو قترة، فإن كان صحوًا ولم
ير الناس الهلال أفطر مع الناس وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: إن
وافق يوم الشك يومًا كان يصومه؛ صامه، وإلا لم يصمه. انتهى.
وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)) لأحمد في هذه المسألة: وهي ما إذا حال دون
مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان.
ثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلاً مطلقًا، بل قضاء وكفارة ونذرًا ونفلًا، يوافق
عادة. وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان
ويجوز عما سوى ذلك.
ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر، كذا ذكر الحافظ في
((الفتح)). قلت: اختلف الأئمة في تعريف يوم الشك وحكم صومه، وفيما إذا
صامه بنية رمضان أو واجب آخر أو نية التطوع، وتوضيح المقام أن السماء إذا
كانت مُصْحِية ليلة الثلاثين من شعبان، ولم يروا الهلال، فصبيحة هذه الليلة هي
مصداق يوم الشك في المشهور عن الإمام أحمد ولا يجوز صومه.
قال ابن قدامة (ج٣ ص٨٦): إن لم يروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وكانت
السماء مصحیة لم یکن لهم صیام ذلك اليوم، إلا أن يوافق صومًا كانوا يصومونه؛
لما روي عن أبي هريرة من النهي عن تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين. وقال
عمار: ((من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم وَّر)) قال ابن قدامة:
والنهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصَّحْوِ. انتهى.

١٩٩
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلالِ
وقال الحافظ في ((الفتح)): المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد
الناس عن رؤية الهلال، أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال
دون منظره شيء، فلا يسمى شكًّا. انتهى. وإن كانت السماء في ليلة الثلاثين
مغيمة، فعن أحمد في ذلك ثلاث روايات. قال الخرقي: إن حال دون منظره غيم
أو قتر؛ وجب صيامه، وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان. قال ابن قدامة (ج٣
ص٨٩): اختلف الرواية عن أحمد في هذه المسألة، فروي عنه مثل ما نقل الخرقي
اختارها أكثر شيوخ أصحابنا وروى عنه أن الناس تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن
أفطر أفطروا. وعن أحمد رواية ثالثة لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان إن
صامه، وهو قول أكثر أهل العلم. انتهى مختصرًا.
وفي ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة: إن لم ير الهلال مع الصحو ليلة
الثلاثين من شعبان؛ أصبحوا مفطرين، وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه،
وإن حال دونه غيم أو قتر، فظاهر المذهب يجب صومه حكمًا ظنًّا احتياطًا بنية
رمضان. قال في ((الإنصاف)): وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه، وصنفوا فيه
التصانيف وردوا حجج المخالف. قالوا: نصوص أحمد تدل عليه. انتهى. وفي
((شرح الإقناع)) للشافعية، ويكره صوم يوم الشك كراهة تنزيه. قال الإسنوي: وهو
المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون والمعتمد في المذهب تحريمه، كما في
((الروضة)) و(المنهاج)) و((المجموع)) إلا أن يوافق عادة له في تطوعه وله صومه عن
قضاء أو نذر، فلو صامه بلا سبب لم يصح كيوم العيد بجامع التحريم، فإن قيل :
هلا استحب صوم يوم الشك إذا أطبق الغيم؛ خروجًا من خلاف الإمام أحمد،
حيث قال: بوجوب صومه حينئذٍ. أجيب: بأنا لا نراعي الخلاف إذا خالف سنة
صريحة، وهي هاهنا خبر: ((إِذَا غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ)) ويوم الشك
هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤيته، أي: بلا ثبت، أو شهد بها عدد
ترد شهادتهم كصبيان أو نساء، أو عبيد أو فسقة وظن صدقهم. وإنما لم يصح
صومه عن رمضان؛ لأنه لم يثبت كونه منهم. انتهى.
وقال الدردير من المالكية: وإن غيمت السماء ليلة الثلاثين ولم ير الهلال،
فصبيحته يوم الشك الذي نهي عن صومه، على أنه من رمضان. وأما لو كانت
السماء مصحیة لم یکن یوم الشك؛ لأنه إن لم یر، کان من شعبان جزمًا وصیم یوم