النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤ - بَابُ مَنْ لَ تَحِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ
الفصل الأول
١٨٥٢ - [١] عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْثُ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ أَسْأَلُ فِيهَا. فَقَالَ: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَ الصَّدَقَةُ فَأْمُرَ لَكَ بِهَا)).
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلِ تَحَمَّلَ
حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلِ أَصَابَتْةً جَائِحَةٌ
اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ غَّيْشِ - أَوْ قَالَ:
سِدَادًا مِنْ عَيْشِ - وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِيَّ الْحِجَى مِنْ
قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتَّ فُلَانًا فَاقَّةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشِ -
أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ، سُحْتٌ يَأْكُلُهَا
صَاحِبُهَا سُحْتًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشِّرْحُ
(بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسَأَلَةُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ).
١٨٥٢ - قوله: (عَنْ قَبِيصَةَ) بفتح القاف وكسر الموحدة فمثناة تحتية فصاد
مهملة. (بْنِ مُخَارِقٍ) بضم الميمٍ وتخفيف المعجمة بعدها راء مكسورة ثم قاف،
هو قبيصة بن مخارق بن عبد الله أبو بشر الهلالي صحابي، وفد على النبي وَل
وروى عنه، سكن البصرة.
(تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) بفتح الحاء وتخفيف الميم، وهو المال يتحمله الإنسان عن
(١٨٥٢) رَوَاهُ مُسْلِم (١٠٩/ ١٠٤٤)، وَأَبُو دَاوُد (١٦٤٠)، وَالنَّسَائِي (٨٨/٥)، كَلُّهُم فِي الزَّكَاةِ عَنْهُ.
كِتّاب الزّكاةِ
**<<<<< > *<<<<< > <******
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلّ لهُ المُسْأَلةُ وَمَنْ تَحِلّ له
٥٢١
غيره من دِيَةٍ أو غرامة كأن يقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء، فيدخل
بينهم رجل يتحمل ديات القتلي ليصلح ذات البين. والتحمل أن يحملها عنهم على
نفسه أي: يتكفلها ويلتزمها في ذمته. قال الخطابي: تفسير الحمالة، أن يقع بين
القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويحدث بسببهما العدواة والشحناء، ويخاف
من ذلك الفتق العظيم، فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين
ويتضمن مالًا لأصحاب الطوائل يترضاهم بذلك، حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم
الألفة، انتهى .
قال الشوكاني: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو
غيرها، قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا
شك إن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة؛ بادروا
إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصًا في قدره بل فخرًا،
انتهى. (أَسْأَلُهُ فِيهَا) أي: في الحمالة بمعنى لأجلها. (أَقِمْ) أمر من الإقامة بمعنى
اثبت واصبر. وقال السندي: أي: كن في المدينة مقيمًا. (حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ) أي:
يحضرنا مالها. (فَنَأْمُرَ لَكَ) بنصب الراء. (بِهَا) أي: بالصدقة أو بالحمالة.
(إِنَّ الْمَسْأَلَةَ) أي: السؤال. (لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ) أي: لا تحل إلا لصاحب
ضرورة ملجئة إلى السؤال كأصحاب هذه الضرورات. (رَجُل) بدل من ((أَحَدٍ)).
وقال ابن الملك: بدل من (ثَلَاثَةٍ)) وبالرفع خبر مبتدأ محذَّوف أي: أحدهم.
(فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي: جازت. (حَتَّى يُصِيبَهَا) أي: الحمالة. (ثُمَّ يُمْسِكُ) أي :
عن السؤال؛ لأن السؤال حل له لأجل الحمالة، فلما أصابها ارتفعت الإباحة
فيجب أن يمسك عنه. (وَرَجُلٍ) بالوجهين. (أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) هي الآفة التي تهلك
الثمار والأموال وتستأصلها، كالغرق والحرق والبرد للزرع والثمار، من جاحه
يجو حه إذا استأصله.
(اجْتَاحَتْ) أي: استأصلت وأتلفت. (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من
الأموال. (قِوَامًا) بكسر القاف أي: ما يقوم به حاجته، ويسد به خلته. (مِنْ عَيْشٍ)
أي: معيشة من قوة ولباس. (أَوْ قَالَ) شك من الراوي. (سِدَادًا) بكسر السين ما
تسد به حاجته وخلته. قال النووي: القوام والسداد بكسر القاف والسين وهما
بمعنى، وهو ما يغني من شيء، وما تسد به الحاجة. وقال المنذري: القوام بفتح
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القاف وكسرها أفصح: هو ما يقوم به حال الإنسان من مال غيره، والسداد بكسر
السين هو ما يسد حاجة المعوذ ويكفيه. (وَرَجُل) بالوجهين. (فَاقَةٌ) أي: حاجة
أي: كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر وأصابته فاقة ولَّم يعرف حاله. (حَتَّى يَقُومَ) أي :
على رؤوس الأشهاد.
(ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى) بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها ألف مقصورة،
أي: العقل والفطنة. (مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَّةٌ) أي: يقوم ثلاثة قائلين هذا
القول. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ أي من ((صحيح مسلم)): ((حَتَّى يَقُومَ
ثَلَاثَةٌ)) وَهُوَ صَحِيحٌ، أي: يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابته فاقة، انتهى.
وقال الصغاني: هكذا وقع في كتاب مسلم ((يقوم))، والصحيح يقول باللام، وكذا
أخرجه أبو داود وكذا في ((المصابيح)). وأجيب: بأن تقدير القول مع القيام آكد.
قال السندي: وهذا كناية عن كون تلك الفاقة محققة لا مخيلة حتى لو استشهد
عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها، والفرق بين هذا القسم والقسم السابق، أن
الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس، وفي هذا القسم خفية عنهم. (وَمَا
سِوَاهُنَّ) أي: هذه الأقسام الثلاثة من المسألة. (سُحْتٌ) بضم السين وسكون الحاء
المهملتين وروي بضم الحاء وهو الحرام. وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت البركة أي:
يذهبها ويمحقها. (يَأْكُلُهَا) أي: يأكل ما يحصل له بالمسألة، قاله الطيبي.
والحاصل: يأكل حاصلها. وقال في ((سبل السلام)): يأكلها أي: الصدقة، أنث؛
لأنه جعل السحت عبارة عنها وإلا فالضمير له. (صَاحِبُهَا) أي: المسألة. (سُحْتًا)
نصب على التمييز، أو بدل من ضمير ((يأكلها)) وجعله ابن حجر حالًا. قال ابن
الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة، انتهى.
والحديث: دليل على أنها تحرم المسألة من الزكاة إلا لثلاثة:
الأول: لمن تحمل حمالة، وظاهره: وإن كان غنيًّا، فإنه لا يلزمه تسليمه من
ماله، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة، وإن كانوا أغنياء، كما
سلف في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد.
والثاني: من أصاب ماله آفة سماوية أو أرضية كالبرد والغرق ونحوه، بحيث لم
يبق له ما يقوم بعیشه، حلت له المسألة، حتى يحصل له ما يقوم بحاله ويسد خلته .
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلّ لَهُ الْمَسْأَلةُ وَمَنْ تَحِلّ لهُ
٥٢٣
والثالث: من أصابته فاقة، ولكن لا تحل له إلا بشرط أن يشهد له من قومه؛
لأنهم أخبر بحاله ثلاثة من ذوي العقول، لا من غلب عليه الغباوة والتغفيل هو
محمول على من كان معروفًا بالغنى ثم افتقر. أما إذا لم يكن كذلك فإنه يحل له
السؤال، وإن لم يشهدوا له بالفاقة، ويقبل قوله، وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على
الإعسار، وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الجمهور: تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا
الحديث على الاستحباب. قال الخطابي: في هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة،
وذلك إنه قد جعل من تحل له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة: غنيًّا وفقيرين،
وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا وباطنًا، فالغني الذي تحل له المسألة: هو
صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والحميل: الضمين والكفيل، ثم ذكر تفسير
الحمالة كما نقلنا عنه، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا وابتغى بما أتاه صلاحًا،
فليس من المعروف أن تورك الغرامة عليه في ماله، ولكن يعان على أداء ما تحمله
منه، ويُعْطَى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة: فهو رجل أصابته جائحة في ماله
فأهلكته، والجائحة في غالب العرف: هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق
متاعه، والنار تحرقه، والبرد يفسد زرعه وثماره في نحو ذلك من الأمور، وهذه
الأشياء لا تخفى آثارها عند وقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله
وافتقر حلت له المسألة، ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه
بها على ثبوت فقره، واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر: فإنما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر،
فادعى تلف ماله من لص طرقه، أو خيانة ممن أودعه أو نحو ذلك من الأمور التي
لا يبين لها أثر ظاهر في المشاهدة والعيان. فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الريبة
في النفوس، لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة
عن أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله: ((حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ
ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ ... )) إلخ. واشتراطه ((الْحِجَى)) تأكيد لهذا المعنى أي: لا
يكونوا من أهل الغباوة والغفلة ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، وليس هذا من
SCENE
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
باب الشهادة، ولكن من باب التبين والتعريف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في
شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه أو ذوى الخبرة بشأنه: إنه
صادق فيما يدعيه أعطي الصدقة.
قال الخطابي: وفي قوله: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَأْمُرَ لَكَ بِهَا)» دليلٌ على جواز
نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر، وفيه: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في
الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل
إنسان بقدر حاله ومعيشته، ليس في حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف
أحوالهم، انتهى، والظاهر من الأحاديث: تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين،
أو أن يكون المسئول السلطان كما سيأتي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٤٧٧) و(ج ٥ : ص ٦٠) والشافعي
(ج ٢: ص٦٢) وأبو داود والنسائي والدار قطني وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي
(ج ٧: ص٢١ - ٢٣) وأبوعبيد (ص ٢٣٠ - ٥٤٧).
١٨٥٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((مَنْ سَأَلَ
النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٨٥٣ - قوله: (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ) أي: شيئًا من أموالهم، يقال: سألته
الشيء وعن الشيء. قال الطيبي: قوله: ((أَمْوَالَّهُمْ)) بدل اشتمال من (النَّاسَ) وقد
تقرر عند العلماء أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون
القصد من سؤال هذا السائل نفس المال والإكثار منه لا دفع الحاجة، فيكون مثل
هذا المال كنز يترتب عليه، فإنما يسأل جمرًا، انتهى.
(١٨٥٣) مُسْلِم (١٠٤١/١٠٥) فِيهَا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَاب مَنْ لَا تَحِلّ لهُ المُسْأَلَةُ وَمَنْ تَحِلّ لهُ
٥٢٥
(تَكَثُّرًا) مفعول له أي: ليكثر به ماله لا للاحتجاج(*). وقيل: أي: بطريق
الإلحاح والمبالغة في السؤال، (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا) أي: قطعة من نار جهنم،
يعني: ما أخذ سبب للعقاب بالنار، وجعله جمرًا للمبالغة، فهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَسَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِىِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوجب
نارًا في العقبى، ويجوز أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا حقيقة،
يعذب ويكوى به كما ثبت في مانعي الزكاة. (فَلْيَسْتَقِلَّ) من السؤال أو الجمر.
(أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) أي: ليطلب قليلًا أو كثيرًا، ولينظر في عاقبته، وهذا توبيخ له
وتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] لا الإذن
والتخيير. قال في ((السبل)): قوله: ((فَلْيَسْتَقِلَّ)) أمر للتهكم ومثله ما عطف عليه، أو
للتهديد من باب اعملوا ما شئتم، وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والبيهقي.
١٨٥٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا
يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم)).
[مُتَّفَقٌ عَلَّيْهِ]
الْشَرْخُ
١٨٥٤ - قوله: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ) والمرأة. (يَسْأَلُ النَّاسَ) أموالهم أي: تكثرًا
وهو غني كما سيأتي. (مُزْعَةُ لَحْم) مزعة بضم الميم وحكي كسرها وسكون الزاي
بعدها مهملة أي: قطعة من لحم أو نتفة منه. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح
الميم والزاي. والذي أحفظه من المحدثين الضم.
قال الخطابي: يحتمل وجوهًا، أن يأتي ذليلًا ساقطًا لا جاه له ولا قدر، كما
يقال: لفلان وجه عند الناس، فهو كناية. وأن يكون قد نالته العقوبة في وجهه،
(*) هكذا في الأصل والصواب: الاحتياج.
(١٨٥٤) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤٧٤)، ومُسْلِم (١٠٤ /١٠٤٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا.
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فعذب حتى سقط لحمه على معنى مشاكلة عقوبة الذنب مواضع الجناية من
الأعضاء، كقوله وَله: ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ، فَقُلْتُ: يَا
جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤَلَاءِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَّا يَفْعَلُونَ))، وأن يبعث ووجهه عظم
کله فیکون ذلك علامة له وشعارًا يعرف به، وإن لم يكن من عقوبة مسته في وجهه،
انتھی .
قال الحافظ: الأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيده ما أخرجه الطبراني
والبزار من حديث مسعود بن عمرو. ومرفوعًا: ((لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنْيٌّ حَتَّى
يَخْلِقَ وَجْهَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ وَجْهُ))، ومال المهلب إلى حمله على ظاهره: وإلى
أن السر فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس
له أكثر من غيره، قال: والمراد به: من سأل تكثرًا وهو غني لا تحل له الصدقة،
وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له، فلا يعاقب عليه، انتهى.
قلت: ظاهر الحديث يدل على ذم تكثير السؤال وقبحه، وإن كل مسألة تذهب
من وجهه قطعة لحم حتى لا يبقى فيه شيء؛ لقوله: ((لَا يَزَالُ)) وفهم البخاري أنه
وعيد لمن يسأل تكثرًا، يعني: سأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه، فإنه ترجم له
بباب من سأل تكثرًا، والفرق بينهما ظاهر؛ فقد يسأل الرجل دائمًا، وليس متكثرًا
لدوام افتقاره واحتياجه، لكن لما كان المتوعد عليه على ما تشهد به القوائد هو
السائل عن غنى وكثرة، وأن سؤال ذي الحاجة مباح نزل البخاري الحديث على من
يسأل لیکثر ماله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٥ - ٨٨) والنسائي والبيهقي
(ج ٤ : ص ١٩٦).
كِتَابُ الرَّڪاةِ
*****<<<<<<<<< *<<<<<<<<*
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةَ وَمَنْ تَحِلَّ لهُ
٥٢٧
١٨٥٥ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا تُلْحِفُوا فِي
الْمَسْأَلَةِ فَوَ اللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتْهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا
كَارِهٌ فَيُبَارََ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٨٥٥ - قوله: (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) أي: ابن أبي سفيان. (لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ)
مصدر بمعنى السؤال أي: لا تبالغوا ولا تلحوا، من الحف في المسألة إذا ألح
فيها؛ قال تعالى: ﴿لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] واشتقاق الحف من
اللحاف؛ لأنه يشتمل على وجوه الطلب كاشتمال اللحاف في التغطية. (فَوَ اللَّهِ لَا
يَسْأَلُنِي) أي: بالإلحاف. (فَتُخْرِجَ) بالتأنيث منصوبًا ومرفوعًا والنسبة مجازية سببية
في الإخراج. (وَأَنَا لَهُ) أي: لذلك الشيء يعني: لإعطائه، أو لذلك الإخراج الدال
عليه ((تخرج)) والواو للحال.
(فَيُبَارََكَ) بالنصب مجهولًا. (لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ) أي: على تقدير الإلحاف. قال
الطيبي: بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية أي: لا يجتمع إعطائي كارهًا مع
البركة، انتهى. وسره أن النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى تكون الصورة الذهنية فيها
من الكراهة والرضا بمنزلة الدعاء المستجاب، والله أعلم، كذا في ((حجة الله
البالغة)). قال القاري: وفي نسخة بالرفع فيقدر هو فيكون كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ
[المرسلات: ٣٦]، انتهى.
٣٦
لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ
وفي رواية لمسلم قال : - أي: معاوية - سمعت رسول الله واللهيقول: ((إِنَّمَا أَنَا
خَازِنٌ فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيْبٍ نَفْسٍ فَمُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهِ نَفْسٍ
كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ))، قالَ النووي في ((شرح مسلم)): اتفق العلماء على النهي
عن السؤال لغير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على
وجهين: أصحهما: أنها حرام لظاهر الأحاديث. والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة
(١٨٥٥) مُسْلِمٌ (٩٩/ ١٠٣٨) مِنْ حَدِيثٍ مُعَاوِيَةَ فِيهَا .
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحد
هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٩٨) والنسائي والدارمي والبيهقي
(ج٤: ص ١٩٦) وفي الباب عن ابن عمر عند أبي يعلى ذكره المنذري في
((الترغيب))، وقال: رواته محتج بهم في الصحيح.
١٨٥٦ - [٥] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَأَنْ
يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ خَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيِعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا
وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَّوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
G O
الْشَّرُْ
١٨٥٦- قوله: (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو
وهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب،
أبو عبد الله الأسدي القرشي، حواري رسول اللَّه ◌َلّ وابن عمته صفية بنت عبد
المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى،
أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: ثمان سنين. وكان عم الزبير وهو نوفل بن خويلد
يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ليرجع إلى الكفر فيقول: لا أكفر أبدًا،
شهد بدرًا وما بعدها، وهاجر الهجرتين. وهو أول من سلَّ سيفًا في سبيل اللَّه وذلك
أن الشيطان نفخ نفخة فقال: أخذ رسول اللّه وَ ل﴾. فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه،
والنبي وَّل بأعلى مكة. وفي رواية فقيل: قتل رسول اللَّه ◌َله، فخرج الزبير متجردًا
بالسيف صلتًا. روى عن النبي وَلِّ، وعنه ابناه عبد الله وعروة، والأحنف وغيرهم،
وكان في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي أصابه مع رسول اللّه وَل في
سبيل الله، قتل في جمادى الآخرة سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله
ست أو سبع وستون سنة. وكان الذي قتله عمرو بن جرموز التميمي، قتله غدرًا
(١٨٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي فِي الزَّكَاةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، ومُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الْمُسْأَلَةٌ وَمَنْ تحِلُّ لَه
٥٢٩
بوادي السباع ناحية البصرة ودفن فيه، وقال عليٌّ رَوالقلَّة لمن آذنه بقتله: بشر قاتل
ابن صفيَّة بالنار.
(لَأَنْ يَأْخُذَ) بفتح اللام. (أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ) أي: فيجمع حطبًا ثم يربط به. (فَيَأْتَّيَ
بِحُزْمَةِ حَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ) قال ابن الملك: الحزمة بضم الحاء قدر ما يحمل بين
العضدين والصدر، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب.
وقال في ((الصراح)): حزمة بالضم بند هيزم. (فَيَبِيعَهَا) قيل: منصوب بتقدير :
أنْ، أي: فإن يبيع تلك الحزمة. (فَيَكُفَّ) بالنصب أيضًا. (اللَّهُ بِهَا) أي: فيمنع اللَّه
بسبب الحزمة وثمنها. (وَجْهَهُ) أي: من أن يريق ماءه بالسؤال.
(خَيْرٌ لَهُ) قال الحافظ: ليست (خَيْرٌ) هنا بمعنى التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال
مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية: أن سؤال من هذا حاله حرام.
ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميته الذي يعطاه
خيرًا، وهو في الحقيقة شر، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية مسلم)): قوله: ((خَيْرٌ لَهُ)) ... إلخ. أي: لو فرض في
السؤال خيريه لكان هذا خيرًا منه، وإلا فمعلوم أنه لا خيرية في السؤال. وقال في
((حاشية ابن ماجه)): الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ﴾ والمراد: إن ما
يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيوي خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب
الأخروي، فعند الحاجة ينبغي له أن يختار الأول ويترك الثاني.
(مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ) أي: من سؤال الناس، ولو كان الاكتساب بعمل شاق
كالاحتطاب. وقد روي عن عمر فيما ذكره ابن عبد البر: مكسبة فيها بعض الدناءة
خير من مسألة الناس. (أَعْطَوْهُ) فحملوه ثقل المنة مع ذل السؤال. (أَوْ مَنَعُوهُ)
فاكتسب الذل والخيبة والحرمان، يعني: يستوي الأمران في أنه خير له. وفي
الحديث: الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في
طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قُبح المسألة في نظر الشرع لم
يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم
يعط. ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله أن أعطى كل سائل، وفيه:
فضيلة الاكتساب بعمل اليد.
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ : ص١٤٦ - ١٦٨) وابن ماجه
والبيهقي (ج ٤: ص ١٩٥) وفي الباب عن أبي هريرة عند مالك والشيخين والترمذي
والنسائي .
١٨٥٧ - [٦] وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَه
فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي: (َيَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ
حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورَِ لَّهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ
يُبَارَكْ لَهُ فِيهَ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اَلْيَدِ
السُّفْلَى)). قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَتَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأْ
أَحَدًّا بَعْدََكَ شَيْئًا حَتَّى أَفَارِقَ الدُّنْيَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشِّرُْ
١٨٥٧ - قوله: (وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام) بفتح المهملة في الأول وكسرها في
الثاني، وتخفيف الزاي المعجمةً. (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ
فَأَعْطَانِي) كذا وقع في هذه الرواية بتكرير الإعطاء مرتين، وفي سائر الروايات
بتكرير السؤال والإعطاء ثلاثًا. (ثُمَّ قَالَ لِي) أي: بعد الإعطاء الثالث كما في سائر
الروايات.
(إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، أي: طري ناعم
مرغوب فيه غاية الرغبة. (حُلْوٌ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام، أي: لذيذ عند
النفس تميل إليه بالطبع غاية الميل. وقيل: الخضر في العين طيب، والحلو يكون
في الفم طيبًا؛ إذ لا تمل العين من النظر إلى الخضر، ولا يمل الفم من أكل الحلو
فكذلك النفس حريصة بجمع المال لا تمل عنه. والمعنى: إن هذا المال في الرغبة
فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه كالفاكهة خضر في المنظر حلو في الذوق،
ففيه: تشبيه المال في الرغبة، والميل إليه بالفاكهة الخضرة المستلذة المستحلاة
(١٨٥٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٧٢)، ومُسْلِم (٩٦٠/ ١٠٣٥) عَنْهُ فِيهَا، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
كِتَابَ الزّكاة
بَابٌ مَنْ لَا تَجِلَّ لهُ المُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَجِلَّ لهُ
٥٣١
الطع؛ فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس والحلو كذلك على
انفراده بالنسبة إلى الحامض، فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد.
وفيه: إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء، وذكر
الخبر في هذه الرواية، ووقع في سائر الروايات: ((إِنَّ هَذَا المَالَ خَضْرَةٌ حُلْوَةٌ)).
قيل: أنث الخبر؛ لأن المراد الدنيا. وقيل: لأن التقدير إن صورة هذا المال، أو
يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد ((بالخضرة»: الروضة
الخضراء، أو الشجرة الناعمة، و((الحلوة)): المستحلاة الطعم.
قال في ((المصابيح)): إذا كان قوله: (خَضِرَةٌ) صفة للروضة، أو المراد بها:
نفس الروضة الخضرة لم يكن ثم إشكال البتة، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر في
التأنيث إنما يجب إذا كان الخبر صفة مشتقة غير سببية نحو هند حسنة أو حكمها
كالمنسوب. أما في الجوامد فيجوز نحو هذه الدار مكان طيب وزيد نسمة عجيبة،
انتهى. وقال الحافظ: معناه إن صوره حسنة مونقة، والعرب تسمي كل شيء
مشرق ناضر أخضر .
وقال ابن الأنباري: قوله: ((خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ)) ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه
كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، أو التاء فيه باعتبار ما يشتمل عليه المال
من زهرة الدنيا. أو على معنى فائدة المال أي: إن الحياة به أو العيشة، أو إن
المراد بالمال هنا: الدنيا؛ لأنه من زينتها. قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وقد وقع في حديث أبي سعيد في السنن: «الدُّنْيَا خَضْرَةٌ
حُلْوَةٌ)) فيتوافق الحديثان، ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة.
(فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: المال أخذًا متلبسًا. (بِسَخَاوَةٍ) بفتح السين المهملة. (نَفْسِ)
أي: من غير حرص عليه أو بغير شره ولا إلحاح أي: من أخذه بغير سؤال ولا
إشراف، ولا تطلع، ولا طمع، وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة
إلى المعطي أي: بسخاوة نفس المعطي، أي: انشراح صدره بما يعطيه، يعني :
من أخذه ممن يعطي منشرحًا بإعطائه إياه طيب النفس لا بسؤال اضطره إليه أو
نحوه، مما لا تطيب معه نفس المعطي، والظاهر هو الأول.
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) أي: مكتسبًا له بطلب النفس، وحرصها عليه،
وتعرضها له، وطمعها فيه، وتطلعها إليه، وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن
يكون بالنسبة إلى المعطي، أي: بكراهيته من غير طيب نفس بالإعطاء كذا قيل،
والظاهر هو الأول. (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ) أي: الآخذ. (فِيهِ) أي: في المعطى. (وَكَانَ)
أي: السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة، وكثرة
الشره والنهمة .
(كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذى الجوع الكاذب بسبب سقم من غلبة خلط
سوداوي أو آفة، ويسمى: جوع الكلب كلما ازداد جوعًا، فلا يجد شبعًا ولا ينجع
فيه الطعام، والمراد: أنه لا ينقطع شهاؤه، فيبقى في حيرة الطلب على الدوام، ولا
تنقضي شهواته التي لأجلها طلبه. وفي الحديث: الحث على التعفف والرضا بما
تيسر في عفاف، وإن كان قليلاً، وإنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف
ونحوه، فإنه لا يبارك له فيه. (وَالْيَدُ الْعُلْيَا) أي: المنفقة. (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)
أي: السائلة .
قال السندي: المشهور تفسير اليد العليا بالمنفقة وهو الموافق للأحاديث.
وقيل: عليه كثيرًا ما يكون السائل خيرًا من المعطي، فكيف يستقيم هذا التفسير
وليس بشيء؛ إذ الترجيح من جهة الإعطاء والسؤال، لا من جميع الوجوه،
والمطلوب الترغيب في التصدق، والتزهيد في السؤال. ومنهم من فسر العليا
بالمتعففة عن السؤال، حتى صحفوا المنفقة في الحديث - يعني : حديث ابن عمر
الآتي - بالمتعففة والمراد: بالعلو قدرًا، وعلى الوجهين فالسفلى هي السائلة؛ إما
لأنها تكون تحت يد المعطي وقت الإعطاء، أو لكونها ذليلة بذل السؤال، والله
أعلم بحقيقة الحال، انتهى.
قلت: القول الراجح المعول عليه هو: أن المراد بالعليا هي المنفقة، وبالسفلى
السائلة؛ لما روى أحمد والطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعًا:
((يَدُ اللهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي، وَيَدُ الْمُعْطِي فَوْقَ يَدِ الْمُعْطَى، وَيَدُ الْمُعْطَى أَسْفَلُ
الْأَيْدِي)). وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعًا مثله. وروى النسائي وابن
حبان والدار قطني من حديث طارق المحاربي. قال: قدمنا المدينة فإذا النبي وَل
كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةِ وَمَنْ تَجِلَّ له
١٥١٥٠:
٥٣٣
قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: ((يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا))، ولابن أبي شيبة
والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم مثله، ولأبي داود وابن خزيمة والحاكم من حديث
أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعًا: ((الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللهِ: الْعُلْيَا،
وَيَدُ الْمُعْطِ: الَّتِي تَلِيْهَا، وَيَدُ السَّائِلِ: السُّفْلَى))، ولأحمد والبزار من حديث عطية
السعدي: ((الْيَدُ الْمُعْطِيَّةُ هِيَ الْعُلْيَا، وَالسَّائِلَةُ هِيَ السُّفْلَى)).
قال الحافظ بعد ذكر هذه الأحاديث: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا
هي المنفقة المعطية، وإن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد، وهو قول
الجمهور، انتهى. وفي تفسير ذلك أقوال أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح))، ثم
قال: وكل هذه التأويلات تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد،
فأولى ما فسر الحديث بالحديث، انتهى.
(لَا أَرْزَأُ) بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي: لا أنقص.
(أَحَدًا) أي: مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه. (بَعْدَََ) أي: بعد سؤالك هذا أو
بعد قولك هذا. (شَيْئًا) مفعول ثان لـ((أَرْزَاً)) بمعنى أنقص أي: لا آخذ من أحد شيئًا
بعدك، وفي رواية قلت: فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب.
(حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا) أي: إلى أن أموت، ولم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد
رسول اللَّه ◌َل حتى توفي لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغة في الاحتراز، إذ
مقتضى الجبلة الإشراف، والحرص، والنفس سراقة، ومن حام حول الحمى
يوشك أن يقع فيه. وفي الحديث فوائد ذكرها الحافظ في ((الفتح)) نقلًا عن ابن أبي
جمرة، فارجع إليه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والوصايا والخمس والرقاق، ومسلم في
الزكاة. واللفظ للبخاري في الوصايا، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣: ص٤٣٤)
والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم.
Best
٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٥٨ - [٧] وَعَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إِلَ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ
وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مَنِ الْيَدِ
السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
W O
الْشَرْحُ
١٨٥٨- قوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة إسمية وقعت حالًا. (وَهُوَ) أي:
والحال أنه. (يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) أي: فضلها والحث عليها. (وَالتَّعَفَّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ)
أي: الكف عن السؤال وهذا لفظ مسلم عن قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر،
وكذا رواه النسائي عن قتيبة، وكذا وقع في ((الموطأ)). ولفظ البخاري من طريق
القعنبي عن مالك، وذكر الصدقة، والتعفف، والمسألة، أي: بالواو بدل عن قبل
المسألة، ولأبي داود من هذا الطريق، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها والمسألة،
والضمير في ((مِنْهَا)) عائد على ((الصَّدَقَةَ)) المتقدم ذكرها أي: والتعفف من أخذ
الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة، والفقير على التعفف عن
المسألة، أو يحضة على التعفف، ويذم المسألة.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا) قال النووي: المراد بالعلو علو الفضل والمجد ونيل الثواب.
وقال الباجي: هو بمعنى أنه أرفع درجة ومحلًّا في الدنيا والآخرة. (هِيَ الْمُنْفِقَةُ)
اسم فاعل من أنفق يعني: المعطية. (وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) هذا التفسير مدرج في
الحديث فروى أحمد (ج٢: ص١٥٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كتب إلى
عبد العزيز بن مروان: إني سمعت رسول اللّه وَ لَهيقول: ((ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ
الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى))، وإني لأحسب اليد العليا المعطية والسفلى السائلة.
فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي
(ج٤ : ص١٩٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتحدث إن اليد
العليا هي المنفقة.
(١٨٥٨) عن مَالِك بن نَضْلَةَ عندَ أبِي دَاوُد (١٦٤٩) فيها .
كِتّابُ الرَّڪاةِ
*
بَابٍ مَنْ لَا تَجِلَّ لهُ المُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَجِلَّ لَه
٥٣٥
واعلم: أنَّه اتفق الرواة عن مالك على قوله: ((المُنْفِقَةُ))، والحديث رواه
البخاري أيضًا عنٍ عارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:
سمعت رسول اللَّه ◌َ﴾ ... لكن لم يسق متن هذا الطريق وأشار أبو داود إلى
الاختلاف فيه على أيوب عن نافع، ثم على حماد بن زيد عن أيوب.
وحاصل هذا الاختلاف أنه قال: أكثر الرواة عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد
العليا المنفقة. وقال مسدد عن حماد عند ابن عبد البر في ((التمهيد)). وأبو الربيع
الزهراني عن حماد عند يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة: ((المتعففة))،
يعني: بالعين والفاءين وكذا قال عبد الوارث عن أيوب: ((الْمُتَعَقِّفَةُ)) بدل:
((الْمُنِفِقَةُ)) قال الحافظ: لم أقف على رواية عبد الوارث موصولة، وقد أخرجه أبو
نعيمٍ في ((المستخرج)) من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: ((وَالْيَدُ الْعُلْيَا:
يَدُ الْمُعْطِي))، وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ: ((الْمُتَعَفِّفَةُ)) فقد صحف .
قلت: ويدل عليه أيضًا ما روى أحمد (ج ٢: ص٩٨) عن يونس عن حماد بلفظ :
((الْيَدُ الْعُلْيَا: الْمُعْطِيَةُ))، ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضًا، فقال
عبد الله بن المبارك عند أحمد (ج٢: ص٦٧)، وحفص بن ميسرة عند البيهقي
(ج٤: ص١٩٨)، وفضيل بن سليمان عند ابن حبان كلهم عن موسى بن عقبة:
((المنفقة)). وقال إبراهيم بن طهمان عنه عند البيهقي (ج٤: ص١٩٨): ((المتعففة))
يعني بعين وفاءين، ورجح الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص ٧٠) رواية ((المتعففة))
فقال: إنها أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول اللّه ◌َله قال
هذا الكلام، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها، فعطف الكلام على سببه الذي خرج
عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى.
ورجح ابن عبد البر في ((التمهيد)» رواية: ((الْمُنْفِقَةُ)) فقال: إنها أولى وأشبه
بالصواب من قول من قال: ((الْمُتَعَقِّفَةُ))، وقال النووي في ((شرح مسلم)): إنها
الصحيح، قال: ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة
أولى من السائلة، انتهى. قلت: قد سبق ما يدل على أنه لفظة ((المتعففة)) بالعين
والفاءين مصحفة عن ((المنفقة))، وتقدم أيضًا أنَّ الأحاديث متظافرة على أن اليد
العليا هي المنفقة المعطية، فالصحيح هي رواية: ((المنفقة)) لا ((المتعففة)) والله
تعالى أعلم.
٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الحديث: الحث على الصدقة والإنفاق في وجوه الطاعة، وفيه: كراهة
السؤال والتنفير عنه، ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد مختصرًا (ج٢: ص ٦٧ - ٩٨) ومالك في الجامع من
((الموطأ)) وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم.
١٨٥٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ
سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ،
فَقَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِقَّ يُعِقَّهُ اللَّهُ،
وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبُّرْ يُصَبِّرْهُ اللّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءَ هُوَ خَيْرٌ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)».
الْشَرْحُ
١٨٥٩ - قوله: (إِنَّ أُنَاسًا) وفي بعض النسخ: ناسًا، أي: بترك الهمزة. (مِنَ
الْأَنْصَارِ) لم يعرف أسماءهم ولكن قال الحافظ: روى النسائي من طريق
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا
الحديث خوطب بشيء من ذلك ولفظه في حديثه - في باب مَنِّ الملحف - سرحتني
أمي إلى النبي ◌َ له يعني: لأسأله من حاجة شديدة فأتيته فقعدت فاستقبلني، وقال:
((مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ ... )) الحديث. وزاد فيه: ((وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوْقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ))
فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية فرجعت ولم أسأله، انتهى. واعترضه العيني :
بأنه ليس فيه شيء يدل على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبي ◌ِّ.
(سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿) كذا في عامة النسخ وكذا في ((المصابيح)) وهكذا وقع في
((الصحيحين)) و((الموطأ)) و((جامع الترمذي) و((سنن أبي داود)) والنسائي، ووقع في
بعض نسخ ((المشكاة): سألوا عن رسول اللّه وَ له. والظاهر: أنه غلط من الناسخ.
(فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ) بتكرير السؤال والإعطاء مرتين، ووقع ذلك في
(١٨٥٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣) عَنْهُ فِيهَا .
كِتّابِ الرَّڪاةِ
*********<<<<<<<<<<<<<<<< ><> <<<<< <<<<<< > <<<<<<
بَابٍ مَنْ لَا تَجِلَّ لَهَ الْمُسْأَلةِ وَمَنْ تَحِلَّ لَه
٥٣٧
** 2:
بعض النسخ من ((صحيحي البخاري ومسلم)) ثلاث مرات. (حَتَّى نَفِدَ) بكسر الفاء
وبالدال المهملة أي: فرغ وفني. (ما عِنْدَهُ) من المال.
(مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي: مال و((من)) بيان لـ((ما)) (وَمَا) موصولة لا شرطية
وإلا لوجب يَكُنْ بحذف الواو والفاء في قوله. (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) لتضمن المبتدأ
معنى الشرط، و((أدخره)) بتشديد الدال المهملة، أي: كل شيء من المال موجود
عندي، فلن أحبسه وأخبأه وأمنعكم إياه منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرة
لغير كم معرضًا عنكم. (وَمَنْ يَسْتَعِفَّ) بفاء واحدة مشددة. قال القاري: وفي بعض
النسخ: بالفك، ويظهر من كلام الحافظ والقسطلاني أن في رواية الكشمهيني :
(يَسْتَعْفِفْ))، أي: بفاءين، للحموي والمستملي: ((يستعفّ)) أي: بفاء واحدة
مشددة، يعني: من يطلب من نفسه العفة عن السؤال.
قال الطيبي: أويطلب العفة من اللَّه تعالى فليس السين لمجرد التأكيد. قال
الجزري: الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفف، وهو الكف من الحرام والسؤال
من الناس أي: من طلب العفة، وتكلفها أعطاه الله إياها. وقيل: الاستعفاف،
الصبر والنزاهة عن الشيء يقال: عف يعف عفة فهو عفيف، انتهى. (يُعِقَّهُ اللَّهُ)
بضم التحتية وكسر المهملة ونصب الفاء المشددة أي: يرزقه الله العفة أي: الكف
عن السؤال والحرام، ولأبي ذر ((يُعِقَّهُ اللهُ)) برفع الفاء قاله القسطلاني.
وقال في ((المجمع)): يعفه من الإعفاف وبفتح فاء مشددة، وضمه بعضهم إتباعًا
بضم الهاء، انتهى. قال القاري: (يُعِفَّهُ اللهُ)، أي: يجعله عفيفًا من الإعفاف وهو
إعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال
تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى. وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال
ما يستغني به عن السؤال، وإما أن يرزقه القناعة.
(وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: باللّه عمن سواه أو يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس،
والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيًا من التعفف. (يُغْنِهِ اللَّهُ) أي: يجعله
غنيًا أي: بالقلب، ففي الحديث: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى
النَّفْسِ))، ولو حمل على غنى المال لم يبعد أي: يعطيه ما يغنيه عن الخلق. (وَمَنْ
Beexx
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يَتَصَبَّرْ) بفتح الفوقية وتشديد الموحدة المفتوحة أي: يعالج الصبر على ضيق
العيش وغيره من مكاره الدنيا. وقال السندي: أي: يتكلف في تحمل مشاق
الصبر، وفي التعبير بباب التكلف؛ إشارة إلى أن ملكة الصبر تحتاج في الحصول
إلى الاعتبار، وتحمل المشاق من الإنسان.
وقال القاري: أي: يطلب توفيق الصبر من الله؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا
صَبْرُكَ إِلَّ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلف في التحمل عن مشاقه،
وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية،
أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك، ولا
يشكو حاله لغير ربه.
(يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بضم أوله وتشديد الموحدة المكسورة من التصبير أي: يسهل عليه
الصبر، فتكون الجمل مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى العموم قوله الآتي: «وَمَا أُعْطِيَ
أَحَدٌ .. )) إلخ. وقال الباجي: معناه من يتصد للصبر، ويؤثره يعينه الله تعالى عليه
ويوفقه. (وَمَا أُعْطِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول. (أَحَدٌ) بالرفع نائب عن الفاعل.
(عَطَاءً) بالنصب مفعول ثان: (أُعْطِيَ)) وفي الترمذي: ((مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا))، وفي
رواية مسلم وأبي داود: ((مِنْ عَطَاءٍ))، (هُوَ خَيْرٌ) أي: أفضل كذا في جميع نسخ
((المشكاة)) الحاضرة، ووقع في ((صحيح مسلم)) ((خَيْرٌ)) بلا لفظ هو، وهو مقدر.
وهكذا وقع في بعض نسخ البخاري، ووقع في بعضها: ((خَيْرًا)) بالنصب على أنه
صفة عطاء، وهكذا في ((المصابیح)).
قال العيني: قوله: ((خَيْرًا)) بالنصب صفة عطاء، ويروي ((خَيْرٌ)) بالرفع على أنه
خبر مبتدأ محذوف أي: هو خير، انتهى. (وَأَوْسَعُ) عطف على خير. (مِنَ الصَّبْرِ)
لجمعه مكارم الأخلاق؛ ولأنه كما قال الباجي: أمر يدوم له الغنى به بما يعطي،
وإن كان قليلا ولا یفنی، ومع عدمه لا يدوم له الغنى وإن کثر. وربما يغنى ويمتد
إلى أكثر منه مع عدم الصبر.
وقال ابن الجوزي: إنما جعل الصبر خير العطاء؛ لأنه حبس النفس عن فعل ما
تحبه وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله أو تركه، لتأذى به في الآجل.
وقال القاري: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات
كِتَابُ الرَّكاةِ
الإيجـ
بَاب مَنْ لَا تَجِلَّ له المُسْأَلَةِ وَمَنْ تَحِلَّ لهُ
٥٣٩
والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾
[ البقرة: ٤٥] ومعنى كونه أوسع: أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد،
انتھی .
وفي الحديث: إعطاء السائل مرتين أو ثلاثًا، والاعتذار إليه، والحض على
التعفف، وفيه: جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه
رزقه بغير مسألة، وفيه: الحث على الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره
الدنيا، وأن الصبر أفضل ما يعطاه المرء لكون الجزاء عليه غير مقدر ولا محدود،
وفيه: ما كان عليه وَل من السخاء، وإنفاذ أمر الله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك في كتاب الجامع من ((الموطأ))
والترمذي في البر والصلة وأبو داود والنسائي والبيهقي في الزكاة.
١٨٦٠ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُعْطِينِي
الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا
جَاءَلَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ فَخُذْهُ، وَمَا لَا؛ فَلَا تُتْبِعْهُ
نَفْسَك)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَرْحُ
١٨٦٠ - قوله: (يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) قيل: كان ذلك أجر عمله في الصدقة، كما
يدل عليه حديث ابن الساعدي في الفصل الثالث. وقال الحافظ: قوله: (يُعْطِينِي
الْعَطَاءَ) أي: من المال الذي يقسمه في المصالح، قال: وفي حديث ابن السعدي
عند مسلم: إن عطية النبي ◌ُّ لعمر بسبب العمالة. ولهذا قال الطحاوي: ليس
معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام وليست
هي من جهة الفقر، ولكن شيء من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه
مني، لم يرض بذلك؛ لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، قال: ويؤيده قوله: ((خُذْهُ
(١٨٦٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤٧٣)، ومُسْلِم (١١٠ /١٠٤٥) عَنْهُ فِيهَا.