النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثانيه، وبكسر أوله وسكون ثانيه. وهي القرابة، يقال: وصل رحمه أي: أحسن إلى
الأقربين إليه من ذوي النسب، وعطف عليهم ورفق بهم.
(وَصَلُّوا) بتشديد اللامِ. (بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ) بكسر النون جمع نائم أو مصدر
بمعنى اسم الفاعل أي: لأنه وقت الغفلة، فلأرباب الحضور مزيد المثوبة، أو
لبعده عن الرياء والسمعة. (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلام) أي: سالمين من المكروه أو
التعب والمشقة، أو يسلم عليكم الملائكة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد وصححه. (وَابْنُ مَاجَهْ) في صلاة الليل وفي الأطعمة
واللفظ له. (والدَّارِمِيُّ) في صلاة الليل، وفي الاستئذان. ونسبه المنذري في
(الترغيب)) للترمذي، والحاكم، ونقله عن الترمذي أنه قال: حديث حسن
صحيح، وعن الحاكم أنه قال: صحيح على شرط الشيخين. وفي الباب عن أبي
هريرة عند الحاكم من وجهين. وقال: في كل منهما حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وتعقبه الذهبي في الأول بأن عبيد الله بن أبي حميد قال: أحمد ترك
حديثه. وقال المنذري: عبيد الله بن أبي حميد متروك ووافقه الذهبي في الثاني.
١٩٢٥ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ:
((اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلاَمَ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَام)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجِّهْ]
الْشَرْحُ
١٩٢٥- قوله: (اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ) أي: أفردوه بالعبادة. (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِسَلام) أي: فإنكم إذا فعلتم ذلك ومتم عليه؛ دخلتم الجنة آمنين، لا خوف عليكم
ولا أنَّتم تحزنون.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الأطعمة وصححه.
(١٩٢٥) التِّرْمِذِي (١٨٥٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٦٩٤) فِي البِرِّ، عَنْهُ.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ فضْل الصَّدَقةِ
٤١
(وَابْنُ مَاجَهْ) في الأدب، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) بلفظ:
((اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَفْشُو السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ تَدْخُلُوا الْجِنَانَ)).
١٩٢٦ - [٢٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)).
الْشَّرْجُ
١٩٢٦ - قوله: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) أي: سخطه على من عصاه.
(وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ) بكسر الميم وسكون الياء، أصلها موتة مصدر للنوع، كالجلسة
أبدلت واوه ياءً لسكونها وكسرة ما قبلها، وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في
الموت. و((السوء)) بفتح السين ويضم.
والمراد بميتة السوء: الحالة السيئة التي يكون عليها عند الموت، مما يؤدي إلى
كفران النعمة من الآلام والأوجاع المفضية إلى الفزع والجزع، والغفلة عن ذكر
الله. ومنها: موت الفجاءة وسائر ما يشغله عن اللَّه مما يؤدي إلى سوء الخاتمة.
وقيل: إن المراد: إنها تقيه من الفتانات عند الموت، أو أنه يوفق للتوبة، فلا
يموت، وهو عاص مصر على ذنب، أو أنه يموت ميتة سالمة من نحو هدم، وغرق
وحرق، ولا مانع من إرادة الجميع .
وقال العراقي: الظاهر أن المراد بها ما استعاذ منه النبي ◌ُّ من الهدم، والتردي
والغرق والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل في سبيل الله مدبرًا.
وقال بعضهم: هي موت الفجاءة. وقيل: ميتة الشهرة كالمصلوب. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزكاة. وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن حبان
في (صحيحه))، وروى ابن المبارك في كتاب ((البر)) شطره الأخير، ولفظه: ((إِنَّ اللهَ
◌َيَدْرَأُ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ مِيْتَةِ السُّوءِ)) كذا في ((الترغيب)) للمنذري.
(١٩٢٦) التِّرْمِذِي (٦٦٤) فِي الزَّكَاةِ، عَنْ أَنَسٍ.

٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
١٩٢٧ - [٢٥] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ
صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَىَّ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوَِكَ فِي
إِنَاءِ أَخِيَكَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]
الْشِّرُْ
١٩٢٧- قوله: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) قد سبق بيان معناه. وقال التوربشتي :
المعروف اسم لكل فعل يعرف حسنه بالشرع، أو يعرف بالعقل من غير أن ينازع فيه
الشرع. وكذلك القول المعروف. وقد قيل: الاقتصاد في الجود معروف؛ لأنه
مستحسن بالشرع والعقل.
والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة؛ وذلك لأن عليه أن
يتحرى الصدق فيها. وقد استعمل في الواجبات وأكثر ما يستعمل في التطوع به،
ويستعمل أيضًا في الحقوق التي تجافي عنها الإنسان. قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة - ٤٥] أي: تجافى عن القصاص
الذي هو حقه، وقد أجرى في التنزيل ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة قال
تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨٠٢٧] فقوله: (كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) أي:
محل فعل المعروف محل التصدق بالمال، ويقع التبرع بذلك موقعه في القربة،
فالمعروف والصدقة. وإن اختلفا في اللفظ والصيغة، فإنهما يتقاربان في المعنى،
ويتفقان في الأمر المطلوب منهما، وقد عرفنا الاختلاف بينهما من الكتاب. قال
تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤] وعرفنا الاتفاق بينهما في المعنى
من السنة. انتهى.
(وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ) أيس: من جملة أفراده. (أَنْ تَلْقَى أَخَاَكَ) أي: المسلم.
(بِوَجْهٍ) بالتنوين. (طَلْقٍ) تقدم ضبطه، ومعناه: يعني تلقاه منبسط الوجه متهلله.
(وَأَنْ تُفْرِغَ) من الإفراغَ أي: تصب. (مِنْ دَلْوِلَكَ) أي: عند استقائك. (فِي إِنَاءِ
(١٩٢٧) التِّرْمِذِي (١٩٧٠) فِيهَا، عَنْ جَابِرٍ .

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ
٤٣
أَخِيكَ)؛ لئلا يحتاج إلى الاستقاء، أو لاحتياجه إلى الدلو. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣
ص ٢٤٤). (والتِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر
عن أبيه عن جابر .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال القاري: وفي كثير من نسخ
الترمذي: ((حسن))، فقط. وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر. قال
الذهبي: فيه لين وقد وثقه أحمد؛ كذا ذكره مَيْرَك. انتهى. قلت: صدر الحديث
متفق عليه كما سبق، والمنكدر بن محمد بن المنكدر لين الحديث كما قال الحافظ
في ((التقريب)): وقد تفرد بتوثيقه أحمد، ولينه غيره وتكلموا فيه من جهة حفظه.
١٩٢٨ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: («تَبَسُّمُكَ فِي
وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرَُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ،
وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَنَصْرُكَ الرَّجُلَِ الرَّدِيءَ
الْبَصَرَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَنَّكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْلَكَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ
صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِلَ فِي دَلْوٍ أَخِيَكَ لَكَ صَدَقَةٌ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ]
الْشَّرْجُ
١٩٢٨ - قوله: (تَبَسُّمُك) هو أن تظهر الأسنان بدون صوت، فإن كان بصوت
لطيف يسمعه من يقربه فقط؛ كان ضحكًا. فإن كان الصوت قويًّا يسمعه البعيد
سمي قهقهة. (فِي وَجْهِ أَخِيَكَ) في الدين (صَدَقَةٌ) كذا في جميع النسخ الحاضرة،
وكذا نقله المنذري في ((الترغيب))، وعليه بنى القاري شرحه كما سيأتي. ووقع في
نسخ الترمذي ((لك صدقة))، وهكذا نقله السيوطي في ((الجامع الصغير))، يعني
إظهارك البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة.
(وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما عرفه الشرع والعقل بالحسن. (وَنَهْيُكَ عَنْ
(١٩٢٨) التِّرْمِذِي (١٩٥٦) فِي البِرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ .

٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الْمُنْكَرِ) أي: ما أنكره وقبحه (صَدَقَةٌ) كذلك. (وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ) أي: الإنسان.
(فِي أَرْضِ الضَّلَالِ) أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت له، وهي التي لا علامة فيها
للطريق، فيضل فيها الرجل. (لَكَ صَدَقَةٌ) بالمعنى المقرر. قال القاري: زيد لك
في هذه القرينة، والتي بعدها لمزيد الاختصاص. (وَنَصْرُكَ) أي: إعانتك. (الرَّجُلَ
الرَّدِيءَ الْبَصَرَ) بالهمز ويدغم أي: الذي لا يبصر أصلاً أو يبصر قليلًا. قال القاري:
وضع النصر موضع القياد؛ مبالغة في الإعانة كأنه ينصره على كل شيء يؤذيه.
انتھی .
قلت: وقع في نسخ الترمذي: ((بَصَرَُكَ لِلرَّجُلِ)) بالباء الموحدة، وكذا نقله
العزيزي، والحفني في ((شرح الجامع الصغير))، والجزري في ((جامع الأصول))
(ج١٠ ص٣٤٢) وهكذا وقع في ((صحيح ابن حبان)) كما في ((الترغيب))، والبصر
محركة حس العين والعلم والرؤية. والمراد: تبصيرك الرجل الرديء البصر لك
صدقة. وقيل: المعنى: إذا بصرت رجلًا رديء البصر فأعنته؛ كان ذلك لك
صدقة. (وَإِمَاطَتِكَ) أي: إزالتك وتنحيتك. (الْحَجَرَ وَالشَّوْلَكَ وَالْعَظْمَ) أي:
ونحوها. (عَنِ الطَّرِيقِ) أي: طريق المسلمين المسلوك، أو المتوقع السلوك.
(وَإِفْرَاغُكَ) أي: صبك. (مِنْ دَلْوِلَكَ فِي دَلْوٍ أَخِيَكَ) في الدين. (لَكَ صَدَقَةٌ) فكيف
إذا لم يكن لأخيك دلو؟ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا: حديث حسن
غريب، ويؤيده قول المنذري في ((الترغيب)): رواه الترمذي وحسنه، والحديث
أخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))، وابن حبان في ((صحیحه)).

٤٥
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
١٩٢٩ - [٢٧] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهُ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ
مَاتَتْ، فَأَتُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الْمَاءُ)). فَحَفَرَ بِثْرًا، وقَالَ: هَذِهِ لِأُمُّ سَعْدٍ .
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٩٢٩ - قوله: (إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ) أراد به نفسه، واسم أمه عمرة بنت مسعود بن
قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار صحابية، وكانت
من المبايعات، توفيت في زمن النبي ◌ّ في سنة خمس من الهجرة. قال ابن
سعد: ماتت والنبي وُّل في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وابنها سعد بن
عبادة معه، قال: فلما جاء النبي ◌َّه المدينة أتى قبرها فصلى عليها. قال الحافظ:
وثبت أنها لما ماتت سأل والدها النبي وَّل﴾ عن الصدقة عنها، ولها أربع أخوات اسم
كل منهن أيضًا عمرة أسلمن وبايعن .
قال الحافظ في ((الإصابة)): عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة
والدة سعد بن عبادة ماتت في حياة النبي ◌ّ سنة خمس. وعمرة بنت مسعود
الصغری خالة سعد بن عبادة، کانت زوج أوس بن زید بن أصرم، ثم تزوجها سهل
ابن ثعلبة. وعمرة بنت مسعود بن قيس الأنصارية أخت اللتين قبلها. قال ابن
سعد: كن خمس أخوات اسم كل منهن عمرة أسلمن وبايعن، وهذه هي الثالثة أمها
عميرة بنت عمرو بن حزام تزوجها ثابت بن المنذر والد حسان وعمرة بنت مسعود
الرابعة شقيقة التي قبلها تزوجها زيد بن مالك وعمرة بنت مسعود الخامسة شقيقة
اللتين قبلها، وهي والدة قيس بن عمرو من بني النجار. (فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) أي:
لها بوصول ثوابها إليها .
وفي رواية لأبي داود: أيُّ الصدقة أعجب إليك؟ (قَالَ: الْمَاءُ)، وفي رواية
أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان: قال: ((سَقْيُ الْمَاءِ)) أي: في ذلك الوقت
(١٩٢٩) أَبُو دَاوُد (١٦٨١)، وَالنَّسَائِي (٢٥٤/٦) عَنْهُ فِيهَا، وَفِيهِ مَجْهُولٌ.

٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
لقلته بالمدينة يومئذ، أو على الدوام؛ لأنه أحوج الأشياء عادة. قال القاري: إنما
كان الماء أفضل؛ لأنه أعم نفعًا في الأمور الدينية والدنيوية؛ خصوصًا في تلك
البلاد الحارة ولذلك من الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا لِنُحْعِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا
[الفرقان: ٤٩] كذا ذكره الطيبي. وفي
٤٩
وَنُقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا
((الأزهار)) الأفضلية من الأمور النسبية، وكان هناك أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة
الماء .
(فَحَفَرَ) أي: سعد، وفي بعض النسخ. قال: أي: الراوي عن سعد فحفر،
وهكذا وقع في أبي داود. (بِثْرًا) بالهمز ويبدل. (وَقَالَ) أي: سعد. (هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ)
أي: هذا البئر صدقة لها أو ثواب هذه البئر لها، وفيه: فضيلة سقي الماء، وفضيلة
الصدقة عن الميت، وأن ثواب الصدقة المالية يصل إلى الميت وهو أمر مجمع
عليه، لا اختلاف فيه عند أهل السنة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الزكاة. (وَالنَّسَائِيُّ) في الوصايا. واللفظ لأبي داود،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٢٨٥ وج ٧ ص٦) وابن ماجه في الأدب، وابن خزيمة
وابن حبان في ((صحيحيهما)). والحاكم (ج١ ص٤١٤) والبيهقي (ج٤ ص ١٨٥)
وقد سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وتعقبه
الذهبي في ((تلخيصه))، والمنذري في ((ترغيبه)). قال الذهبي بعد ذكر كلام الحاكم
قلت: لا، فإنه غير متصل. وقال المنذري: بل هو منقطع الإسناد عند الكل، فإنهم
کلهم رووه عن سعيد بن المسيب عن سعد ولم يدركه سعيد، فإن سعدًا توفي بالشام
سنة خمس عشرة .
وقيل: سنة إحدى عشرة ومولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة، ورواه
أبو داود والنسائي والحاكم أيضًا. وأحمد عن الحسن البصري عن سعد ولم يدر كه
أيضًا، فإن مولد الحسن سنة إحدى وعشرين، ورواه أبو داود أيضًا وغيره عن أبي
إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد. انتهى كلام المنذري. وقد ذكر نحو ذلك في
((مختصر السنن)).

٤٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
١٩٣٠ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «أَيُّمَا مُسْلِم
كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْي؛ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَّ
مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ؛ أَطْعَمَةَ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّة، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَا مُسْلِمًا عَلَى
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَّ والتِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
ظَمٍَ؛ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ)).
الشَّرْجُ
١٩٣٠- قوله: (أَيُّمَا مُسْلِم) (مَا) زائدة و(أَيُّ) مرفوع على الابتداء. (کَسَا)
أي: ألبس. (عَلَى عُرْي) بضم فسّكون أي: على حالة عري، أو لأجل عري، أو
لدفع عري، وهو يشملَ عري العورة وسائر الأعضاء. (كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ)
بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين، جمع أخضر أي: من الثياب الخضر فيها
من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وخصها؛ لأنها أحسن ألوانًا .
(أَطْعَمَ مُسْلِمًا) متصفًا بكونه. (عَلَى جُوعٍ) يعني: مسلمًا جائعًا. (أَطْعَمَهُ اللَّهُ)
يوم القيامة. (مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ) فيه: إشارة إلىَّ أن ثمارها أفضل أطعمتها. (عَلَى ظَمٍَ)
بفتحتين مقصورًا وقد يمد أي: عطش. (مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُوم) أي: يسقيه من خمر
الجنة الذي ختم عليه بمسك؛ جزاء وفاقًّا، إذ الجزاء من جنس العمل. قال
القاري: الرحيق صفوة الخمر، والشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم هو
المصون الذي لم ينبذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه، وهو عبارة عن
نفاسته. انتهى.
قال المناوي: والمراد: أنه يخص بنوع من ذلك أعلى، وإلا فكل من دخل
الجنة كساه اللّه من ثيابها، وأطعمه وسقاه من ثمارها وخمرها. وفي الحديث:
الحث على أنواع البر وإعطائها مَن هو مفتقر إليها، وكون الجزاء عليها من جنس
العمل. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الزكاة. (والتِّرْمِذِيُّ) في أواخر الزهد وأخرجه
أيضًا البيهقي من طريق أبي داود (ج٤ ص١٨٥). قال الترمذي: هذا حديث
(١٩٣٠) أَبُو دَاوُد (١٦٨٢) فِيهَا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .

٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
غريب، وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد الخدري موقوفًا، وهو أصح عندنا
وأشبه، انتهى.
قلت: في سند المرفوع عند الترمذي أبو الجارود الأعمى الكوفي. ورواه عن
عطية العوفي عن أبي سعيد وأبو الجارود. قال الحافظ: فيه رافضي كذبه يحيى بن
معین وعطية العوفي صدوق، لکنه یخطئ کثیرًا شيعي مدلس، والحديث رواه أبو
داود أيضًا بسند آخر أي: من طريق أبي خالد الدالاني عن نبيح عن أبي سعيد. وقد
سكت عنه هو، وقال المنذري: في ((مختصر السنن)) في إسناده أبو خالد يزيد بن
عبد الرحمن المعروف. بالدالاني، وقد أثنى عليه غیر واحد وتكلم فيه غير واحد،
وقال في ((الترغیب)): حديثه حسن. انتهى.
١٩٣١ - [٢٩] وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ :
((إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ)) ثُمَّ ثَلاَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
اُلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ، الآية.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ ]
الْشَّرْحُ
١٩٣١ - قوله: (وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) هي فاطمة ابنة قيس بن خالد القرشية
الفهرية أخت الضحاك بن قيس الأمير يقال: كانت أكبر منه بعشر سنين صحابية
مشهورة، وكانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل وكمال، وفي
بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب رَضَِّهُ، وخطبوا خطبتهم
المأثورة، وكانت عند أبي عمر بن حفص المخزومي، وطلقها فتزوجت بعده
أسامة بن زيد. وهي التي روت قصة الجساسة بطولها فانفردت بها مطولة رواها
عنها الشعبي، لما قدمت الكوفة على أخيها، وهو أميرها وفي طلاقها ونكاحها بعد
سنن كثيرة مستعملة، روى عنها جماعة منهم الشعبي والنخعي وأبو سلمة.
(١٩٣١) التِّرْ مِذِي (٦٥٩ - ٦٦٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَفِيهِ أَبُو حَمْزَةَ مَيْمُونُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ
أَخْرَجَهُ ابن مَاجَهْ (١٧٨٩) مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: ((لَيْسَ فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)) وَالجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَعَ
الاضْطِرَابِ صَعْبٌ.

٤٩
كِتّابُ الزّكاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
(إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ) عند الترمذي عن فاطمة قالت: سألت، أو سئل
النبيُّ بَِّ عن الزكاة فقال: ((إِنَّ فِي الْمَالِ ... )) الخ. وفي رواية الدار قطني قلت:
يا رسول الله في المال حق سوى الزكاة قال: ((نَعَمْ)) ثم قرأ: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وفي رواية البيهقي عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي ◌ِّل
أو قالت: سئل عن هذه الآية: ﴿فِيَّ أَقْوَلِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] قال: ((إِنَّ فِي هَذَا
الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ)) وتلا هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال
المناوي: قوله: (إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ) كفكاك أسير وإطعام مضطر وإنقاذ
محترم، فهذه حقوق واجبة غيرها، لکن وجوبها عارض، فلا تدافع بینه وبین خبر
ليس في المال حق سوى الزكاة. انتهى. وقال القاري: وذلك مثل أن لا يحرم
السائل والمستقرض، وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصة وغيرهما،
ولا يمنع أحد الماء والملح والنار، وكذا ذكره الطيبي وغيره. انتهى.
قلت: حديث: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)) لا يعرف له إسناد يثبت. قال
البيهقي: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)»،
فلست أحفظ فيه إسنادًا. انتهى. نعم روي في معناه عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا
أَدَّيْتَ الزَّكَاةَ، فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ)) أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجه والحاكم،
وصححه والبيهقي: ورواه أبو داود في (المراسيل))، عن الحسن عن النبي وَل
مرسلاً. وروى الحاكم وصححه، والبيهقي من طريقة عن جابر مرفوعًا: ((إِذَا أَدَّيْتَ
زَكَاةَ مَالِكَ؛ فَقَدْ أَذْهَبْتَ عَنْكَ شَرَّه)»، ورجح أبو زرعة والبيهقي، وغيرهما وقفه كما
عند البزار. وأما ما وقع في ((سنن ابن ماجه)) في باب: ما أدى زكاته فليس بكنز،
من حديث فاطمة بنت قيس أنها سمعت النبي وَلَه يقول: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى
الزَّكَاةِ))، فالظاهر أنه خطأ من الناسخ، أو من الراوي كما سيأتي.
وقال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): قوله:" ((فَقَدْ قَضَيتَ مَا عَلَيْكَ)) أي:
من حقوق المال. وهذا يقتضي أنه ليس عليه واجب مالي غير الزكاة، وباقي
الصدقات كلها تطوع. وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة إلا أن يقال:
الكلام في حقوق المال، وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال، بمعنى أنه
يوجبه المال، بل يوجبه أسباب أخر، كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك،
فالحقوق التي يوجبها المال فقط، تقضى بالزكاة. انتهى. وقيل: المراد بقوله:

٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((فَقَدْ قَضَيتَ مَا عَلَيْكَ)) أي: قضيت أعظم ما عليك من الحق. وقيل: المراد بقوله:
((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقُّ سِوَى الزَّكَاةِ)) أي: ليس في المال حق مثل الزكاة سواها.
(ثُمَّ تَلَا) أي: قرأ استشهادًا. (﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾) بالرفع والنصب. (﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. الآية) أي: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ
وَالْمَلَكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِّئِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِ الرِّقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال الطيبي وجه
الاستشهاد: أنه تعالى ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه، ثم قفاه بإيتاء الزكاة، فدل
ذلك على أن في المال حقًّا سوى الزكاة. قيل: الحق حقان: حق يوجبه الله تعالى
على عباده، وحق يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح، الذي جبلت
عليه. وعليه إشارة بقوله: على حبه أي: حب الله أو حب رسوله الإيتاء. انتهى.
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): وحاصل الاستدلال: إن الآية قد جمع فيها
بين إيتاء المال على حبه، وبين إيتاء الزكاة بالعطف المقتضي للمغايرة. وهذا
دليل: على أن في المال حقًّا سوى الزكاة؛ لتصح المغايرة. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ
وأخرجه أيضًا البيهقي كلهم من طريق شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة.
قال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك. وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف،
وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح. انتهى.
وقال البيهقي : هذا حديث يعرف بأبي حمزة وميمون الأعور، وقد جرحه أحمد
ابن حنبل ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث. انتهى. ونسب
الشوكاني هذا الحديث في ((فتح القدير)) (ج١ ص١٥١) لابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم وابن عدي والدارقطني وابن مردويه أيضًا، وفي سنده عند
الدار قطني نصر بن مزاحم وأبو بكر الهذلي وكلاهما متروك الحديث.
G تنبيه:
عزا المصنف حديث فاطمة باللفظ الذي ذكره إلى ابن ماجه أيضًا، وكذا صنع
المزي في ((الأطراف)) كما قال المناوي في ((الكشف))، ونسبه الشوكاني أيضًا في
((فتح القدير)) (ج١ ص١٥١) لابن ماجه وهذا مبني على ما وقع في أكثر نسخ ابن
ماجه أو في كثير منها بلفظ: ((فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ))، وقد وقع في بعض

٥١
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
نسخه في الباب المذكور مكانه بلفظ : ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)» .
قال الولي العراقي في ((طرح التثريب)) (ج١ ص١١) في شرح قوله: ((وَمِنْ حَقِّهَا
حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا)) في هذا: دليل لمن يرى في المال حقوقًا غير الزكاة وهو مذهب
أبي ذر غير واحد من التابعين. وفي ((جامع الترمذي)) عن فاطمة بنت قيس عن
النبيِ وَلَّ((أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ)) وهو عند ابن ماجه بلفظ: ((فِي الْمَالِ حَقٌّ
سِوَى الزَّكَاةِ)، وفي بعض نسخه: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ))، واقتصر
والدي يعني: الزين العراقي ◌َّلهُ في ((شرح الترمذي)) على نقل هذا اللفظ الثاني.
وقال: قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٤ ص٨٤): إن هذا الحديث يرويه
أصحابنا في ((التعاليق)) ولست أحفظ فيه إسنادًا، ثم اعترض عليه والدي رواية ابن
ماجه له، وقد عرفت ما في ذلك. انتهى.
قلت: وكذا اعترض عليه الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٧٣) هذه الرواية وهذا
كله كما ترى يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه في ذلك، ويدل على ذلك أيضًا أن
الجزري ذكر في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص٢٩٨) اللفظ الأول. واقتصر في
تخريجه على ذكر الترمذي، ولم يذكر ابن ماجه، وبين اللفظين تخالف وتباين
ظاهر. والصواب عندي: ما وقع في أكثر نسخ ابن ماجه بلفظ: ((فِي الْمَالِ حَقٌّ
سِوَى الزَّكَاةِ)) لأن هذا موافق لرواية الترمذي والدارمي والدار قطني وابن جرير
وغيرهم.
وأما ما وقع في بعض نسخه بلفظ: ((لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقُّ سِوَى الزَّكَاةِ)) فهو خطأ
من الناسخ، وجنح من لم يقف على اختلاف النسخ في ذلك، وقد رأى في نسخته
اللفظ الثاني إلى أن رواية ابن ماجه خطأ من الراوي ووهم منه، وأن المحفوظ هي
رواية الترمذي والدارمي وغيرهما؛ لأن مدار رواية ابن ماجه على يحيى بن آدم عن
شريك، وقد خالفه الأسود بن عامر المعروف بشاذان عند الترمذي والبيهقي
ومحمد بن الطفيل عند الدارمي والترمذي كلاهما روياه عن شريك بلفظ: ((إِنَّ فِي
الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ))، وتطرق الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الاثنين، ويدل
على ذلك أيضًا الاستشهاد بالآية في رواية الترمذي والدار قطني والبيهقي كما لا
يخفى على المتأمل.
قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): من نظر بين الروايتين يرى أن رواية

٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المصنف يعني ابن ماجه أقرب إلى الخطأ من رواية الترمذي؛ لقوة رواية الترمذي
بالدليل الموافق لها فيتأمل. انتهى.
١٩٣٢ - [٣٠] وَعَنْ بُهَيْسَةَ، عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
الشَّيْءُ الَّذِى لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: ((الْمَاءُ)) قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ مَا الشَّيءُ الَّذِى لاَ
يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: ((الْمِلْحُ)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيءُ الَّذِى لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ؟
قَالَ: ((أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشّوْحُ
١٩٣٢ - قوله: (وَعَنْ بُهَيْسَةَ) بضم الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية
بعدها سين مهملة. قال في ((التقريب)): بهيسة بالمهملة مصغرًا الفزارية لا تعرف
من الثالثة - وهي الطبقة الوسطى من التابعين - ويقال: إن لها صحبة. وقال في
((تهذيب التهذيب)): بهيسة الفزارية عن أبيها عن النبي ◌َّ. قال ابن حبان: لها
صحبة. وقال ابن القطان: قال عبد الحق: مجهولة، وهي كذلك.
وقال في ((الإصابة)): في ترجمة بهيسة: لولا قول ابن حبان إن لها صحبة لما كان
في الخبر ما يدل على صحبتها؛ لأن سياق ابن مندة إن أباها استأذن النبي وَّ،
فأدخل يده في قميصه، وسياق أبي داود والنسائي عن أبيها أنه استأذن وهو المعتمد
انتھی.
وقال الذهبي في ((التجريد)): بهيسة أدركت النبي وَّر وروت عن أبيها، روى
سيار بن منظور عن أبيه عنها، وعلم عليها د، ع وذكرها ابن الأثير في ((أسد الغابة)).
وقال: أدركت النبي ◌َّله وروت عن أبيها، ثم ذكر حديث الباب. (عَنْ أَبِيهَا) اسمه
عمير بالتصغير صحابي. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): أبو بهيسة الفزاري عن
النبي ◌َّل وعنه بنته بهيسة، ترجم له ابن مندة وغيره في الكنى، وسماه ابن عبد البر
في ((الاستيعاب)) عمیرًا.
(١٩٣٢) أَبُو دَاوُد (١٦٦٩، ٣٤٧٦) فِي الزَّكَاةِ وَالْبُوعِ عَنْ بُهَيْسَةَ، عَنْ أَبِهَا .

٥٣
كِتَابُ الزَّكاةِ
*< <<< ******* ** ** cores *
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
وقال في الأسماء من ((الإصابة)): عمير الفزاري والد بهيسة ذكره أبوعمر فسماه
عميرًا، ولم أره لغيره ويأتي في الكنى. انتهى. وقال في الكنى: أبو بهيسة الفزاري
ذكره أبو البشر الدولابي في ((الكنى))، وأورد له من طريق كهمس عن سيار بن
منظور عن أبيه هذا الحديث. ثم قال بعد بيان الاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر أن
اسم والد بهيسة عمير. انتهى. وذكره الذهبي في ((تجريده)) في الأسماء والكنى.
وقال: لم يصح حديثه. (قَالَتْ: قَالَ) أي: أبوها. (مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلَّ مَنْعُهُ؟
قَالَ: ((الْمَاءُ))) أي: عند عدم احتياج صاحب الماء إليه، وإنما أطلق بناء على وسعه
عادة. وقيل: المراد: إن الماء من الأشياء المحقرة، التي لا ينبغي للإنسان منعها
من المحتاج والجار، وسيأتي بسط الكلام عليه في باب: المنهي عنها من البيوع،
وفي باب: إحياء الموات والشرب. (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ) تفنن في العبارة.
(قَالَ: الْمِلْحُ)؛ لكثرة احتياج الناس إليه وبذله عرفًا. قال الشوكاني: ظاهر
الحديث عدم الفرق بين ما كان في معدنه، أو قد انفصل عنه ولا فرق بين جميع
أنواعه الصالحة للانتفاع بها. وقال الخطابي: معنى هذا الحديث الملح إذا كان في
معدنه في أرض أو جبل غير مملوك، فإن أحدًا لا يمنع من أخذه. وأما إذا صار في
حيز مالكه فهو أولى به، وله منعه وبيعه والتصرف فيه كسائر أملا كه. انتهى.
(أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ) مصدرية أي: فعل الخير جميعه. (خَيْرٌ لَكَ) يعنى: فعل الخير
الذي تدعو إليه نفسك الزكية خير لك لا يحل لك منعه، فهذه القرينة أعم من
الأوليين، فهي كالتذييل لهما. قال القاري: قوله: (أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ) لقوله
[الزلزلة: ٧] والخير لا يحل منعه،
تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
فهذا تعميم بعد تخصيص، وإيماء إلى أن قوله: (لَا يَحِلّ) بمعنى: لا ينبغي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة وفي البيوع وأخرجه أيضًا الدارمي في البيوع بلفظ: مَا
الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ فقال: ((الْمِلْحُ وَالْمَاءُ))، فقال: ما الشيء الذي لا يحل
منعه؟ قال: ((أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ))، قال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال:
((أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ))، وانتهى إلى الملح والماء. انتهى. ونسبه المجد بن
تيمية في ((المنتقى)) لأحمد وأبي داود والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وأعله
عبد الحق وابن قطان بأن بهيسة لا تعرف.

٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشوكاني: وتعقب بأنه ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة، ولحديثها
شواهد يريد بها، ما روى في الباب من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه بسند
صحيح: (ثَلَاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ، وَالْكَلَةُ، وَالنَّارُ)) ومن حديث عائشة عند ابن ماجه
أيضًا قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الْمَاءُ، وَالْمِلْحُ،
وَالنَّارُ ... )) الحديث. وإسناده ضعيف، ومن حديث أنس عند الطبراني. في
((الصَّغِيْرِ)): ((خَصْلَتَانِ لَا يَحْلُّ مَنْعُهُمَا: الْمَاءُ، وَالنَّارُ)). قال أبو حاتم في ((العلل)) :
هذا حديث منكر ومن حديث عبد الله بن سرجس عند العقيلي في ((الضعفاء)) نحو
حدیث بهيسة. ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجه. ومن حديث ابن عمر عند
الطبراني بلفظ: ((الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثِلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأَ، وَالنَّارِ)).
١٩٣٣ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا
مَيْتَةً؛ فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ مِنْهُ، فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ]
الْشِّرْحُ
١٩٣٣- قوله: (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً) أي: زرع أرضًا يابسة شبهها بالميت
بجامع عدم النفع، وشبه تعميرها بالسقي والزرع، أو الغرس بالإحياء بجامع النفع .
(فَلَهُ فِيهَا) أي: في نفس إحيائها. (أَجْرٌ وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ) أي: كل طالب رزق من
إنسان، أو بهيمة، أو طائر من عفوته أي: أتيته أطلب معروفة، وعافية الماء:
واردته. وفي بعض الروايات: ((الْعَوَافِي)) أي: طلاب الرزق. (مِنْهُ) أي: من
حاصل الأرض وريعها، أو من المأكول، أو من النبات، وفي ((سنن الدارمي)):
((مِنْهَا)) .
(فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ) أي: إذا كان له راضيًا، أو متحملًا صابرًا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) في
البيوع. وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي في ((الكبرى))، وابن حبان والضياء في
(١٩٣٣) النَّسَائِي في الكبرى (٥٧٥٧) فِي إِحْيَاءِ المَوَاتِ عَنْ جَابِرٍ .

كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ فضْل الصَّدقةِ
٥٥
المختارة، كلهم من رواية هشام بن عروة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن
جابر، وهذا إسناد صحيح.
قال الحافظ في ((التلخيص)): صرح عند ابن حبان بسماع هشام من عبيد الله
وبسماعه من جابر، ورواه أيضًا من طريق وهب بن كيسان عن جابر الجملة
الأولى. واستدل به ابن حبان: على أن الذمي لا يملك الموات. لأن الأجر إنما
يكون للمسلم، وتعقبه المحب الطبري: بأن الكافر يتصدق ويجازى عليه في الدنيا
كما ورد به الحديث، قلت : - قائلة الحافظ - وقول ابن حبان أقرب للصواب،
وظاهر الحديث معه، والمتبادر إلى الفهم منه، أن إطلاق الأجر إنما يراد به
الأخروي.
١٩٣٤ - [٣٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ مَنَحَ مِنْحَةً
لَبَنٍ، أَوْ وَرِقٍ، أَوْ هَدَى زُقَّاقًا، كَانَ لَهُ مِثْلَ عِثْقِ رَقَبَةٍ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] (صحيح}
الشَّرْحُ
١٩٣٤ - قوله: (وَعَنِ الْبَرَاءِ) أي: ابن عازب. (مَنْ مَنَحَ) أي: أعطى. (مِنْحَةً
لَبَنِ) في الترمذي: ((مَنِيْحَةَ لَبَنٍ))، وقد سبق معناهما، والإضافة فيها بيانية. قال
القاري: والأظهر أن في المنحة تجريدًا بمعنى مطلق العطية ليصح العطف بقوله:
(أَوْ وَرِقٍ) بكسر الراء وسكونها، وهي قرض الدراهم؛ لأن المنحة مردودة،
انتھی .
وقال في ((اللمعات)): المنحة العطية فإضافته إلى اللبن ظاهر، ثم ذكر المراد من
منحة اللبن. ثم قال: وعطف الورق على اللبن، إن كان المنحة بمعنى العطية،
فظاهر. وإن كان بمعنى الناقة، أو الشاة المعطاة فمجاز، ومشاكلة. والمراد من
منحة الورق: قرض الدراهم، وإنما فسروه به؛ لأن المنحة من شأنها أن ترد على
صاحبها .
(١٩٣٤) التِّرْ مِذِي (١٩٥٧) فِي البِرِّ عَنِ البَرَاءِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الجزري: منحة الورق: القرض، ومنحة اللبن: أن يعطيه ناقة، أو شاة
ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا، ثم يردها.
ومنه الحديث: ((المنحة مردودة)). انتهى. (أَوْ هَدَى زُقَاقًا) قال الجزري: الزقاق
بالضم الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقة. وقيل: أراد من تصدق
بزقاق من النخل وهي السكة منها. والأول أشبه؛ لأن هدى من الهداية. لا من
الهدية، انتهى. قلت: وقع في حديث النعمان بن بشير عند أحمد: ((أَهَدَى زِقَاقًا))
من الإهداء، فالمراد بالزقاق في هذا الحديث: هو السكة أي: الصف والسطر من
النخل، وبالإهداء: التصدق. (كَانَ لَهُ) أي: ثبت له.
(مِثْلَ عِثْقِ رَقَبَةٍ) أي: كان ما ذكر له مثل إعتاق رقبة، ووجه الشبه نفع الخلق
والإِحسان إليهم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة. وقال: هذا حديث صحيح
غريب. وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان في ((صحيحه))، والبغوي في ((شرح
السنة))، وفي الباب عن النعمان بن بشير عند أحمد (ج٤ ص٢٧٢) بلفظ: ((مَنْ مَنَحَ
مَنِيحَةً وَرِقًّا أَوْ ذَهَبًا أَوْ سَقَى لَبَنَا، أَوْ أَهْدَى زِقَاقًا؛ فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ)).

كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
٥٧
١٩٣٥ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْم قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ
فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ، لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَّدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ
هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِنَّه. قلت: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنٍ ..
قَالَ: ((لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلْ: السَّلَّامُ
عَلَيْكَ)). قلت: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِنْ أَصَابَكَ ضُرّ
فَدَعَوْتَهُ؛ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ
بِأَرْضِ قَفْرِ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ، فَدَعَوْتَهُ؛ رَدَّهَا عَلَيْكَ)). قلت: اعْهَدْ إِلَيَّ.
قَالَ:(لَا تَّسُبَّنَّ أَحَدًا)). قَالَ: فَمَا سَبَيْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً.
قَالَ: ((وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاَكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ
وَجْهُكَ، إِنَّ ذَلِكِ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارََكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ
فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيََّ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَّا يُحِبُّ
الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرََكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ؛
[وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَيَكُونَ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ وَوَيَالُهُ عَلَيْهِ))،
فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَّرَوَىَ التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ حَدِيثَ السَّلَامَ] {صحيحِ}
الْشَرْجُ
١٩٣٥- قوله: (وَعَنْ أَبِي جُرَيٌّ) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء. (جابِرِ
ابْنِ سُلَيْم) بالتصغير. ويقال: سليم بن جابر الهجيمي بالتصغير التميمي من بلهجيم
ابن عمرو بن تميم صحابي معروف، روى عنه جماعة. منهم أبو تميمة الهجيمى
ومحمد بن سيرين. قال الحافظ: قال البخاري: جابر بن سليم أصح، وكذا ذکر
البغوي والترمذي وابن حبان وغيرهم. (يَصْدُرُ النَّاسُ) أي: يرجعون. (عَنْ رَأْبِهِ)
يعني: يعملون بقوله ورأيه، والصدور: الرجوع عن المنهل بعد الري. قال الطيبي
وغيره: أي: ينصرفون عما رآه، ويستصوبونه شبه المنصرفين عن حضرته بعد
توجههم إليه، ليسألوا عن مصالح معادهم ومعاشهم، وأمور دينهم، واغترافهم من
(١٩٣٥) أَبُو دَاوُد (٤٠٨٤) بِتَمَامِهِ فِي اللَِّاسِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٧٢٢) فِي الاسْتِئْذَانِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى
(٩٦٩١) فِي الزينةِ، كِلَاهُمَا بِاخْتِصَارٍ .

٥٨
SEE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحار علمه وفضله بالصادرين عن ورودهم على المنهل، وارتوائهم. (لَا يَقُولُ شَيْئًا
إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ) أي: يأخذون منه كل ما حكم به، ويقبلون حكمه وقوله.
(لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ) أي: ابتداءً، وهو نهي تنزيه؛ قاله القاري. (عَلَيْكَ
السَّلَامُ) في أبي داود: ((فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ)). (تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ) أي: في زمان
الجاهلية. قال الخطابي: هذا يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له: عليك
السلام، كما يفعله كثير من العامة. وقد ثبت عن النبي ◌ّلي أنه دخل المقبرة فقال:
((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ))، فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية
الأحياء، وإنما كان ذلك القول منه؛ إشارة إلى ما جرت به العادة، منهم في تحية
الأموات، إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في أشعارهم
كقول الشاعر :
وَرَحْمَتُهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَتَرَكَّمَا
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمِ
وكقول الشماخ :
عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمْيِرِ وَبَارَكَتْ
يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي
ذكرناه، والله أعلم، انتهى. وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)): وكان هديه في ابتداء
السلام، أن يقول: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) وكان يكره أن يقول المبتدي:
عليك السلام، ثم ذكر ابن القيم حديث أبي جريٍّ هذا. ثم قال: وقد أشكل هذا
الحديث على طائفة، وظنوه معارضًا لما ثبت عنه وَ لّ في السلام على الأموات
بلفظ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بتقديم السلام فظنوا أن قوله: ((فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ
الْمَوْتَى))، إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطًا؛ أوجب لهم ذلك ظن
التعارض، وإنما معنى قوله: ((فإن عليك السلام تحية الموتى)) إخبار عن الواقع لا
المشروع أي: أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم:
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَخَّمَا
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ
وَلَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
فَمَا كَانَ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ
فكره النبي وَلّ أن يحي يُحَيَّى بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك لم يرد على

كِتّابُ الزّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٥٩
المسلم، وكان يرد على المسلم: ((وعليك السلام)) بالواو. وبتقديم ((عليك)) على
لفظ السلام. انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): في قوله: ومن كراهته لذلك لم يرد على
المسلم نظر. فإنه قد وقع في رواية الترمذي، ثم رد على النبي وَ لَه قال: وعليك
ورحمة الله. انتهى. (الَّذِي) صفة لله تعالى يدل عليه رواية أحمد قلت: يا رسول
الله إلاَ تدعو؟ قال: ((أَدْعُو إِلَى اللهِ وَحْدَهُ الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٍّ فَدَعَوْتَهُ؛ كَشَفَ عَنْكَ،
وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ فَدَعَوْتَهُ؛ رَدَّ عَلَيْكَ، وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَّةٌ فَدَعَوْتَهُ؛
أَنْبَتَ عَلَيْكَ)). (إِنْ أَصَابَّك) وَفي أبي داود: ((الَّذِي إِذَا أَصَابَك)). (ضُرِّ) بضم الضاد
ويفتح
(فَدَعَوْتَهُ) بصيغة الخطاب. (كَشَفَهُ عَنْكَ) أي: دفع ذلك الضر وأزاله عنك. (عَامُ
سَنَةٍ) أي: قحط وجدب. قال المنذري: السنة هي العام المقحط الذي لم تنبت فيه
الأرض شيئًا، سواء نزل غيث أو لم ينزل. (أَنْبَتَهَا لَكَ) أي: صيرها ذات نبات لك
أي: بدلها خصبًا. (بِأَرْضِ قَفْرٍ) قال القاري: وفي نسخة بالإضافة، والقفر بفتح
القاف وسكون الفاء: أي: خالية عن الشجر والماء. قال أهل اللغة: القفر: الخلاء
من الأرض، لا ماء فيه ولا ناس ولا كلاً، يقال: أرض قَفر وأرض قِفار. (أَوْ فَلَاةٍ)
بفتح الفاء: وهي المفازة والصحراء الواسعة، و(أو)) للشك. وقيلٍ: للتنويع على أن
المراد بالقفر: المفازة المهلكة، وبالفلاة المفازة الخطرة. (فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ) أي :
غابت عنك. (اعْهَدْ إِلَيَّ) بفتح الهاء أي: أوصني بما ينفعني. (لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا) بضم
السين أي: لا تشتمه. (فَمَا سَبَيْتُ بَعْدَهُ) أي: بعد عهده أحدًا. (حُرًّا وَلَا عَبْدًا، وَلَا
بَعِيرًا وَلَا شَاةً) أي: لا إنسانًا ولا حيوانًا. (وَأَنْ تُكَلَّمَ أَخَاَكَ) قيل: أي: وكلم أخاك
تكليمًا فحذف الفعل العامل، وأضيف المصدر إلى الفاعل أي: تكليمك أخاك، ثم
وضع الفعل، مع أن موضع المصدر وهو معطوف على النهي كذا في ((الشرح))،
وهو تكلف ذكره الطيبي. وقال غيره: قوله: ((وَأَنْ تُكَلَّمَ أَخَاَكَ)) إما عطف على
شيء، وإن ذلك من المعروف مستأنف علة له، أو مبتدأ وإن ذلك خبره. (وَأَنْتَ
مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ) بالرفع على أنه فاعل منبسط والجملة حال. (إِنَّ ذَلِك) بكسر
الهمزة على الاستئناف التغليبي، وفي بعض النسخ بفتحها للعلة. والمعنى: إن ما
ذكر من التكليم مع انبساط الوجه وطلاقته. (مِنَ) جملة. (الْمَعْرُوفِ) وفي رواية