النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وفيه: أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم، وإن كان مراد المتكلم
مجازه؛ لأن نسوة النبي وَّل حملن طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهن.
وزينب هذه هي ابنة جحش بن رياب بن يعمر الأسدية أم المؤمنين، وأمها أميمة
بنت عبد المطلب عمة النبي وَلـ تزوجها النبي ◌ُّلل سنة ثلاث. وقيل: سنة خمس.
ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكان اسمها برة، فسماها زينب،
وقد وصف عائشة زينب بالوصف الجميل في قصة الإفك، وإن اللَّه عصمها
بالورع، وإنها كانت صالحة صوامة قوامة صناعًا تصدق بذلك على المساكين.
وكان عطاؤها اثني عشر ألفًا لم تأخذه إلا عامًا واحدًا، وقسمته في أهل رحمها.
قال الواقدي: تزوجها النبي وَّه وهي بنت خمس وثلاثين سنة وماتت سنة
عشرين، وهي بنت خمسين، وصلى عليها عمر بن الخطاب. روت عن النبي
أحاديث، وروى عنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم حبيبة بنت أبي
سفيان وزينب بنت أبي سلمة، ولهم صحبة، ومذكور مولاها وغيرهم.

كِتّابُ الرَّكاةِ
٦٠١
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
١٨٩١ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ:
لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ:
تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لَأَنَصَدَّقَنَّ
بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ
اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ،
فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى
غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُتِّيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا
صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِقَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ
تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ؛ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ)).
[متفق عليه، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ]
الْشَّرْجُ
١٨٩١- قوله: (قَالَ رَجُلٌ) أي: من بني إسرائيل كما عند أحمد من طريق
ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة ولم يعرف اسمه، والاستدلال به: مبني على
أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يظهر النسخ والإنكار. (لَا تَصَدَقَنَّ) زاد في رواية:
((اللَّيْلَةَ)) وكررها في المواضع الثلاثة، وهذا من باب الالتزام كالنذر، والقسم فيه
مقدر. كأنه قال: والله لأتصدقن، وعلى هذا فصار الصدقة واجبة، فصح
الاستدلال به في صدقة الفرض. (فَخَرَجَ) من بيته. (بِصَدَقَتِهِ) أي: التي نوى بها
ليضعها في يد مستحق.
(فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) أي: وهو لا يعلم أنه سارق، فأذاع السارق أنه تصدق
عليه الليلة. (فَأَصْبَحُوا) أي: القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدق. (يَتَحَدَّثُونَ) في
موضع نصب خبر أصبح. (تُصُدِّقَ) بضم التاء والصاد على البناء للمفعول. (اللَّيْلَةَ)
كذا في جميع النسخ بذكر ((اللَّيْلَةَ)) في المواضع الثلاثة، وهكذا وقع في ((جامع
الأصول)) (ج ٧ ص٣٠١) للجزري، وكذا نقله المنذري في ((الترغيب))، وقد صرحا
(١٨٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٢١)، ومُسْلِم (١٠٢٢) فيها عن أبي هريرة.

٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كالمصنف بعد ذكر الحديث بأنه لفظ البخاري. ولكن لم يقع ذكر ((اللَّيْلَةَ)) في نسخ
البخاري الموجودة عندنا إلا في موضع واحد، وهو قوله الآتي: (فَأَصْبَحُوا
يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ)، وهكذا في ((المنتقى)) للمجد بن تيمية، وكذا
وقع عند مسلم.
والظاهر: أن صاحب ((المشكاة)) قلد في ذلك ((جامع الأصول))، والله أعلم.
قال الحافظ: قوله: ((تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ)) في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي
اليمان: ((تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ))، وفي رواية ابن لهيعة عند أحمد: ((تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ
عَلَى فُلَاذِ السَّارِقِ))، ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدق
عليهم، انتهى. وهو إخبار بمعنى التعجب أو الإنكار. (فَقَالَ) المتصدق: (اللَّهُمَّ
لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ) أي: على تصدقي على سارق؛ لا لي لأن صدقتي وقعت
بيد من لا يستحقها، فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن إرادتك
كلها جميلة، ولا يحمد على المكروه سواك. وقدم الخبر على المبتدأ في قوله:
(لَكَ الْحَمْدُ) للاختصاص.
وقال الطيبي: لما جزم بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في ((بصدقة))، وأبرز
كلامه في معرض القسم؛ تأكيدًا أو قطعًا للقبول بها، جوزي بوضعها في يد سارق
فحمد الله وشكره، على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالاً منه أي: لك
الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشد حالًا منه، أو أجرى الحمد
مجرى التبيع في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه؛ تعظيمًا لله، يعني: ذكر
الحمد في موضع التعجب كما يذكر التسبيح في موضعه. فلما تعجبوا من فعله؛
تعجب هو أيضًا فقال: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ). انتهى. قال الحافظ: لا
يخفي بعد هذا الوجه، وأما الذي قبله، فأبعد عنه، والذي يظهر الأول وأنه سلم
وفوض ورضي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال؛ لأنه المحمود على جميع
الحال لا يحمد على المكروه سواه. وقد ثبت أن النبي وَلّ كان إذا رأى ما لا
يعجبه، قال: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ))، (لَأَتَصَدَّقْنَ) أي: الليلة وكما في
رواية مسلم، وفيه: فضل صدقة السر وفضل الإِخلاص. (بِصَدَقَةٍ) أخرى على
مستحق .

٦٠٣
كِتَاب الزَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
(فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحق. (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأة. (زَانِيَةٍ
فَأَصْبَحُوا) أي: بنو إسرائيل. (يَتَحَدَّثُونَ) تعجبًا أو إنكارًا. (تُصُدِّقَ) بصيغة
المجهول أيضًا وكذلك تصدق الثالث. (اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ) المتصدق: (اللَّهُمَّ
لَكَ الْحَمْدُ عَلَى) تصدقي. (عَلَى زَانِيَةٍ) حيث كان بإرادتك لا بإرادتي. (فَأْتِي) في
رواية الطبراني في مسند الشاميين: ((فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَأَتِي فِي مَنَامِهِ))، وكذلك أخرجه
أبو نعيم والإسماعيلي ورؤيا غير الأنبياء، وإن كان لا حجة فيها لكن هذا الرؤيا قد
قررها النبي وَلّ، فحصل الاحتجاج بتقريره وَل.
(فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ) زاد في رواية أبي عوانة: ((قَدْ قُبِلَتْ))، وفي
رواية مسلم وأحمد: ((أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ))، وفي رواية الطبراني: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ
صَدَقْتَكَ)). (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِقَّ عَنْ سَرِقَتِهِ) بفتح السين وكسر الراء أي: إما مطلقًا أو
مدة الاكتفاء، (وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِقَّ عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، وفيه: إيماء إلى أن
الغالب في السارق والزانية، أنهما يرتكبان المعصية للحاجة. (وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ
يَعْتَبِرُ) أي: يتعظ ويتذكر. (فَيُنْفِقُ) بالرفع فيه وفي ((يعتبر)) وفي رواية: ((أَنْ يَعْتَبِرَ
فَيُنْفِقَ)). (مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ) في الحديث: دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة
بأهل الحاجة من أهل الخير؛ ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة.
وفيه: أن نية المتصدق، إذا كانت صالحة، قبلت صدقته، ولو لم تقع الموقع وهذا
في صدقة التطوع. واختلف الفقهاء في الإجزاء، إذا كان ذلك في زكاة الفرض.
قال الحافظ: ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع، ومن ثم ترجم
البخاري على هذا الحديث بلفظ: الاستفهام فقال: باب: إذا تصدق على غني وهو
لا يعلم. ولم يجزم بالحكم. قلت: قد تقدم وجه الاستدلال به على الإجزاء في
الصدقة الواجبة بأن قوله: (لَأَتَصَدَّقْنَ) من باب الالتزام كالنذر؛ فصار الصدقة
واجبة عليه. وقد قرر النبي ◌َل#رؤيا المتصدق في قبول صدقته، فصح الاستدلال به
في زكاة الفرض والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة (ج٢ ص٦٦٧): إذا أعطى من يظنه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن أحمد
فيه روايتان إحداهما: يجزئه أي: تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة،
اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة؛ لأن النبي وَلل أعطى

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** ese
الرجلين الجلدين وقال: ((إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْئُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيْهَا لِغَنِيِّ وَلَا لِقَوِيٌّ
مُكْتَسبْ))، وقال للرجل الذي سأله الصدقة: ((إِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ
حَقَّكَ)) ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم. ثم ذكر ابن قدامة حديث أبي
هريرة هذا الذي نحن في شرحه. ثم قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه
الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه، فلم يخرج من عهدته كما لو دفعها
إلى كافر، وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر
وللشافعي قولان کالروايتين. انتهى.
قلت: المسألة عند الحنفية: أنه لو دفع الزكاة بتحر لمن يظنه مصرفًا، فبان أنه
غني وأبوه أو ابنه لا يعيد؛ لأنه أتى بما وسعه حتى لو دفع بلا تحر لم يجز إن أخطأ.
واستدل ابن الهمام لذلك بما روى البخاري عن معن بن يزيد. قال: كان أبي يزيد
أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها
فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول اللّه وَ له فَقَالَ: (لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا
يَزِيدُ! وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ)). انتهى.
قال ابن الهمام: وهو وإن كان واقعة حال يجوز فيها كون تلك الصدقة كانت
نفلًا، لكن عموم لفظ ما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَكَ مَا نَوَيْتَ)) يفيد
المطلوب ذكره القاري. فتأمل. قال الحافظ: فإن قيل: إن الخبر يعني: حديث
الباب، إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة، برؤيا صادقة
اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم وتعديه إلى غيرها، فالجواب: أن التنصيص في
هذا الخبر على رجاء الاستعفاف؛ هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط
القبول بهذه الأسباب.
وفي الحديث: استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وإن الحكم للظاهر
حتى يتبين سواه، وبركة التسليم والرضا، وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض
السلف: لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الزكاة وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي في الزكاة،
والبيهقي (ج٤ ص ١٩٢ وج٧ ص ٣٤). (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) أي: ولمسلم معناه، وقد
تقدم الإشارة إلى ما فيه من التسامح.

كِتَّابُ الرَّڪاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
=*
٦٠٥
١٨٩٢ - [١٩] وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ
الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَاٍ، فَتَنَخَّى ذَلِكَ السَّحَابُ
فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ
كُلَّهُ، فَتَنَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ:
يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ؟قال: فُلَانٌ الاِسْمُ الَّذِي سُمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا
عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْنًا فِي السَّحَابِ الَّذِي
هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ
هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآَكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُنَا، وَأَرُدُ
فِيهَا ثُلُثَهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح }
الْشَّرْحُ
١٨٩٢ - قوله: (بَيْنَا) بإشباع الفتحة ألفًا أي: بين أوقات. (رَجُلٌ بِفَلَاةٍ) بفتح
الفاء أي: بصحراء واسعة. (اسْقِ) بقطع همزه ووصله. (حَدِيقَةَ فُلَانٍ) الحديقة
بفتح الحاء المهملة: بستان إذا كان عليه حائط، وقال النووي: الحديقة: القطعة
من النخيل. وتطلق على الأرض ذات الشجر. انتهى. وفلان كناية منه عليه الصلاة
والسلام عن اسم صاحب الحديقة كما سيأتي بيانه. (فَتَنَخَّى ذَلِكَ السَّحَابُ) أي:
ذهب إلى حديقته. قال النووي: معنى تنحى قصد يقال: تنحيت الشيء وانتحيته
ونحوته؛ إذا قصدته.
(فَأَفْرَغَ مَاءَهُ) أي: صبه. (فِي حَرَّةٍ) بفتح الحاء وتشديد الراء، وهي أرض ذات
حجارة سود.
(فَإِذَا شَرْجَةٌ) بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء بعدها جيم وتاء تأنيث: مسيل
الماء إلى الأرض السهلة، وقال النووي: جمعها شراج بكسر الشين، وهي مسائل
الماء في الحرار.
(١٨٩٢) مُسْلِم (٢٩٨٤) في البر والصلة عن أبي هريرة.

٦٠٦
*a
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) أي: الواقعة في تلك الحرة. (قَدِ اسْتَوْعَبَتْ) أي: بالأخذ
يقال: استوعب الشيء أي: أخذه بأجمعه واستوفاه. (ذَلِكَ الْمَاءَ) أي: النازل من
السحاب الواقع في الحرة. (فَتَتَبَّعَ) أي: ذلك الرجل. (الْمَاءَ) أي: أثره. (يُحَوِّلُ)
بتشديد الواو. (الْمَاءَ) أي: من مكان إلى مكان من حديقته. (بِمِسْحَاتِهِ) بكسر
الميم وبالسين والحاء المهملتين: ما يسحي به أي: يجرف ويقشر ويكسح
كالمجرفة من الحديد أو غيره. (فَقَالَ) أي: الرجل. (لَهُ) أي: لصاحب الحديقة.
(مَا اسْمُكَ) أي: المخصوص.
(قَالَ: فُلَانٌ، الاِسْمُ) قال القاري: بالرفع وقيل: بالنصب. قال الطيبي: هو
صرح باسمه لكن رسول اللَّه ◌َ ل كنى عنه بفلان، ثم فسر بقوله: ((الاسم الذي سمع
في السحابة)) ولعل العدول عن التصريح إلى الكناية للإشارة إلى أن معرفة الأسماء
في بعض المواضع ليست من الأمور المهمة. وقوله: (الاِسْمُ) كذا وقع في جميع
النسخ الحاضرة عندنا، وفي مسلم: ((لِلِاِسْم)) بزيادة لام الجر في أوله، وكذا وقع
في ((الترغيب)) للمنذري. (لِمَ) بكسر اللام. (َتَسْأَلُنِي) كذا في جميع النسخ، وهكذا
في بعض النسخ من ((صحيح مسلم)) وفي بعضها: ((لِمَ سَأَلْتَنِي)).
(هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ) أي: ذلك الصوت يعني صاحبه للسحاب، وفي بعض النسخ،
ويقول بزيادة الواو قبل ((يقول))، وهو خلاف ما في مسلم (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ
لِاِسْمِك) قال الطيبي: أي: قلت أنا فلان لا سمك المخصوص وبدله، فإن الهاتف
صرح بالاسم والكناية من السامع. (فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا) أي: في حديقتك من الخير
حتى تستحق هذه الكرامة. (قَالَ: أَمَّا) بتشديد الميم. (إِذَا قُلْتَ) وفي بعض
النسخ: (إِذْ قُلْتَ)) كما في مسلم. (إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي: من زرع الحديقة
و ثمرها .
(وَأَرُدُّ فِيهَا) أي: وأصرف في الحديقة للزرعة والعمارة. (ثُلَنَّهُ) في الحديث
فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين، وأبناء السبيل، وفضل أكل الإنسان من
كسبه، والإنفاق على العيال. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزهد في أواخر من صحيحه
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٩٦) وأبو داود الطيالسي.

كِتّابُ الزّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٦٠٧
١٨٩٣ - [٢٠] وَعَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي
إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا،
فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ،
وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ
لَوْنَا حَسَنَّا وَجِلْدًا حَسَنًّا. قَالَ: فَأَتُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ - أَوْ
قَالَ: الْبَقَرُ شََّكَ إِسْحَاقُ، إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ،
وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ - قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَّ: بَارََكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا.
قَالَ: فَأَتَى الْأَفْرَعَ فَقَالَ: أي: شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ
عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعْرًا
حَسَنًا. قَالَ: فَأَتُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا. قَالَ:
بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَّى الْأَعْمَى فَقَالَ: أُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ
يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ:
فَأَتُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَّ: الْغَنَمُ. فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَانٍ وَوَلَّدَ
هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ
الغَنَمِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَّى الْأَبْرَصَ فِيَ صُورَتِهِ وَهَيْتَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ
انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَ بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ
بِالَّذِي أَعْطََّ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَّغُ بِهِ فِي
سَفَرِي. فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ: إِنَّهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ
يَقْذَرَُ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاَ اللَّهُ مَالًّا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا
عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرََكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ
فِي صُورَّتِهِ فَقَالَ لَهُ مَثَلُ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَثَلُ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا. فَقَالَ: إِنْ
كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرََكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ.
(١٨٩٣) عن ابنٍ عُمر؛ البُخَارِي (٣٤٦٤) في أحاديثِ الأنبياءِ. صلوات الله عليهم.، ومُسْلِم (٢٩٦١) في
الأدب .

SCENE
٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِيِ، فَلَا بَلَاغَ
لِيَ الْيَوْمَ إِلَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَّ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرََكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي
سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلِيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا
شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدَُ الْيَوْمَ بِشَيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِْكَ مَالَكَ فَإِنَّمَا
ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشِّرْجُ
١٨٩٣- قوله: (إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) كذا في جميع النسخ الحاضرة
والذي في الصحيحين: ((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ)). (أَبْرَصَ) هو الذي ابيضَّ ظاهر
بدنه أي: جلده؛ لفساد مزاجه. (وَأَقْرَعَ) وهو الذي ذهب شعر رأسه؛ لآفة.
(وَأَعْمَى) هو الذي ذهب بصره. قال القاري: منصوبات على البدلية من الثلاثة ولم
يعرف أسماءهم. (فَأَرَادَ اللَّهُ) هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: ((بَدَأَ اللَّهُ)) بفتح
الموحدة والمهملة المخففة بغير همز، ومعناه سبق في علم الله فأراد إظهاره لا إن
ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ إذ إن ذلك محال في حق الله تعالى، وخطأ هذا الكرماني
في شرحه، تبعًا لابن قرقول، ولفظه في مطالعه ضبطناه عن مقتنى شيوخنا بالهمز
أي: ابتدأ اللَّه أن يبتليهم قال: ورواه كثير من الشيوخ بغير همز وهو خطأ، وقد
سبقه إلى التخطئة الخطابي، وليس كذلك، فقد ثبتت الرواية به وَوُجِّه، وأولی ما
يحمل عليه كما في ((الفتح)) أن المراد: قضى الله أن يبتليهم، وأما البدء الذي يراد
به تغیر الأمر عما کان علیه فلا .
(أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) أي: يمتحنهم ليعرفوا أنفسهم أي: ليعرفهم الناس. قال الطيبي:
قوله: (فَأَرَادَ اللَّهُ) خبر ((إن)) عند من يجوز دخول الفاء في خبرها، ومن لم يجوز
قدر الخبر أي: فيما أقص عليكم فقوله: (فَأَرَادَ) تفسير للمجمل، ولو رفع أبرص
وما عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير. انتهى. يعني: إنْ رفعها بتقدير: أحدهم
أبرص أو منهم أبرص. (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا) أي: في صورة رجل مسكين. (وَيَذْهَبُ
عَنِّي) بالرفع أي: يزول عني. (الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ) بفتح القاف وكسر الذال

كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٦٠٩
المعجمة أي: اشمأزوا من رؤيتي وعدُّوني مستقذرًا، وكرهوني من أجله وهو
البرص. (فَمَسَحَهُ) أي: مسح على جسمه.
(فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ) بفتحتين، يعني: بِرصه. (وَأُعْطِيَ) بضم الهمزة. (شَكَّ
إِسْحَاقُ) أحد رواته وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري
المدني أبو يحيى ثقة حجة من الطبقة الوسطى من التابعين، روى عن أبيه وأنس
وعبد الرحمن بن أبي عمرة وغيرهم، وعنه همام ومالك والأوزاعي وغيرهم مات
سنة (١٣٢) وقيل: بعدها.
(إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَفْرَعَ) استثناء من الشك. (قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ:
الْبَقَرُ) أي: لم يشك إسحاق في هذا بل في التعيين. قاله الطيبي: ولفظ البخاري:
هُوَ شَكَ فِي ذَلِكَ ((إِنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ)).
(فَأُعْطِيَ) بضم الهمزة أي: الذي تمنى الإبل. (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بضم العين وفتح الشين
المعجمة والراء ممدودًا: الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر من يوم
طرقها الفحل، وهي من أنفس المال، وقد يطلق على الحامل مطلقًا. وقال
النووي: العشراء: الحامل القريبة الولادة. (وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا) أي: القرع.
(الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ) أي: كرهوا مخالطتي من أجله. (فَمَسَحَهُ) أي: الملك
على رأسه. (فَذَهَبَ عَنْهُ) أي: قرعه. (فَأَبْصَرَ) بالنصب والرفع من الإبصار.
(فَمَسَحَهُ) أي: على عينيه. (شَاةً وَالِدًّا) أي: وضعت ولدها وهو معها وقيل:
الحامل. وقيل: التي عرف منها كثرة النتاج. (فَأَنْتَجَ) بصيغة الفاعل من الإنتاج
أي: تولى الولادة. وقال ابن حجر: أي: استولد الناقة والبقرة. (هَذَانٍ) أي:
صاحبا الإبل والبقر وهما الأبرص والأقرع. (وَوَلَّدَ) فعل ماض معلوم من التوليد
بمعنى الإِنتاج. (هَذَا) أي: صاحب الشأة وهو الأعمى. قال النووي: قوله: (فَأَنْتَجَ
هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا)، هكذا الرواية ((فأنتج)) رباعي وهي لغة قليلة الاستعمال،
والمشهور ((نتج)) ثلاثي. وممن حكى اللغتين الأخفش ومعناه: تولى الولادة،
وهي النتج والإنتاج. ومعنى ((ولد هذا)) بتشديد اللام معنى أنتج والناتج للإبل،
والمولد للغنم وغيرها هو كالقابلة للنساء. انتهى. وقال الكرماني: قد راعى عرف
الاستعمال، حيث قال فيهما: أنتج وفي الشاة: ولد.

٦١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَكَانَ لِهَذَا) أي: الذي اختار الإبل. (وَادٍ) قد امتلأ. (مِنَ الْإِبِلِ وَلِهَذَا) الذي
اختار البقر. (وَادٍ) قد امتلأ. (مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا) الذي اختار الغنم وهو الأعمى. (وَادٍ
مِنَ الْغَنَم). (قَالَ) أي: النبي ◌َّهُ. (ثُمَّ إِنَّهُ) أي: الملك. (أَتَى الأَبْرَصَ) الذي كان
مسحه، فذهب برصه. (فِي صُورَتِهِ) أي: في صورة التي كان عليها لما اجتمع به
وهو أبرص، ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه؛ قاله الحافظ.
وقال الطيبي: أي: في الصورة التي جاء الأبرص عليها أول مرة، ولا يبعد أن
يكون الضمير راجعًا إلى الأبرص لعله يتذكر حاله ويرحم عليه بماله، والأول أظهر
في الحجة عليه، حيث جاء في صورته التي تسبب في جماله وحصول كثرة ماله.
(فَقَالَ) له: إني. (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) زاد في رواية: ((وَابْنُ السَّبِيلِ)).
(قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي) قال السيد: الباء بمعنى ((من)) كما في قوله
تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الدهر: ٦] قال القاري: الأظهر إن الباء للسببية والملابسة
كما في قوله: ﴿وَتَّقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] والحبال بكسر المهملة بعدها
موحدة خفيفة جمع حبل، أي: الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق. وقيل:
العقبات. وقيل: الحبل هو المستطيل من الرمل، ولبعض رواة مسلم: ((الْحِيَالُ))
بالمهملة والتحتانية جمع حيلة، أي: لم يبق لي حيلة. ولبعض رواة البخاري:
((الْجِبَالُ)) بالجيم والموحدة وهو تصحيف؛ قاله الحافظ أي: طال سفري وقعدت
عن بلوغ حاجتي .
(فَلَا بَلَاغَ) أي: كفاية. (لِي الْيَوْمَ إِلَّ بِاللَّهِ) أي: إيجاد يعني ليس لي ما أبلغ به
غرضي إلا بالله. (ثُمَّ بِك) أي: بطريق التنزل على وجه التسبب والمجاز، فـ((ثم))
هنا لتراخي الرتبة والتنزل في المرتبة لا للترقي وهذا ونحوه من الملائكة معاريض
لا إخبار، والمراد به: ضرب المثل؛ ليتيقظ المخاطب. (أَسْأَلُكَ) أي: مقسمًا
عليك. (بِالَّذِي) أي: باللَّه الذي. (أَعْطَالَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ)
أي: الإبل. (بَعِيرًا) مفعول ((أسألك)) أي: أطلب منك بعيرًا. (أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي)
بهمزة فوقية وموحدة ولام مشددة مفتوحات، ثم معجمة من البلغة وهي الكفاية
والمعنى: أتوصل به إلى مرادي.

كِتَابَ الزَّكاةِ
٦١١
بَابُ الإنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الإمساك
*****<<<<<<<***<<<<<<<<<<<<**<<<< ><> <<<<< <<<<<<<< > <<<<<**
(الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ) أي: حقوق المال كثيرة علي ولم أقدر على أدائها، أو حقوق
المستحقين كثيرة، فلم يحصل لك البعير، وقد أراد به دفعه وهو غير صادق فيه.
(فَقَالَ إِنَّهُ) أي: الشأن. (يَقْذَرَُكَ النَّاسُ) بفتح التحتية والذال المعجمة من باب علم
أي: يكرهونك ويقذرونك. (فَقِيرًا) حال. (فَأَعْطَالَ اللَّهُ مَالًا؟) كذا في جميع
النسخ الحاضرة بزيادة لفظ: ((مَالًا))، ووقع في ((الصحيحين)) بحذفه وهو
الصواب، فيعم إعطاء المال والجمال. (إِنَّمَا وَرِثْتُ) بفتح الواو وكسر الراء
المخففة .
وقيل: بضم الواو وتشديد الراء المكسورة. (كَابِرًا) حال. (عَنْ كَابِرٍ) أي:
كبيرًا عن كبير في العز والشرف والثروة أي: ورثته عن آبائي الذين ورثوه من
أجداده الذين ورثوه من آباءهم، حال كون كل واحد منهم كبيرًا ورث عن كبير في
العز والشرف. وقال القاري: والمعنى: حال كوني أكبر قومي سنًّا وریاسة ونسبًا
وأخذًا عن آبائي الذين هم كذلك حسبًا، وهذا من باب الاكتفاء في الجواب، فإنه
يلزم عرفًا من التكذيب في شيء تكذيبه في آخر. (فَقَالَ) له الملك: (إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا)
في مقالتك هذه. (فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ) من البرص والفقر، والجملة جواب
الشرط، وأدخل الفاء في الفعل الماضي؛ لأنه دعاء وعبر بالماضي؛ لقصد المبالغة
في الدعاء عليه، والشرط ليس على حقيقته؛ لأن الملك لم يشك في كذبه، بل هو
مثل قول العامل إذا سوف في عمالته: إن كنت عملت فأعطني حقي.
(وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ) زاد في رواية البخاري: (وَهَيْئَتِهِ). (وَابْنُ السَّبِيلِ) أي:
مسافر. (لَا أَجْهَدَُكَ) قال القاري: بفتح الهمزة والهاء وفي نسخة: بضم الهمزة
وكسر الهاء. (الْيَوْمَ بِشَيْءٍ) كذا في جميع النسخ (بِشَيْءٍ)، وكذا وقع في البخاري
ووقع في مسلم ((شيئًا)). (أَخَذْتَهُ لِلَّهِ) قال النووي: قوله: ((لَا أَجْهَدَُكَ الْيَوْمَ بِشَيءٍ ... ))
إلخ. هكذا هو في رواية الجمهور ((أَجْهَدَُكَ)) بالجيم والهاء، وفي رواية ابن ماهان:
((أَحْمَدُكُ)) بالحاء المهملة والميم، ووقع في البخاري بالوجهين لكن الأشهر في
مسلم بالجيم. وفي البخاري بالحاء ومعنى الجيم: لا أشق عليك برد شيء تأخذه أو
تطلبه من مالي. والجهد المشقة، ومعناه بالحاء: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه
أو تريده، فتكون لفظة الترك محذوفة مرادة كما قال الشاعر:
لَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ تَنْدَمُ

٦١٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: فوات طول الحياة. انتهى. وقال الحافظ: في رواية كريمة وأكثر روايات
مسلم: (لَا أَجْهَدَُكَ)) بالجيم والهاء. قال القسطلاني: ولأبي ذر: ((لَا أَحْمَدُكُ)) بالحاء
المهملة، والميم بدل الجيم والهاء لشيء باللام بدل الموحدة أي: لا أحمدك على
ترك شيء تحتاج إليه من مالي.
(فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أي: أنت ورفيقاك. والمعنى: اختبركم الله، هل تذكرون سوء
حالتكم، وشدة حاجتكم أولًا، وتشكرون نعمة ربكم عليكم آخرًا؟ (فَقَدْ رُضِيَ
عَنْكَ) بضم أوله على البناء للمفعول في ((رضي وسخط))، وفي رواية البخاري:
(فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ)) بإظهار الفاعل .
وفي الحديث: جواز ذكر ما اتفق لمن مضى؛ ليتعظ به من سمعه، ولا يكون
ذلك غيبة فيهم، ولعل هذا هو السر في ترك تسميتهم. وفيه: التحذير من كفران
النعم والترغيب في شكرها، والاعتراف بها وحمد الله عليها. وفيه: فضل
الصدقة، والحث على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم وتبليغهم مآربهم. وفيه: الزجر
عن البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل من كتاب الأنبياء ومسلم في الزهد
واللفظ لمسلم.
١٨٩٤ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ
الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي حَتَّى أَسْتَحْيِيَ فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِدْفَعِي فِي يَدِهِ وَلَوْ ظِلْفًا مُحَرَّقًا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وقال: هذا حديث حسن صحيح]
الْشَّرْجُ
١٨٩٤- قوله: (وَعَنْ أَمِّ بُجَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الجيم الأنصارية
الحارثية. قيل: اسمها حواء صحابية، وكانت من المبايعات. روى حديثها
(١٨٩٤) أحْمَد (٣٨٣.٣٨٢/٦) وأبُو دَاوُد (١٦٦٧)، والتِّرْمِذِي (٦٦٥) عنها.

٦١٣
كِتاب الزَّكَاةِ
**<<<<<<<<* **<<<<< > <****
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
عبد الرحمن ومحمد ابنا بجيد الأنصاريان عن جدتهما أم بجيد الأنصارية. قال ابن
عبد البر في ((الكنى)): أم بجيد الأنصارية الحارثية. قيل: اسمها حواء وفي ذلك
اضطراب وهي مشهورة بكنيتها، وقال في ترجمة حواء الأنصارية جدة ابن بجيد :
حدثنا عبد الوارث، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا حفص
ابن ميسرة، حدثنا زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت :
سمعت رسول اللَّه ◌ِ لّه يقول: ((رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ))، وروى المقبري عن
عبد الرحمن بن بجيد الأنصاري عن جدته قالت: قال رسول اللَّه مَثّ: ((يَا نِسَاءَ
الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ))، وقد ذكرنا الاضطراب في
هذا الإسناد في كتاب ((التمهيد)).
(لَيَقِفُ عَلَی بَابِي) أي: سائلًا، وهذا لفظ أحمد وفي رواية له: فيقوم على بابي.
(مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ) أي: شيئًا أضع في يده. (وَلَوْ ظِلْفًا) بكسر الظاء المعجمة وإسكان
اللام، وبالفاء وهو للبقر والغنم كالحافر للفرس. وقال في (القاموس)): الظلف
بالكسر للبقر والشاة والظبي وشبهة بمنزلة القدم لنا. وقال الباجي: هو ظفر كل ما
اجتر و(لَوْ) للتقليل أي: أعطوا السائل ولو كان شيئًا قليلا كالظلف. (مُحْرَفًا) اسم
مفعول من الإحراق وقيد الإحراق؛ مبالغة في رد السائل بأدنى ما تيسر أي:
تصدقي بما تيسر وإن قل، ولا ترديه محرومًا بلا شيء مهما أمكن حتى إن وجدت
شيئًا حقيرًا مثل الظلف المحرق أعطيه إياه.
وقال أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذي)): اختلف في تأويله. فقيل: ضربه
مثلاً للمبالغة كما جاء: ((مَنْ بنى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْل مِفْحَصٍ قَطَاةٍ بنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي
الْجَنَّةِ))، وقيل: إن الظلف المحرق كان له عندهم قدر، بأنهم يسحقونه ويسفونه .
انتهى. وقال الزرقاني: قيد بالإحراق أي: الشيء كما هو عادتهم فيه؛ لأن النيئ قد
لا يؤخذ، وقد يرميه آخذه، فلا ينتفع بخلاف المشوي. انتهى.
قال الباجي: حض بذلك يتميّز على أن يعطي المسكين شيئًا ولا يرده خائبًا، وإن
كان ما يعطاه ظلفًا محرقًا، وهو أقل ما يمكن أن يعطي ولا يكاد أن يقبله المسكين،
ولا ينتفع به إلا في وقت المجاعة والشدة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٦ ص٣٨٢ - ٣٨٣).

٦١٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) واللفظ لأحمد وأخرجه أيضًا النسائي وابن خزيمة وابن
حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم (ج١ ص٤١٧) والبيهقي (ج ٤ ص ١٧٧) وأبو نعيم
وابن سعد، وأخرجه مالك في كتاب الجامع من ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم عن ابن
بجيد الأنصاري، ثم الحارثي عن جدته إن رسول اللَّه ◌َلّ قال: ((رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ
بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ))، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص ٤٣٥) والنسائي من طريق مالك،
وسيأتي في باب: أفضل الصدقة.
(وَقَالَ) أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وسكت عنه أبو داود ونقل
المنذري تصحيح الترمذي، وأقره وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
١٨٩٥ - [٢٢] وَعَنْ مَوْلَّى لِعُثْمَانَ رَضِلّهُ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بِضْعَةٌ
مِنْ لَحْمٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُعْجِبُهُ اللَّحْمَ، فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعِيهِ فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ يَأْكُلُهُ. فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ:
تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ. فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ
النَّبِيُّ وَِّ فَقَالَ: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ أَطْعَمُهُ؟)). فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ
لِلْخَادِمِ: إِذْهَِي فَأَتِي رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بِذَلِكَ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي
الْكُوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَةً لِمَا لَمْ
تُعْطُوهُ السَّائِلَ؟)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ في (ِلَائِلِ النُّبُوَّةِ))]
الْشَرْحُ
١٨٩٥- قوله: (وَعَنْ مَوْلَّى لِعُثْمَانَ) بن عفان رَوَّهُ وكان له عدة موالي
حمران بن إبان وهانئ البربري وأبوصالح وأبوسهلة ويوسف، ولا أدري من هذا
الذي روى هذه القصة. (أُهْدِيَ) بضم الهمزة. (لِأُمُّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين زوج
النبي ◌َّ. (بِضْعَةٌ) بكسر الباء وفتحها أي: قطعة. (مِنْ لَحْم) وهو مطبوخة.
(وَكَانَ النَّبِيَّ ◌َهِ يُعْجِبُهُ اللَّحْمَ) بضم التحتية جملة معترضة.
(١٨٩٥) البَيْهَقِي في الدلائل (٦/ ٣٠٠) عنه.

كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٦١٥
(فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ) واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى لجرية مجرى الأسماء،
وهو هنا أنثى لقوله. (ضَعِيْهِ) أي: اللحم. (فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ) بفتح الكافِ وضمه أي:
في ثقبه. (فَقَالَ) أي: السائل. (تَصَدَّقُوا) أي: يا أهل البيت. (يَا أُمَّ سَلَمَةَ هَلْ
عِنْدَكُمْ) فيه تعظيم أو تغليب. (شَيْءٌ أَطْعَمُهُ) بفتح الهمزة والعين المهملة بينهما طاء
ساكنة أي: آكله. (فَأَّتِي) أي: فهاتي.
(إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ) بفتح الميم وسكون الراء أي: حجر أبيض. (عَادَ) أي: صار.
(لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم وبفتح اللام وتشديد. (لَمْ تُعْطُوهُ) أي: منه.
(السَّائِلَ؟) في الحديث: الزجر عن البخل والإمساك، رواه البيهقي لم أقف على
سنده، والظاهر أنه منقطع، لأن مولى عثمان المذكور لم يحضر القصة ولم يسم
من حدثه بها .
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَلَا
١٨٩٦ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ طُّا
أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟)) قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: ((الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
بِهِ)).
الْشَّرْجُ
١٨٩٦ - قوله: (الَّذِي يَسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ) على بناء الفاعل فيهما أي:
يسأل غيره بحق الله، ثم إذا سئل هو به لا يعطي بل ينكص ويبخل، ويحتمل أن
يكون قوله: ((يَسْأَلُ)) مبنيًّا للمفعول أي: يسأله غيره باللّه فلا يجيب يعني: يسأله
صاحب حاجة، بأن يقول: أعطني لله وهو يقدر، ولا يعطي شيئًا بل يرده خائبًا. قال
الطيبي: الباء كالباء في كتبت بالقلم أي: يسأل بواسطة ذكر الله، أو للقسم
والاستعطاف أي: يقول السائل: أعطوني شيئًا بحق الله.
وقال ابن حجر: أي: مقسمًا عليه باللّه، استعطافًا إليه، وحملًا له على الإعطاء
بأن يقال له: بحق اللَّه أعطني كذا لله. ولا يعطي مع ذلك شيئًا أي: والصورة أنه
(١٨٩٦) أَحْمَد (٣١٩/١) عنه.

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مع قدرة علم اضطرار السائل إلى ما سأله، وعلى هذا حمل قول الحليمي أخذًا من
هذا الحديث وغيره، إن رد السائل بوجه الله كبيرة، انتهى. واختار السندي
الاحتمال الأول واستبعد الثاني إذ قال، قوله: (الَّذِي يَسْأَلُ بِاللَّهِ) بناء على الفاعل
أي: الذي يجمع بين القبيحين: أحدهما: السؤال بالله، والثاني: عدم الإعطاء
لمن يسأل به تعالى، فما يراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعًا، وأما جعله
مبنيًّا للمفعول فبعيد؛ إذ لا صنع للعبد في أن يسأله السائل بالله، فلا وجه للجمع
بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحمل، والوجه في إفادة ذلك المعنى أن يقال:
الذي لا يعطي إذا سئل بالله ونحوه، والله تعالى أعلم، انتهى. فتأمل.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ ص ٢٣٧، ٣١٩، ٣٢٢) وأخرجه أيضًا الترمذي في فضائل
الجهاد، وحسنه، والنسائي في الزكاة، وابن حبان في ((صحيحه)) كلهم من حديث
عطاء بن يسار عن ابن عباس بأتم من هذا، وسيأتي مطولًا في باب: أفضل
الصدقة، وأخرجه أيضًا أحمد من حديث أبي هريرة. وفي الباب أيضًا عَنْ أَبِي
مُوسَى الأَشْعَرِيِّ بلفظ: ((مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ
مَنَعَ سِائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا))، رواه الطبراني في ((الكبير)) بإسناد حسن أورد المنذري
الأحاديث الثلاثة في باب: ترهيب السائل أن يسأل بوجه اللّه غير الجنة، وترهيب
المسئول بوجه الله أن يمنع.

كِتّاب الزَّكاةِ
**<<<< ><> <<<<<< > ****<<< > <<<*** ***
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
K-> <<<< ><
٦١٧
١٨٩٧ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رِفَتَهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَذِينَ لَهُ وَبِيَدِهِ
عَصَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَالرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرََكَ مَالًا فَمَا تَرَى فِيهِ؟
فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ أَبُو ذَرِّ عَصَاهُ فَضَرَبَ
كَعْبًا وِقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ
ذَهَبًّا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي، أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِي)). أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُثْمَانُ
أَسَمِعْتَهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: نَعَمْ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٨٩٧ - قوله: (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ) أي: للدخول عليه. (وَبِيَدِهِ عَصَا) الواو
للحال والضمير لأبي ذر. (يَا كَعْبُ) أي: كعب الأحبار. (إِنَّ عَبْدَالرَّحْمَنَ) أي: ابن
عوف. (وَتَرََكَ مَالًا) أي: كثيرًا بحيث جاء ربع ثمنه ثمانين ألف دينار. (فَمَا تَرَى
فِيهِ؟) أي: فما تقول في حق المال أو صاحبه وهو الأظهر، والمعنى: هل تضر كثرة
ماله في نقص كماله. (فَقَالَ) أي: كعب. (إِنْ كَانَ) شرطية، ويحتمل أن تكون
مخففة. (يَصِلُ فِيهِ) أي: ماله. (حَقَّ اللَّهِ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ) أي: لا كراهة فيه ولا
نقص له.
(فَضَرَبَ) أي: بعصاه. (كَعْبًا) قال الطيبي: فإن قيل: كيف يضربه وقد علم أنه
ليس بكنز بعد إخراج حق الله منه؟ قلت: إنما ضربه؛ لأنه نفى البأس على سبيل
الاستغراق حيث جعله مدخولًا. لـ((لا)) التي النفي الجنس، وكم من بأس، فإنه
يحاسب ويدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بزمان طويل أي: بخمسمائة سنة،
انتهى. وقال في ((اللمعات)): كان أبو ذر من فقراء الصحابة وزهادهم، وكان مذهبه
ترك الكل والاختيار التجريد وعدم الادخار؛ أي: ولذلك ضرب كعبًا، وإلا فما
أُدي زكاته؛ فليس بكنز ولا وعيد عليه، لاسيما إذا وصلت فيه الحقوق من
الصدقات النافلة. واختلاف أبي ذر مع معاوية في هذه المسألة في زمن عثمان
(١٨٩٧) أخرجه أحْمَد (١/ ٦٣). وأصلهُ في ((الصحيح)).

٦١٨
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مشهور. (هَذَا الْجَبَلَ) إشارة إلى الجبل المستحضر في الذهن مثلاً، أو يكون
إشارة إلى جبل أحد، وقد وقع ذكره صريحًا. (أُنْفِقُهُ) حال.
(وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي) فيه مبالغة أي: مع أنه يتقبل ويترتب عليه الثواب. (أَذَرُ) مفعول
أحب بتقدير: أن بالرفع بعد حذفها كقوله وتسمع بالمعيدي أي: ما أحب أن أترك.
(سِتَّ أَوَاقِيّ) بتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وفي ((المسند)): ((سِتَّ أَوَاقٍ)) بحذف
الياء، وكذا في ((مجمع الزوائد)). (أَسَمِعْتُهُ؟) بفتح الهمزة وضم المعجمة. (بِاللَّهِ)
أي: أقسم به عليك، وفي ((المسند)): ((أنشدك الله))، وكذا نقله في ((مجمع
الزوائد)). (أَسَمِعْتَهُ؟) أي: هذا الحديث. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف لـ((أنشدك)) أو
ل«أسمعته)) .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في مسند عثمان (ج١ ص ٦٣) من طريق ابن لهيعة عن أبي قبيل عن
مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر وابن لهيعة قد ضعفه غير واحد ومالك بن
عبد الله مستور، وأخرجه أيضًا ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص٢٨٦) كما قال
الحافظ في ((التعجيل)) (ص٣٨٩): ولأبي ذر حديث آخر في معناه أخرجه أحمد
(ج٥ ص ١٤٥).
١٨٩٨ - [٢٥] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ◌َه
بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَی بَعْضٍ حُجَرِ
نِسَائِهِ، فَفَرِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ
سُرْعَتِهِ، قَالَ: ((ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِيْرِ عِنْدِنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: ((كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ
بِقِسْمَتِهِ».
◌ِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّنَهُ))] {صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٨٩٨ - قوله: (وعَنْ عُقْبَةَ) بضم عين وسكون قاف. (بْنِ الْحَارِثِ) بن عامر
ابن نوفل بن عبدمناف بن قصي القرشي النوفلي المكي، صحابي من مسلمة الفتح
(١٨٩٨) الْبُخَارِي (٨٥١) في الصلاة عنه.

٦١٩
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
وهو أبوسروعة الذي قتل خبيب بن عدي في قول أهل الحديث، ويقال: إن أبا
سروعة أخوه، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وهو قول أهل النسب وصوبه
العسكري. وقيل: إن أبا سروعة أخو عقبة لأمه وجزم به مصعب الزبيري. قال
الحافظ: قد أطبق أهل الحديث على أن أباسروعة هو عقبة هذا، وقولهم أولى إن
شاء الله تعالى بقي عقبة إلى بعد الخمسين. (فَسَلّمَ، ثُمَّ قَامَ) وفي رواية: فسلم
فقام .
(مُسْرِعًا فَتَخَطَّى) بغير همز أي: تجاوز. (رِقَابَ النَّاسِ) أي: متوجهًا. (إِلَى
بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة. (فَفَزِعَ النَّاسُ) بكسر الزاي
أي: خافوا. (مِنْ سُرْعَتِهِ) أي: من أجل إسراعه، وكانت تلك عادتهم إذا رأوا منه
غير ما يعهدونه خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم. (فَخَرَجَ) بَّ من الحجرة.
(عَلَيْهِمْ) وفي رواية: إليهم.
(فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ) وفي رواية: فقلت، أو قيل له أي: عن سبب
سرعته. وهو شك من الراوي. (قَالَ) وفي البخاري: فقال. (ذَكَرَتُ) بفتح الذال
والكاف أي: تفكرت وأنا في الصلاة. (شَيْئًا مِنْ تِيْرٍ) وفي رواية: ((ِبْرًا)) من
الصدقة، والتبر بكسر المثناة وسكون الموحدة: ذهب غير مضروب. وقيل: ذهب
أو فضة غير مضروب.
(فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي) أي: يمنعني ويشغلني التفكر فيه عن التوجه، والإقبال
على الله تعالى، وفهم منه ابن بطال معنى آخر. فقال فيه: إن تأخير الصدقة يحبس
صاحبها يوم القيامة في الموقف. (فَأَمَرْتُ) أي: أهل البيت.
(بِقِسْمَتِهِ) بكسر القاف والمثناة الفوقية بعد الميم. وفي رواية: ((بِقَسْمَةِ)) بفتح
القاف من غير مثناة. وفي الحديث: أن المكث بعد الصلاة ليس بواجب، وأن
للإمام أن ينصرف متى شاء وأن التخطي لما لا غنى عنه مباح، وإن عروض الذكر
في الصلاة في أجنبي عنها من وجوه الخير، وتذكر ما لا يتعلق بالصلاة فيها لا
يفسدها، ولا ينافي خشوعها ولا يقدح في كمالها، وأن إنشاء العزم في أثنائها على
الأمور المحمودة لا يضر، وفيه: أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض
والموانع تمنع والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود والتعجيل به أخلص