النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابنُ خزيمة وأبو داود: أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما روى الطحاوي
بسنده (ص٣١٩)، عن أبي سعيدٍ أنه قال: إنَّما علينا أن نعطي لكل رأس عند كلِّ
فطرٍ صاعًا من تمر أو نصف صاع من برٍّ، فلا يوازي الروايات المتقدمة فلا يلتفت
إليه .
والقولُ بأنَّ حديث الباب يدلُّ على أنهم كانوا يعطون من البرِّ صاعًا، لكن على
سبيل التبرع، يعني: إن أبا سعيد وغيره من الصحابة، إنما كانوا يخرجون النصف
الآخر تطوعًا واختيارًا وفضلًا؛ تأويل بعيد لا يخفى تكلفه، وأما ما يذكر من
الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح أو في نصفه فكلها مدخولة.
قال البيهقي (ج٤ ص ١٧٠) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد
وردت أخبار عن النبي ◌َّ في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا
يصح شيء من ذلك؛ قد بينت علة كل واحد منها في ((الخلافيات)) وروينا في
حديث أبي سعيد وفي حديث ابن عمر أن تعديل نصف صاع من بر بصاع من شعيرٍ
وقع بعد النبي وَلَه .
وأما ما روى أبو داود وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي راود عن نافع، عن ابن
عمر، قال: كان الناسُ يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول اللَّه وَله صاعًا من
شعير، أو صاعًا من تمر أو زبيب، فلما كان عمر وكثرت الحنطة فجعل عمر نصف
صاع من حنطة مكان صاع من تلك الأشياء، فقال الحافظ: قد حكم مسلم في كتاب
التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم وأوضح الرد عليه. وقال ابن عبد البر: قول ابن
عيينة - أي: في جعل معاوية نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تلك الأشياء -
عندي أولى. وقال ابن المنذر: لا نعلمُ في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي وَّهِ يعتمدُ
عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في
زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة فغير
جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة
وجابر وابن عباس وابن الزبير وآمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة، أنهم رأوا
أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، انتهى.
قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي
سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٤١
خلافًا للطحاوي، انتهى. وتعقبه العيني فقال: أما أبو سعيد فإنه لم يكن يعرف في
الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب، والدليل عليه ما روى عنه في رواية :
((كنا نخرج على عهد رسول اللَّه ◌ِّيّ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ... ))
الحديث، لا نخرج غيره.
وأما روايته الأخرى: ((كُنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام))، فقد بينت أن
الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل ويقتات، فيتناول الأصناف التي ذكرها في حديثه،
وجواب آخر: أن أبا سعيد إنما أنكر على معاوية على إخراجه المُدَّيْنِ من القمح؛
لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة، وكذلك ما نقل عَنِ ابْنِ عُمَرَ، انتهى.
قلتُ: قد عرفت مما قدمنا أن أبا سعيد كان يرى أن الواجب من كل شيء صاع
خلافًا لمعاوية ومن وافقه، ولكنه لم يخرج من البُرِّ قط لا صاعًا ولا نصفه، لا لأنه
ما كان يعرف القمح في الفطرة، بل اتباعًا لما كان يفعله الصحابة في زمانه خراج
غير البر، وكذا ابن عمر. فدعوى الإجماع على النصف من البرِّ مع مخالفة أبي
سعيد وابن عمر مردودة.
واعلم: أن الواجب في صدقة الفطر عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق صاع
عن كل إنسان لا يجزي أقل من ذلك من جميع الأجناس المخرج، وروي ذلك عن
أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية. وقال أبو حنيفة والثوري: أنه يجزيء
نصف صاع من البر خاصة. وروي ذلك عن عثمان وابن الزبير ومعاوية، وهو
مذهب ابن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن
الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير، وابن المبارك وغيرهم.
واحتج لقولِ الأئمة الثلاثة بحديث أبي سعيد هذا، وذلك بوجوه:
الأول: إن الطعام في عُرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة، لا سيما وقد قرنه
بباقي المذكورات، قاله النووي. وقد تقدَّم الكلام على هذا الاستدلال.
والثاني: إن النبي ◌َّ- فرض صدقة الفطر صاعًا من طعام والبر مما يطلق عليه
اسم الطعام إن لم يكن غالبًا فيه، وتفسيره بغير البرِّ إنما هو؛ لأنه لم يكن معهودًا
عندهم، فلا يجزئ دون الصاع منه، قاله الشوكاني، وهذا إنما يتمشى لو ورد
٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث بلفظ: فرض رسول اللَّه وَ له صاعًا من طعام، ولكنَّه لم يقعْ في رواية
أصلًا. ولو سلمنا فيمكنُ أن يقالَ: إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام
مخصص، والأحاديث المرفوعة التي جاءت بنصف الصاع من البر. قال الشوكاني
في ((النيل)) وفي ((السيل الجرار)): وهي تنتهض بمجموعها للتخصيص، انتهى.
والثالث: إن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في
مقدار ما يخرج منها مع اختلافها في القيمة، دل ذلك على أن المراد إخراج هذا
المقدار - أي: الصاع - من أي جنس كان، ولا نظر إلى قيمته، فلا فرق بين
الحنطة وغيرها، واستدل لمن قال بنصف الصاع من البر بأحاديث مرفوعة ذكرها
الزيلعي (ج٢ ص٤١٨ و٤٢٣) والعيني (ج٩ ص١١٤، ١١٥) وسيأتي بعضها في
هذا الباب وكلها مدخولة، ضعَّفها أهلُ العلم بالحديث.
واستدل لهم أيضًا بأنه صار الإجماع على نصف الصاع من البر في زمن
الصحابة. ففي رواية لمسلم: قال أبو سعيد: كنا نخرج إذا كان فينا رسول اللَّه ◌َله
زكاة الفطر عن كلٍّ صغير وكبير حر أو مملوك، صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط
أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم
علينا معاوية حاجًا أو معتمرًا، فكلّم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن
قال: إني أرى مُدَّيْنِ من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمرٍ، فأخذ الناس بذلك
الحديث. قال النووي: هذا الحديث هو الذي اعتمده أبو حنيفة وموافقوه.
والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول
صحبة وأعلم بأحوال النبي ◌َّر، وقد صرَّح معاوية بأنه رأيٌ رآه لا أنه سمعه من
النبي وَّر، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم
في موافقته معاوية عن النبي وَّ لذكره، كما جرى لهم في غير هذه القضية،
انتھی .
وأجابَ الزيلعي عن هذا: بأنه قد وافق معاوية غيره من الصحابة الجم الغفير
بدليل قوله: فَأَخَذَ النَّاسُ بذلك. ولفظ النَّاسِ للعموم، فكان إجماعًا، وكذلك قول
ابن عمر: فعدل الناس به مدين من حنطة، ولا يضر مخالفة أبي سعيد لذلك؛ لأنه
لا يقدح في الإجماع، انتهى.
كِتَّابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٤٣
*****<<<<<=********<<<<<<<<***<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<
قلت: هذا عجيب؛ فإن الأصوليين قد صرحوا بأن مخالفة الواحد تمنع انعقاد
الإجماع، فكيف تصح دعوى انعقاد الإجماع من مخالفةٍ أبي سعيد. وقد تقدَّم قولُ
الحافظ: إن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر
فلا إجماع في المسألة، قال: ومن جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فعل
ذلك بالاجتهاد؛ بناء منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك
غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم إن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا
ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، ويدل على أنهم
لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر: أن ابن عباس لما كان
أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبين لهم إنها صاع من تمر إلى أن قال: أو
نصف صاع من بر. قال: فلما جاءَ عليٌّ ورأى رُخْصَ أسعارهم قال: اجعلوها صاعًا
من كلٌّ. فدلَّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل،
انتھی .
قلت: الأحوط عندي هو أن يُخْرَجَ صاعٌ من البُرِّ أيضًا، ولو أخرج أحد نصف
صاع منه أجزأه إن شاء الله؛ نظرًا إلى الأحاديث الضعيفة وآثار الصحابة في ذلك.
(أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) اختلفوا في أن ((أَوْ)) للتقسيم أو للتخيير. قال
ابن رشد (ج١ ص٢): وأما مما ذا تجب؟ فإن قومًا ذهبوا إلى أنها تجب من البر أو
التمر أو الشعير أو الزبيب أو الأقط على التخيير. وقومٌ ذهبوا إلى أن الواجب عليه
هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف، إذا لم يقدر على قوت البلد وهو الذي
حكاه عبد الوهاب عن المذهب. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم
حديث أبي سعيد الخدري، فمن فهم من هذا الحديث التخيير، قال: أيُّ أخرج من
هذه أجزأ عنه، ومن فهم منه إن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة. وإنما سببه
اعتبار قوت المخرج أو قوت غالب البلد، قال بالقول الثاني. انتهى.
وقال القاري: قال مَيْرَك نقلًا عن ((الأزهار)): اختلف العلماء في أن ((أَوْ)) في هذا
الحديث لتخيير المؤدي من هذه الأشياء أو لتعيين واحد منها وهو الغالب فيه
قولان. أحدهما: إنه للتخيير وبه قال أبو حنيفة. والثاني: إنه لتعيين أحد هذه
الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت البلد على الأصح، وبه قال الأكثرون. ومعناه كنا
نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا ومقتضى أحوالنا، انتهى.
٤٤٤
PREx
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن الملك: ((أو)) هذه للتنويع لا للتخيير، فإن القوت الغالب لا يعدل عنه
إلى ما دونه في الشرف، انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص٦٤): ومن أي الأصناف
المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتًا له، وقال مالك: يخرج من غالب
قوت البلد، وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة
الفطر منه، يعني أن الاعتبار بغالب قوت المخرج. ولنا أن خبر الصدقة ورد بحرف
التخيير بين هذه الأصناف فوجب التخيير فيه؛ ولأنه عدل إلى منصوص عليه فجاز
كما لو عدل إلى الأعلى، والغنى يحصل بدفع قوت من الأجناس، ويدل على ما
ذكرنا إنه خَيَّرَ بين التمر والزبيب والأقط ولم يكن الزبيب والأقط قوتًا لأهل
المدينة، فدل على أنه لا يعتبر أن يكون قوتًا للمخرج، انتهى.
وقال ولي الدين العراقي: من قال بالتخيير، فقد أخذ بظاهر الحديث، ومن قال
بتعيين غالب قوت البلد فإنه حمل الحديث على ذلك، انتهى. قلت: الراجح
عندي: في ذلك قول من ذهب إلى التخيير وهو ظاهر الحديث فلا يعدل عنه.
(أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أو فتحها أو إسكانها
وبكسر الهمزة مع كسر القاف وإسكانها وبضم الهمزة مع إسكان القاف فقط، وهو
الشيء يتخذ من اللبن المخيض، كأنه نوع من اللبن الجاف، وقيل: هو لبن مجفف
يابس جامد مستحجر غير منزوع الزبد يطبخ به، وفيه دليل على إجزاء الأقط في
صدقة الفطر كغيره مما قرن به .
واختلف العلماء فيه: فقال مالك بالإجزاء إذا كان من أغلب القوت. وللشافعي
فيه قولان: أحدهما: كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزىء: قال الحافظ: وعند
الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية. وأما الحاضرة فلا
يجزئ عنهم بلا خلافٍ، وتعقّبه النووي في ((شرح المهذب)). وقال: قطع الجمهور
بأن الخلاف في الجميع، انتهى. والمذكور في فروع الشافعية الإجزاء إذا كان
غالب أقوات المخرج. قال النووي في ((شرح مسلم)): يجزئ الأقط على المذهب،
انتهى. وقال الحنفية: لا يجزئ إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاساني في ((البدائع)):
أما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من
وجه يوثق به. وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة، انتهى.
٤٤٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
قلت: هذا عجيبٌ، فإن الأقط منصوص عليه ثابت في حديث أبي سعيد عند
الشيخين وغيرهما، فاعتبار القيمة فيه مردود، قالَ الخرقي: إن أعطى أهل البادية
الأقط صاعًا أجزأ إذا كان قوتهم. قال ابنُ قدامة (ج ٢: ص ٦٠): يجزىء أهل البادية
إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك مَن لم يجد من الأصناف المنصوص عليها
سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزئ على روايتين، إحداهما: يجزئه أيضًا
لحديث أبي سعيد وفي بعض ألفاظه قال: فرض رسول اللَّه وَ ل صدقة الفطر صاعًا
من طعام، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط. أخرجه
النسائي .
والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر
على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم، ويحمل الحديث على من هو
قوت له أو لم يقدر على غيره، فإن قدر على غيره مع كونه قوتًا له، فظاهر كلام
الخرقي جواز إخراجه سواء كان من أهل البادية أو لم يكن؛ لأن الحديثَ لم يفرق،
وقول أبي سعيد: كُنا نخرج صاعًا من أقط وهم أهل الأمصار، وإنما خص أهل
البادية بالذكر؛ لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم، انتهى.
قلت: الظاهر عندي أنه يجزئ إخراجه لأهل الأمصار ولمن قدر على غيره من
الأشياء المنصوص عليها، وإن لم يكن قوتًا له؛ لأن الحديث لم يفرق ولم يفصل.
قال الحافظ: أراد البخاري بتفريق التراجم على هذه الأشياء الإشارة إلى ترجيح
التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد،
وكأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره، كقولة أحمد، وحملوا الحديث على أن
من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره وظاهر الحديث يخالفه،
انتھی .
(أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) فيه وفي الأقط خلاف الظاهرية حيث لا يجوز عندهم إلا من
التمر والشعير، وأجمع غيرهم على جواز الزبيب إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن
الواجب منه صاع، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة. قال
بعض الحنفية: وعليه الفتوى. وفي رواية أخرى عنه: نصف صاع كالقمح، وهي
خلاف نص الحديث، وأجاب ابن حزم عن هذا الحديث بوجهين. أحدهما: أنه
٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
غير مسند؛ لأنه ليس في شيء من طرقه أن رسول اللَّه ◌َّ علم بذلك فأقره.
والثاني: أنه مضطرب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب وفي بعضها نفيه،
وفي بعضها ذكر الدقيق والسلت.
وقد تقدَّم الجواب عن الوجه الأول، وأما الثاني: فقال الشيخ أحمد شاكر في
تعليقه على ((المحلي)) (ج٦: ص١٢٥): ليس هذا من الاضطراب في شيء بل إن
بعض الرواة يطيل وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئًا ويسهو عن غيره وزيادة
الثقة مقبولة، فالواجب جمع كل ما روي في الروايات الصحيحة؛ إذ لا تعارض
بينهما أصلًا.
فائدة:
اختلفوا في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها. فقال القسطلاني: مذهب
الشافعية أن البر خير من التمر والأرز، والشعير خير من التمر؛ لأنه أبلغُ في
الاقتيات، والتمر خيرٌ من الزبيب، انتهى.
وقال الخرقي: اختيار أبي عبد اللَّه - أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ - إخراج التمر. قال ابن
قدامة (ج٣: ص٦١): وبهذا قال مالك، قال ابن المنذر: واستحبَّ مالك إخراج
العجوة منه، واختار الشافعي وأبو عبيد إخراج البر، وقال بعض أصحاب
الشافعي: يحتمل أن يكون الشافعي قال ذلك؛ لأن البر كان أعلى في وقته ومكانه؛
لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمنًا وأنفسها. وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءً
بأصحاب رسول اللّه وَ ل فروى بإسناده عن أبي مجلز. قال: قلت لابن عمر: إن
اللَّه قد أوسع والبر أفضل من التمر. قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا وأنا أُحبُّ أن
أسلكه، وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر
موافقتهم وسلوك طريقتهم، وأحب أحمد أيضًا الاقتداء بهم واتباعهم. وروى
البخاري عن ابن عمر قال: ((فرض النبي (وَّ﴾ صدقة الفطر))، الحديث.
وفيه: كان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا،
قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، وقد روى
جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: قد أوسع اللَّه والبر أفضل
من التمر أفلا تعطي البر. قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويستنبط من
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
***<<<<<<<***<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <**<<<<
٤٤٧
ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها؛ لأن التمر أعلى من
غيره، مما ذكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر
بذلك، انتهى .
قال ابن قدامة: والأفضل بعد التمر البر، وقال بعض أصحابنا الأفضل بعده
الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقل كلفة فأشبه التمر، ولنا إن البر أنفع في الاقتيات
وأبلغ في دفع حاجة الفقير ... إلى آخر ما قال. فائدة أخرى: اختلفوا في الإخراج
عن غير هذه الأصناف مع القدرة عليها. قال الخرقي: ومن قدر على التمر أو
الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يُجْزِهِ، قال ابن قدامة
(ج ٣: ص ٦٢): ظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة
عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن. وقال مالك: يخرج من غالب
قوت البلد. وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة
الفطر منه، واختلف أصحابه فمنهم من قال بقول مالك، ومنهم من قال: الاعتبار
بغالب قوت المخرج، ثم إن عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإن عدل إلى ما
دونه ففيه قولان، أي للشافعي. أحدهما: يجوز؛ لقوله عليَّ: ((أَغْنُوهُمْ عَنْ
الطَّلَبِ))، والغني يحصل بالقوت. الثاني: لا يجوز؛ لأنه عدل عن الواجب إلى
أدنى منه فلم يجزئه، ولنا أن النبي وَّ فرض صدقة الفطر أجناسًا معدودة فلم يجز
العدول عنها كما لو أخرج القيمة وذلك؛ لأن ذكر الأجناس بعد ذكره الفرض تفسير
للمفروض، فما أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير فتكون هذه الأجناس مفروضة
فيتعين الإخراج منها. قال: والسلت نوع من الشعير فيجوز إخراجه لدخوله في
المنصوص عليه، وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر، وحديث أبي
سعيد عند النسائي، ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد، وكذلك السويق، وقال
مالك والشافعي: لا يجزئ إخراجهما لحديث ابن عمر، ولأن منافعه نقصت فهو
كالخبز، ولنا حديث أبي سعيد وقوله فيه: ((أو صاعًا من دقيق))، انتهى.
قلت: حديث أبي سعيد هذا أخرجه أبو داود والنسائي والدار قطني والبيهقي.
قال أبو داود: زاد سفيان بن عيينة فيه: ((أو صاعًا من دقيق)). قال حامد - شيخ أبي
داود: فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة.
٤٤٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الدارقطني: قال أبو الفضل: فقال له علي بن المدينى - يعني لسفيان: وهو
معنا يا أبا محمد أحد لا يذكر في هذا الدقيق. قال: بلى هو فيه، انتهى. ولعل
سفيان ذكر الدقيق أولًا وتيقن به ثم شك فيه فتركه، والله أعلم.
وإذا عجز عن الأجناس المنصوص، فقال الخرقي: أجزأه كل مقتات من كل
حبة وتمرة. قال ابن قدامة: ظاهر هذا أنه لا يجزئه من غيرها كاللحم واللبن، وقال
أبو بكر: يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها الإخراج مما
يقتاته كالذرة والدخن ولحوم الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت
الأمصار، انتهى. ويجوز إخراج اللبن واللحم والجبن ممن هو قوته عند الشافعية
والمالكية على المشهور.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والشافعي والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولًا ومختصرًا بألفاظ من شاء الاطلاع عليها رجع
إلى ((جامع الأصول)) (ج٥: ص٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥١).
تنبيه:
اختلفوا في جواز إعطاء القيمة في صدقة الفطر، فمنعه الأئمة الثلاثة. وأجازه
أبو حنيفة وأصحابه. قال الخرقي: من أعطى القيمة لم تجزئه.
قال ابن قدامة (ص ٦٥): قال أبو داود: قيل لأحمد وأنا أسمع: أعطى دراهم -
يعني: في صدقة الفطر - قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سُنة رسول اللَّه وَله. وقال
أبو طالب: قال لي أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز
كان يأخذ القيمة، قال: يدعون قول رسول اللَّه وَله ويقولون: قال فلان! قال ابن
عمر: فرض رسول اللَّه وَله، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]
وقال قوم: يَرُدُّونَ السُّنَنَ: قال فلان، قال فلان.
وظاهر مذهبه: أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك
والشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز.
وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم
فيما عدا الفطرة، وقال أبو داود: سُئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته، قال: عشره
٤٤٩
بَابٌ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
كِتَابَ الزّكاةِ
***<<<<<<<<<**<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > *<<<<<<< > <> <<<**
على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمرًا أو ثمنه. قال: إن شاء أخرج تمرًا وإن شاء
أخرج من الثمن، وهذا دليل على جواز إخراج القيم، ووجهه قول معاذ لأهل
اليمن: إيتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين
بالمدينة. وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس قال: لما قدم معاذ
اليمن، قال: ائتوني بعرض الثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون
عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. قال: وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء قال: كان
عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم، ولأن المقصود دفع
الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور المال، ولنا قول ابن
عمر: ((فرض رسول اللَّه وَ ل﴿ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير))، فإذا
عدل عن ذلك فقد ترك المفروض، وقال النبي رَله ((فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ)). ((وَفِي
مِاتَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةُ دَرَاهِمَ))، وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾.
[البقرة: ٤٣] فتكّون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها والأمر للوجوب إلى آخر ما
بسطه، ووافق البخاري في ذلك الحنفية فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة،
إذا كانت بقيمتها؛ إذ ترجم بقوله: باب العرض في الزكاة، وذكر فيه أثر طاوس
المتقدم وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك كما بسطه
الحافظ في ((الفتح)).
والراجح عندي: أنه لا يجوز القيمة في صدقة الفطر وزكاة الأموال، بل يتعين
إخراج ما سماه النبي وَّ إلا عند العذر، قال الشوكاني في ((السيل الجرار في شرح
قول صاحب حدائق الأزهار)): إنما تجزئ القيمة للعذر، أقول: هذا صحيح؛ لأن
ظاهر الأحاديث الواردة بتعين قدر الفطرة من الأطعمة: أن إخراج ذلك مما سماه
النبي ◌ُّ متعين، وإذا عرض مانع من إخراج العين كانت القيمة مجزئة؛ لأن ذلك
هو الذي يمكن مَنْ عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه، انتهى.
٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٨٣٢ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، فِي آخِرِ رَمَضَانَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ
صَوْمِكُمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ هَّذِهِ الصَّدَقَّةَ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ شَعِيرِ، أَوْ
نِصْفَ ضَاعٍ مِنْ قَمْح، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى،َ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ]
G O
الْشَّرْجُ
١٨٣٢ - قوله: (قَالَ) أي: ابن عباس، والمعنى: أنه قال للناسِ. (أَخْرِجُوا)
أي: أدوا (صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ) أي: صدقة الفطر. والحديث: رواه أبو داود والنسائي
وغيرهما من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري. قال: خطب ابن عباس في
آخر رمضان على منبر البصرة. فقال: أَخْرِجُوا صدَقَةَ صَوْمِكُم. لفظ أبي داود،
وللنسائي في رواية عن الحسن، قال: قال ابنُ عباس وهو أمير البصرة في آخر
الشهر: أخرجوا زكاة صومكم. وفي أخرى له عن الحسن: أن ابن عباس، خطب
بالبصرة فقال: أدوا زكاة صومكم. ورواه البيهقي (ج٤ ص١٦٨) بلفظ: قال -
أي: الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة في آخر رمضان، فقال: أدوا صدقة
صومكم. (أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْح) بفتح القاف وسكون الميم أي : برٍّ، وبه قال أبو
حنيفة، خلافًا للأئمة الثلاثة، والحديث منقطع كما اعترف به ابن التركماني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٢٨) مختصرًا و(ج١
ص٣٥١) مطولًا والدار قطني (ص٢٢٥) والبيهقي (ج٤ ص١٦٨) كلهم من رواية
الحسن عن ابن عباس. وقد تكلموا في سماعه من ابن عباس، وجزم كثير من أئمة
الحديث كالنسائي وأحمد بن حنبل وابن المديني وأبي حاتم وبهز بن أسد والبزار،
بأنه لم يسمع منه، انظر ((مختصر السنن)) للمنذري (ج ٢ ص٢٢١) و((نصب الراية))
(١٨٣٢) أَبُو دَاوُد (١٦٢٢) عَنْهُ فِيهَا .
٤٥١
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدَقةِ الْفِطْرِ
(ج ١ ص ٩٠، ج٢ ص٤١٨) و((التهذيب)) في ترجمة الحسن، و((المراسيل)) لابن
أبي حاتم (ص١٢، ١٣) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (ج٤ ص١٦٨)، قال ابن
المديني: لم يسمع الحسن من ابن عباس وما رآه قط؛ كان الحسن بالمدينة أيام
كان ابن عباس بالبصرة. وقال أيضًا في قول الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة،
قال: إنما أراد خطب أهل البصرة كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل
قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك حدثهم، وإنما
حدث من حدثه وكذا قال أبو حاتم.
وقال البزار في ((مسنده)) بعد أن رواه: لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا
الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس، وقوله: ((خَطَبَنَا)) أي: خطب أهل
البصرة ولم يكن الحسن شاهدًا لخطبته ولا دخل البصرة بَعْدُ؛ لأن ابن عباس خطب
يوم الجمل، والحسن دخل أيام صفين، انتهى. وقال البزار أيضًا في ((مسنده)) في
آخر ترجمة ابن المسيب: أما قول الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة فقد أنكر عليه؛
لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين فلم يدركه
بالبصرة، وتأول قوله: خطبنا، أي: خطب أهل البصرة، انتهى.
وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن)): قال الترمذي: سألت البخاري عن حديث
الحسن خطبنا ابن عباس فقال: إن رسول اللَّه وَل فرض صدقة الفطر، فقال: روى
غير يزيد بن هارون عن حميد عن الحسن، خطب ابن عباس فكأنه رأى هذا أصح.
قال الترمذي: وإنما قال البخاري هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي،
والحسن البصري في أيام عثمان، وعليٌّ كان بالمدينة، انتهى. وقال البيهقي: كذا
قال محمد بن أبي بكر في روايته عن سهل بن يوسف عن حميد: خطبنا. ورواه
محمد بن المثنى عن سهل بن يوسف فقال: خطب. وهو أصح، انتهى.
قلت: وكذا رواه يزيد بن هارون عند الدار قطني (ص ٢٢٥) وخالفهم العلامة
الشيخ أحمد شاكر حيث قال في ((تعليقه على المنذري)): القول بعدم سماع الحسن
من ابن عباس وعدم رؤيته إياه وَهْمٌ، فإن الحسن عاصر ابن عباس يقينًا ولا يمنع
كونه بالمدينة أيام ابن عباس على البصرة سماعه من ابن عباس قبل ذلك أو بعده،
ويقطع بسماعه منه ولقائه إياه ما رواه أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح (ج١
ECHE
٤٥٢
et ** ser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ص٣٣٧) عن ابن سيرين: أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن ولم
يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أقام لها رسول اللّه وَ له؟ فقال: قام
وقعد. وقال في شرح هذا الحديث (ج٥ ص٤٩، ٥٠): إسناده صحيح وهو قاطع في
صحة سماع الحسن من ابن عباس؛ فإنه صريح في أنه لقي ابن عباس وسأله وسمع
منه، انتھی.
قلت: ويدل أيضًا على سماع الحسن منه ما جاء في ((مسند أبي يعلى الموصلي))
في حديث عن الحسن. قال: أخبرني ابن عباس. قال صاحب ((التنقيح)): هذا إن
ثبت دل على سماعه منه، انتهى. قلت: طرق حديث ابن عباس تدل على أن ابن
عباس إنما بين حكم صدقة الفطر حينما كان أميرًا على البصرة من جهة على، وكان
الحسن إذ ذاك بالمدينة لا بالبصرة كما تقدَّم عن ابن المديني: إن الحسن كان
بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، وهذا ظاهر في أن الحسن لم يسمع هذا
الحديث من ابن عباس وثبوت سماعه منه في الجملة لا يستلزم سماع هذا الحديث
منه، وإليه أشار الشيخ أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)) (ج٣ ص٣١٨) بقوله:
نعم، قد يمنع الرواية التي يعللونها في قوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، انتهى.
فالراجح عندي: أن هذا الحديث مرسل وقد اعترف بذلك ابن التركماني
(ص١٦٩) والقاري وغيرهما من الحنفية، والحديث أخرجه الدار قطني من وجه
آخر (ص٢٢١) وفيه الواقدي وهو مكشوف الحال، ومن وجه آخر فيه سلام
الطويل وهو متروك، ومن وجه آخر وفيه يحيى بن عباد وهو منكر الحديث جدًّا.
قال الذهبي في ((تلخيصه)): خبر منكر جدًّا. قال العقيلي: يحيى بن عباد عن ابن
جريج حديثه يدل على الكذب. وقال الدارقطني: ضعيف، انتهى. هذا، وقد
صحح الشيخ أحمد شاكر سماع ابن سيرين من ابن عباس ورد على من زعم أنه لم
يسمع منه، أنظر ((شرحه للمسند)) (ج ٣ ص ٢٥٧).
كِتَابُ الرَّكاةِ
**<<<<<<<<<***<<<< > <<<<<<<<<<<<<<- > <<<<**
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٥٣
١٨٣٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرًا
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
لِصِيَامٍ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.
G O
الْشَّرْحُ
١٨٣٣ - قوله: (طُهْرًا لِصِيَام) بضم الطاء وسكون الهاء أي: تطهير الصوم.
وقيل: الصيامُ جمع صائم كالقيام جّمع قائم، وفي ((المصابيح)): ((طُهرة للصائم))،
بضم الطاء وبزيادة التاء في آخره، وكذا في ابن ماجه والدار قطني وكذا نقله
الحافظ في ((الفتح)) و((التلخيص)) و((الدراية)) و((بلوغ المرام)) والزيلعي في ((نصب
الراية)) (ج ٢ ص ٤١١ - ٤١٦) والمجد في ((المنتقى)) والخطابي في ((المعالم)) (ج٢
ص٤٧) وهكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، ووقع في بعضها: (طهرة للصيام))،
وهكذا عند الحاكم والبيهقي وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥
ص٣٥٤) أي: تطهيرًا لنفس من صام. (مِنَ اللّغْوِ) هو ما لا يعقد عليه القلب من
القول، قاله ابن الأثير. وقال الطيبي: المراد به: القبيح. (وَالرَّفَثِ) الواقع منه في
صومه وهو بفتح الراء والفاء.
قال ابنُ الأثير: الرفث هاهنا هو الفحش من الكلام. وقال الطيبي: هو في
الأصل ما يجري من الكلام بين الرجل والمرأة تحت اللحاف ثم استعمل في كل
كلام قبيح، انتهى. فيحمل قوله في تفسير اللغو على القبيح الفعلي أو العطف
تفسيري .
(وَطُعْمَةً) بضم الطاء وسكون العين وهو الطعام الذي يؤكل. (لِلْمَسَاكِينِ)
استدل به على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة،
وقيل: هي كالزكاة فتصرف في الأصناف الثمانية لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ﴾ [التوبة: ٦٠] والتنصيص على بعض الأصناف لا يلزم منه التنصيص، فإنه قد
وقع ذلك في الزكاة ولم يقل أحد بتخصيص مصرفها، ففي حديث معاذ: ((أُمِرْتُ
(١٨٣٣) أَبُو دَاوُد (١٦٠٩) عَنْهُ فِيهَا .
٤٥٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ)). قال الخرقي: ويعطي صدقة الفطر لمن
يجوز أن يعطى صدقة الأموال. قال ابن قدامة: (ج٣ ص٧٨): إنما كانت كذلك؛
لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات، ولأنها صدقة فتدخل
في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ولا يجوز دفعها
إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ولا يجوز دفعها إلى ذمي، وبهذا قال مالك
والليث والشافعي وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة
الهمداني إنهم كانوا يعطون منها الرهبان، ولنا إنها زكاة فلم يجز دفعها إلى غير
المسلمين كزكاة المال، ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير
المسلمين. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يجزئ أن يعطى من زكاة
المال أحد من أهل الذمة، انتهى.
واستدل بقوله: ((طُهْرَةً لِلصَّائِم)) على أنها تجب على الفقير كما تجب على
الغني. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٤٧): قد عللت بأنها طهرة للصائم من
الرفث واللغو فهي واجبة على كل صائم غني ذي جدة ويسر أو فقير يجدها فضلًا
عن قوته، إذ كان وجوبها عليه بعلة التطهير وكل من الصائمين محتاجون إليها، فإذا
اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب، انتهى.
واستدل به من ذهب إلى إسقاطها عن الأطفال؛ لأنهم إذا كانوا لا يلزمهم الصيام
فلا يلزمهم طهرة الصيام وقد تقدم الجواب عن هذا.
واستدل البيهقي به على أنه لا يؤدي صدقة الفطر عن العبد الكافر الذي يمونه.
ووجه الاستدلال أنه ظلَّا جعل صدقة الفطر طهرة وزكاة، والكافر لا يتزكى، ولا
يخفى ما في هذا الاستدلال.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أخرجه أيضًا ابن ماجه والدار قطني (ص٢١٩) والحاكم (ج١
ص٤٠٩) والبيهقي (ج٤ ص١٦٣) وسكت عنه أبو داود والمنذري وصحَّحه
الحاكمُ ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني: ليس في رواته مجروح، انتهى. وتمام
الحديث عندهم: ((مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ - أي : صلاة العيد - فَهِي زَكَاةٌ مَقْبِولَةٌ وَمَنْ
أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ)). قال الشوكاني: يعني التي يتصدق بها
٤٥٥
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابٌ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
في سائر الأوقات، وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر: أن
من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك
هذه الصدقة الواجبة. وقد ذهب الجمهور: إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما
هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر، والحديث يرد عليهم،
انتھی .
وقال ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث وحديث ابن عمر المتقدم بلفظ: ((أمر
رسول اللَّه وَله بزكاة الفطرِ أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) ما لفظه:
ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وإنها تفوت بالفراغ
من الصلاة وهذا هو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا
إجماع يدفع القول بهما، وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره. ونظيره ترتيب الأضحية
على صلاة الإمام لا على وقتها. وإن من ذبح قبل صلاة الإمام لم تكن ذبيحته
أضحية بل شاة لحم، انتهى.
وتقدم عن العيني والحافظ: أن ابن حزم ذهب إلى تحريم تأخيرها عن الخروج
إلى الصلاة، وحمل الأمر على الوجوب وهذا هو الراجح عندنا. واعلم: أن
لصدقة الفطر خمسة أوقات عند الجمهور: وقت جواز، ووقت وجوب، ووقت
فضيلة واستحباب، ووقت كراهة، ووقت حرمة. وأما وقت الجواز: فهو أول شهر
رمضان عند الشافعي وأول السنة عند الحنفية على ما هو المشهور عنهم، ويومان
قبل العيد عند المالكية، على ما هو المعتمد عندهم، وإليه ذهب أكثر الحنابلة .
وقال بعضهم بجواز تقديمها من بعد نصف الشهر. وقال ابنُ حزم (ج٦ ص ١٤٣):
لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلاً.
قال ابن قدامة (ج٣ ص٦٨): يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر
من ذلك. وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو بيومين. وقال بعض
أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر،
والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. وقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول
الحول؛ لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال. وقال الشافعي: يجوز من أول شهر
رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها
٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كزكاة المال بعد ملك النصاب. ولنا ما روى الجوزجاني عن يزيد بن هارون عن
أبي معشر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: ((أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ»
والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد.
وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه، وزكاة المال سببها ملك النصاب،
والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله، فجاز إخراجها في جميعه، وهذه
المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت. فأما
تقديمها بيوم أو يومين فجائز؛ لما روى البخاري بسنده عن ابن عمر: كانوا يعطون
قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعًا، ولأن تعجيلها
بهذا القدر لا يُخِلَّ بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد،
فيستغني بها عن الطواف والطلب فيه، انتهى.
قلت: قال البخاري بعد ذكر قول ابن عمر: كانوا يعطون(*) لِيُجْمَعَ لا للفقراء،
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل
الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الحافظ: وأخرجه الشافعي عنه. وقال: هذا حسن وأنا
أستحبه، يعني: تعجيلها قبل يوم الفطر، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): أثر ابن عمر إنما يدل على جواز إعطاء صدقة
الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين ليجمع لا للفقراء كما قال البخاري. وأما إعطاؤها
بيوم أو يومين للفقراء فلم يقم عليه دليل، انتهى. قال الحافظ: ويدل على ذلك -
أي: تعجيلها قبل الفطر أيضًا - ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن
أبي هريرة قال: وكلني رسول اللَّه ◌َله بحفظ زكاة رمضان ... الحديث، وفيه:
أنه أمسك الشيطانَ ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها،
وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر، وهو محتمل
للأمرین، انتھی.
وهذا إن دل على التقديم فإنما يدل على جواز تقديمها للجمع لا على الإعطاء
للفقراء قبل يوم الفطر. وقال في ((البدائع)): بعد ذكر أقوال الحنفية المختلفة
(#) هنا سقط في الكلام والصواب والله أعلم: كانوا يعطون صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين
لرجل.
كِتّابُ الزّكاةِ
بَابُ صدقةِ الْفِطْرِ
٤٥٧
*****<<<<*********<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<*********<<<<< > ***<<<< ><> <<<**
وجوهها: والصحيح أنه يجوز التعجيل مطلقًا، وذكر السنة والسنتين في رواية
الحسن عن أبي حنيفة ليس على التقدير، بل هو لبيان استكثار المدة، أي: يجوز
وإن كثرت المدة. ووجهه: إن الوجوب إن لم يثبت فقد وجب سبب الوجوب،
وهو رأس يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجوب السبب جائز كتعجيل الزكاة
والعشور، انتهى.
قلت: القول الراجح عندي هو ما ذهب إليه المالكية وأكثر الحنابلة من جواز
تقديمها قبل الفطر بيوم أو يومين لا قبل ذلك، والله تعالى أعلم. وأما وقت
الوجوب فقد تقدم الكلام عليه، وأما وقت الفضيلة فقبل الخروج لصلاة العيد،
وهذا عند الأئمة الأربعة. وأما وقت الكراهة فتأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر
وهذا عند الشافعية والحنابلة. وقال مالك: وذلك واسع إن شاؤوا أن يؤدوا قبل
الغُدُوِّ من يوم الفطر وبعده - أي: بعد الغُدُوِّ وقد تقدم عن الشوكاني وابن القيم
وابن حزم أنه يجب أداؤها قبل الخروج إلى الصلاة، ويحرم تأخيرها عن الخروج.
فقبل الصلاة هو وقت وجوب الأداء عندهم لا وقت الفضيلة فقط، وبعد صلاة
العيد هو وقت تحريم لا وقت كراهة فقط، وهذا هو الصواب. وأما وقت الحرمة:
فتأخيرها عن يوم العيد، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة. قال في ((شرح
الإقناع وهامشه)): ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر كغيبة ماله أو المستحقين،
فلو أخرها بلا عذر عصى وصارت قضاء فيقضيها وجوبًا فورًا، انتهى.
وقال ابن قدامة: فإن أخرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء، وحكي عن ابن
سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وروى محمد بن يحيى
الكحال قال: قلت لأبي عبد اللَّه: فإن أخرج الزكاة ولم يعطها؟ قال: نعم، إذا
أعدها لقوم. وحكاه ابن المنذر عن أحمد. واتباع السنة أولى، انتهى.
وقال في ((البدائع)): أما وقت أدائها: فجميع العمر عند عامة أصحابنا، ولا تسقط
بالتأخير عن يوم الفطر؛ لأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت، فيجب في مطلق الوقت
غير معين، وإنما يتعين بتعيينه فعلًا أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة والعشر والكفارات
وغير ذلك، وفي أي وقت أدى كان مؤديًا لا قاضيًا، كما في سائر الواجبات
الموسعة، غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى، انتهى.
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
صَلىاللّهِ
وسلم
١٨٣٤ - [٥] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ
بَعَثَ مُنَادِيًّا فِي فِجَاجٍ مَكَّةَ: ((إِلَا إِنَّ صَدَقَةً الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ، عَلَى كُلِّ مُسْلِم، ذَكَرِ
أَوْ أُنْثَى، حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحِ أَوْ سِوَاهُ، أَوْ صَاعٍ مِنْ
[ْرَوَاهُ التَِّّمِذِيُّ]
طَعَامٍ)).
الْشَّرْجُ
١٨٣٤ - قوله: (بَعَثَ مُنَادِيًا) زاد في رواية الدار قطني بعده: ((ينادي)). (فِي
فِجَاج مَكّْةَ) بكسر الفاء جمع فج، وهو الطريق الواسع. (مُدَّانٍ مِنْ قَمْح) أي: هي
مدانٌ من حنطة، فهو مرفوع على أنه خبرِ مبتدأ محذوف. (أَوْ سِوَاهُ) أَّي: من غير
القمح و((أو)) للتخيير وقيل: للتنويع. (أَوْ صَاعٍ مِنْ طَعَام) كذا في جميع النسخ
الموجودة الحاضرة عندنا، قال القاري: قوله: ((أو صاعاً شك من الراوي وقوله
((مِنْ طَعَام)) أي: سوى القمح وهو يؤيد التأويل الذي قدمناه من أن الطعام يراد به
المعنى الأعم. وقال ابن حجر: شكِ في أي: اللفظين سمع، انتهى. وهو يحتمل
أن يكون بدلًا من قوله: ((مُدَّانِ أَوْ سِوَاهُ)) انتهى كلام القاري. وقال الشيخ
الدهلوي: في ((أشعة اللمعات)): ((أَوْ سِوَاهُ)) أي: أو سوى القمح من الزبيب كما هو
مذهب الإمام أبي حنيفة. (أَوْ صَاعٍ مِنْ طَعَام) ((أو)) للشك من الراوي إن كان المراد
بالطعام القمح، وللتنويع إن كان المراد به غير القمح. انتهى كلامه معربًا. قلت:
كل هذا وهم وتكلف والحق أن لفظة أو قبل قوله: ((صَاع)) خطأ من النساخ،
والدليل عليه أن نسخ الترمذي كلها متفقة على إسقاطها ولفظهًا: ((أو سواه صاع من
طعام)) ومعناه واضح جدًّا، وقوله: ((مِنْ طَعَامٍ)) بيان لقوله: ((سواه))، كما يدل عليه
رواية الدار قطني: ((مدان من قمح أو صاع مَّما سواه من الطعام)).
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص ٢٢٠) كلاهما من طريق سالم بن
(١٨٣٤) التِّرْمِذِي (٦٧٤) عنه فيها .
٤٥٩
كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب، قال الترمذي: حديث حسن غريب،
وأعله ابن الجوزي في التحقيق بسالم بن نوح، قال: قال ابن المعين: ليس بشيء
وتعقبه صاحب ((التنقیح))، فقال: هو صدوق روی له مسلم في «صحيحه). وقال أبو
زرعة: صدوق ثقة وثقه ابن حبان. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني:
فيه شيء. وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد وأحاديثه مقاربة مختلفة ذكره
الزيلعي (ج ٢ ص ٤٢٠). وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٦٩): ورواه الدار قطني
من وجه آخر عن عمرو بن شعيب. وقد اختلف فيه على عمرو، فقيل: عنه عن
النبي بَله. وقيل: عنه بلغني أن النبي ◌َّ، انتهى.
قلت: وله طريق رابع أخرجه الدارقطني والبيهقي (ج٤ ص١٧٣) من رواية
المعتمر بن سليمان، عن علي بن صالح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه عن جده، ومدار هذه الطرق الأربعة على ابن جريج وهو مدلس، وصفه
بالتدليس ابن حبان والنسائي وغيرهما. قال الدارقطني: تَجَنَّبْ تدلیسَ ابن جریچ؛
فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، وذكره الحافظ في المرتبة
الثالثة في طبقات المدلسين، ولم يصرح ابن جريج هنا بالسماع. وقال الترمذي:
قال محمد ابن إسماعيل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب كذا في ((تهذيب
التهذيب)) (ج٦ ص ٤٠٥). وقال البيهقي (ج٤ ص ١٧٣) بعد الإشارة إلى طريق
سالم بن نوح: قال أبو عيسى الترمذي: سألتُ محمدًا - يعني: البخاري - عن هذا
الحديث فقال: ابن جريج. لم يسمع من عمرو بن شعيب، انتهى.
١٨٣٥ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي
صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ : ((صَاحٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْح عَنْ كُلِّ
اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اَللَّهُ، وَأَمَّا
فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَا أَعْطَاهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْحُ
١٨٣٥ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ)
(١٨٣٥) أَبُو دَاوُد (١٦١٩) عنه فيها.