النص المفهرس
صفحات 161-180
Dex
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
حصل للمفطر مثل ثواب الصائم. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقَصَ) من باب الافتعال وفي
((الترغيب)) ينقص، وكذا نقله العيني. (مِنْ أَجْرِهِ) أي: من أجر الصائم. (شَيْءٌ)
وهو زيادة إيضاح، وإفادة تأكيد للعلم بعدم النقص من لفظ مثل أجره أولًا .
(لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ) بالتكلم في الفعلين، وفي نسخة بالغيبة فيهما؛ قاله
القاري، وذكره المنذري والعيني بالتكلم في الأول وبالغيبة في الثاني. (بِهِ الصَّائِمَ)
كذا في بعض النسخ، ووقع في بعضها بدون لفظة ((به)) وهكذا في ((الترغيب))
والعيني، قال القاري: أي: لا يجِد كلنا ما يشبعه، وإنما الذي يجد ذلك بعضها فما
حكم من لا يجد ذلك. (يُعْطِيَ اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ) أي: من جنس هذا الثواب، أو هذا
الثواب كاملاً عند العجز عن الإشباع. (عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ) بفتح الميم وسكون الذال
المعجمة أي: شربة لبن يخلط بالماء، يقال: مذق اللبن من باب نصر أي: مزجه
بالماء والمذق والمذقة: اللبن الممزوج بالماء. (أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ) ((أو))
للتنويع في الموضعين. (مِنْ حَوْضِي) أي: الكوثر في القيامة.
(شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ) أي: بعدها. (حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي: إلى أن يدخلها، ومن
المعلوم أن لا ظمأ في الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى
١١٩
[طه:١١٩] فكأنه قال: لا يظمأ أبدًا. (وَهُوَ) أي: رمضان. (شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ) أي: وقت
رحمة نازلة من عند الله عامة، ولولا حصول رحمته؛ ما صام ولا قام أحد من
خليقته .
لَوْلاَ اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وقيل: أي: أول الشهر سبب لنزول رحمة الله التي يكون بها مستعدًا لظهور
الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، ويخرج من ظلمات الذنوب والمعاصي.
(وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ) أي: زمان مغفرته المترتبة على رحمته، فإن الأجير قد يتعجل
بعض أجره قرب فراغه منه. (وَآخِرُهُ) وهو وقت الأجر الكامل. (عِثْقٌ) أي:
الرقابهم. (مِنَ النَّارِ) والكل بفضل الجبار، وتوفيق الغفار للمؤمنين الأبرار للأعمال
الموجبة للرحمة والمغفرة والعتق من النار، ولما وفقوا للطاعات وغفر ذنوبهم،
وأعتقوا من النار؛ صاروا أهلًا لدخول الجنة.
(وَمَنْ خَفَّفَ) أي: في الخدمة. (عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيْهِ) أي: في رمضان رحمة عليه،
١٦١
كِتّابُ الصَّوْم
وإعانة له بتيسير الصيام إليه. (غَفَرَ اللَّهُ) أي: لما فعله قبل ذلك من الأوزار.
(وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ) جزاء لإعتاقه المملوك من شدة العمل، والحديث ذكره العيني في
(شرح البخاري)) (ج ١٠ ص٢٧٨ - ٢٧٩) وقال: رواه الحارث بن أبي أسامة في
((مسنده)) عن سلمان الفارسي، ولا يصح إسناده وفي سنده إياس. قال شيخنا:
يعني: العراقي: الظاهر إنه ابن أبي إياس. قال صاحب ((الميزان)): إياس بن أبي
إياس عن سعيد بن المسيب لا يعرف والخبر منكر. انتهى. قلت: وقال الحافظ في
((اللسان)) (ج١ ص٤٧٥) في ترجمته وذكره العقيلي فقال: مجهول، وحديثه غير
محفوظ وساق له الحدیث بطوله في فضل شهر رمضان. وقال: ليس يروى هذا من
وجه یثبت. انتهى.
وقال المنذري في ((الترغيب)): رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))، ثم قال: إن صح
الخبر، ورواه من طريقه البيهقي، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب باختصار
عنهما، وفي رواية لأبي الشيخ، قال رسول اللَّه ◌َلَّ: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لَيَالِيَ رَمَضَانَ كُلِّهَا، وَصَافَحَهُ جَبْرِيلُ
لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَمَنَّ صَافَحَهُ جَبْرِيلُ يَرِقّ قَلْبُهُ وَتَكْثُرُ دُمُوعُهُ))، قال: فقلت: يا رسول
الله، أفرأيت من لم يكن عنده؟ قال: ((فَقَبْضَةٌ مِنْ طِعَام)) قلت: أفرأيت إن لم يكن
عنده لقمة خبز؟ قال: ((فَمَذْقَةُ لَبَنٍ)) قلت: أفرأيت إن لَّم يكن عنده؟ قال: ((فَشَرْبَةٌ
مِنْ مَاءٍ)). قال المنذري: وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان. ورواه ابن خزيمة
أيضًا والبيهقي باختصار عنه من حديث أبي هريرة، وفي إسناده كثير بن زيد.
انتھی .
قلت: ابن جدعان هذا ضعيف سيئ الحفظ. وقال الترمذي: صدوق. وكثير بن
زيد مختلف فيه. وقال في ((التقريب)): صدوق يخطئ. وحديث سلمان ذكره علي
المتقي في ((كنز العمال)) وقال: أخرجه ابن خزيمة، وقال: إن صح الخبر،
والبيهقي والأصبهاني في ((الترغيب)) وابن النجار. وقال الحافظ ابن حجر في
((أطرافه)): مداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ويوسف بن زياد
الراوي عنه ضَعِيف جِدًّا، وتابعه إياس عن علي بن زيد عند البيهقي. قال ابن حجر
وإیاس: ما عرفنه. انتهى.
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٨٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا دَخَلَ
شَهْرُ رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ، وَأَعْطَىّكُلَّ سَائِلٍ.
{ضَعِيف جدًّا}
الشرح
١٩٨٦- قوله: (أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ) أي: محبوس ممن يستحق الحبس لحق
الله، أو لحق العبد بتخليصه منه؛ قاله القاري.
وقال ابن حجر: أي: محبوس على كفره بعد أسره، ليختار فيه وَّلهالمن أو القتل
مثلًا.
وقال في ((اللمعات)): فإن قلت: كيف يجوز إطلاق كل أسير؟ وقد يكون على
بعض الأسراء حق لأحد، قلنا: لم يكن أسراؤه وجَلّ إلا الكفار أُسَرَاءُ الغزوات، وهو
مخير فيهم بعد الأسر بين المن والإطلاق، وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر
الأئمة، وتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية، ولم يكن بينهم من عليه حقوق
الناس من الديون ونحوها، ولو كانت فلعله ◌َّير كان يرضي أهلها ويطلق. والله
أعلم.
(وَأَعْطَى كُلَّ سَائِل) أي: زيادة على معتاده، فإنه حينئذٍ أجود من الريح المرسلة،
وفيه: ندب العتق في رمضان، والتوسعة على الفقراء فيه، والحديث ذكره الهيثمي
في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ١٥٠) ونسبه إلى البزار، وقال: فيه أبو بكر الهذلي
وهو ضعيف. انتهى.
وقال السيوطي في ((الجامع الصغير)): رواه البيهقي في الشعب عن ابن عباس
وابن سعد عن عائشة. قال العزيزي: وهو حديث ضعيف. انتهى. قلت: أبو بكر
الهذلي هذا من رجال ابن ماجه. قيل: اسمه سلمى بن عبد الله. وقيل: روح
أخباري، منكر الحديث متروك.
(١٩٨٦) البَيْهَقِي (٣٦٢٩) في الشُّعَب فيه عنه.
١٦٣
كِتّابُ الصَّوْم
١٩٨٧ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَِّيّ ◌ََّ قَالَ: ((إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ
لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِلِ)). قَالَ: ((فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ
رَمَضَانَ؛ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِّينِ،
فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادَِ أَزْوَاجًا، تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَتَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا)).
[رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي ((شُعَبِ اْإِيمَانِ))]
الشرح
١٩٨٧ - قوله: (تُزَخْرَفُ) أي: تزين بالذهب ونحوه. (لِرَمَضَانَ) أي: لأجل
قدومه. (مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِل) أي: يبتدأ التزين من أول السنة منتهيًا إلى
سنة آتية أول الحول غرة المحرم، وحاصله: إن الجنة في جميع السنة من أولها إلى
آخرها مزينة لأجل رمضان، وما يترتب عليه من كثرة الغفران، ورفع درجات
الجنان ما قبله وما بعده من الزمان، ولا يبعد أن يجعل رأس الحول مما بعد رمضان
ولعله إصطلاح أهل الجنة، ويناسبه كونه يوم عيد وسرور. ووقت زينة وحبور؛
قاله القاري.
قال ابن حجر: لعل المراد هنا بالحول: بأن تبتدئ الملائكة في تزيينها أول
شوال، وتستمر إلى أول رمضان، فتفتح أبوابها حينئذٍ؛ لِيَطّلِعَ الملائكة على ما لا
يَطَّلِعُونَ عليه قبل؛ إعلامًا لهم بعظم شرف رمضان، وشرف هذه الأمة ومجازاتهم
على صومهم بمثل هذا النعيم المقيم الظاهر الباهر. انتهى. (قَالَ) أي: النبيِ وَآل .
(هَبَّتْ) أي: هاجت. (رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ) أي: من تحت العرش، فنثرت رائحة
عطرة طيبة. قال ابن حجر: تحت العرش أي: في الجنة؛ لأن سقف الجنة عرش
الرحمن، كما في الحديث. وقيل: الظاهر: أن الريح تنزل من تحت العرش مبتدأ
باعتبار ظهورها في الجنة.
(مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أي: من ورق شجرها مبتدأ. (عَلَى الْحُورِ الْعِينِ) أي: منتشرة
على رؤوسهن. والحور جمع حوراء من الحَوَر بفتحتين: شدة بياض العين في شدة
(١٩٨٧) البَيْهَقِي (٣٦٣٣) في الشُّعَب فيه عن (ابن عمر).
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سوادها، والعين بكسر العين، جمع عَيْنَاء بفتحها من عَيِنَ يَعْيَن عَيَنًا، أي: عظم
سواد عينه في سعة. (مِنْ عِبَادِك) أي: الصالحين الصائمين القائمين. (تَقَرُّ) بفتح
القاف وتشديد الراء، أي: تتلذذ. (بِهِمْ) أي: بطلعتهم وصحبتهم. (أَعْيُنْنَا) أي:
أبصارنا قال الطيبي: هو من القر: بمعنى البرد، وحقيقة قولك: ((قر اللَّه عينه)) جعل
دمع عينه باردًا، وهو كناية عن السرور، فإن دمعته باردة، أو من القرار، فيكون
كناية عن الفوز بالبغية، فإن من فاز بها قر نفسه ولا يستشرف عينه إلى مطلوبه
لحصوله. والحديث ذكره العيني (ج ١٠ ص٢٦٩) والهيثمي (ج٣ ص ١٤٢) ونسباه
إلى الطبراني في ((الكبير)). وقالا: فيه الوليد بن الوليد القلانسي الدمشقي ضعفه
الدار قطني وغيره، ووثقه أبو حاتم بقوله: صدوق، ونسبه على المتقي في ((الكنز)
إلى الطبراني وأبي نعيم في ((الحلية))، والدارقطني في ((الأفراد)). والبيهقي في
((الشعب))، وتمام في ((فوائده)). وابن عساكر، وقال: فيه الوليد بن الوليد
الدمشقي. قال أبو حاتم: صدوق. وقال الدارقطني وغيره: متروك. انتهى.
وله شاهد من حديث أبي مسعود الغفاري أخرجه ابن خزيمة في ((صحیحه))،
وأشار إلى ضعفه كما سيأتي، والبيهقي من طريقه وضعفه، وأبو الشيخ في ((الثواب))
وأبو يعلى والطبراني، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي. قال ابن خزيمة: في
القلب من جرير بن أيوب شيء. وقال المنذري: جرير بن أيوب هذا واٍ. انتهى.
وقال العيني (ج١٠ ص٢٦٨) بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث منكر وباطل، وفي
سنده جرير بن أيوب البجلي كوفي كان يضع الحديث، قاله وكيع وأبو نعيم الفضل
ابن دكين. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري وأبو زرعة: منكر
الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. انتهى. قلت: أورد هذا الحديث ابن
الجوزي في ((الموضوعات))، وقال: هو موضوع، آفته جرير بن أيوب، واستدرك
عليه السيوطي. وقال صاحب ((الكنز)): لم يصب ابن الجوزي، وقال الشوكاني بعد
ذكر كلام ابن الجوزي المتقدم: وسياقه مما يشهد العقل بأنه موضوع، فلا معنى
لاستدراك السيوطي له على ابن الجوزي، بأنه قد رواه غير من رواه عنه ابن
الجوزي، فإن الموضوع لا يخرج عن كونه موضوعًا برواية الرواة. انتهى.
ولحدیث الباب شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره المنذري ونسبه للبيهقي وأبي
الشيخ ابن حيان، وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه.
كِتّابُ الصَّوْم
<<<= > <<<<<<< ><ea*
١٦٥
١٩٨٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ:
((يُغْفَرُ لِأَمَّتِهِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟
قَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
١٩٨٨ - قوله: (يُغْفَرُ لِأُمَّتِهِ) أي: لجميع الصائمين منهم.
قال الطيبي: هذا حكاية معنى ما تلفظ به مَ ثّ لا لفظه أي: الذي هو يغفر لأمتي.
قلت: الذي في مسند الإمام أحمد: ((يُغْفَرُ لَهُمْ))، وهكذا وقع عند غيره ممن خرج
هذا الحديث، فقوله: (لِأَمَّتِهِ)) من تصرف المصنف، والأولى أن يقول: لأمتي كما
يدل عليه أول الحدیث.
(فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ) قال القاري: وفي نسخة: ((مِنْ رَمَضَانَ)). قلت: هذا
اللفظ هاهنا من زيادة المصنف، زادها لتعيين الليلة؛ ولدلالة السياق عليها،
والمراد: مغفرته الكاملة ورحمته الشاملة، فلا ينافي ما سبق من أن أوسطه مغفرة.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لَا) أي: ليس سبب المغفرة كونها ليلة
القدر، بل سببها كونها آخر ليلة، ويمكن أن تكون غيرها من بقية ليالي العشر
الأخير. (وَلَكِنَّ) بالتشديد ويخفف. (الْعَامِلَ) أي: ولكن سببها إن العامل.
(إِنَّمَا يُوَفَّى) من التوفية أي : يعطي وافيًّا. (أَجْرَهُ) بالنصب على أنه مفعول ثان،
وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل، والمفعول الثاني مقدر، أي: إياه. (إِذَا
قَضَى عَمَلَهُ) أي : فرغ منه.
وقال الطيبي: قوله: (وَلَكِنَّ الْعَامِلَ ... )) الخ. استدرك لسؤالهم عن سبب
المغفرة كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة هي ليلة القدر سبب للغفران، فبين ولاية أن
سببها فراغ العبد من العمل وهو مطرد في كل عمل والله أعلم. انتهى.
(١٩٨٨) أَحْمَد (٢/ ٢٩٢) عنه.
١٦٦
ee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) هو طرف من حديث طويل أخرجه أحمد (ج٢ ص٢٩٢) والبزار
والبيهقي ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص١٠٨) وأبو الشيخ بن حيان في كتاب
((الثواب)) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وََّ (أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ
خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ: خُلُوفُ فَمَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ رِبِحِ
الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا وَيُزَيِّنُ اللـهُ رَنْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَتَهُ ثُمَّ يَقُولُ:
يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ المُؤْنَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكَ وَيُصَفَّدُ فِيْهِ
مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَخْلُصُوا إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ وَيُغْفَرُ لَهْمْ فِي آخِرٍ
لَيْلَةٍ))، الحديث.
قال الهيثمي (ج٣ ص ١٤٠): فيه: هشام بن(*) أبو المقدام وهو ضعيف، وأشار
المنذري إلى ضعف إسناده بتصديره بلفظة: (روي))، وإهمال الكلام عليه في
آخره. وله شاهد من حديث جابر عند البيهقي؛ ذكره المنذري بعد حديث
أبي هريرة هذا. وقال: إسناده مقارب أصلح مما قبله.
(*) هشام بن زياد من ((مجمع الزوائد)).
كِتّابُ الصَّوْم
١٦٧
١ - بَابُ رُؤِيَّةِ الْهِلَال
(بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ) أي: الأحكام المتعلقة بها. قال الزرقاني: الأكثر على أن
الهلال القمر في حالة خاصة. قال الأزهري: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر
هلالًا، وفي ليلة ست وسبع وعشرين أيضًا هلالا وما بين ذلك يسمى قمرًا وقال
الجوهري: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال
هو الشهر بعينه. قال الراغب: الهلال القمر في أول ليلة، والثانية، ثم يقال له:
القمر، ولا يقال له: هلال، انتهى.
الفصل الأول
١٩٨٩ - [١] عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: (لَا تَصُومُوا حَتَّى
تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ،
فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ))(*).
الشرح
١٩٨٩- قوله: (لَا تَصُومُوا) أي: في ثلاثي شعبان عن رمضان ففي رواية:
أن رسول اللَّه ◌َله، ذكر رمضان فقال: ((لَا تَصُومُوا)). (حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ) أي: هلال
رمضان، وهذا إذا لم یکمل شعبان ثلاثين يومًا، فیجب الصوم عن رمضان، وإن لم
يروا هلاله، ثم إنه يتعلق بالحديث أمور يجب التنبيه عليها. الأول: إن ظاهره
(١٩٨٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٠٦)، ومُسْلِم (٣/ ١٠٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصِّيَامِ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٠٧)، ومُسْلِم (١٠٨٠) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اشتراط رؤية الجميع من المخاطبین، لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك، بل
المراد: رؤية بعضهم وهو من يتحقق به الرؤية ويثبت. والمعنى: حتى يثبت
عندكم رؤية الهلال. قال الحافظ: ليس المراد: تعليق الصوم بالرؤية بعضهم،
وهو من يثبت به ذلك. أما واحد على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين،
ووافق الحنفية على الأول: إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم
وغيره، وإلا متى كان صحو، لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم. انتهى.
وسيأتي بسط الكلام فيه.
الثاني: أن ظاهره الصوم من وقت الرؤية، لكن ليس ذلك بمراد، كما أنه ليس
المراد الإفطار من وقت الرؤية، حتى يلزم أن يفطر قبل الغروب، إذا رأى الهلال
في ذلك الوقت. بل المراد: الإفطار والصوم على الوجه المشروع، فلا بد في كل
منهما من معرفة ذلك الوقت. قال الحافظ: ظاهر الحديث إيجاب الصوم حين
الرؤية متى وجدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل. وبعض
العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقًا .
انتھی .
قلت: فرق بين ما قبل الزوال وبعده الثوري وأبو يوسف، وروي ذلك عن عمر .
قال الباجي: لا خلاف بين الناس إنه إذا رئي بعد الزوال، فإنه لليلة القادمة. وأما
إذا رئي قبل الزوال، فإن مالكًا والشافعي وأباحنيفة وجمهور الفقهاء يقولون: إنه
لليلة القادمة؛ لحديث أبي وائل: أتانا كتاب عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض،
فإذا رأيتم الهلال نهارًا، فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس. وقال
الثوري وابن وهب وأبو يوسف وابن حبيب الماضية؛ لما رواه النخعي عن عمر:
إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعده فلا تفطروا وهذا مفصل،
والأول مجمل؛ لأنه قال: نهارًا، لكن قال ابن عبد البر: والأول أصح؛ لأنه متصل
والثاني منقطع، فالنخعي لم يدرك عمر. قال الباجي: قال أبو بكر بن الجهم: هذا
لا يثبت عن عمر، رواه شباك وهو مجهول، قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا رئي في
يوم ثلاثين، ولا يصح أن يكون قبل ذلك. انتهى. وبسط الكلام في ذلك الشامي
في ((رد المختار)) (ج ٢ ص ١٣٠) وابن رشد في ((البداية)) (ج١ ص١٩٤) وابن قدامة
في ((المغنى)) (ج٣ ص١٦٨).
١٦٩
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
الثالث: أنه جعل تحقق الرؤية غاية لعدم الصوم، فلو ثبتت الرؤية لليلة
الماضية؛ وجبت الصوم من حين ثبوتها. قال ابن قدامة (ج٣ ص١٣٣): إذا أصبح
مفطرًا يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية؛ لزمه الإمساك والقضاء في قول
عامة الفقهاء، إلا ما روي عن عطاء أنه يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم
أحدًا قاله غير عطاء .
الرابع: إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال
أي: إذا لم يكمل عدد الشعبان ثلاثين يومًا، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها قال
الحافظ: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، أي: على
منع الصوم في كل صورة لم ير فيها الهلال لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع
للمخالف شبهة، وهو قوله: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) فاحتمل أن يكون المراد :
التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو. وأما
الغيم، فله حكم آخر، ويحتمل أن لا تفرقة، ويكون الثاني مؤكدًا للأول وإلى
الأول، ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله:
(فَاقْدُرُوا لَهُ) قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا أي: انظروا في أول الشهر واحسبو
تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد، وهي ما
سيأتي من قوله: (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ) ونحوها، وأولى ما فسر الحديث
بالحدیث، انتھی.
وحاصل ذلك: أن النهي عن الصوم في ثلاثي شعبان حتى يروا الهلال عند
الجمهور مطلق يعم الصحو والغيم، وعند الحنابلة مقيد بحال الصحو. قال ابن
قدامة (ج٣ ص ٩٠): النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، وفي
الجملة: لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال، أو كمال شعبان ثلاثين يومًا، أو يحول
دون منظر الهلال غيم أو قتر. انتهى. وقد أشبع الكلام في ذلك الولي العراقي في
(طرح التثريب)) (ج ٤ ص ١٠٧، ١١٠) وسيأتي البسط منا في صوم يوم الشك في
شرح حديث عمار.
الخامس: قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أنه إذا رأى الهلال أهل بلد؛
لزم جميع البلاد الصوم؛ لأنه ليس المراد رؤية جميع المسلمين، بحيث يحتاج كل
١٧٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فرد إلى رؤيته، بل المعتبر رؤية بعضهم كما تقدم. والمعنى: لا تصوموا حتى
توجد فيما بينكم الرؤية وتتحقق، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل
البلاد، فيلزم الحكم. قال الحافظ: قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى
إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله:
(حتى تروه)) خطاب لأناس مخصوصين، فلا يلزم غيرهم ولكنه مصروف عن
ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد، فلا يتقيد بالبلد. وقد اختلف
العلماء في ذلك على مذاهب:
أحدها: لأهل كل بلد رؤیتهم، وفي ((صحيح مسلم)) من حدیث کریب عن ابن
عباس، ما يشهد له وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه
الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردى وجهًا للشافعية.
ثانيها: مقابله إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية،
لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافة وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية
فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت
رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين؛ لزمهم
الصوم .
وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة
إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد
الواحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان
الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبو الطيب وطائفة
الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي، وفي ضبط البعد أوجه:
أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في
((الروضة)) و((شرح المهذب)). ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي،
وصححه الرافعي في ((الصغير))، والنووي في ((شرح مسلم)). ثالثها: اختلاف
الأقاليم.
رابعها: حكاه السرخسي، فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاءه عنهم بلا عارض
دون غيرهم.
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٧١
خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم. انتهى كلام الحافظ .
قلت: الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر غير مسلم، كيف وقد ذهبت الحنابلة
وأكثر الحنفية والمالكية وبعض الشافعية إلى إلزام جميع البلاد الصوم والإفطار
برؤية أهل بلد، وإلى عدم اعتبار القرب والبعد بينها في ذلك، وإلى عدم اعتبار
اختلاف المطالع، فيلزم أهل المشرق الصوم والإفطار برؤية أهل المغرب، إذا
ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب.
وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين
مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلًا؛ لزم أهلهما الصوم
برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام، فلكل
أهل بلد رؤيتهم. قال في ((الدر المختار)): اختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر
المذهب وعليه أكثر المشائخ وعليه الفتوى، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل
المغرب؛ إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب - كأن يتحمل اثنان الشهادة،
أو يشهدا على حكم القاضي، أو يستفيض الخبر - وقال الزيلعي شارح ((الكنز)):
الأشبه أنه يعتبر، لكن قال الكمال: الأخذ بظاهر الرواية أحوط. انتهى. وهكذا في
((النهر الفائق)).
وقال في ((مراقي الفلاح)): إذا ثبت الهلال في بلدة؛ لزم سائر الناس في ظاهر
المذهب وعليه الفتوى، وهو قول أكثر المشائخ، فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة
صاموا تسعة وعشرين يومًا؛ لعموم الخطاب وهو ((صوموا لرؤيته)). وقيل: يختلف
- أي: الحكم - باختلاف المطالع - واختاره صاحب ((التجريد)) وغيره كما إذا
زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم، فالظهر على الأولين لا المغرب لعدم
انعقاد السبب في حقهم. انتهى ملخصًا.
وقال المفتي أبو السعود في ((شرح مراقي الفلاح)»: قوله: کما ذهب إليه صاحب
((التجريد)) وهو الأشبه؛ لأن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف
الأقطار، كما في دخول الوقت وخروجه، وهذا مثبت في علم الأفلاك والهيئات،
وأقل ما تختلف به المطالع مسيرة شهر كما في ((الجواهر)). انتهى ملخصًا. وفي
((التتار خانية)): أهل بلدة إذا رأوا الهلال، هل يلزم في حق كل بلدة؟ اختلف
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
المشائخ فيه فبعضهم قالوا: لا يلزمه. فإنما المعتبر في حق أهل بلدة رؤيتهم، وفي
الخانية لا عبرة باختلاف المطالع في ظاهر الرواية، وفي ((القدوري)): إن كان بين
البلدتين تفاوت تختلف به المطالع لا يلزمه، وذكر الشيخ شمس الأئمة الحلواني
أنه الصحيح من مذهب أصحابنا. انتهى. وقال الزيلعي في ((شرح الكنز)): أكثر
المشائخ على أنه لا يعتبر باختلاف المطالع. والأشبه أن يعتبر؛ لأن كل قوم
مخاطبون بما عندهم. وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف
الأقطار. والدليل على اعتباره: ما روى عن كريب، أن أم الفضل بعثته إلى معاوية
... الحديث. انتهى. وقال في مختارات النوازل: أهل بلدة صاموا تسعة
وعشرين يومًا بالرؤية، وأهل بلدة أخرى صاموا ثلاثين يومًا بالرؤية، فعلى الأولين
قضاء يوم إذا لم تختلف المطالع بينهما، وأما إذا اختلفت لا يجب القضاء. انتهى.
وقال ابن عابدين: اعلم أن نفس اختلاف المطلع لا نزاع فيه، بمعنى: أنه قد
يكون بین البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى
وكذا مطالع الشمس؛ لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف
الأقطار، حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب، وكذا
طلوع الفجر وغروب الشمس، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك طلوع فجر
لقوم وطلوع شمس لآخرين، وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم، كما في
((الزيلعي)). وقدر البعد الذي تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر، على ما في
القهستاني عن ((الجواهر))، وإنما الخلاف في اعتبار المطالع بمعنى: أنه هل يجب
على كل قوم مطلعهم، ولا يلزم أحدًا العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها بل
يجب العمل بالأسبق رئي حتى لو رؤى في المغرب ليلة الجمعة، وفي المشرق ليلة
السبت، وجب على أهل المشرق العمل بما رآه أهل المغرب؟ فقيل بالأول
واعتمده الزيلعي وصاحب ((الفيض)) وهو الصحيح عند الشافعية؛ لأن كل قوم
مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة وأيده في ((الدرر)) بما مر من عدم
وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما، وظاهر الرواية الثاني وهو المعتمد عندنا
وعند المالكية والحنابلة لتعلق الخطاب عامًّا بمطلق الرؤية في حديث: ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ)) بخلاف أوقات الصلاة. انتهى.
قلت: لا مناص من اعتبار اختلاف المطالع في باب الصوم أيضًا، وقد أضطر
١٧٣
كِتّابُ الضَّوْمِ
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
إلى الاعتراف به صاحب ((فتح الملهم)) حيث قال: بعد تقوية مذهب عامة الحنفية
أي: القول بعدم اعتباره ما لفظه: نعم، ينبغي أن يعتبر اختلافها إن لزم منه التفاوت
بين البلدتين بأكثر من يوم واحد؛ لأن النصوص مصرحة بكون الشهر تسعة
وعشرين أو ثلاثين، فلا تقبل الشهادة، ولا يعمل بها فيما دون أقل العدد ولا في
أزيد من أكثره. انتهى. وقال صاحب ((العرف الشذي)): في عامة كتبنا أنه لا عبرة
الاختلاف المطالع في الصوم. وأما في فطر كل يوم والصلوات الخمس وكذا
الحج والأضحية فيعتبر اختلاف المطالع.
وقال الزيلعي ((شارح الكنز)): إن عدم عبرة اختلاف المطالع، إنما هو في البلاد
المتقاربة لا النائية. وقال كذلك في تجريد القدوري وقال به الجرجاني. أقول:
لا بد من تسليم قول الزيلعي، وإلا فيلزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين، أو
الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين أو الثاني والثلاثين. فإن هلال بلاد
قسطنطينية ربما يتقدم على هلالنا بيومين، فإذا صمنا على هلالنا، ثم بلغنا رؤية
هلال بلاد قسطنطينة يلزم تقديم العيد، أو يلزم تأخير العيد، إذا صام رجل من بلاد
قسطنطينية، ثم جاءنا قبل العيد. انتهى.
وقال في ((حاشية شرح الإقناع)) من فروع الشافعية: وتثبت رؤيته في حق من لم
يره ممن مطلعه موافق مطلع محل الرؤية، بأن يكون غروب الشمس والكواكب
وطلوعها في البلدين في وقت واحد، فإن غرب شيء من ذلك أو طلع في أحد
البلدين قبله في الآخر لم يجب على من لم يره برؤية البلد الآخر، وهذا أمر مرجعه
إلى طول البلد وعرضها، سواء قربت المسافة أو بعدت. نعم متى حصلت الرؤية
للبلد الشرقي؛ لزم رؤيته في البلد الغربي دون عكسه، كما في مكة المشرفة
ومصر، فيلزم من رؤيته بمكة في مصر لا عكسه؛ لأن رؤية الهلال من أفراد
الغروب، انتھی.
قلت: قد استدل من اعتبر اختلاف المطالع في باب الصوم بما روى أحمد
ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم عن كريب، أن أم الفضل بعثته إلى
معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا
بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقال: رأيناه ليلة
الجمعة فقال: أنت رأيته فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال:
لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: ألا
تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول اللَّه وَ ل. قال النووي:
هذا الحديث ظاهر الدلالة على أنهم إذا رأوا، الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد
عنهم. قال: وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض،
وعلى هذا إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة، فلا تثبت بواحد لكن
ظاهر حديثه، أنه لم يرده لهذا أو إنما رده؛ لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق
البعید. انتهى.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: ((هكذا أمرنا رسول اللّه وَّ) يحتمل
أن المراد به: أنه أمرنا أن لا نقبل شهادة الواحد في حق الإفطار، أو أمرنا أن نعتمد
على رؤية أهل بلدنا، ولا نعتمد على رؤية غيرهم، وإلى المعنى الثاني تميل ترجمة
المصنف - اختلاف أهل الآفاق في الرؤية - وغيره - كالترمذي وأبي داود والمجد
ابن تيمية - لكن المعنى الأول محتمل، فلا يستقيم الاستدلال، وكأنهم رأوا أن
المتبادر هو الاحتمال الثاني، فبنوا عليه الاستدلال والله تعالى أعلم. وأطال
الشوكاني الكلام في الجواب عن هذا الاستدلال، وتعقبه بوجوه من شاء الوقوف
علیها رجع إلى ((النيل))، وقد ذكر كلامه شيخنا في «شرح الترمذي)) وسكت علیه،
وعندي كلام الشوكاني مبني على التحامل، يرده ظاهر سياق الحديث. والشام في
جهة الشمالية من المدينة مائلاً إلى المشرق، وبينهما قريب من سبعمائة ميل.
فالظاهر: أن ابن عباس رَؤُلَهُ إنما لم يعتمد على رؤية أهل الشام، واعتبر اختلاف
المطالع لأجل هذا البعد الشاسع، واختلف القائلون باعتبار اختلاف المطالع في
تحديد المسافة التي يعتبر فيها اختلاف المطالع، وأكثر الفقهاء على أنها مسيرة شهر
كما تقدم، وفي تحديد هذه المسافة بالميل إشكال لا يخفى، وينبغي أن يرجع
لذلك إلى علم الهيئة الجديدة، ويعتمد على الجغرافيا الحديثة. وقد قالوا: إن كان
الهلال في بلد على ارتفاع ثمان درجات من الأفق عند غروب الشمس يعني: إن
كان ارتفاعه من الأفق عند غروبها، بحيث أنه لا يغرب إلا في اثنتين وثلاثين دقيقة،
فلا بد أن يكون فوق الأفق في جميع البلاد الشرقية إلى خمسمائة ميل وستين ميلًا
١٧٥
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلالِ
من ذلك البلد، ويرى في جميع هذه البلاد الشرقية الكائنة في هذه المسافة الطويلة
لو لا المانع من الغيم والقتر ونحوهما، قالوا: يزيد أو ينقص درجة واحدة على كل
سبعين ميلًا، فيكون الهلال على ارتفاع سبع درجات في موضع هو على سبعين ميلاً
في المشرق من بلد الرؤية، وعلى تسع درجات في موضع هو على سبعين ميلاً في
المغرب من بلد الرؤية، فإذا حصلت رؤية الهلال في بلد وثبتت يكون تحقق الرؤية
في البلاد الواقعة في المغرب من ذلك البلد من مسلمات علم الهيئة. وقد ظهر
بهذا أن الهلال إذا رئي في بلد عربي ينبغي أن تعتبر هذه الرؤية إلى خمسمائة ميل
وستين ميلًا في جهة المشرق من ذلك البلد، وأما في البلاد الغربية منه فتعتبر مطلقًا
أي: من غير تقييد بمسافة معينة والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُفْطِرُوا) أي: من صومه. (حَتَّى تَرَوْهُ) أي: هلال شوال. قال الحافظ:
استدل بالحديث على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده، وإن لم
يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم. واختلفوا في الفطر: فقال
الشافعي: يفطر ويخفيه أي: لئلا يتهم. وقال الأكثر: يستمر صائمًا احتياطًا.
انتھی .
وقال في ((المغني)) (ج ٣ ص ١٦٠): ولا يفطر إذا رآه وحده، وروى هذا عن مالك
والليث. وقال الشافعي: يحل له أن يأكل حيث لا يراه أحد؛ لأنه يتقنه من شوال،
فجاز له الأكل، كما لو قامت به بينة. ولنا ما روى أبورجاء عن أبي قلابة أن رجلين
قدما المدينة، وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمر، فذكرا ذلك له
فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم
أكن لأصوم، وقد رأيت الهلال. وقال للآخر، قال: أنا صائم؟ قال: ما حملك
على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام، فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا
لأوجعت رأسك، ثم نودي في الناس أن أخرجوا. أخرجه سعيد بن منصور عن ابن
علية عن أيوب عن أبي رجاء. وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب؛
لكمال الشهادة به وبصاحبه، ولو جاز له الفطر؛ لما أنكر عليه ولا توعده. وقالت
عائشة: إنما يفطر يوم يفطر الإمام وجماعة المسلمين، ولم يعرف لهما مخالف في
عصرهما فكان إجماعًا، ولأنه يوم محكوم به من رمضان، فلم يجز الفطر فيه
كاليوم الذي قبله، وفارق ما إذا قامت البينة، فإنه محكوم به من شوال بخلاف
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسألتنا، وقولهم: إنه تيقن أنه من شوال. قلنا: لا يثبت اليقين؛ لأنه يحتمل أن
يكون الرائي خيل إليه، كما روي أن رجلًا في زمن عمر قال: لقد رأيت الهلال،
فقال له: امسح عينك فمسحها، ثم قال له: تراه؟ قال: لا، قال: لعل شعرة من
حاجبك تقوست على عينك، فظننتها هلالًا، أو ما هذا معناه. انتهى.
وقال الحنفية: يصوم في الصورتين؛ احتياطًا كما في ((الهداية)). قلت: يؤيد
قول الجمهور ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: ((الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ
يُضَحِّي النَّاسُ)) أخرجه الترمذي وصححه والدار قطني. وقال الصواب: وقفه.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بضم المعجمة وتشديد الميم أي: غطى الهلال في ليلة الثلاثين.
قال الجزري في ((النهاية)): يقال: غم علينا الهلال؛ إذا حال دون رؤيته غيم، أو
نحوه من غممت الشيء؛ إذا غطيته، وفي ((غم)) ضمير الهلال، ويجوز أن يكون
((غم)) مسندًا إلى الظروف أي: الجار والمجرور أي: فإن كنتم مغمومًا فأكملوا
العدة. انتهى. وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم: ((أَغْمِيَ عَلَيْكُمْ))، قال الحافظ :
أغمى وغم وغمي بتشديد الميم وتخفيفها، فهو مغموم الكل بمعنى. وقال الجزري
في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص٥٣٨): يقال: غُمَّ الهلال وأغمِيَ وغُمِّيَ؛ إذ أغطاه
شيء من غيم أو غيره فلم يظهر انتهى. وقال ابن العربي: بناء غم للستر والتغطية
ومنه الغم، فإنه يغطي القلب عن استرساله في آماله، ومنه الغمام: وهي السحابة.
(فَاقْدُرُوا لَهُ) بهمزة الوصل وضم الدال وكسرها. قال الشوكاني: قال أهل
اللغة: يقال: قدرت الشيء أقدره وأقُدره بكسر الدال وضمها وقدرته وأقدرته كلها
بمعنى واحد وهي من التقدير. وقال الجزري في ((جامع الأصول)): يقال: قَدَرْتُ
الأمر أقُدره وأُقَدِّره؛ إذا نظرت فيه ودبرته، والمعنى: قدروا عدد الشهر حتى
تكملوه ثلاثين يومًا. وقال الخطابي في ((المعالم)): معناه: التقدير له بإكمال العدد
ثلاثين، يقال: قدرت الشيء أقدره قدرًا بمعنى: قدَّرته تقديرًا، ومنه قوله تعالى:
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ اُلْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، انتهى. واختلف في معنى هذا اللفظ على ثلاثة
قوال :
الأول: أن معناه: اقدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا أي: اقدروا عدد الشهر الذي
كنتم فيه ثلاثين يومًا يعني: انظروا في أول الشهر، واحسبوا ثلاثين يومًا، كما جاء
١٧٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
مفسرًا في الرواية اللاحقة، وفي حديث أبي هريرة الذي يليها. ولذا أخرهما
المؤلف؛ لأنهما مفسران وأولى ما فسر الحديث بالحديث. وهذا مذهب
الجمهور كما تقدم في كلام الحافظ. وقال العيني: وهو مذهب جمهور فقهاء
الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم: مالك والشافعي والأوزاعي
والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وعامة أهل الحديث إلا أحمد ومن قاله بقوله.
انتھی .
الثاني: إن معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب. قال ابن قدامة: (ج٣
ص٩٠): معنى قوله: ((اقْدُرُوا لَهُ)) أي: ضيقوا له العدد، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق عليه، وقوله: ﴿يَسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]
ج
والتضييق له: أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسره ابن عمر بفعله يعني :
لأنه كان يصوم ذلك اليوم وهو راويه، وأعلم بمعناه. انتهى. واختار هذا التفسير
أكثر الحنابلة وغيرهم ممن يجوز الصوم يوم ليلة الغيم عن رمضان، كما في
((المغنى)) (ج ٣ ص٨٩) ويكفي في رد ذلك الأحاديث المفسرة المبينة، والروايات
المصرحة بالثلاثين وقد سردها الولي العراقي (ج٤ ص١٠٦، ١٠٩) والعيني
(ج ١٠ ص ٢٧٢) وأشار إلى بعضها الحافظ، كما سيأتي وفعل ابن عمر اجتهاد منه
مخالف لأحاديث إكمال العدة ثلاثين يومًا .
الثالث معناه: فاقدروه بحساب المنازل قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية
ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة. قال ابن عبد البر: لا يصح عن
مطرف، وإن صح ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له، وأما
ابن قتيبة، فلا يعرج إليه في مثل هذا. ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله:
(فَاقْدُرُوا لَهُ) خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: ((فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ))
خطاب للعامة. قال ابن العربي : فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب
على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد
عن النبلاء وبسط الكلام في الرد على هذا القول. قال المازري: احتج من قال:
معناه بحساب المنجمين بقوله تعالى: ﴿ وَبِلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٧] والآية عند
الجمهور محمولة على الاهتداء في السير في البر والبحر. قال النووي: عدم البناء
على حساب المنجمين؛ لأنه حدس وتخمين، وإنما يعتبر منه ما يعرف به القبلة
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
والوقت. انتهى.
قلت: ويرد هذا القول حديث ابن عمر الآتي: إِنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب
وقوله وَّر بالخطاب العام: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ))، وقوله في نفس
الحديث: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ)). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً))
ظاهره: حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فیه بل قد یکون ثلاثین.
وأجيب بما قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٩٣): يريد أن الشهر قد يكون تسعًا
وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون. وإنما احتاج إلى بيان ما كان
موهومًا أن يخفى عليهم؛ لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن
يكون البيان فيه مصروفًا إلى النادر دون المعروف منه. انتهى. وقال الحافظ :
واللام للعهد والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب؛ لقول ابن
مسعود: ما صمنا مع النبي ◌َّ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. أخرجه أبو
داود والترمذي ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد، ويؤيد قول الخطابي قوله
في حديث أم سلمة في الإِيلاء: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)).
وقال ابن العربي: قوله: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا)) معناه: حصره من
جهة أحد طرفيه أي: أنه يكون تسعة وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره،
فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن
اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله. انتهى. وفيه: حث على طلب
الهلال ليلة الثلاثين، وتنبيه على ترائيه لتسع وعشرين. (فَلَا تَصُومُوا) أي: على
قصد رمضان. (حَتَّى تَرَوْهُ) أي: هلاله. (فَإِنْ غُمَّ) أي: هلاله. (عَلَيْكُمْ) بغيم
ونحوه. (فَأَكْمِلُوا) أي: أتموا. (الْعِدَّةَ) مفعول به أي: عدة شعبان، كما في حديث
أبي هريرة الآتي. (ثَلاثِينَ) أي: يومًا وهو منصوب على الظرف. وقيل: التقدير:
أكملوا هذه العدة، و((ثلاثين)) بدل منه بدل الكل كذا في ((المرقاة)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) الرواية الأولى أخرجها الشيخان وأخرجها أيضًا أحمد (ج٢ ص٦٣)
ومالك والنسائي والدارمي والبيهقي والرواية الثانية تفرد بها البخاري وأخرجها
مسلم وأحمد (ج٢ ص٥، ١٣) ومالك أيضًا وأبو داود والبيهقي والدارمي،
وقالوا: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ))، ورواها الدار قطني وقال: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
١٧٩
فَصُومُوا ثَلاثِينَ))، والحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم أيضًا. قال الحافظ: حديث
ابن عمر اتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله: ((فَاقْدُرُوا لَهُ»، وجاء من وجه
آخر عن نافع بلفظ: ((فَاقْدُرُوا ثَلاثِينَ» كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيدالله بن
عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع. قال عبد
الرزاق: وأخبرنا عبد العزيزِ بن أبي رواد عن نافع، وقال: ((فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ)) واتفق
الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضًا فيه على قوله: ((فَاقْدُرُوا لَهُ))، وكذلك
رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي، وكذا رواه إسحاق الحربي وغيره في ((الموطأ)»
عن القعنبي، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزني عن الشافعي فقال فيه كما قاله
البخاري هنا عن القعنبي: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ)). قال البيهقي في
((المعرفة)) وفي ((السنن الكبرى)) (ج٤ ص ٢٠٥): إن كانت رواية الشافعي والقعنبي
من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك، قد رواه على الوجهين.
قلت - قائلة الحافظ: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه، فله متابعات منها ما
رواه الشافعي أيضًا من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين، ومنها: ما رواه ابن
خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ : ((فَإِنَّ غُمَّ
عَلَيْكُمْ فَكَمِّلُوا ثَلاثِينَ))، وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة
وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وعن أبي بكرة وطلق بن علي عند
البيهقي وأخرجه من طرق عنهم وعن غيرهم. انتهى كلام الحافظ.
١٩٩٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَخْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه :
((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ
ثَلَاثِینَ».
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
١٩٩٠ - قوله: (صُومُوا) أي: انووا الصيام، وبيتوا على ذلك، أو صوموا
(١٩٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٠٩)، ومُسْلِم (١٨ / ١٠٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِهِ.