النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص٦٨، ٩٦، ٩٩، ١٢٧). (وَأَبُو دَاوُدَ) في الزكاة وفي
الأدب. (وَالنَّسَائِيُّ) في الزكاة واللفظ لأبي داود، وأخرجه أيضًا ابن حبان في
((صحیحہ) والحاکم (ج١ ص٤١٢، ٤١٣) والبيهقي (ج٤ ص١٩٩) وسكت عنه أبو
داود والمنذري وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال النووي
في ((رياضه)): حديث صحيح. وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أبو داود.
١٩٦٤ - [١٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ
اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
G O
الْشَّرُْ
١٩٦٤ - قوله: (لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ) والجنة لا يسأل عن الناس فلزم
أن يكون فيه وجهان: أحدهما: المنع عن السؤال لوجه الله؛ لأنه لما قال: ((لَا
يُسْأَلُ ... )) إلخ. فلا يسأل عنهم شيء لوجه الله تعالى. وثانيهما: لا يسأل من الله
تعالى من متاع الدنيا لحقارتها، وإنما يسأل الجنة، والمقصود: المبالغة: قاله في
((اللمعات)). وقال الطيبي: أي: لا تسألوا من الناس شيئًا بوجه الله، مثل أن
تقولوا: أعطني شيئًا بوجه اللَّه تعالى أو بالله، فإن اسم اللَّه أعظم من أن يسأل به
متاع الدنيا، بل اسألوا به الجنة، أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه والجنة.
والوجه يعبر به عن الذات، انتهى.
وقال في ((فتح الودود)): قوله: (لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ)) إذ كل شيء حقير
دون عظمته تعالى، والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له، نعم الجنة أعظم مطلب
للإنسان فصار التوسل به تعالى فيها مناسبًا، انتهى. وارجع إلى ((فتح القدير))
للمناوي. قال القاري: قوله: ((إِلَّا الْجَنَّةُ)) بالرفع أي: لا يسأل بوجه اللّه شيء إلا
الجنة مثل أن يقال: اللهم إنا نسألك بوجهك الكريم أن تدخلنا جنة النعيم، ((ولا
يسأل)) روي غائبًا نفيًا ونهيًا مجهولًا ورفع الجنة، ونهيًا مخاطبًا معلومًا مفردًا
ونصب الجنة .
(١٩٦٤) أَبُو دَاوُد (١٦٧١) فِي الأَدَبِ عَنْ جَابِرٍ .
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ أَفْضَل الضَّدَقةِ
١٠١
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده سليمان بن
معاذ. قال الدارقطني: سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، وذكر ابن عدي هذا
الحديث في ترجمة سليمان بن قرم. هذا الحديث لا أعرفه إلا من طريق أبي
العباس القلوري أحمد بن عمرو - الذي روى عنه أبو داود - عن يعقوب بن إسحاق
الحضرمي عن سليمان بن قرم عن محمد بن المنكدر عن جابر، هذا آخر كلامه.
وسلیمان بن قرم تكلم فيه غیر واحد، انتهى.
قلت: قد فرق بين سليمان بن قرم وسليمان بن معاذ الضبي ابن حبان تبعًا
للبخاري ثم ابن قطان وابن عدي، وقال غير واحد: إن سليمان بن معاذ هو سليمان
ابن قرم، منهم أبو حاتم والدار قطني والطبراني وعبد الغني بن سعيد. قال أحمد:
سليمان بن قرم ثقة، وقال مرة: لا أرى به بأسًا لكنه كان يفرط في التشيع، وضعفه
النسائي وابن معين. وقال أبو زرعة: ليس بذلك.
وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال ابن عدي: له أحاديث حسان أفراد. وقال
ابن حبان: كان رافضيًّا غاليًا في الرفض ويقلب الأخبار مع ذلك، وذكره الحاكم
في باب: من عيب على مسلم إخراج حديثهم. وقال: غمزوه في التشيع وسوء
الحفظ جميعًا. وقال الحافظ: سيئ الحفظ يتشيع، والحديث أخرجه أيضًا البيهقي
(ج ٤ ص١٩٩) والضياء المقدسي في ((المختار) كما في ((الجامع الصغير)).
١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٩٦٥ - [١٨] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ
بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلِ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءُ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ
الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، قَالَ
أَنَسِرٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام
أَبُو طَلْحَةَ إِلَىَ رَسُولِ اللَّهِنَ ◌ّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:
ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبٌ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ
تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((بَخ بَخ))، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي
أَرَى أَنَّ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِّينَ)). فَقَالَ أَبُو طَلْحَةً: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهّا
أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٩٦٥- قوله: (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الخزرجي زوج أم سليم أم
أنس. (أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْل) بنصب ((أكثر)) خبر كان و ((مالًا)) تمييز،
أي: من حيث المال، والجار للبيان. قال الباجي: هذا يقتضي أنه يجوز للرجل
الصالح الاستكثار من المال الحلال.
(وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ) بنصب أحب خبر كان وبيرحاء اسمه ويجوز العكس،
والمراد بـ (أَمْوَالِهِ)): الحوائط. قال ابن عبد البر: كانت دار أبي جعفر والدار التي
تليها إلى قصر بني حديلة حوائط لأبي طلحة. قال: وكان قصر بني حديلة حائطًا
لأبي طلحة يقال لها: بيرحاء ... فذكر الحديث. ومراده بدار أبي جعفر التي
صارت إليه بعد ذلك وعرفت به، وهو أبو جعفر المنصور الخليفة المشهور
العباسي. وأما قصر بني حديلة فنسب إليهم القصر بسبب المجاورة، وإلا فالذي
(١٩٦٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٦١)، ومُسْلِم (٩٩٨) في الزكاة وغيرها عنه.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدقةِ
١٠٣
بناه هو معاوية بن أبي سفيان، وبنو حديلة بطن من الأنصار، وكانوا بتلك البقعة
فعرفت بهم. فلما اشترى معاوية حصة حسان، بنى فيها هذا القصر فعرف بقصر
بني حديلة. وفيه: جواز إضافة حب المال إلى الرجل العالم الفاضل، ولا نقص
عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِّ لَشَدِيدُ
[العاديات: ٨] والخير هنا: المال اتفاقًا، كذا في ((الفتح)).
وقال الباجي: هذا يقتضي جواز حب الرجل الصالح المال. قال عز اسمه :
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]. قال عمر رَضِلَّهُ:
((اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا، فاجعلنا ممن يأخذه بحقه فينفقه في
وجهه)). (بَيْرُحَاءَ) بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء وبالمهملة والمد،
وفي ضبطه اضطراب كثير؛ فنقل الحافظ في ((الفتح)) وتبعه العيني عن ((نهاية)) ابن
الأثير الجزري فتح الموحدة وكسرها، وفتح الراء وضمها مع المد والقصر. قال:
فهذه ثمان لغات، انتهى. والذي في ((النهاية)): (بَيْرُحَاءُ) بفتح الباء وكسرها،
وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، هذا نصه بحروفه، ونقله عنه
الطيبي كذلك بلفظه. وعلى هذا فتكون خمسة لا ثمانية. قال الحافظ: وفي رواية
حماد بن سلمة - يعني: عند مسلم: ((بريحا)). بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على
التحتانية، وفي ((سنن أبي داود)): بأريحا، مثله لكن بزيادة ألف.
وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصورًا وكذا جزم
به الصنعاني. وقال: إنه اسم أرض كانت لأبي طلحة، وهي فيعلى من البراح،
وهو المكان المتسع الظاهر. قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار
المدينة فقد صحف، وكذا قال الزمخشري في ((الفائق)) والمجد في ((القاموس))،
وقال في ((اللامع)): لا تنافي بين ذلك؛ فإن الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التي
فيه. وقال الحافظ أيضًا: وقع عند مسلم: بريحا. بفتح الموحدة وكسر الراء،
وتقديمها على التحتانية الساكنة ثم حاء مهملة ورجحها صاحب ((الفائق))، وقال:
هي وزن فعيلاء من البراح وهي الأرض الظاهرة المنكشفة، وعند أبي داود:
بأريحاء. وهو بإشباع الموحدة والباقي مثله. ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح
الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظًا أن تكون سميت
باسمها. قال عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطَّأَ هذا
ECON
١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصوريُّ. وقال الباجي: أدركت أهل العلم بالمشرق - ومنهم أبو ذر - يفتحون
الراء في كل حال، أي: في الرفع والنصب والخفض، زاد الصوري، وكذلك الباء
أي: أوله. قال: واتفق أبو ذر وغيره من الحفاظ على أن من رفع الراء حال الرفع
فقد غلط، ونقل أبوعلي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم أنها مركبة من
كلمتين. (بير)) كلمة و(حاء)) كلمة، ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في ((حاء)) هل
هي اسم رجل أو امرأة، أو مكان أضيفت إليه البئر، أو هي كلمة زجر للإبل؛ لأن
الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة؟
انتهى. (وَكَانَتْ) أي: ((بيرحاء)). (مُسْتَقِْلَةَ الْمَسْجِدِ) أي: مسجد النبي ◌َّ،
ـَلَى اللّهِ
ومعناه: أن المسجد في جهة قبلتها، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة
الموجودة اليوم. (يَدْخُلُهَا) زاد في رواية: ((وَيَسْتَظِلَّ بِهَا)). (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا)
أي: بيرحاء. (طَيِّبٍ) بالجر صفة للمجرور السابق أي: حلو الماء. قال الباجي:
يريد عذبًا. وهذا يقتضي تبسط الرجل في مال من يعرف رضاه بذلك، وإن لم
يستأمره. وقال الحافظ: فيه: استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وإباحة
الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضرًا، إذا علم طيب نفسه، واتخاذ
الحوائط والبساتين، ودخول أهل العلم والفضل فيها، والاستظلال بظلها،
والراحة والتنزه فيها. وقد يكون ذلك مستحبًّا يثاب عليه، إذا قصد به إجمام النفس
من تعب العبادة، وتنشيطها في الطاعة. (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) أي: لن تبلغوا حقيقة البرِّ
الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا برَّ اللَّه الذي هو الرحمة والرضا والجنة. (حَتَّى
تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أي: من بعض ما تحبون من أموالكم. (قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّةَ) زاد في رواية عند ابن عبد البر: ((ورسول اللّه نَّال على المنبر)).
(وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ) بتشديد الياء. (بَيْرُ حَاءُ) بالرفع خبر إِنَّ.
(وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ تعالى) وفي رواية لمسلم: ((لما نزلت الآية قال أبو طلحة: أرى
ربنا يسألنا عن أموالنا فأستشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي بيرحاء لله)). قال
الحافظ: في قوله: ((إِنَّ أَحَبَّ أَمْوالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ للهِ تعالى ... ) إلخ. فضيلة لأبي
طلحة؛ لأن الآية تضمنت: الحث على الإنفاق من المحبوب فترقى هو إلى إنفاق
أحب المحبوب فصوب وَّ رأيه، وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله
وكنى عن رضاه بذلك بقوله: (بَخ)، وقال الباجي: هذا يدل على أن أبا طلحة تأول
١٠٥
كِتّابُ الزّكاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
هذه الآية على أنها تقتضي أنه إنما ينال البر بصدقة ما يحب الإنسان من ماله، وقد
فعل ذلك زيد بن حارثة جاء بفرسه وقال: هذا أحب أموالي إلي فتصدق به، وكان
الربيع بن خثيم إذا سمع سائلًا يقول: أعطوه شكّرًا؛ فإن الربيع يحب الشُّكْرَ.
(أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها. (وَذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة أي: أجرها يعني:
أقدمها فأدخرها لأجدها. (عِنْدَ اللَّهِ) يعني: لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية،
بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية. (فَضَعْهَا) أمر من وضع يضع أي:
اصرفها. (حَيْثُ أَرَالَ اللَّهُ) أي: في مصرف عَلَّمَكَ اللَّه إياه، ففوض أبو طلحة
تعيين مصرفها إليه عليه الصلاة والسلام لا وقفيتها .
(بَخ بَخْ) بفتح الباء وسكون المعجمة فيهما كهل وبل، وكسرها مع التنوين
فيهما،ً وبالتنوين في الأول والسكون في الثاني وهو الاختيار. وبالضم مع التنوين
فيهما، وبالتشديد مع كسر وضم فيهما لغات، كرر للمبالغة وهي كلمة تقال لتفخيم
الأمر والتعجب من حسنه، وعند مدحه والرضاء به. قال في ((القاموس)): قل في
الأفراد: بخ ساكنة، وبخ مكسورة، وبخ منونة، وبخ منونة مضمومة، وتکرر بخ
بخ للمبالغة، الأول منون، والثاني مسكن. ويقال: بخ بخ مسكنين، وبخ بخ
منونين، وبخ بخ مشددين، كلمة تقال عند الرضا، والإعجاب بالشيء، أو الفخر
والمدح، انتهى. فمن نَوَّنَهُ شَبَّهَهُ بأسماء الأفعال كَصَهٍ وَمَهٍ. (ذَلِك) أي: ما ذكرته
أو التذكير لأجل الخبر وهو قوله: ((مَالِّ رَابِحٌ)) بالموحدة من الربح أي: ذو ربح
كلابنٍ وتامر أي: يربح صاحبه في الآخرة.
وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أي: هو مال مربوح فيه. ویروی رایح بالياء
التحتية من الرواح نقيض الغدو، أي: رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة يعني : أنه
قريب الفائدة يصل نفعه إليك كل رواح لا تحتاج أن تتكلف فيه إلى مشقة وسير.
وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به. واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع، أو
من شأنه الرواح، وهو الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى. وادعى
الإسماعيلي أن رواية التحتية تصحيف. (وَقَدْ سَمِعْتُ) بصيغة المتكلم. (مَا قُلْتَ)
بصيغة الخطاب. (وَإِنِّي أَرَى) زيادة الفضل والأجر. (أَنْ تَجْعَلَهَا) صدقة. (فِي
الأَقْرَبِينَ) وفي رواية: ((اجْعَلَهُ لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ))، أي: ليكون جمعًا بين الصلة
والصدقة .
١٠٦
************ *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَفْعَلُ) برفع اللام فعلًا مستقبلاً. (فَقَسَّمَهَا) أي: بيرحاء. (فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ)
من عطف الخاص على العام. والمراد: أقارب أبي طلحة، وفي رواية: ((فقسمها
بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب))، وفي رواية: «فجعلها أبو طلحة في ذي رحمه،
وكان منهم حسان وأبي بن كعب)). وهذا يدل على أنه أعطى غيرهما معهما. وفي
مرسل أبي بكر بن حزم عند ابن أبي زبالة: ((فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان
ابن ثابت وأخيه، أو ابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر))، فتقاوموه فباع حسان
حصته من معاوية بمائة ألف درهم. قال النووي: فيه: أن القرابة يراعى حقها في
صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأنه ◌َّ أمر أبا طلحة أن يجعل
صدقته في الأقربين فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه
في الجد السابع، انتهى.
قلت: يجتمع حسان مع أبي طلحة في الأب الثالث وهو حرام، وأما أبي
فيجتمع معه في الأب السادس وهو عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو هذا يجمع
حسان وأبا طلحة وأبيًّا. قال الحافظ: هذا - أي: بيع حسان حصته منه من معاوية -
يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم، إذ لو وقف لما
ساغ لحسان أن يبيعها، فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل
الوقف، إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف، ويحتمل أن يقال: شرط أبو طلحة
عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال
بجواز هذا بعض أهل العلم كعلي رَوُنَهُ وغيره، انتهى. وفي ((المحلى شرح
الموطأ»: ظاهره جواز بيع الوقف، وقد أجمعوا على خلافه، وأجاب عنه الكرماني
بأن التصدق على معين تمليك له. وقال العسقلاني وتبعه العيني: أنه يجوز أن
يقال: إن أبا طلحة شرط عند وقفه عليهم أنه يجوز لمن احتاج أن يبيع حصته، وذلك
جائز عند بعضهم، انتهى.
قال الحافظ: وفي الحديث أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقف أب معين
لا رابع ولا غيره؛ لأن أبيًّا إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس، وأنه لا
يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن حسانًا وأخاه إلى أبي طلحة من أُبَيِّ
ونُبيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيًّا ونبيط بن جابر. وفيه: أنه لا يجب
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
١٠٧
الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرًا،
فضلًا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأبيًّا، انتهى.
وفي الحديث فوائد غير ما تقدم، ذكرها الحافظ وغيره:
منها: زيادة صدقة التطوع على نصاب الزكاة خلافًا لمن قيدها به، وصدقة
الصحيح بأكثر من ثلثه؛ لأنه وت اثير لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به. وقال
لسعد بن أبي وقاص: ((الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، وإن الآية تعم الإنفاق الواجب
والمستحب.
ومنها: مشاورة أهل الفضل في كيفية الصدقة والطاعة.
ومنها: أنه إذا تصدق بأرض مشهورة متميزة ولم يبين حدودها جاز.
ومنها: أنه تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء، إلى
غير ذلك من الفوائد.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والوصايا والوكالة والأشربة والتفسير،
ومسلم في الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك في الجامع من ((الموطأ)) وأبو داود
في الزكاة والنسائي في الوقف والطيالسي وابن خزيمة والطحاوي والدار قطني
والبيهقي وأبو حاتم وغيرهم مطولًا ومختصرًا بألفاظ متقاربة ذكر بعضها الجزري
في ((جامع الأصول)) (ج ٧ ص٣٠٦ - ٣٠٧ - ٣٠٨).
١٩٦٦ - [١٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ
أَنْ تُشْبِعَ كَبِدًا جَائِعًا».
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ]
الشَّرْجُ
١٩٦٦ - قوله: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبِعَ) بضم التاء. (كَبِدًا جَائِعًا) قال
الطيبي: وصف الكبد بصفة صاحبه على الإسناد المجازي، وهو من جعل الوصف
(١٩٦٦) البَيْهَقِي (٣٣٦٧) في الشُّعَب عنه.
١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المناسب علة للحكم، وفائدته: العموم ليتناول أنواع الحيوان، سواء كان مؤمنًا،
أو كافرًا ناطقًا أو غير ناطق، والله تعالى أعلم، انتهى. وتقدم المستثنى. (رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ) وأخرجه أيضًا أبوالشيخ في ((الثواب)) والأصبهاني كلهم من رواية زربي -
بفتح أوله وسكون الراء بعدها موحدة ثم تحتانية مشددة - بن عبد الله الأزدي
البصري، إمام مسجد هشام بن حسان عن أنس. ولفظ أبي الشيخ والأصبهاني
قال: سمعت رسول اللّه وَ لهيقول: ((مَا مِنْ عَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ إِشْبَاعِ کَبِدٍ جَائِعَةٍ)»،
والحديث أدخله ابن الجوزي في ((الموضوعات).
وقال الصغاني: موضوع. قال ابن حبان: فيه زربي منكر الحديث على قلته.
ویروي عن أنس ما لا أصل له فلا يحتج به .
قلت: زربي هذا روى له الترمذي وابن ماجه، وأخرج له ابن خزيمة في
((صحيحه))، لكن قال: إن ثبت الخبر. وقال الترمذي: له أحاديث مناكير عن أنس
وغيره. وقال ابن عدي: أحاديثه وبعض متونها منكرة، وذكره العقيلي في
((الضعفاء)) .
وقال البخاري: فيه نظر.
وقال السيوطي في ((تعقباته على ابن الجوزي)): للحديث شواهد كثيرة تقتضي
تحسينه، منها حديث جابر: ((إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ المَغْفِرَةِ إِطْعَامُ المُسْلِمِ الشَّبْعَانِ))
أخرجه البيهقي في ((الشعب))، انتهى.
وقال العزيزي في ((شرح الجامع الصغير)): رمز المصنف يعني: السيوطي، أي:
لحسن حديث أنس ولعله لاعتضاده.
كِتَابُ الزَّڪاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
١٠٩
٨ - بَابُ صَدَقَةِ الْمَزْأَةِ مِنْ مَالِ الزَّوجِ
(بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ) وفي بعض النسخ: باب: ما تنفقه المرأة من
مال زوجها ووقع في بعضها لفظ باب فقط.
الفصل الأول
١٩٦٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ رِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ
الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ
بِمَا كَسَبَ، وَلِلَخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٩٦٧ - قوله: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ) أي: تصدقت كما في رواية. (مِنْ طَعَامِ
بَيْتِهَا) أي: من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرفة فيه. (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) نصب علىَ
الحال أي: غير مسرفة في التصدق، بأن لا تتعدى إلى الكثرة المؤدية إلى النقص
الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحًا أو دلالة. وقيل: هذا جار
على عادة أهل الحجاز، فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم، بأن يضيفوا
الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران، فحرض رسول اللّه ◌َل أمته على
هذه العادة الحسنة، والخصلة المستحسنة. وهذا الحدیث: ليس فيه دلالة صريحًا
على جواز تصدق المرأة من مال الزوج بغير إذنه.
(١٩٦٧) الْبُخَارِي (١٤٣٧)، ومُسْلِم (١٠٢٣/٧٩) عَنْ عَائِشَةَ، وأَبُو دَاوُد (١٦٨٥)، والتِّرْمِذِي
(٦٧٢)، جَمِيعًا فِي الزَّكَاةِ.
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال البغوي: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير
إذنه، وكذلك الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على مادة أهل الحجاز،
أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق، والإنفاق مما حضر في البيت عند
حضور السائل ونزول الضيف، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا تُوعِي فَيُوعِيَ
اللَّهُ عَلَيْكِ))، انتهى. وكذلك قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٧٨)، وخص
الطعام بالذكر؛ لغلبة المسامحة به عادة، وإلا فغيره مثله؛ إذ الغرض أن المالك
أذن في ذلك صريحًا أو دلالة.
(كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ) أي: بسبب إنفاقها. (وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ) أي :
بسبب كسبه وتحصيله. (وَلِلْخَازِنِ) أي: الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدق
منه من خادم وقهر مان وقيم لأهل المنزل. (مِثْلُ ذَلِك) أي: الأجر أي: بالشروط
المذكورة في حديث أبي موسى الآتي، وفي رواية للبخاري: ((لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ -
أي: مثل أجرها - وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ)). قال الحافظ: ظاهره يقتضي تساويهم في
الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل: حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر
الكاسب أوفر لكن التعبير في حديث أبي هريرة الآتي بقوله: ((فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ)
يشعر بالتساوي. قال: والمراد بقوله: (لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) عدم
المساهمة والمزاحمة في الأجر. ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضًا، والله
أعلم، انتھی.
وقال النووي: معنى هذه الأحاديث - يعني: حديث عائشة هذا، وحديث أبي
هريرة، وحديث أبي موسى الآتيين - أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر،
ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره.
والمراد: المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان
أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر
وقد يكون عكسه، انتهى. (لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) أي: من أجر بعض.
(شَيْئًا) نصب مفعول ((يُنْقِصُ))، أو ينقص كيزيد يتعدى إلى مفعولين الأول ((أجر))
والثاني ((شيئًا)) ((كزادهم اللَّه مرضًا)). قاله القسطلاني.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
وقال القاري: ((شيئًا)) أي: من النقص أو من الأجر، والمراد: أنهم في أصل
الأجر سواء، وإن اختلف قدره. قال الحافظ: قال ابن العربي: اختلف السلف فيما
إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم: من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي
لا يُؤْبَهُ به ولا يظهر به النقصان، ومنهم: من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق
الإجمال، وهو اختيار البخاري، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما
التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد
والخازن: النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يقتاتوا على
رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن .
ومنهم: من فرق بين المرأة والخادم؛ فقال: المرأة لها حق في مال الزوج،
والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس به تصرف في متاع
مولاه، فيشترط الإذن فيه وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه
فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت، والله
أعلم. ويأتي مزيد الكلام في شرح الحديث الذي يليه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي البيوع، ومسلم في الزكاة وأخرجه
أيضًا أحمد، والترمذي وأبو داود والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في التجارات
وابن حبان والبيهقي وغيرهم.
١٩٦٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ».
الْشَّرْجُ
١٩٦٨- قوله: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ) أي: تصدقت. (مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا) أي:
من ماله. (مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) أي: الصريح في ذلك القدر المعين. (فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ)
قيل: هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها وتصدقت به، فعليها
(١٩٦٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٥٣٦٠) فِي النَّفَقَاتِ، ومُسْلِم (١٠٢٦/٨٤) فِي الزَّكَاةِ.
١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غرم ما أخذت أكثر منها، فإذا علم الزوج ورضي بذلك فلها نصف أجره بما
تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها؛ لأن الأكثر حق
الزوج، كذا ذكره القاري.
وقال الحافظ: الأَوْلَى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا
تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير
أمره، يعني: يحمل التصنيف على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا
أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل؛ لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه
يؤجر على ما ينفقه على أهله، وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها.
قال: ويحتمل أن يكون أذن لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق
التفصيل، ولابد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا فحيث كان من ماله بغير
إذنه لا إجمالًا ولا تفصيلاً، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة. قال النووي: قوله: ((مِنْ
غَيْرِ أَمْرِهِ)) معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ولا ينفي ذلك وجود
إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف. قال: ويتعين
هذا التأويل لحمل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم إنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا
الصريح ولا المأخوذ من العرف لا يكون لها أجر بل عليها وزر فيتعين تأويله،
انتھی .
وقيل في الجمع بين هذا وبين حديث عائشة: أنه إذا أنفقت المرأة مع إذنه
تستحق به الأجر كاملًا، ومع عدم الإذن نصف الأجر، يعني: إذا عرفت منه
السماحة بذلك، والرضا به جاز لها الإنفاق من غير إذنه ولها نصف أجره، وقيل:
معنى النصف أن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر
كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: إنه بمعنى الجزء، والمراد: المشاركة
في أصل الثواب، وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وفي أواخر النكاح وفي النفقات،
ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضًا فيه أبو داود والبيهقي.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْج
١١٣
١٩٦٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ:
((الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيَِّةً بِهِ نَفْسُهُ،
فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَرْجُ
١٩٦٩- قوله: (الْخَازِنُ) أي: خادم المالك في الخزن. (الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ
الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ) من الصدقة من غير زيادة ونقصان فيه بهوى. (كَامِلًا) حال
من المفعول أو صفة لمصدر محذوف. (مُوَفَّرًا) بفتح الفاء المشددة أي: تامًّا فهو
تأكيد وبكسرها حال من الفاعل أي: مكملاً عطاؤه. (طَيَِّةً) أي: راضية غير
شحيحة. (بِهِ) أي: بالعطاء. (نَفْسُهُ) مرفوع على الفاعلية و((طيبة)) بالنصب على
الحال. وقال: ذلك؛ إذ كثيرًا ما لا يرضى الإنسان بخروج شيء من يده، وإن كان
ملكًا لغيره.
قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلمًا فأخرج الكافر؛ لأنه لا نية له، وبكونه
أمينًا فأخرج الخائن؛ لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غیر ناقص
لكونه خائنًا أيضًا، ويكون نفسه طيبة بذلك؛ لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود
لابد منها. (فَيَدْفَعُهُ) عطف على ((يعطي)). (إِلَى الَّذِي أَمِرَ لَهُ) بضم الهمزة مبنيًّا
للمفعول أي: إلى الشخص الذي أمر ذلك الخازن له. (بِهِ) أي: بالدفع والإعطاء،
وفيه شروط أربعة: شرط الإذن لقوله: ((مَا أُمِرَ بِهِ)) وعدم نقصان ما أمر به لقوله:
((كَامِلًا مُوَفَّرًا)) وطيب النفس بالتصدق؛ لأن بعض الخزان والخدام لا يرضون بما
أمروا به من التصدق، وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر. فالخازن مبتدأ وما
بعده صفات له وخبره.
(أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ) أي: يشارك صاحب المال في الصدقة فيصيران متصدقين،
ويكون هو أحدهما هذا على أن الرواية بفتح القاف وهو الذي صرحوا به، نعم،
(١٩٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤٣٨)، ومُسْلِم (١٠٢٣/٧٩) عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ، وأَبُو دَاوُد (١٦٨٤).
ECON
١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جوز الكسر على أن اللفظ جمع أي: هو متصدق من المتصدقين، قال الحافظ :
ضبط في جميع الروايات ((الصحيحين)) بفتح القاف على التثنية. قال القرطبي:
ويجوز الكسر على الجمع أي: هو متصدق من المتصدقين، انتهى.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري: بفتح القاف أي: هو ورب الصدقة في أصل
الأجر، سواء وإن اختلف مقداره فيهما، فلو أعطى المالك خادمة مائة دينار
ليدفعها إلى فقير على باب داره، فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفًا ليدفعه إلى
الفقير في مكان بعيد، فإن كانت أجرة مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف، فأجر
الخادم أكثر، وإن كانت تساويها فمقدار أجرهما سواء.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والوكالة والإجارة، ومسلم في الزكاة
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في الزكاة.
١٩٧٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ وَهِ: إِنَّ أُمِّي
اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟
قَالَ: ((نعم)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٩٧٠ - قوله: (إِنَّ رَجُلًا) قيل: هو سعد بن عبادة. قال الزرقاني: وجزم به
غير واحد. وقيل: هو رجل آخر غير سعد بن عبادة وإليه مال العيني. (إِنَّ أَمِّي)
عمرة بنت مسعود. (اقْتُلِتَتْ) بالفاء الساكنة والمثناة المضمومة وكسر اللام بعد
فوقيتان أولاهما مفتوحة، مبنيًّا للمفعول افتعال من ((فلت))، يقال: افتلت فلان،
أي: ماتت فجأة، واقْتُلِتَ بأمر كذا إذا فوجئ به قبل أن يستعد له، وأفتلت الشيء
إذا أخذ منه فلته أي: بغتة، قال الباجي: تقول العرب رأيت الهلال فلتة، إذا رأيته
من غير قصد إليه.
(١٩٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهَا؛ البُخَارِي (١٣٨٨) فِي الجَنَائِزِ، ومُسْلِم (١٠٠٤/٥١) فِي الزَّكَاةِ.
١١٥
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
(نَفْسَهَا) بالنصب بمعنى افتلتها اللَّه نفسها أي: روحها يعدي إلى مفعولين
كاختلسه الشيء، واستلبه إياه فبني الفعل للمفعول فصار الأول مضمرًا وبقي الثاني
منصوبًا. وقيل: ((نفسها)) منصوب على التمييز. وقيل: بإسقاط حرف الجر أي:
من نفسها، ويروي بالرفع على أنه متعد إلى واحد ناب عن الفاعل، أي: أخذت
نفسها فلتة، يعني: ماتت بغتة دون تقدم مرض ولا سبب. (وَأَظُنُّهَا) أي: لعلمي
بحرصها على الخير. (لَوْ تَكَلَّمَتْ) أي: لو قدرت على الكلام.
(تَصَدَّقَتْ) أي: من مالها بشيء، أو أوصت بتصدق شيء من مالها. قال
الحافظ: وظاهره: أنَّها لم تتكلم فلم تتصدق، لكن في ((الموطأ)) والنسائي
والحاكم عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه عن
جده. قال: خرج سعد بن عبادة مع النبي ◌َّ في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة
بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فبم أوصي؟ المال مال سعد فتوفيت قبل أن
يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة ذكر ذلك له، فقال سعد: يا رسول الله، هل
ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال رسول اللَّه وَخلّ: ((نَعَمْ))، فقال سعد: حائط كذا وكذا
صدقة عنها، لحائط سماه، وهذا نص في التكلم، فيمكن أن يؤول رواية الكتابة بأن
المراد: أنها لم تتكلم أي: بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت، أي: فكيف أمضي
ذلك. أو يحمل على أن سعدًا ما عرف بما وقع منها، فإنَّ الذي روى هذا الكلام في
((الموطأ)) هو سعيد بن عبادة أو ولده شرحبيل مرسلًا، فعلى التقديرين لم يتحد
راوي الإثبات وراوي النفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك، انتهى. وبسط العيني في
إثبات المنافاة بين الراويتين، وبنى على ذلك أن الرجل المبهم في حديث عائشة
رجل آخر غير سعد بن عبادة فلا حاجة على هذا إلى الجمع.
(فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة ((إن)) على أنها شرطية. قال
الزركشي: وهي الرواية الصحيحة ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم
يفعل، لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من ((إن)) أمكن
تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء ((أن)) المفتوحة الهمزة شرطية
كـ((إن)) المكسورة ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذٍ صحيح بلا شك، ذكره
القسطلاني .
١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَالَ: نَعَمْ) لها أجر إن تصدقت عنها، وقد بين النسائي من وجه آخر جهة
الصدقة المذكورة، فأخرج من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة. قال:
قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها. قال: ((نَعَمْ))، قلت: فأي
الصدقة أفضل؟ قال: ((سَقْيُ الْمَاءِ))، وقد سبق هذا الحديث في فضل الصدقة،
ومرَّ قريبًا أنه تصدق عنها بحائط، وطريق الجمع: أنه تصدق عنها بالحائط من تلقاء
نفسه، وبالماء بأمره وَّ بعد سؤاله عنه، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث: جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة
إليه، ولا سيما إن كان من الولد وكذا حكم الدعاء وهو مخصص لعموم قوله
﴾ [النجم: ٣٩] وقد اختلف في غير الصدقة من
تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى
أعمال البر، هل تصل إلى الميت كالصلاة وتلاوة القرآن؟ والمختار عند الحنفية:
نعم قياسًا على الدعاء، وعندي فيه تأمل .
وفيه: أنه يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدق عنه أهله، وترجم البخاري على
هذا الحديث باب: موت الفجاءة. قيل: أشار بهذا إلى أن موت الفجاءة ليس
بمكروه؛ لأنه وَّي لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرجل بانفلات نفس أمه، وهو
محمول على المتهيئ للموت، والمتأهب والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك
يحمل خبر ابن أبي شيبة عن عائشة وابن مسعود: ((مَوْتُ الفجَاءَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ
وَأَسَفٌ عَلَى الفَاجِرِ))، وخبر أبي داود: ((مَوْتُ الْفُجَاءَةُ أَخْذَةُ أَسَفٍ)).
ولأحمد من حديث أبي هريرة: أنه وَ لّر مر بجدار مائل فأسرع، وقال: ((أَكْرَهُ
مَوْتَ الْفَوَاتِ))، قال ابن بطال: وكان ذلك والله أعلم لما في موت الفجاءة من
خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال
الصالحة. وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة، أن من مات فجاءة
فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة كما وقع في الحديث،
انتهى. وقد مر الكلام في ذلك في الجنائز، فليراجع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أواخر الجنائز وفي الوصايا، ومسلم في
الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك في أواخر الأقضية والنسائي في الوصايا.
كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
١١٧
الفصل الثاني
١٩٧١ - [٥] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ يَقُولُ فِي
خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ
زَوْجِهَا». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ، وَلَا الطَّعَامُ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشَّرْحُ
١٩٧١ - قوله: (لَا تُنْفِقُ) نفي، وقيل: نهي. (امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتٍ زَوْجِهَا إِلَّا
بِإِذْنِ زَوْجِهَا) أي: صريحًا أو دلالة كما سبق، وللبيهقي: ((أَلَا لَا يَحِلَّ لِامْرَأَةٍ أَنْ
تُعْطَيَ مِنْ مَالٍ زَوْجِهَا شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ)). (ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) ولابن ماجه: ((مِنْ أَفْضَلِ
أَمْوَالِنَا)) يعني: فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدرًا من الطعام بغير إذن الزوج،
فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل؟!
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الزكاة، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في التجارات والبيهقي في
الزكاة جميعهم من طريق إسماعيل بن عياش الحمصي - وهو صدوق في روايته عن
أهل بلده - عن شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي عن أبي أمامة، وحسنه
الترمذي وسكت عليه الحافظ في ((الفتح)).
(١٩٧١) التِّرْمِذِي (٦٧٠) فِي الزَّكَاةِ، وَابن مَاجَهْ (٢٢٩٥) فِي التِّجَارَاتِ عَنْهُ.
١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٧٢ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ النِّسَاءُ، قَامَتِ
امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كَلَّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا
وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلَّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: ((الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْحُ
١٩٧٢- قوله: (وَعَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقاص. (جلِيلَةٌ) أي: عظيمة القدر
كبيرة، وقيل: أو طويلة القامة. وقال الخطابي: الجليلة تكون بمعنيين: أحدهما:
تكون خليقة جسيمة. يقال: امرأة خليقة وخليقاء كذلك، والآخر: أن تكون بمعنى
المسنة. يقال: جل الرجل إذا كبرٍ وأسن، وجلت المرأة إذا عجزت. (كَأَنَّهَا مِنْ
نِسَاءِ مُضَرَ) وهو أبو قبيلة. (إِنَّا كَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام أي: ثقل وعيال.
(عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في
((المصابيح))، والذي في أبي داود يدل على عدم الجزم بلفظ: الأزواج ولفظه:
((عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا)). قال أبو داود: وأرى فيه: ((وَأَزْوَاجَنٍا)) والحديث رواه البيهقي
من طريق أبي داود، هكذا رواه أيضًا من طريقين آخرين. قال في أحدهما: ((عَلَى
آبَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا))، وفي الآخر: ((عَلَى آبْنَائِنَا وَإِخْوَانِنَا)). ونقل الخطابي في ((المعالم))
(ج٢ ص٧٩) بدون لفظ ((الأزواج)) وبني عليه شرحه ففرق بين الآباء والأبناء وبين
الأزواج في الحكم المذكور.
(فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟) أي: من غير أمرهم. (قَالَ: الرَّطْبُ) بفتح الراء
وسكون الطاء المهملة أراد به اللبن والفاكهة والبقول والمرق ونحو ذلك، مما
يسرع إليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن، وقع فيها المسامحة بترك
الاستئذان جريًا على العادة المستحسنة بخلاف اليابس من الطعام؛ لأنه يبقى على
(١٩٧٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١٦٨٦) فِي الزَّكَاةِ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ، وَأَوْرَدَهُ المُصَنِّفُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) (١٦٩٧)
◌ِلَفْظِهِ.
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
١١٩
الخزن والادخار، ذكره الطيبي أخذًا عن التوربشتي. وكذا قال الخطابي في
((المعالم)) (ج٢ ص٧٩). (تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ) أي: ترسلنه هدية.
قال الحافظ بعد ذكر حديث أبي أمامة المتقدم، وحديث سعد هذا ما لفظه:
وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرطب: ما يتسارع إليه الفساد
فأذن فيه بخلاف غيره، ولو كان طعامًا، انتهى. وقال العيني أخذًا عن ((شرح
الترمذي للعراقي)): فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة، فمنها: ما يدل
على منع المرأة عن أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه، وهو حديث أبي أمامة،
ومنها: ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك، وهو حديث عائشة السابق
في أول الباب.
ومنها: ما قيد الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منها، وبكونها غير مفسدة
وهو عائشة أيضًا، ومنها: ما مقيد بكونها غير مفسدة، وإن كان من غير أمره وهو
حديث أبي هريرة المتقدم وفيه وعد نصف الأجر، ومنها: ما قيد الحكم فيه بكونه
رطبًا وهو حديث سعد بن أبي وقاص. قلت: كيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف
عادة باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك، أو
كراهته لذلك وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح
به، وبین أن یکون له خطر في نفس الزوج یبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا
يخشى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن
خزيمة في (صحيحه))) والبغوي في ((شرح السنة)) والبيهقي في الزكاة (ج٤
ص ١٩٣).