النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٩٧٣ - [٧] عَنْ عُمَيْرِ مَوْلَى آبِي اللَّحْمَ قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَاي أَنْ أُقَدِّدَ
لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ إِ لهَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: ((لِمَ ضَرَبْتَهُ؟)) قَالَ: يُعْطِي
طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا)). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنْتُ
مَمْلُوكًّا فَسَأَلَّتُ رَسُولَ اللَّهِ اَلِ: أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالٍ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
الْشَّرُْ
١٩٧٣ - قوله: (عَنْ عُمَيْرٍ) بالتصغير. (مَوْلَى آبِى اللَّحْم) بهمزة ممدودة
وكسر الباء أي: مملوكه وقد تقدمً ترجمتهما. (أُقَدِّدَ لَحْمًا) أي: أقطعه بضم الهمزة
وكسر الدال المشددة من القد وهو الشق طولًا. (فَأَطْعَمَتْهُ) أي: أعطيته. (يُعْطِي
طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمَرَهُ) أي: بغير إذني إياه.
(فَقَالَ: الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا) أي: إن رضيت بذلك يحل له إعطاء مثل هذا مما يجري
فيه المسامحة، وليس المراد: تقرير العبد على أن يعطي بغير رضى المولى.
قال الطيبي أخذًا من التوربشتي: لم يرد به إطلاق يد العبد، بل كره صنيع مولاه
في ضربه على أمر تبين رشده فيه، فحث السيد على اغتنام الأجر والصفح عنه،
فهذا تعليم وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد، انتهى.
وقال النووي: هذا محمول على أن عمير تصدق بشيء ظن إن مولاه يرضى به،
ولم يرض به مولاه فلعمير أجر؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنية الطاعة ولمولاه
أجر، لأن ماله أتلف عليه، وقوله: ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا)) ليس معناه أن الأجر الذي
(١٩٧٣) مُسْلِم (١٠٢٥) في البِرِّ والصِّلَة عنه. وفي رواية له: كنت مملوكًا فسألتُ رسولَ اللهِ وَل :
أتصدَّقُ مِن مالٍ مولاي بشيءٍ؟! قال رَّه: ((نَعَمْ، والأَجْرُ بَيْنَكُمَا)).
كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابَ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
١٢١
لأحدهما يزدحمان فيه، وإن أجر نفس المال يتقاسمانه، بل معناه أي: لكل منكما
أجر يعني: إن هذه الصدقة التي أخرجها المملوك بإذن المالك يترتب على جملتها
ثواب على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما لهذا نصيب بماله،
ولهذا نصيب بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله ولا يزاحم
العامل صاحب المال في نصيب ماله.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: لمسلم. (قَالَ) أي: عمير. (كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ
مَّ أَتَصَدَّقُ) كذا في جميع النسخ وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) وفي
((صحيح مسلم))، ((أأتصدق)) بزيادة همزة الاستفهام. (مِنْ مَالٍ مَوَالِيَّ) بتشديد الياء
وفي بعض النسخ من ((صحيح مسلم)) ((مولاي)) بفتح الياء وبلفظ الإفراد، وكذا وقع
في ((جامع الأصول)). (بِشَيْءٍ) أي: تافه أو مأذون فيه عادة.
قال النووي: هذا محمول على أنه استأذن في الصدقة بقدر یعلم رضا سيده به .
(قَالَ: نَعَمْ وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانٍ) قال النووي: معناه قسمان وإن كان أحدهما
أكثر كما قال الشاعر :
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ
وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضل من الله
تعالى ولا يدرك بالقياس ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
والمختار الأول، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة، والرواية الأولى أخرجها النسائي أيضًا في الزكاة،
وأخرج البيهقي فيه الروايتين.
١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩ - بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ في الصَّدَقَةِ
(بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ) أي: لا حقيقة ولا صورة.
الفصل الأول
١٩٧٤ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ،
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: ((لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكُهُ
بِدِرْهَم؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِ كَالْعَائِدِ فِي
قَيْئِهِ))(*).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
W O
الْشَّرْجُ
١٩٧٤ - قوله: (حَمَلْتُ) بتخفيف الميم أي: أركبت رجلًا. (عَلَى فَرَسٍ)
يعني: تصدقت به عليه ليغزو عليه. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال الطيبي: أي: جعلت فرسًا
حمولة من لم يكن المجاهدين وتصدقت بها عليه. وقال الباجي: الحمل عليها في
سبيل الله على وجهين: أحدهما: أن يعلم من فيه النجدة والفروسية فيهبه له
ويملكه إياه؛ لما يعلم من نجدته ونکایته للعدو، فهذا يملكه الموهوب له ويتصرف
فيه بما يشاء من بيع وغيره. والوجه الثاني: وهو الأظهر أن يكون دفعه إلى من يعلم
(١٩٧٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٣٠٠٣) فِي الجِهَادِ، مُسْلِم (٢/ ١٦٢٠) فِ الفَرَائِضِ.
(*) الْبُخَارِي (١٤٩٠) فِي الزَّكَاةِ، مُسْلِم (٧/ ١٦٢٢) فِي الفَرَائِضِ.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابَ مَنْ لَا يَعُودُ في الصَّدقةِ
*** ExSec*EX
١٢٣
من حاله مواظبة الجهاد في سبيل الله التحبيس له فهذا ليس للموهوب له أن یبیعه،
انتهى. وفي رواية ابن عمر عند البخاري وغيره: أن عمر تصدق بفرس في
سبيل الله. قال الحافظ: أي: حمل عليه رجلًا في سبيل الله كما في الراوية
الأخرى، والمعنى: أنه ملَّكَهُ له، ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من كان عمر قد
حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق
وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم ويدل
على أنه حمل تمليك قوله: ((وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)) ولو كان حبسًا لعلَّله به. وقال ابن
عبد البر: أي: حمله على فرس حمل تمليك فله أن يفعل فيه ما شاء في سائر
أمواله، انتهى. وكان اسم هذا الفرس فيما ذكره ابن سعد في ((الطبقات)): الورد،
وكان لتميم الداري فأهداه للنبي وَ لّ فأعطاه لعمر، ولم يعرف الحافظ اسم الرجل
الذي حمله عليه. (فَأَضَاعَهُ) أي: الفرسَ الرجلُ.
(الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسقي، وإرساله للرعي
حتى صار كالشيء الضائع الهالك. قال الباجي: قوله: (أَضَاعَهُ) يحتمل أمرين
أحدهما: أنه أضاعه بأن لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته، ویبعد مثل
هذا في أصحاب النبي وَّر، إلا أن يوجب هذا أمر، ويحتمل أن يريد به: صيره
ضائعًا من الهزال لفرط مباشرة الجهاد ولإتعابه له في سبيل الله تعالى. قال
الحافظ: وقيل: لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل: معناه استعمله في
غير ما جعل له، والأول أظهر لرواية مسلم ((فوجده قد أضاعه وكان قليل المال)).
(وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ) بضم الراء وسكون الخاء مصدر رخص الشيء من
كرم ضد غلا فهو رخيص، وهذا إما لتغير الفرس وضياعه؛ أو لأنه حان الرخص في
سوق الفرس، أو لكونه منعمًا عليه. (فَسَأَلَتُ النَّبِيِّ ◌َّهِ﴾ أي: عن ذلك. (لَا تَشْتَرِهِ)
بهاء الضمير أو السكت، وظاهر النهي: التحريم، لكن الجمهور: على أنه للتنزيه،
وأشار عليه الصلاة والسلام إلى العلة في نهيه عن الابتياع بقوله: ((وَلَا تَعُدْ فِي
صَدَقَتِك)) أي: لا تعد فيها لا بشراء ولا بغيره من سائر التملكات كالهبة، فهو من
عطف العام على الخاص. (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم) هو مبالغة في رخصه وهو الحامل
له على شرائه، وهذا متعلق بقوله: ((لَا تَشْتَرِهِ)) أي: لا ترغب فيه البتة ولا تنظر إلى
رخصه، ولكن أنظر إلى أنه صدقتك.
١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر
الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن
المتصدق علیه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه، فیکون کالعائد
في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فيه. وقال الحافظ: سمى شراءه برخص
عودًا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص
فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص
لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه،
انتھی .
قال النووي: قوله: ((لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك)) هذا نهي تنزيه لا تحريم؛
فيكره لمن تصدق بشيء، أو أخرجه في زكاة، أو كفارة، أو نذر، أو نحو ذلك من
القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إلیه، أو یتهبه أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه
منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث، ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة،
هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته
للتحريم، انتهى. قلت: قد حكى العراقي في ((شرح الترمذي)) كراهة شرائه من
ثالث انتقل إليه من المتصدق به عليه عن بعضهم؛ لرجوعه فيما تركه لله كما حرم
علی المهاجرین سكنی مکة بعد هجرتهم منها لله تعالى. وقال ابن قدامة (ج٢
ص٦٥١): ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن نقض البيع صارت إليه، وروي ذلك
عن الحسن، وهو قول قتادة ومالك.
قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع. وقال الشافعي وغيره: يجوز
لقول النبي وَ ل﴾ ((لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: رَجُلِ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ ... ))، ولنا ما
روى عمر أنه قال: ((حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ ... ) الحديث. وحديثهم عام،
وحديثنا خاص صحيح فالعمل به أولَى من كل وجه، انتهى مختصرًا. وقد تقدم
كلامه بتمامة في شرح حديث عطاء بن يسار في الفصل الثاني، من باب: من لا
تحل له الصدقة. (فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْئِةٍ) شبه العائد في
صدقته بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويرًا للتهجين وتنفيرًا منه، قال في
((المصابيح)): وفي ذلك دليل على المنع من الرجوع في الصدقة؛ لما اشتمل عليه
كِتَابُ الرَّكاةِ
التي
بَابُ مَنْ لَا يَعُودَ في الصَّدَقةِ
١٢٥
من التنفير الشديد من حيث شبه الراجع بالكلب، والمرجوع فيه بالقيء والرجوع
في الصدقة برجوع الكلب في قيئه، انتهى.
وجزم بعضهم بالمحرمة. قال قتادة: لا نعلم القيء إلا حرامًا. قال القسطلاني:
والصحيح أنه للتنزيه؛ لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم إذ لا تكليف عليه،
فالمراد: التنفير من العود بتشبيهه بهذا المستقذر، انتهى. قلت: القول الراجح
عندي: هو ما ذهب إليه بعض العلماء من تحريم الرجوع في الصدقة؛ لأن الحديث
ظاهر في التحريم، والتأويل المذكور بعيد جدًّا منافر لسياق الحديث، لا سيما
الرواية الثانية وعرف الشرع في مثل هذه العبارة الزجر الشديد، كما ورد النهي في
الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب ونحو ذلك، ولا يفهم من
المقام إلا التحريم، والتأويل البعيد مما لا يلتفت إليه.
(وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِه))) الفاء
للتعليل أي: كما يقبح أن يقيئ ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشيء، ثم يجره إلى
نفسه. قال الحافظ: استدل به على تحريم ذلك؛ لأن القيء حرام. قال القرطبي:
وهذا هو الظاهر من سياق الحديث، ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون
القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر. وقال في موضع آخر: حمل الجمهور هذا النهي
في صورة الشراء على التنزيه، وحمله قوم على التحريم. قال القرطبي وغيره: وهو
الظاهر، ثم الزجر المذكور مخصوص بالصورة المذكورة وما أشبهها لا ما إذا رده
إليه الميراث مثلًا كما سيأتي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ظاهره أن الروايتين عند الشيخين، وليس الأمر كذلك؛ فإن الرواية
الثانية من أفراد البخاري لم يخرجها مسلم، والحديث أخرجه البخاري في الزكاة
والهبة والجهاد، ومسلم في الهبة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٥، ٣٧، ٤٠،
٥٤) ومالك والترمذي والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في الهبة كلهم من حديث
زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، وأخرج هذه القصة الجماعة من حديث ابن عمر
أيضًا.
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٧٥ - [٢] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ وَهِ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ:
(وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ)). قَالَتْ: يَا رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا
صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((صُومِي عَنْهَا)). قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطَّ
أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٩٧٥ - قوله: (إِذ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ) لم يعرف اسمها. (تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ)
أي: ملكتها لها صدقة. (وَإِنَّهَا) أي: أمي. (مَاتَتْ) وتركت تلك الجارية، فهل
آخذها وتعود في ملكي بالميراث، أم لا؟ (وَجَبَ أَجْرُكِ) أي: ثبت أجرك عند الله
بالصلة. (وَرَدَّهَا) أي: الجارية. (عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ) أي: رجع عليك بسبب لا دخل
لك فيه، فلا يكون سببًا لنقصان الأجر في الصدقة.
وقال القاري: النسبة مجازية أي: ردها اللَّه عليك بالميراث، وصارت الجارية
ملكًا بالإرث وعادت لك بالوجه الحلال، والمعنى: أن ليس هذا من باب العود في
الصدقة؛ لأنه ليس أمرًا اختياريًّا. قال النووي: في الحديث أن من تصدق بشيء،
ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه بخلاف ما إذا أراد شراءه، فإنه يكره لحديث
فرس عمر رَضَِّهُ، انتهى. وقال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق
بصدقة على قريبة، ثم ورثها حلت له، وقيل: يجب صرفها إلى فقير؛ لأنها صارت
حقًّا لله تعالى، انتهى. وهذا تعليل في معرض النص فلا يقبل ولا يعقل. (إِنَّهُ)
الشأن .
(كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) لم يبين إنه صوم رمضان، أو نذر، أو كفارة. (أَفَأَصُومُ
عَنْهَا؟) وفي رواية لأحمدً: ((فيجزئ أن أصوم عنها)). (قَالَ: صُومِي عَنْهَا) فيه: دليل
على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم كان، وبه قال أصحاب
(١٩٧٥) مُسْلِم (١٥٧ /١١٤٩) فِي الصَّوْمِ بِتَمَامِهِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٦٣١٥) فِ الفَرَائِضِ بِبَعْضِهِ،
كِلَاهُمَا عَنْهُ.
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا يَعُودُ في الصَّدَقةِ
١٢٧
الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبو ثور خلافًا للجمهور.
قال السندي: قوله: ((وَعَلَيْهَا صَوْمُ). إطلاقه يشمل الفرض، والنذر، وخصه
الإمام أحمد بالنذر، وقد أخذ بعض أهل العلم بإطلاقه، منهم طاوس وقتادة
والحسن والزهري وأبو ثور في رواية داود، وهو قول الشافعي القديم. قال
النووي: وهو المختار ورجحه البيهقي، وقال: لو اطلع الشافعي على جميع طرق
الحديث لم يخالف إن شاء الله تعالى، ومن يقول به يدعي النسخ بأدلة غير تامة،
ومنهم من يقول: معنى ((أفأصوم عنها)): أفأفدي عنها؟ تسمية الفداء صومًا؛ لكونه
بدلًا عن الصوم وكل ذلك غير تام، والله أعلم، انتهى. وسيأتي بسط الكلام في
هذه المسألة في باب: القضاء من كتاب الصوم.
(قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا) أي: سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا ، قال ابن
الملك: يجوز أن يحج أحد عن الميت بالاتفاق. وقال النووي: فيه: دلالة ظاهرة
لمذهب الشافعي والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت، وسيجيء مزيد
الكلام في أوائل كتاب المناسك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصيام وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٣٤٩ - ٣٥١ - ٣٥٩ -
٣٦١) والترمذي في الزكاة وأبو داود فيه وفي الوصايا وابن ماجه في الصوم وفي
الصدقات مقطعًا. هذا آخر كتاب الزكاة.
١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
DO
-
٧ - كِتَابُ الصّوم
(كِتَابُ الصَّوْم) الصوم والصيام في اللغة: الإمساك مطلقًا، قال أهل اللغة: صام
صومًا وصيامًا واصطام أي: أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسير
وغير ذلك. ويقال: صام النهار؛ إذا وقف سير الشمس، وصامت الريح؛ إذا
ركدت، وماء صائم أي: ساكن راكد. وقال الله تعالى: إخبارًا عن مريم: ﴿إِنِّ
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام، وكان مشروعًا عندهم؛
ألا ترى إلى قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ وقال النابغة الذبياني:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجاحِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا
يعني: بالصائمة الممسكة عن السير قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن
الاعتلاف أي: القائمة على غير علف. وقيل: الممسكة عن الصهيل.
وفي الشرع على ما قاله النووي والحافظ: إمساك مخصوص في زمن مخصوص
عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة.
وقال الراغب: هو إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض أي: الفجر الثاني
إلى المغرب عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستسقاء. قال الطيبي: فهو وصف
سلبي، وإطلاق العمل عليه تجوز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقة أو حكمًا
في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النية. وقال الأمير اليماني: الصوم
في الشرع، إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع
وغيرهما، مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك
عن اللغو والرفث وغيرهما من الكلام المحرم والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي
عنها في الصوم، زيادة على غيره في وقت مخصوص بشروط مخصوصة تفصلها
الأحاديث. انتهى، وللصوم فوائد كثيرة ومصالح معقولة جليلة، لا تخفى على
العاقل البصير وقد بسطها العلماء حسب ما سنح لهم، من شاء الوقف عليها؛ رجع
١٢٩
كِتّابَ الصَّوْم
إلى ((حجة الله))، و((الحصون الحميدية)) و(شرح الموطأ)) للزرقاني وغير ذلك من
الكتب التي ذكرت فيها أسرار الأحكام الشرعية ومصالحها .
وقال في ((حجة الله)) (ج٢ ص٣٧): بعد ذكر أسرار الصوم وحكمة تقدير مدته
بالشهر. وإذا وقع التصدي لتشريع عام، وإصلاح جماهير الناس وطوائف العرب
والعجم، أن لا يخير في ذلك الشهر ليختار كل واحد شهرًا يسهل عليه صومه؛ لأن
في ذلك فتحًا لباب الاعتذار والتسلل، وسدًّا لباب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وإخمالًا لما هو من أعظم طاعات الإسلام، وأيضًا فإن اجتماع طوائف
عظيمة من المسلمين على شيء واحد في زمان واحد، يرى بعضهم بعضًا معونة
لهم على الفعل، ميسر لهم، ومشجع إياهم، وأيضًا فإن اجتماعهم هذا سبب لنزول
البركات الملكية على خاصتهم وعامتهم، وأدنى أن ينعكس أنوار كملهم على من
دونهم، وتحيط دعوتهم من ورائهم، وإذا وجب تعيين ذلك الشهر، فلا أحق من
شهر نزل فيه القرآن، وارتسخت فيه الملة المصطفوية، وهو مظنة ليلة القدر،
انتهى. وكان مبدأ فرض صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في
شعبان، وفي رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة.
١٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٩٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((إِذَا
دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)) وَفِي رِوَايَةِ: ((فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ،
وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((فُتْحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ))(*).
الشرح
١٩٧٦ - قوله: (إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) أي: شهر رمضان، وهو مأخوذ من
الرمضاء، يقال: رمض النهار كفرح؛ اشتد حره، وقدمه؛ احترقت من الرمضاء
للأرض الشديد الحرارة، وسمي شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من
حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحر وشدة وقوعه فيه
حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي
وقعت فيها. فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، أي: شدته، أو من رمض الطائر
إذا ( ** ) جوفه من شدة العطش.
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، وهو لا ينصرف
للعلمية والألف والنون، وفيه: دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه يجوز أن يقال:
رمضان بدون إضافة لفظ الشهر إليه، ومنعه أصحاب مالك؛ لحديث: ((لَا تَقُولُوا:
رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ))، أخرجه ابن
عدي في ((الكامل)) عن أبي هريرة مرفوعًا، وضعفه بأبي معشر نجيح المدني:
وذهب كثير من الشافعية إلى أنه إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة،
وإلا فيكره فلا يقال: جاء رمضان. ويجوز أن يقال: صمت رمضان، وإلى هذا
(١٩٧٦) الْبُخَارِي (١٨٩٨ .١٨٩٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصِّيَّامِ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مُسْلِم (١٠٧٩/٢) عَنْهُ فِيهِ.
( ** ) المعنى غير منضبط ولعلها: إذا اشتد حر جوفه.
١٣١
كِتّابُ الصَّوْمِ
الفرق مال ابن قدامة في ((المغني)). وقد رد النووي هذين القولين في ((شرح
مسلم))، وفي ((المجموع)) بأن الصواب ما ذهب إليه المحققون أن لا كراهة في
إطلاق رمضان بقرينة وبلا قرينة؛ لعدم ثبوت نهي فيه، وصوبه الباجي أيضًا وبوب
البخاري في «صحيحه)) هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان؟ ومن رأی کله واسعًا
واحتج للجواز بعدة أحاديث، وترجم النسائي لذلك أيضًا، فقال: باب الرخصة
في أن يقال لشهر رمضان: رمضان.
(فُتِحَتْ) بضم الفاء وتخفيف التاء وروى بتشديد التاء. وقال الزرقاني: بتشديد
الفوقية ويجوز تخفيفها، وقال القاري: بالتخفيف وهو أكثر كما في التنزيل
وبالتشديد لتكثير المفعول. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرف الرواة، وكذا
قوله: أبواب الرحمة. والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار.
وقال ابن بطال: المراد من السماء الجنة بقرينة ذكر جهنم في مقابله.
وقال العيني: أخذًا من ابن العربي: لا تعارض في ذلك، فأبواب السماء يصعد
منها إلى الجنة؛ لأنها فوق السماء وسقفها عرش الرحمن، كما ثبت في الصحيح.
وأبواب الرحمة تطلق على أبواب الجنة؛ لقول النبي وقّر في الحديث الصحيح:
((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ... ))، الحديث. وفيه: ((وَقَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي،
أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي))، الحديث. وقال التوربشتي: كلا الروايتين متقاربان
في المعنى. (وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي: حقيقة لمن مات في رمضان،
أو عمل عملًا لا يفسد عليه أو مجازًا؛ لأن العمل فيه يؤدي إلى ذلك، أو لكثرة
الثواب والمغفرة والرحمة، بدليل رواية: ((أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ)).
قال السندي: قوله: (فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي: تقريبًا للرحمة إلى العباد، ولهذا
جاء في بعض الروايات: ((أبواب الرحمة))، وفي بعضها ((أبواب السماء))، وهذا
يدل على أن أبواب الجنة كانت مغلقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَُّ
﴾ [ص: ٥٠]، إذ ذلك لا يقتضى دوام كونها مفتحة. (وَغُلَّقَتْ) بالتشديد
٥٠
اُلْأَنْوَبُ
أكثر؛ قاله القاري. (أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) حقيقة أو مجازًا نظير ما مر.
وقال السندي: أي: تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أن أبواب النار
كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧١]
١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار، لا ينافي موت الكفرة في
رمضان وتعذيبهم بالنار فيه؛ إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار
غير الأبواب المعهودة الكبار، انتهى.
(وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شدت بالسلاسل حقيقة، والمراد: مسترقو السمع
منهم، أو هو مجاز على العموم، أي: يقل إغواؤهم، فيصيرون كالمسلسلين، أو
المراد بالشياطين: بعضهم وهم المردة منهم كما سيأتي، قال الحافظ: قال
عياض: يحتمل أنه أي: تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وسلسلة الشياطين
على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة الملائكة لدخول الشهر وتعظيم لحر مته،
ولمنع الشياطين من إيذاء المؤمنين، ويحتمل أن يكون المراد المجاز، ويكون
إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم فيصيرون
کالمصفدین، ویکون تصفیدهم عن أشیاء دون أشیاء ولناس دون ناس. قال: ويؤيد
هذا الاحتمال الثاني، قوله في رواية عند مسلم: ((فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ))، وجاء في
حديث: ((صُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ))، قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة
عما يفتحه الله لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عمومًا، وذلك
أسباب لدخول الجنة وأبواب لها، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن
المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين: عبارة عن تعجيزهم عن
الإغواء، وتزيين الشهوات.
قال الزين بن المنير: والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن
ظاهره. وأما الرواية التي فيها ((أبواب الرحمة)) و((أبواب السماء)) فمن تصرف
الرواة، والأصل أبواب الجنة؛ بدليل ما يقابله، وهو ((غلق أبواب النار)). وجزم
التوربشتي شارح ((المصابيح)) بالاحتمال الأخير، وعبارته فتح أبواب السماء، كناية
عن تنزيل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق،
وأخرى بحسن القبول والمن عليهم بتضعيف الثواب، وغلق أبواب جهنم كناية عن
تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش، والتخلص من البواعث على المعاصي
بقمع الشهوات.
وقال القرطبي: يصح حمله على الحقيقة، ويكون معناه: إن الجنة قد فتحت
وزخرفت لمن مات في رمضان؛ لفضل هذه العبادة الواقعة فيه، وغلقت أبواب
١٣٣
كِتّابَ الصَّوْم
النار، فلا يدخلها منهم أحد مات فيه، وصفدت الشياطين؛ لئلا تفسد على
الصائمين. قال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء: توقيف الملائكة على استحماد
فعل الصائمين، وأن ذلك من الله بمنزلة عظيمة، وأيضًا فيه إنه إذا علم المكلف
المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحيه. انتهى.
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: اعلم أن هذا الفضل إنما هو بالنسبة إلى جماعة
المسلمين، فإن الكفار في رمضان أشد عمهًا، وأكثر ضلالاً منهم في غيره؛
لتماديهم في هتك شعائر الله ولكن المسلمين إذا صاموا وقاموا وغاص كملهم في
لجة الأنوار، وأحاطت دعوتهم من ورائهم، وانعكست أضواؤهم على من دونهم،
وشملت بركاتهم جميع فئتهم، وتقرب كلٌّ حسب استعداده من المنجيات، وتباعد
من المهلكات. صدق إن أبواب الجنة تفتح عليهم، وإن أبواب جهنم تغلق عنهم؛
لأن أصلهما الرحمة واللعنة؛ ولأن اتفاق أهل الأرض في صفة تجلب ما يناسبها من
جود اللَّه كما ذكرنا في الاستسقاء والحج، وصدق إن الشياطين تسلسل عنهم، وإن
الملائكة تنشر فيهم؛ لأن الشياطين لا يؤثر إلا فيمن استعدت نفسه لأثر، وإنما
استعدادها له لغلواء البهيمية، وقد انقهرت. وإن الملك لا يقرب إلا ممن استعد
له، وإنما استعداده بظهور الملكية. وقد ظهرت، وأيضًا فرمضان مظنة الليلة التي
يفرق فيها كل أمر حكيم، فلا جرم إن الأنوار المثالية والملكية تنتشر حينئذٍ، وإن
أضدادها تنقبض. انتهى .
قال القرطبي: بعد أن رجح حمله ظاهره. فإن قيل: كيف نرى الشرور
والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب:
أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، يعني:
أن ذلك في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه، أو
المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم. وترجم لذلك ابن خزيمة في
((صحيحه))، وأورد حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني، أو المقصود تقليل
الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره؛ إذ لا يلزم من
تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس
الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية، وقريب من هذا المعنى ما قيل:
إن صدور المعاصي في رمضان ليس من أثر الشيطان، بل من أثر النفس الإمارة
١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
التي تشربت من أثر الشيطان في سائر السنة، فإن النفس لما تصبغت بلونه تصدر
منها أفعاله، والفائدة إذ ذاك في تصفيد الشيطان: ضعف التأثير في ارتكاب
المعاصي، فمن أراد التجنب عن ذلك يسهل عليه.
وقال السندي: لا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرار
النفس وخبائتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكل
شيطان شيطان ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما
كانت إلا من قبل نفسه. انتهى. وقيل: المراد من الشياطين: مسترقو السمع
منهم، فإنهم كانوا منعوا زمن نزل القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل
مبالغة في الحفظ. وقيل: يستثنى منهم في التصفيد صاحب دعوتهم وزعيم زمرتهم
لمكان الإنظار الذي سأله من الله، فأجيب إليه، فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله
وإغرائه .
٢ فائدة:
التصفید: فض جموحه، وكسر شو كته، وتسكين نائرته ولو لم يكن الأمر على
ذلك لم يكن لاستظهارة بالأعوان والجنود معنى.
وقال ابن العربي: لا يتعين في المعاصي، والمخالفة أن تكون من وسوسة
الشيطان؛ إذ يكون من النفس وشهواتها، سلمنا أنه من الشيطان، فليس من شرط
وسوسته التي يجدها الإنسان في نفسه اتصالها بالنفس؛ إذ قد يكون مع بعده عنها؛
لأنها من فعل الله، فكما يوجد الألم في جسد المسحور والمعيون عند تكلم
الساحر أو العاين، فكذلك يوجد وسوسة من خارج، وقريب منه ما قال الباجي:
إنه يحتمل أن الشياطين تصفد حقيقة، فتمتنع من بعض الأفعال التي لا تطيقها إلا
مع الانطلاق، وليس في ذلك دليل على امتناع تصرفها جملة؛ لأن المصفد هو
المغلول اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي. انتهى. وقيل:
في تصفيد الشياطين في رمضان، إشارة إلى رفع عذر المكلف، كأنه يقال له: قد
كفت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية. (وَفِي
رِوَايَةٍ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) أي: وغلقت أبواب جهنم إلى آخره.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) إلا رواية: ((أَبْوَابُ السَّمَاءِ)) فإنها من أفراد البخاري رواها في
١٣٥
كِتّابُ الصَّوْم
الصيام، ورواها أيضًا في صفة إبليس في رواية أبي ذر، وأخرجها أيضًا الدارمي
وإلا رواية أبواب الرحمة، فإنها من أفراد مسلم، وأخرجها النسائي والرواية
المتفق عليها: (فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أخرجها البخاري في الصيام، وفي صفة
إبليس في رواية غير أبي ذر، ورواها أيضًا مالك والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٠٢،
٣٠٣) فكان حق المصنف أن يجعل الرواية المتفق عليها أصلاً. ثم يقول: ((وَفِي
رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ)) ثم يذكر
((وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) لكنه قلد البغوي والجزري، ونقل من
غير تصرف، والحديث أخرجه أحمد (ج٢ ص ٢٨١) أيضًا.
١٩٧٧ - [٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((فِي
الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّ الصَّائِمُونَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٧٧ - قوله: (فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ) أي: في سور الجنة ثمانية أبواب،
وقد سبق بيان الأبواب الثمانية في شرح حديث إنفاق الزوجين في أوائل باب:
فضل الصدقة. (مِنْهَا بَابٌ) كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((المصابيح)) والذي
في البخاري: ((فِيهَا بَابٌ)) وهكذا نقله السيوطي في ((الجامع الصغير)) ورواه
الجوزقي والبيهقي (ج٤ ص ٣٠٥) بلفظ: ((إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّی
الرَّيَّانَ ... )) الحديث، ورواية البخاري أصح وأصوب.
(يُسَمَّى الرَّيَّانَ) إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية إليه والأزهار والأثمار
الطرية لديه، أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة، ويدوم له الطراوة
في دار المقامة. قال الزركشي: الريان، فعلان كثير الري، ضد العطش، سمي به؛
لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، وأكتفي بذكر الري عن الشبع؛ لأنه
(١٩٧٧) البُخَارِي (٣٢٥٧) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي صِفَةِ الجُنَّةِ.
١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
يدل عليه من حيث أنه يسلتزمه. وقيل: لأنه أشق على الصائم من الجوع؛ إذ كثيرًا
ما يصبر على الجوع دون العطش، والريان أصله الرويان اجتمعت الواو والياء،
وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء من (رويت) من
الماء بالکسر أروي رِيًّا وریا وروي مثل رضي .
(لَا يَدْخُلُهُ) أي: لا يدخل منه أي: من ذلك الباب. (إِلَّا الصَّائِمُونَ) مجازاة لهم
لما كان يصيبهم من العطش في صيامهم، والمراد بهم: من غلب عليهم الصوم من
بين العبادات. قال القاري: قيل: المراد به: المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة
النوافل من ذلك وكثرتها، قال السندي: قوله: (الصَّائِمُونَ)، أي: المكثرون
الصيام كالعادل والظالم يقال لمن يعتاد ذلك لا لمن يفعل مرة، والظاهر: أن
الإ كثار لا يحصل بصوم رمضان وحده، بل بأن یزید علیه ما جاء فيه إنه صيام
الدهر. والله أعلم. انتهى.
قال العراقي: وقد استشكل بعضهم الجمع بين حديث الريان وبين الحديث
الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عمر مرفوعًا: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ
فَيْلِغُ أَوْ يَسْبِغُ الْوَضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)) قالوا: فقد أخبر النبي ◌َّ أنه
(يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ))، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل من أهل الصيام، بأن لا يبلغ
وقت الصيام الواجب أو لا يتطوع بالصيام، والجواب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه يصرف عن أن يشاء باب الصيام، فلا يشاء الدخول منه ويدخل من
أيِّ باب شاء غير الصيام، فيكون قد دخل من الباب الذي شاءه.
والثاني: إن حديث عمر قد اختلفت ألفاظه، فعند الترمذي: ((فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ
أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)) فهذه الرواية تدل على أن أبواب الجنة أكثر
من ثمانية. منها: وقد لا يكون باب الصيام من هذه الثمانية، ولا تعارض حينئذٍ
ذكره العيني. وقال السندي: لا ينافيه ما جاء في بعض الأعمال أن صاحبه يفتح له
تمام أبواب الجنة؛ إذ يجوز أن لا يدخل من هذا الباب إن لم يكن من الصائمين،
ويجوز أن لا يفعل أحد ذلك العمل إلا وفقه الله لإكثار الصوم بحيث يصير من
الصائمين. انتهى.
١٣٧
كِتّابَ الصَّوْم
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الحديث بهذا اللفظ من أفراد البخاري أورده في باب صفة أبواب
الجنة من بدء الخلق، ولفظ مسلم: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ
الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرَهُمْ، يُقَالَ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ
مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ))، وهذه الرواية أخرجها البخاري
في الصيام، فكان حق المصنف أن يقول: رواه البخاري، ثم يشير إلى الرواية
المتفق عليها، وهذه الرواية أخرجها أيضًا أحمد (ج٥ ص٣٣٣، ٣٣٥) والترمذي
والنسائي وابن خزيمة وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بألفاظ متقاربة، وزاد بعضهم:
((وَمَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا».
١٩٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (مَنْ
صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًّا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٧٨ - قوله: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) بنصبه على الظرفية، أي: فيه بأن صامه
كله عند القدرة عليه، أو بعضه عند عجزه ونيته الصوم لولا العجز. (إِيمَانًا) تصديقًا
بأنه فرض عليه حق، وأنه من أركان الإسلام ومما وعداللّه عليه من الأجر
والثواب، قاله السيوطي. قيل: نصبه على أنه مفعول لأجله، أي: لأجل الإيمان
بالله ورسوله، والإيمان بما جاء به في فضل رمضان والأمر بصيامه أي: الحامل له
على ذلك، والداعي إليه هو الإيمان بالله، أو بما ورد في فضله وفرضية صومه.
وقيل: نصبه على الحال، بأن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: مؤمنًا
يعني مصدقًا بأنه حق وطاعة، أو مصدقًا بما ورد في فضله، وقيل: نصبه على
التمييز، أو على المصدرية أي: صوم إيمان؛ أو صوم مؤمن، وكذا قوله:
(وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا للثواب منه تعالى في الآخرة، أو إخلاصًا أي: باعثه على
(١٩٧٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٠١) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس، ولا الاستحياء منهم، ولا قصد السمعة والرياء
عنهم. وقال الخطابي: ((احتسابًا)) أي: نية وعزيمة وهو أن يصومه على معنى
الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير كاره له، ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل
لأيامه؛ ولكن يغتنم طول أيامه؛ لعظم الثواب. وقال البغوي: قوله: ((احْتِسَابًا))
أي: طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه، يقال: فلان يحتسب الأخبار ويتحسبها أي:
يتطلبها. انتهى. وفي ((العباب)) احتسبت بكذا أجرًا عند الله أي: أعتددته أنوى به
وجه اللَّه تعالى ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا)). (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) اسم جنس مضاف، فيتناول جميع الذنوب إلا
أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر، وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب
الطهارة. وقوله: (مِنْ ذَنْبِهِ) يتعلق بقوله: (غفر)) أي: غفر من ذنبه ما تقدم، ويجوز
أن تكون ((من)) البيانية لما تقدم وهو منصوب المحل على المفعولية على الوجه
الأول، ومرفوع المحل على أنه مفعول لما لم يسم فاعله على الوجه الثاني، وزاد
النسائي في ((السنن الكبرى)) من طريق قتيبة عن سفيان: (وَمَا تَأَخَّرَ))، وقد تابع قتيبة
على هذه الزيادة جماعة ذكرها الحافظ في أوائل الصيام وأواخره من ((الفتح))، وفيه
رد على من ادعى تفرد قتيبة بهذه الزيادة كالمنذري أو استنكرها كابن عبد البر. وقد
استشكلت هذه الزيادة: بأن المغفرة تستدعى سبق ذنب والمتأخر من الذنوب لم
يأت بعد فكيف يغفر. وأجيب: بأن معناه: أن ذنوبهم تقع مغفورة. وقيل: هو
كناية عن حفظ اللَّه إياهم في المستقبل من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك.
(وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أي: لياليه، أو معظمها، أو بعض كل ليلة بصلاة التراويح،
وغيرها من التلاوة والذكر والطواف ونحوها. وقال ابن الملك: غير ليلة القدر
تقديرًا، أي: لما سيأتي التصريح بها تحريرًا، أو معناه: أدى التراويح فيها؛ ذكره
القاري. وقال الحافظ: قام رمضان أي: قام لياليه مصليًا، والمراد من قيام الليل:
ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي: أن المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح،
يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها.
وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد: قيام رمضان صلاة التراويح.
(وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أي: أحياها، سواء علم بها أو لا، وليلة القدر منصوب
على أنه مفعول به، لا فيه، إذ المعنى: من أحيا ليلة القدر. ويجوز نصبه بأنه
١٣٩
كِتّابُ الصَّوْم
KE
مفعول فيه أي: من أطاع الله فيها، قيل: ويكفي في ذلك ما يسمى قيامًا حتى أن من
أدى العشاء بجماعة، فقد قام لكن الظاهر من الحديث عرفًا، كما قال الكرماني :
أنه لا يقال: قام الليلة إلا إذا قام جميعها أو أكثرها.
(ُغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قد سبق في كتاب الطهارة: إن المكفرات إن صادفت
السيئات تمحوها إذا كانت صغائر، وتخففها إذا كانت كبائر، وألا تكون موجبة
لرفع الدرجات في الجنات. وقال الطيبي: رتب على كل من الأمور الثلاثة أمرًا
واحدًا وهو الغفران؛ تنبيهًا على أنه نتيجة الفتوحات الإلهية ومستتبع للعواطف
الربانية، وذكر الولي العراقي توجيهًا آخر لذلك، وارجع إلى ((شرح التقريب)) (ج٤
ص ١٦٤). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الإيمان والصوم، ومسلم في باب:
الترغيب في قيام رمضان من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك في
الصلاة. والترمذي في الصوم، وأبو داود في الصلاة. والنسائي في الصوم، وابن
ماجه فيه وفي الصلاة، والدارمي والبيهقي وغيرهم مختصرًا ومطولًا.
١٩٧٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ
يُضَاعَفُ؛ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّ
الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلِضَّائِم
فَرْحَتَانٍ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ
عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَّوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا
يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبُ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
١٩٧٩ - قوله: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ) قال القاري: أي: كل عمل صالح لابن
آدم. (يُضَاعَفُ) أي: ثوابه فضلاً منه تعالى. (الْحَسَنَةُ) مبتدأ، وخبر جنس
(١٩٧٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٩٠٤)، ومُسْلِم (١١٥١) عَنْهُ فِيهِ.