النص المفهرس
صفحات 1-20
فَرَاءُ المِقَارَةُ
شَرَّحُ
مشكاة المصابيح
لِلَعَلَامَةِ المحدِّث
أَبِّ الْحَسَنْ عُبَيْدِ اللهِبنِ الْعَلَّمَةِ محمّدٍ عَبْدِ السَّلَامُ المُبَّارَكَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا الأَ نَّمَالى
تَقْديم نَفِيَة الشَّيخ
الدكتور وَضِيَ اللَّهِ بْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله
المدَس بالسِّهِالَّمَ وَالأَسْتَاء الْتَارِكِ تَجَامِعَةِ أُمّاهُفِى - بمَّ الَكَرَّتة
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْ مُحَمَّدٍ أَمِّيِّنْ
غَفَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
للُعَلَُّ النَّاسِرُ
نَّةُ كِتَابِ الزَّكَاة - كِتَابُ الصَّوْم
حَديث (١٩٠٣ - ٢١٢٨)
غَدَارُ القَبِ النَّشَرِ وَالتَوزيع
٠
مـ
شِرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَابع
المُجَلَُّ الثَّامِنُ
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٧-٨٧٧٣-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٨)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
ديوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٧-٨٧٧٣-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٨)
جميع الحقوق محفوظة لُحقّق وللنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَبَصِمْحَ وَإِخِرَاجُ
بَدَارُ الْقَبِسِ النشر والتوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com
شرعَاء الْمَفَاد
شِرَُّ
مِشِكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلَّمَةِ المُحدِّث
أَيْ الْحَسَنْ عُبَيَدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ محَد عَبْدِ السَّلَامِ المُّارَ كَفُورِّ
رَعَهُمَا اللّه تَّعَالى
تَقْيِم نَفِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ اللّه
المدرّس بالسّجِهَرَامِ وَالأَسْنَاذ المُثَرِ يَجَامِعَة أُمّالُرى- بمكّة المكرّتة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنْ
غَضَ اللّه لَ وَكَوَلَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الثَّامِنُ
تَتُِّ كِتَابِ الزَّكَاة - كِتَابُ الصَّوْم
حَديث (١٩٠٣ -٢١٢٨)
قَدَارُ الْقَبَن ◌ِالنَّشر والتّوزيع
5
٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***********<< oneax:
٦ - بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ
(بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ) هي ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، واجبًا
كان أو تطوعًا، سميت بذلك؛ لأنها تنبئ عن صدق رغبة صاحبها في مراتب
الجنان، أو تدل على تحقيق تصديق صاحبها في إظهار الإيمان.
الفصل الأول
١٩٠٣ - [١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا
بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُّرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْحُ
١٩٠٣- قوله: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ) بسكون الميم والعدل عند الجمهور
بفتح العين: المثل، وبالكسر الحمل بكسر الحاء أي: بقيمة تمرة. وقال الفراء:
العدل بالفتح المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه. وقيل: بالعكس. وقيل:
بالفتح مثله في القيمة وبالكسر في النظر، وأنكر البصريون هذه التفرقة. وقال
الكسائي: هما بمعنى كما أن لفظ المثل لا يختلف، وضبط في هذه الرواية للأكثر
بالفتح؛ قاله الحافظ. (مِنْ كَسْبٍ) أي: صناعة أو تجارة، أو زراعة أو غيرها، ولو
إرثًا وهبة.
(١٩٠٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤١٠)، ومُسْلِم (٦٣ / ١٠١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الزَّكَاةِ.
٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
PRICE *
قال الحافظ: معنى الكسب: المكسوب، والمراد به: ما هو أعم من تعاطى
التكسب، أو حصول المكسوب بغير تعاطٍ كالميراث، وكأنه ذكر الكسب؛ لكونه
الغالب في تحصيل المال. (طَيِّبٍ) أي: حلال، وقد يطلق على المستلذ بالطبع،
والمراد هنا: هو الحلال. وقال القرطبي: أصل الطيب المستلذ بالطبع، ثم أطلق
على المطلق بالشرع وهو الحلال. (وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيِّبَ) جملة معترضة بين
الشرط والجزاء؛ لتقرير ما قبله، وفيه: دليل على أن غير الحلال مقبول.
قال السندي: هذه جملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيب لا أن ثوابه
دون هذا الثواب؛ إذ قد يتوهم من التقييد أنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا
لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضًا، فذكرت هذه الجملة؛ دفعًا لهذا
التوهم، ومعنى عدم قبوله، أنه لا يثيب عليه ولا يرضى به. انتهى. قال القرطبي:
وإنما لا يقبل اللَّه الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمصدق وهو ممنوع من
التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه. فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورًا
ومنھیًّا من وجه واحد، وهو محال. انتهى.
(فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ) قيل: هو كناية عن حسن القبول ووقوعها منه رقَّ موقع
الرضا، وذكر اليمين؛ للتشريف والتعظيم وكلتا يدي الرحمن يمين. قال المازري:
هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم؛ ليفهموا عنه، فكنى عن
قبولِ الصدقة بأخذها باليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان
الشيء الذي يرتضى ويعز يتلقى باليمين ويؤخذ بها؛ استعمل في مثل هذا واستعير
للقبول والرضا، كما قال الشاعر:
تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِيِنِ
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِجْدٍ
وقال الزين بن المنير: الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبت المعاني
المعقولة من الأذهان، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات أي: لا يتشكك
في القبول، كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول
المعهود ولا أن المتناول به جارحة. انتهى.
قلت: الحق في هذا وأمثاله من أحاديث الصفات، هو ما روي عن السلف أن
يؤمن المرء به كما جاء ويجريه على ظاهره، ولا يتعرض له بتأويل وتفسير، ولا
٧
كِتّابَ الزَّكَاةِ
بَابُ فضْل الصَّدَقةِ
تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل، بل يكل علمه، ويفوض كيفه إلى العليم الخبير. قال
الترمذي في ((جامعه)): قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه
الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهًا، ولا نقول: كيف هكذا. روى عن مالك وابن
عيينة وابن المبارك وغيرهم أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف،
وأنكرت الجهمية هذه الروايات. انتهى. (ثُمَّ يُرَبِّيهَا) التربية كناية عن الزيادة أي:
يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان.
(لِصَاحِبِهَا) أي: لصاحب الصدقة، أو تلك التمرة، وفي رواية: (لِصَاحِبِهِ)) أي:
لصاحب المال، والأول أنسب بما قبلها. (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضم
اللام وفتح الواو المشددة: المهر، وهو ولد الفرس حين يفلي أي: يفطم، وهو
حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم. وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء
کعدو وأعداء.
وقال أبوزيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا کسرتها سكنت اللام كجرو،
وضرب به المثل؛ لأنه يزيد زيادة بينة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى
تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية؛ إذا كان فطيمًا،
فإذا أحسن القيام والعناية به؛ انتهى إلى حد الكمال، و کذلك عمل ابن آدم لاسيما
الصدقة التي يجاذبها الشح، ويتشبث بها الهوى، ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع،
فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومة بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا
تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول فتح دونها باب الرحمة، فلا يزال نظر
اللَّه يكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب
يقع المناسبة بينه، وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرة والجبل كذا
قال التوربشتي. (حَتَّى تَكُونَ) بالتأنيث أي: الصدقة أو ثوابها أو تلك التمرة.
(مِثْلَ الْجَبَلِ) أي: في الثقل. وفي رواية لمسلم: ((حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ
الْجَبَلِ))، ولابن جرير: ((حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ)) يعني:
التمرة، وهي عند الترمذي بلفظ: ((حَتَّى إِنَّ اللَّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ))، قال الحافظ :
والظاهر: أن المراد بعظمها، أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون
ذلك معبرًا به عن ثوابها .
٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد في عشرة مواضع والترمذي والنسائي وابن ماجه
وابن خزيمة والبيهقي وأبو عوانة، ورواه مالك عن سعيد بن يسار مرسلًا لم يذكر
أبا هريرة.
١٩٠٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ
مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٩٠٤ - قوله: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ). (مَا) نافية و(مِنْ) في قوله: (مِنْ مَالٍ)
زائدة أو تبعيضية أو بيانيه أي: ما نقصت صدقة مالًا، أو بعض مال أو شيئًا من
مال، بل تزيد أضعاف ما يعطي منه، بأن ينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، أو
بالعطية الجلية في الدنيا، أو بالمثوبة العلية المرتبة عليه في الآخرة.
(وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّا) يعني: لو ظلم أحد أحدًا، ويقدر المظلوم على
الانتقام من الظالم، فيعفو عنه، يزيد اللّه عزه في الدنيا، بسبب هذا العفو، فإن من
عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه. أو المراد: يزيد
عزه في الآخرة، بأن يعظم ثوابه وأجره هناك، أو المراد: في الدنيا والآخرة
جميعًا. (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ) بأن أنزلِ نفسه عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب
إلى الله دون غرض غيره. (إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) إما في الدنيا بأن يثبت له بتواضعه في
القلوب منزلة، ويرفعه عند الناس، ويجل مكانه، أو في الآخرة بأن يرفع درجته
وثوابه فيها بتواضعه في الدنيا، أو المراد: رفعه في الدنيا والآخرة جميعًا.
قال الطيبي: من جبلة الإنسان الشح ومتابعة السبعية من إيثار الغضب
والانتقام، والاسترسال في الكبر الذي هو من نتائج الشيطانية، فأراد الله تعالى أن
يقلعها من سنخها، فحث أولًا: على الصدقة؛ ليتحلى بالسخاء والكرم، وثانيًا:
(١٩٠٤) مُسْلِم (٢٥٨٨/٦٩) فِي الأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِي (١٦٨٣) فِي البِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهُ .
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٩
على العفو؛ ليتعزز بعزم الحلم والوقار، وثالثًا: على التواضع؛ ليرفع درجته في
الدارین. انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البر والصلة والأدب وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣٥)
والترمذي في البر والصلة، والبيهقي في الزكاة وأخرجه مالك مرسلاً.
١٩٠٥ - [٣] وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ
شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ،
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ،
دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ،
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابَ الرَّيَّانِ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى مَنْ
دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِّنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الَّأَبْوَابِ كُلُّهَا؟
قَالَ: ((نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٩٠٥ - قوله: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) أي: شيئين. (مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ) أي:
من أي: صنف من أصناف المال من نوع واحد، وقد جاء مفسرًا مرفوعًا:
(بعيرين، شاتين، حمارين، درهمين)). قال الحافظ: الزوج يطلق على الواحد وعلى
الاثنين وهو ههنا على الواحد جزمًا. وقال في ((مجمع البحار)): الزوج خلاف
الفرد، وأراد أن يشفع كل ما يشفع من شيءٍ بمثله إن كان دراهم فدرهمين، أو
دنانير فدينارين، وكذا سلاحًا وغيره. قيل: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة،
بعد مرة ففسر الإنفاق بما ينفقه؛ لأنه إذا أنفق درهمًا في سبيل الله، ثم عاد فأنفق
آخر يصير زوجين. ومعنى كلام الإنفاق بعد الإنفاق أي: يتعود ذلك ويتخذه دأبًا .
وقال القاضي: قال الهروي: في تفسير هذا الحديث قيل: وما زوجان؟ قال:
((فرسان أو عبدان أو بعيران)).
(١٩٠٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ البُخَارِي (٣٦٦٦) فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، ومُسْلِم
(١٠٢٧/٨٥) فِي الزَّكَاةِ.
١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن عرفة: كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج، يقال: زوجت بين الإبل؛ إذا
قرنت بعيرًا ببعير. وقيل: درهم ودينار أو درهم وثوب. قال: والزوج يقع على
الاثنين ويقع على الواحد وقيل: إنما يقع على الواحد؛ إذا كان معه آخر، ويقع
الزوج أيضًا على الصنف. وفسر بقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَجًا ثَلَثَّةً (
* [الواقعة: ٧]
والمطلوب تشفيع صدقة بأخرى والتنبيه على فضل الصدقة والنفقة في الطاعة
الاستكثار منها، وقال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف والنوع من كل شيء،
وكل شيئين مقترنين شكلين كانا، أو صنفين فهما زوجان، وكل واحد منهما زوج،
يريد من أنفق صنفين من ماله في سبيل الله.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في طلب ثواب الله، وهو أعم من الجهاد وغيره من
العبادات. وقيل: المراد به: الجهاد خاصة والأول أصح وأظهر؛ كذا قال القاضي
عياض. (دُعِي) بضم الدال أي: نودي، وقد ورد بيان الداعي من وجه آخر ولفظه
((دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فُل هلم)) أي: خزنة كل باب، فهو من
المقلوب. (مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) كذا في جميع النسخ مقتصرًا عليه، وهكذا وقع في
((المصابيح)). وفي ((الصحيحين)) بعد هذا: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ))، قيل: معناه: لك
هنا خير وثواب وغبطة. وقيل: معناه هذا الباب فيما نعتقده خير لك من غيره من
الأبواب؛ لكثرة ثوابه ونعيمه فتعال، فادخل منه ولا بد من تقدیر ما ذكرناه، أن كل
مناد يعتقد ذلك الباب أفضل من غيره؛ قاله النووي.
وقال الحافظ: قوله: ((هَذَا خَيْرٌ)) ليس اسم التفضيل، بل المعنى هذا أخير من
الخيرات والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة، يعني: إن لفظ (خَيْرٌ)) بمعنی فاضل
لا بمعنى أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهم ذلك، ففائدته: ترغيب السامع في طلب
الدخول من ذلك الباب. (وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ) أي: ثمانية كما في الأحاديث
الصحيحة. (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) أي: المؤدين للفرائض المكثرين من
النوافل، وكذا ما يأتي فيما بعد.
(دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ) أي: قيل: يا عبد الله ادخل الجنة من هذا الباب. قال
الحافظ: ومعنى الحديث: إن كان عامل يدعی من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك
صريحًا من وجه آخر عن أبي هريرة: ((لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه
١١
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقَةِ
بذلك العمل)). أخرجه أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. انتهى. والحاصل: أن
من أكثر نوعًا من العبادة؛ خص بباب يناسبها ينادي منها جزاءً وفاقًا .
وقال السندي في ((حاشية مسلم)): قوله: ((فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ... )) إلخ.
الظاهر من هذه الرواية: أن من أنفق زوجين ينادى في الجنة من باب واحد، وهو
الباب الذي غلب على المنفق عمل أهله، ففائدة الإنفاق: هو تكريمه بالمناداة وإلا
فهو يدخل الجنة من ذلك الباب بناء على أنه من أهله، وهذا هو الذي يدل عليه
التفصيل، وهو قوله: ((فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ... )» إلخ. وهو الذي يوافقه سؤال
أبي بكر رَوُلَهُ على الوجه المذكور في هذه الرواية. وأما حمل قوله: ((نودي)) على
النداء من جميع الأبواب، وجعل قوله: ((فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ... )» إلخ. منقطعًا
عن ذكر المنفق زوجين، بل هو بيان لأبواب الجنة وأهليها، فذاك بعيد جدًّا في
نفسه، ومع ذلك لا يناسبه سؤال أبي بكر على الوجه المذكور في هذه الرواية إلا أن
يتكلف فيه. ويقال: مَعْنى ((وهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟)) أي: غير
المنفق زوجين، وهو مع بعده يستلزم بمقتضى قوله بَ له: ((وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) أن
أبا بكر ليس من المنفقين زوجين بل من غيرهم، فوجب حمل هذه الرواية على
المناداة من باب واحد.
وحينئذٍ يظهر التنافي بحسب الظاهر بين هذه الرواية وبين الآية - يعني: حديث
أبي هريرة عند الشيخين بلفظ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّه، دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ
كُلَّ خَزَنَةِ بَابٍ : أَْ قُلْ هَلُمَّ))، فقال أبو بكر: يا رسول الله ذاك الذي لا توى عليه،
قال رسول اللَّهِوَثله: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) - فإنها تفيد أن المناداة من جميع
الأبواب، وتفيد أن أبا بكر ما سأل إن أحدًا ينادي من تمام الأبواب أو لا، بل مدح
الذي ينادي من تمام الأبواب. وهذه الرواية تخالف تلك في الأمرين كما لا
يخفي، فالخلاف: إما لسهو وقع من بعض الرواة وهو الظاهر في مثل هذا، وإما
لحمله على أنهما واقعتان في المجلسين وأنه ◌َّ أوحي إليه أولًا: بالمناداة من باب
واحد، وثانيًا: بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر في كل مجلس بما أوحي إليه،
وسأل أبو بكر في المجلس الأول عمن ينادى من تمام الأبواب، وفي المجلس
مدح ذلك المنادي على ما هو اللائق بكل مجلس، وبشره النبي وَّ في المجلسين
بأن ينادى من تلك الأبواب والله تعالى أعلم بالصواب، انتهى كلام السندي.
١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ce
(وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ) أي: ممن يغلب عليه الجهاد. (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الصَّدَقَةِ) أي: المكثرين منها. (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي: الذي الغالب عليه
الصيام، وإلا فكل المؤمنين أهل للكل. (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّیَّانِ) بفتح الراء وتشديد
التحتانية، وزن فعلان. من الري. اسم علم لباب من أبواب الجنة يختص بدخول
الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري
وهو مناسب لحال الصائمین؛ لأنهم بتعطیشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب
الريان؛ ليأمنوا من العطش.
قال الحافظ: وقع في الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة، وقد ثبت أن
أبواب الجنة ثمانية وبقي من الأركان الحج، فله باب بلا شك، وأما الثلاثة
الأخرى فمنها: باب: الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. رواه أحمد بن حنبل
عن أشعث عن الحسن مرسلاً: ((إِنَّ للهِ بَابًا فِي الْجَنَّةِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ
مَظْلَمَةٍ)). ومنها: الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب
عليه ولا عذاب. وأما الثالث: فلعله باب الذكر عند الترمذي ما يومئ إليه،
ويحتمل أن يكون باب العلم، ويحتمل أن يكون المراد بالأبواب التي يدعى منها
أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية؛ لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من
ثمانية. انتهى. وقال القاضي: قد جاء ذكر بقية أبواب الجنة الثمانية في حديث آخر
في باب: التوبة، وباب: الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب: الراضين.
فهذه سبعة أبواب جاءت في الأحاديث وجاء في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون
الجنة بغير حساب، أنهم يدخلون من الباب الأيمن فلعله باب الثامن. انتهى.
وروى الحاكم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّهِوَله: ((إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ
لَهُ: بَابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدَاوِمُونَ عَلَى
صَلَاةِ الضُّحَى، هَذَا بَابُكُمْ، فَادْخُلُوهُ بِرَحْمَةِ اللهِ»، ذكره ابن القيم في ((زاد المعاد))
(ج١ ص ٩٣).
(مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) بفتح الضاد وكلمة (مَا) للنفي
و(مِنْ) زائدة وهي اسم (مَا) أي: ليس ضرورة واحتياج على من دعي من باب واحد
من تلك الأبواب، إن لم يدع من سائرها لحصول المقصود وهو دخول الجنة،
وهذا نوع تمهيد قاعدة السؤال في قوله. (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟)
١٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ فضْل الصَّدقةِ
أي: سألت عن ذلك بعد معرفتي بأن لا ضرورة، ولا احتياج لمن يدعى من باب
واحد إلى الدعاء من سائر الأبواب؛ إذ يحصل مراده بدخول الجنة.
(قَالَ: نَعَمْ) أي: يكون جماعة يدعون من جميع تلك الأبواب؛ تعظيمًا وتكريمًا
لهم؛ لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم، وغير ذلك من أبواب الخير. قال
الحافظ: في الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى
أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها؛ لكثرة من يجتمع له
العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات، فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع
التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك، إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل
التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد وهو باب العمل الذي يكون
أغلب عليه، والله أعلم. وأما ما أخرجه مسلم عن عمر: ((مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ.)) الحديث. وفيه: ((فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ))،
فلا ينافي ما تقدم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه؛ لأنه يحمل على أنها تفتح له على
التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه كما
تقدم. انتهى.
(وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) الرجاء من اللّه ومن نبيه وَلَل واقع محقق ففيه: أن
الصديق من أهل هذه الأعمال كلها، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في
نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه: قال: ((أَجَلْ وَأَنْتَ هُوَ يَا أَبَا
بَكْرٍ)) أي: لأنه رَو ◌ْتَهُ كان جامعًا لهذه الخيرات كلها. أما التعبير بعنوان الرجاء في
حديث الباب، فقيل: إنه خرج مخرج الأدب مع الله تعالى إذ لا يجب عليه سبحانه
شيء وهو سبحانه أكرم من أن يخلف رجاء رسول اللَّه وَائل . .
تنبيه:
الإنفاق في الصلاة والجهاد والعلم والحج ظاهر، وأما الإنفاق في غيرها
فمشكل، ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق في الصلاة، فيما يتعلق بوسائلها من
تحصيل آلاتها من طهارة وتطهير ثوب وبدن ومكان. والإنفاق في الصيام بما يقويه
على فعله، وخلوص القصد فيه. والإنفاق في العفو عن الناس، يمكن أن يقع بترك
ما يجب له من حق والإنفاق في التوكل بما ينفقه على نفسه في مرضه المانع له من
١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التصرف في طلب المعاش مع الصبر على المعصية، أو ينفق على من أصابه مثل
ذلك؛ طلبًا للثواب. والإنفاق في الذكر على نحو من ذلك.
وقيل: المراد بالإنفاق في الصلاة والصيام: بذل النفس والبدن فيهما، فإن
العرب تسمي ما يبذله المرأ من نفسه نفقة. كما يقال: أنفقت في طلب العلم عمري
وبذلت فيه نفسي، وهذا معنى حسن، وأبعد من قال: المراد بقوله: (زَوْجَيْنِ)
النفس والمال؛ لأن المال في الصلاة والصيام ونحوهما ليس بظاهر إلا بالتأويل
المتقدم وكذلك من قال: النفقة في الصيام تقع بتفطير الصائم والإنفاق عليه؛ لأن
ذلك يرجع إلى باب الصدقة كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصيام وفي فضائل أبي بكر، وأخرجه في
الجهاد وبدء الخلق مختصرًا. وأخرجه مسلم في الزكاة وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢
ص٢٦٨) ومالك والنسائي في الجهاد والترمذي في مناقب أبي بكر.
١٩٠٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ
صَائِمًا؟)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: ((فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟)) قَالَ أَبُو
بَكْرِ: أَنَا. قَالَ: ((فَمَنَّ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ:
((فَمِّنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: ((مَا
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ؛ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةِ».
الشَّرْحُ
١٩٠٦- قوله: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟) ((من)) استفهامية و(أَصْبَحَ)
بمعنى صار وخبره (صَائِمًا) أو بمعنى: دخل في الصباح، فتكون تامة، و((صائمًا))
حال من ضميره. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا) قال الطيبي: ذكر (أَنَا) هنا للتعيين في الإخبار
لا للاعتداد بنفسه كما يذكر في مقام المفاخرة، وهذا هو الذي كرهه الصوفية، وقد
ورد: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] وما أنا من المتكلفين إلى غير ذلك وأما
(١٩٠٦) مُسْلِمٍ (٨٧/ ١٠٢٨) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الرَّكَاةِ
<= >
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
١٥
رده عليه الصلاة والسلام على جابر حيث أجاب بعد دق الباب بأنا، قائلًا: ((أنا،
أنا)) فلعدم التعيين في مقام الأخبار، يعني: سبب الكراهة له: الاقتصار عليه
المؤدي إلى عدم تعریفه نفسه، ثم لو عرفه بصوته لما استفهمه.
(مَا اجْتَمَعْنَ) أي: ما وجدت هذه الخصال الأربعة وحصلت في يوم واحد. (فِي
امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي: بلا محاسبة وإلا فمجرد الإيمان يكفي لمطلق الدخول،
أو معناه دخل الجنة من أي باب شاء كما تقدم والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في
الزكاة وأخرجه أيضًا ابن خزيمة كما في الترغيب والبيهقي في الزكاة.
١٩٠٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((يَا
نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ)»
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشَّرْجُ
١٩٠٧ - قوله: (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) قال عياض: في إعرابه ثلاثة أوجه
أصحها، وأشهرها نصب ((النساء))، وجر ((المسلمات)) على الإضافة وهي رواية
المشارقة من إضافة الشيء إلى صفته كمسجد الجامع، وهو عند الکوفیین جائز
على ظاهره. وعند البصريين يقدرون فيه موصوفًا أي: مسجد المكان الجامع،
وتقدر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات، أو الجماعات المسلمات.
وقال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفرد ويجوز في
((المسلمات)) الرفع صفة على اللفظ على معنى يا أيها النساء المسلمات، والنصب
صفة على الموضع كما يقال: يا زيد العاقل برفع زيد ونصب العاقل، وكسر التاء
هنا علامة النصب. وروي بنصب الهمزة على أنه منادى مضاف وكسر التاء
للخفض بالإضافة كقولهم: مسجد الجامع، وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى
الصفة في اللفظ، فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه
نحو يا نساء الأنفس المسلمات، أو يا نساء الطوائف المؤمنات، أي: لا
الكافرات. وقيل: تقديره: يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم
(١٩٠٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٢٥٦٦) فِي الهِبَةِ، وَمُسْلِم (١٠٣٠/٩٠) فِي الزَّكَاةِ.
١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: أفاضلهم. والكوفيون يدعون أن لا حذف فيه ويكتفون باختلاف الألفاظ في
المغايرة .
(لَا تَحْقِرَنَّ) بفتح حرف المضارعة وكسر القاف وبالنون الثقيلة أي: لا تستحقرن
إهداء شيء (جارَةٌ) مؤنث الجار. (لِجَارَتِهَا) متعلق بمحذوف أي: لا تحقرن جارة
هدية مهداة لجارتها. (وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء ساكنة
وآخره نون هو عظم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس. ويطلق على
الشاة مجازًا ونونه زائدة. وقيل: أصلية وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء
اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم يجر العادة بإهدائه أي: لا تمتنع جارة
من الهدية لجارتها؛ لاستقلالها واحتقارها الموجود عندها، بل ينبغي أن تجود لها
بما تيسر، وإن كان قليلاً، فهو خير من العدم، وذكر الفرسن على سبيل المبالغة.
ويحتمل أن يكون النهي للمهدى إليها، وإنها لا تحتقر ما يهدى إليها ولو كان قليلًا،
وحمله على الأعم من ذلك أولى.
قال الطيبي: ويمكن أن يقال: هو من باب النهى عن الشيء والأمر بضده وهو
كناية عن التحابب والتوادد، كأنه قيل: لتحاب جارة جارتها بإرسال هدية، ولو
كانت حقيرة، ويتساوى فيه الفقير والغني. وخص النهي بالنساء؛ لأنهن موارد
الشنآن والمحبة؛ ولأنهن أسرع انفعالًا في كل منهما. وفي الحديث: الحض على
التهادي ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، ولما فيه من
التعاون على أمر المعيشة والهدية، إذا كانت يسيرة، فهي أدل على المحبة وأسقط
للمؤنة وأسهل على المهدي لاطراح التكلف والكثير قد لا يتيسر كل وقت
والمواصلة باليسير تكون كالكثير. وفي حديث عائشة: ((يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادُوا
وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةُ، وَيُذْهِبُ الضَّغْائِنُ)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أول الهبة وفي الأدب ومسلم في الزكاة،
وأخرجه أيضًا أحمد في مواضع منها في (ج٢: ص٢٦٤ - ٣٠٧) والترمذي في
الهبة .
١٧
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
كِتَابُ الرَّڪاةِ
١٩٠٨، ١٩٠٩ - [٦، ٧] وَعَنْ جَابِرٍ وَحُذَيْفَةُ قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٩٠٨، ١٩٠٩ - قوله: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) أي: له حكمها في الثواب
يعني: ثوابه كثواب الصدقة بالمال، قال الراغب: المعروف اسم كل فعل يعرف
حسنه بالشرع والعقل معًا، ويطلق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السرف. وقال
ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع، إنه من أعمال البر،
سواء جرت به العادة أم لا. قال: والمراد بالصدقة: الثواب، فإن قارنته النية أجر
صاحبه جزمًا، وإلا ففيه احتمال. قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا
تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار مثلاً، بل كل واحد قادر
على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.
وقال ابن بطال: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير
يكتب له به صدقة، وقد فسر ذلك في حديث أبي موسى الأشعري المذكور بعد
حديث أبي ذر، وزاد عليه: ((أنَّ الْإِمَسَالَكَ عَنِ الشَّرِ صَدَقَةٌ))، وفي الحديث: بيان أن
اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، وفيه: أنه لا يحتقر شيئًا من
المعروف، وإنه ينبغي أن لا يبخل به، بل ينبغي أن يحضره.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) ظاهره يقتضي أن كلَّ من البخاري ومسلم أخرجه من حديث جابر،
وحذيفة معًا. وليس كذلك، فقد أخرجه البخاري في الهبة من حديث جابر ومسلم
في الزكاة من حديث حذيفة، فحديث جابر من أفراد البخاري، وحديث حذيفة
من أفراد مسلم. وأصل الحديث مع قطع النظر عن الروايتين متفق عليه. وأخرجه
أبو داود في الأدب والبيهقي في الزكاة من حديث حذيفة. وأخرجه أحمد
والترمذي في البر والصلة من حديث جابر مثله. وزاد في آخره. ((وَمِنْ الْمَعْرُوفِ
(١٩٠٨)، (١٩٠٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٠٢١) فِي الأَدَبِ عَنْ جَابِرٍ، ومُسْلِم (١٠٠٥/٥٢) فِي
الزَّكَاةِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَبُو دَاوُد (٤٩٤٧).
١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أَنْ تَلْقَى أَخَاَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوَِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ))، وأخرجه أيضًا
الدار قطني والحاكم من حديث جابر، وزاد: ((وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ؛ كُتِبَ لَهُ
بِهِ صَدَقَةٌ، وَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ؛ فَهُوَ صَدَقَةٌ))، ذكره الحافظ في ((الفتح)).
١٩١٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ
الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاَكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٩١٠- قوله: (لَا تَحْقِرَنَّ) أي: أنت يا أبا ذر. (مِنَ الْمَعْرُوفِ) تقدم بيان
معناه. (شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاَكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ) الوجه الطليق: الذي فيه بشاشة وفرح:
أي: افعل الخيرات كلها قليلها وكثيرها، ومن الخيرات أن يكون وجهك ذا بشاشة
وفرح إذا رأيت مسلمًا، فإنه يوصل إلى قلبه سرورًا، إذا تركت العبوس وتطلقت
عليه، ولا شك أن إيصال السرور إلى قلوب المسلمين حسنة.
وقوله: (طَلِيقٍ) كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة وهكذا في ((المصابيح)) ووقع
في نسخ مسلم ((طلق)) أي: بحذف الياء. قال النووي: رُوي ((طلق)) على ثلاثة أوجه
إسكان اللام وكسرها، و((طليق)) بزيادة ياء ومعناه سهل منبسط، وفيه: الحث على
فعل المعروف وما تيسر منه، وإن قل حتى طلاقة الوجه عند اللقاء.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البر والصلة وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص١٧٣) والبيهقي
(ج٤ : ص١٨٨).
(١٩١٠) عَنْ أبِي ذَرٍّ؛ مُسْلِم (١٤٤ /٢٦٢٦) فِي الأَدَبِ، وَالتِّرْ مِذِي (١٨٣٣) فِي الأَطْعِمَةِ.
١٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
<<<<**<<< > <<<<<<< > <<***<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<**
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
١٩١١ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّل :
((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)) قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((فَلْيَعْمَلْ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ
نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقَُ. قَالَوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: ((فَيُعِينُ ذَا
الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ)). قَالَوا: فَإِنْ لَّمْ يَفْعَلْهُ؟ قَالَ: ((فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ)). قَالَوا: فَإِنْ
لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: ((فَيُمْسِلُكَ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٩١١- قوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: كل يوم كما في حديث
أبي هريرة الآتي، والمراد: على سبيلِّ الاستحباب المتأكد، ولا حق في المال
سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور؛ ذكره
القسطلاني. وقال النووي: قال العلماء: المراد صدقة ندب وترغيب لا إيجاب
وإلزام .
وقال الحافظ: قوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب
المتأكد، أو على ما هو أعم من ذلك. والَّعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب؛
كقوله تعالَّ: ((عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ)) فذكر منها ما هو مستحب إتفاقًا. كذا قال
في الزكاة، وقال في (الأدب)): قوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: في مكارم
الأخلاق، وليس ذلك بفرض إجماعًا .
قال ابن بطال: وأصل الصدقة: ما يخرجه المرء من ماله متطوعًا به، وقد يطلق
على الواجب لتحرى صاحبه الصدق بفعله: ويقال: لكل ما يحابى به المرء من حقه
صدقة؛ لأنه تصدق بذلك على نفسه. (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: ما يتصدق به
كأنهم فهموا من لفظ ((الصدقة)) العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبين لهم أن
المراد بالصدقة: ما هو أعم من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف،
وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوع التي تحسب يوم القيامة من الفرض الذي
(١٩١١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٤٥)، ومُسْلِم (٥٥/ ١٠٠٨) عَنْ أَبِي مُوسَى فِي الزَّكَاةِ، والنَّسَائِي
(٦٤/٥).