النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طالب. قال الزيلعي (ج٢: ص٣٥٧ - ٣٨٨): ومن طريق الدار قطني رواه ابن
الجوزي في ((العلل المتناهية)) والصقر ضعيف. قال ابنُ حبان في ((الضعفاء)): ليس
هو من كلام رسول اللّه ◌َ له إنما يعرف بإسناد منقطع، فقلبه الصقر على أبي رجاء
وهو يأتي بالمقلوبات، انتهى، وأحمد بن الحارث الراوي عن الصقر. قال أبو
حاتم الرازي: هو متروك الحديث، انتهى.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
***<<<<<<<<<<<<*<<<<<<<<<<<<<****<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<**
٤٢١
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
١٨٢٩ - [٢١] وَعَنْ طَاوُسِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ أُتِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ
فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ وَّهِ بِشَيْءٍ.
[رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ: الْوَقَصُ: مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ]
الشَّرْحُ
١٨٢٩ - قوله: (وعن طاوس) هو طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن
الحميري مولاهم الفارسي يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة ثبت فقيه فاضل
من أوساط التابعين، مات سنة ست ومائة. وقيل: بعد ذلك.
(أُتِيَ) بصيغة المجهول. (بِوَقَصٍ) بفتح الواو والقاف، ويجوز إسكانها وإبدال
الصادسينًا وهو ما بين الفرضين عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب
الأول. (الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِشَيْءٍ) أي: بأخذِ شيء، ويؤيد هذا ما
روى مالك في ((الموطأ)) عن حميد بن قيس عن طاوسٍ، أن معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة
تبيعًا، ومن أربعينٍ بِقرة مسنة، وأَتِيَ بما دون ذلك، فأبى أن يأخذ منه شيئًا. وقال: لم
أسمع من رسول اللَّه ◌َلٍ فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول اللَّه ◌َ ل قبل أن يقدم
معاذ: وقد ورد ما يدلّ على رفع ذلك إلى النبي وَّل فروى البزار والدار قطني
(ص٢٠٢) والبيهقي (ج ٤: ص٩٨) وابن حزم من طريق المسعودي عن الحكم عن
طاوس عن ابن عباس قال: بعث رسول اللَّه ◌َله معاذًا إلى اليمن ... الحديث. فلما
رجعَ سأل النبيِ وَّر عنه - يعني: الوقص - فقال: ((لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ)) .
قال المسعودي: والأوقاص: ما بين الثلاثين إلى الأربعين والأربعين إلى
الستين. وأخرج أحمد (ج٥: ص ٢٤٠) والطبراني من رواية سلمة بن أسامة عن
يحيى بن الحكم، أن معاذًا قالَ: بعثني رسولُ اللَّه ◌َله أصدق أهل اليمن ... فذكر
الحديث قال: فأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة
فيها. ورواه أبو عبيدٍ (ص٣٨٣) من طريق سلمة بن أسامة، أنَّ معاذًا قال: بعثني
رسول اللَّه ◌َله ... فذكر مثله. وروى أبو عبيد (ص٣٨٤) أيضًا من طريق سلمة بن
(١٨٢٩) رَوَاهُ الشَّافِعِي (٦٤٩) رِّثْتَهُ، وقال: الوَقْصُ: مَا لَمْ يَبْلُغ الفريضَةَ.

٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أسامة عن يحيى بن الحكم أن رسول اللّه وَّه قال: ((إِنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا)).
وقد تقدَّم الكلام في رواية سلمة بن أسامة ورواية المسعودي عن الحكم عن
طاوس عن ابن عباس، وروى الطبراني من طريقٍ ابن أبي ليلى عن الحكم عن رجلٍ
عن معاذٍ عن النبيِ نَّ قال: ((لَيْسَ فِي الأَوْقَاصِ شَيْءٌ) ووقفهِ ابن أبي شيبة
(ج ٣: ص١٣) من طريق ليث عن طاوس عن معاذ قال: ((لَيْسَ فِي الأَوْقَاصِ شَيْءٌ))،
وروى الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) عن عبيد بن صخر بن لوذان
الأنصاري، قال: عهد رسول اللّه وَ له إلى عماله على اليمن في البقر في كل ثلاثين
تبيع، وفي كل أربعين مسنة وليس في الأوقاص شيء. قال الدارقطني: والأوقاص
ما بين السنين اللذين يجب فيهما الزكاة، انتهى.
(رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (ص٢٠٢). (وَالشَّافِعِيُّ) في ((الأم)) (ج٢: ص ٧) كلاهما من
حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس أن معاذ بن جبل ... إلخ، ورواه
أبو عبيد (ص٣٨٣، ٣٨٤) عن حجاج عن ابن جريج وحماد بن سلمة، عن عمرو
ابن دينار، عن طاوس. أن معاذ بن جبل قال باليمن: لست بآخذ من أوقاص البقر
شيئًا حتى آتي رسول اللّه وَله، فإن رسول اللَّه ◌َله لم يأمرني فيها بشيء، انتهى.
وروى ابن حزم (ج٦: ص ١٢) من طريق الحجاج بن منهال عن سفيان بن عيينة، عن
إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن معاذًا أتى بوقص البقر والعسل، فلم يأخذه
فقال: كلاهما لم يأمرني فيه رسول اللَّه وَ ل بشيء، ومن طريق الشافعي رواه
البيهقي (ج ٤: ص٩٨) وقد سبق أن رواية طاوس عن معاذ منقطعة. قال عبد الحق:
طاوس لم يدرك معاذ، انتهى.
وقال الشافعي: طاوس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن
أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم عن أحد فيه خلافًا، انتهى.
وقال البيهقي: طاوس وإن لم يلق معاذًا، إلا أنه يماني، وسيرة معاذ بينهم
مشهورة. (وَقَالَّ) أي: الشافعي. (الْوَقَصُ: مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ) أي: ما لم يجب
فيه شيء ابتداء، كأربع الإبل ودون ثلاثين البقر وأربعينَ الغنم، وعند الجمهور: هو
ما بين السنين اللذين يجب فيهما الزكاة، كما بين الخمس والعشر في الأول،
والثلاثين والأربعين في الثاني، والأربعين والمائة والإحدى والعشرين في
الثالث، قال القاري: والأشهر إطلاقه على المعنى الثاني. وقيل: الوقص في البقر
خاصة، انتهى.

كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٢٣
٢ - بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
(بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) أي: هذا باب في ذكر الأحاديث التي تؤخذ منها
أحكام صدقة الفطر، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّى ﴿ وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى
١٥
[الأعلى: ١٤ - ١٥] روى عن ابن عمر، وعمرو بن عوف زكاة الفطر، وروي عن أبي
العالية وابن المسيب وابن سيرين وغيرهم. قالوا: يعطي صدقة الفطر. ثم يصلي،
رواه البيهقي وغيره. والمراد بصدقة الفطر أي: من رمضان، فأضيفت الصدقة
للفطر لكونها تجب بالفطر منه. وقيل: إضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء
إلى شرطه كحجة الإسلام. وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس
مأخوذ من الفطرة التي هي الخلقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ اَلَتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] والمعنى: إنها وجبت على الخلقة؛ تزكية للنفس أي: تطهيرًا
لها. قال الحافظ: والأول أظهر ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: ((زكاة الفطر
من رمضان))، انتهى.
وقوله: ((بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ))، هكذا في كتب الحديث وأكثر كتب الفروع من
المذهب المتبوعة، ووقع في بعض كتب فروع الحنفية كـ ((الوقاية)) و((النقاية)»
و((الدرر)) باب صدقة الفطرة بزيادة التاء في آخره، وهكذا وقع في كلام الفقهاء:
((الفطرة: نصف صاع من برِّ)) فقيل: لفظ الفطرة الواقع في كلامهم، اسم مولد
حتى عده بعضهم من لحن العوام، أي: إن الفطرة المراد بها الصدقة غير لغوية؛
لأنها لم تأت بهذا المعني.
وقيل: قول الفقهاء على حذف المضاف أي: صدقة الفطر فحذف المضاف،
وأقيم المضاف إليه مقامه، واستغنى به في الاستعمال لفهم المعنى. وقيل: حذف
المضاف وأقيمت الهاء في المضاف إليه لتدل على ذلك. وقال ابن عابدين بعد بسط
الكلام في اشتقاقه: من الفطرة بمعنى الخلقة.
والحاصل: أن لفظ الفطرة بالتاء لا شك في لغويته. ومعناه الخلقة، وإنما

٤٢٤
*
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكلام في إطلاقه مرادًا به المخرج فإن أطلق عليه بدون تقدير فهو اصطلاح
شرعي. للفقهاء مولد. وأما مع تقدير المضاف فالمراد بها المعنى اللغوي. كما
تقدم في كلام ابن قتيبة، وأما لفظ الفطر بدون تاء، فلا كلام في أنه معنى لغوي
مستعمل قبل الشرع؛ لأنه ضد الصوم، ويقال لها أيضًا: زكاة الفطر وزكاة
رمضان، وزكاة الصوم وصدقة رمضان، وصدقة الصوم، وتسمى أيضًا صدقة
الرؤوس، وزكاة الأبدان، سماها الإمام مالك تخّتُهُ، وكان فرضها في السنة الثانية
من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين.
واختلف في حكمها، فقالت طائفة: هي فرض، وهم الشافعي ومالك وأحمد
لقول ابن عمر وأبي سعيد وابن عباس: ((فرض رسول اللَّه وَلّل صدقة الفطر)).
وقال الحنفية: هي واجبة بناء على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب.
قال العيني: والنزاع لفظي؛ لأن الفريضة عند الشافعي ومن وافقه نوعان:
مقطوع حتى يكفر جاحده، وغير مقطوع حتى لا يكفر جاحده، ومن جحد صدقة
الفطر لا يكفر بالإجماع، ولذا لا يكفر من قال: إنها مستحبة، وأجاب ابن الهمام
بأن الثابت بظني يفيد الوجوب وأنه لا خلاف في المعنى؛ لأن الافتراض الذي يثبته
الشافعية ليس على وجه يكفر جاحده، فهو معنى الوجوب عندنا .
وقد يجابُ: بأن قول الصحابي: فرض، يراد به المعنى المصطلح عندنا للقطع
به بالنسبة إلى من سمعه من النبي ◌َّ بخلاف غيره ما لم يصل إليه بطريق قطعي،
فيكون مثله، ولذا قالوا: إن الواجب لم يكن في عصره ◌َّل، انتهى.
وقالت طائفة: هي سنة مؤكدة، نقله المالكية عن أشهب وهو قول بعض أهل
الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأوَّلوا قوله: ((فَرَضَ)) في الحديث بمعنى: (قَدَّرِ)).
قال ابن دقيق العيد (ج٢: ص١٩٧): هو أصله في اللغة لكنه نقل في عرف
الاستعمال إلى الوجوب فالحمل عليه أولى؛ لأن ما اشتهر في الاستعمال، فالقصد
إليه هو الغالب، انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة، وقوله في الحديث: ((عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ))
والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد الآتي ولدخوله في عموم قوله تعالى :

كِتّابُ الزَّكَاةِ
بَابُ صدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٢٥
﴿وَءَ اتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فبين مِِّ تفاصيل ذلك، ومن جملتها زكاة الفطر، انتهى.
وقالت طائفة: هي فعل خير مندوب إليه، كانت واجبة، ثم نسخت، قال به
إبراهيم بن علية، وأبو بكر بن كيسان الأصم. لما روى عن قيس بن سعد بن عبادة
قال: أمرنا رسول اللَّه ◌ِله بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم
يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي.
قال الحافظ: وتعقب بأن في إسناده راويًا مجهولًا، وعلى تقدير الصحة فلا دليل
فيه على النسخ الاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط
فرض آخر، قلت: حديث قيس هذا سنده صحيح رواته ثقات، وقد صححه
الحاكم والذهبي، والقول بأن في سنده راويًا مجهولًا خطأ، فليس فيه مجهول قط.
وقال الخطابي: حديث قيس هذا لا يدل على زوال وجوبها، وذلك أن الزيادة
في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات
الأموال، ومحل زكاة الفطر الرقاب، انتهى.
وقال البيهقي: هذا لا يدل على سقوط فرضها؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط
آخر. وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تسميتها
فرضًا فلا يجوز تركها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على فرضية صدقة الفطر.
قلت: فيه نظر لما تقدم من الاختلاف في ذلك.

EECHE
٤٢٦
GENSH
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٨٣٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ
صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى،
وَالصَّغِيرِ وَالْكَّبِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى
الصَّلاةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٨٣٠ - قوله: (فَرَضَ) أي: أوجب وألزم. (رَسُولِ اللَّهِو ◌َلَّ) وما أوجبه فبأمر
﴾ [النجم: ٣] قال الطيبي: دلَّ قوله ((فَرَضَ)) على أن صدقة
٣
الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ
الفطر فريضة، والحنفية على أنها واجبة.
قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعي فهو فرض عملي لا اعتقادي. وقال
السندي: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤداه الظن، فلذلك قال بوجوبه دون
افتراضه، من خص الفرض بالقطع والواجب بالظن، انتهى. وقال ابن حجر: في
الحديث دليل لمذهبنا، ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما
ثبت بدليل قطعي، والثاني: ما ثبت بظني. قالوا: إن الفرض هنا بمعنى الواجب.
وفيه نظر؛ لأن هذا قطعي لما علمت أنه مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله
حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب، انتهى.
قال القاري: وفيه: أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل،
وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب بناء على اصطلاح الفقهاء المتأخرين فغير
مسلم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه كما حكاه المنذري والبيهقي، فمنقوض
بأن جمعًا حكوا الخلاف فيها كما تقدم.
(١٨٣٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٠٣)، ومُسْلِم (١٢ (٩٨٤) (٢٢/ ٩٨٦) فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

٤٢٧
كِتّابُ الرَّكَاةِ
E xxe
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
قلتُ: حمل اللفظ في كلام الشارع على الحقيقة الشرعية متعين، لكن حمله
على المصطلح الحادث غير صحيح، والصحابة ظه ما كانوا يعرفون هذا
الاصطلاح الحادث. والفرق الذي قال به الحنفية فالظاهر هو ما ذهب إليه الأئمة
الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة.
(زَكَاةَ الْفِطْرِ) زاد مسلم في رواية: ((مِنْ رَمَضَانَ)) ونصبها على المفعولية
((وَصَاعًا)) بدل منها أو حال أو تمييز أو على نزع الخافض أي: في زكاة رمضان
والمفعول ((صَاعًا)) وقيل: نصب ((صَاعًا)) على أنه مفعول ثان. واستدل بقوله (زَكَاةَ
الْفِطْرِ)) على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من
رمضان. وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًا
للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول: قول الثوري
وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد، وإحدى الراويتين عن مالك. والثاني:
قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك.
قال الحافظ: ويقويه قوله في الحديث: ((وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى
الصلاة)). قال المازري: قيل: إن الخلاف ينبني على أن قوله: الفطر من رمضان
الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطارئ بعد
فيكون بطلوع الفجر.
وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص١٩٨): ما محصله الاستدلال بذلك لهذا الحكم
ضعيف؛ لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان، لا يستلزم أنه وقت الوجوب بل
يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت الوجوب فيؤخذ من
أمر آخر.
وقال ابن قدامة (ج٣ ص٦٧): أما وقت وجوب زكاة الفطر فهو وقت غروب
الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر
رمضان، فمن تزوج أو ملك عبدًا أو ولد له ولد أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه
الفطرة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسرًا ثم أيسر في
ليلته تلك أو في يومه لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسرًا ثم
أعسر لم تسقط عنه، اعتبارًا بحالة الوجوب. ومن مات بعد غروب الشمس ليلة

٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه أحمد وبما ذكرنا في وقت الوجوب. قال
الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال
الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن
مالك .
(صَاعًا مِنْ تَمْرِ) وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي، ويقال له: الصاع
الحجازي؛ لأنه كان مستعملًا في بلاد الحجاز، وهو الصاع الذي كان مستعملًا في
زمن النبي وَل9، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر، وزكاة المعشرات وغيرهما من
الحقوق الواجبة المقدرة في عهد النبي ◌َّة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو
يوسف وعلماء الحجاز، وقال أبو حنيفة ومحمد: بالصاع العراقي، وهو ثمانية
أرطال بالرطل المذكور. وإنما قيل له: العراقي؛ لأنه كان مستعملًا في بلاد
العراق، وهو الذي يقال له: الصاع الحجاجي؛ لأنه أبرزه الحجاج الوالي، وكان
أبو يوسف يقولُ كقول أبي حنيفة ثم رجع إلى قول الجمهور، لما تناظر مع مالك
بالمدينة، فأراه الصِّيعَان التي توراثها أهل المدينة عن أسلافهم من زمن النبي وَل.
فائدة:
قال القسطلاني: الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهمًا على الأصح عند الرافعي
ومائة وثمانية وعشرون درهمًا، وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي،
فالصاع على الأول: ستمائة درهم وثلاثة وتسعون درهمًا وثلث درهم، وعلى
الثاني: ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم، والأصل
الكيل. وإنما قدر بالوزن استظهارًا.
قال في ((الروضة)): وقد يشكل ضبط الصاع بالأرطال؛ فإن الصاع المخرج به في
زمن النبي ◌َّيل مكيال معروف، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج كالذرة
والحمص وغيرهما. والصواب ما قاله أبو الفرج الدارمي من الشافعية، أن الاعتماد
على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصره بَّر، ومن لم يجده
لزمه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلث رطل
تقريب، انتهى. وقد سبق شيء من الكلام فيه في شرح حديث الأوساق، ومن أراد
مزيد التفصيل فليرجع إلى ((طرح التثريب)) (ج ٤ ص٥٣ - ٥٤ - ٥٥).

كِتَابُ الزَّكاةِ
بَابٌ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٢٩
(أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قال الباجي: لفظة ((أو)) ها هنا على قول جماعة أصحابنا لا
يصح أن تكون للتخيير، وإنما هي للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتضى أن يخرج
الشعير من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم، فتقديره صاعًا
من تمر علی من کان ذلك قوته، أو صاعا من شعير علی من کان ذلك قوته، انتهى.
وقال القاري: ((أو)) للتخيير بين النوعين وما في معناهما فليس ذكرهما لحصر
الإعطاء منها، انتهى.
قلت: الظاهر أن ((أَوْ)) للتخيير، وأنه يخرج من أيهما شاء صاعًا، وسيأتي مزيد
الكلام عليه في شرح حديث أبي سعيد. قال الحافظ: لم تختلف الطرق عن ابن
عمر في الاقتصار على هذين الشيئين إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من
طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، فزاد فيه: السلت والزبيب. فأما السلت
فهو نوع من الشعير، وأما الزبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيد. وأما حديث
ابن عمر، فقد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم، انتهى.
قلت: ظاهر رواية الكتاب إنه لا يجزئ غير التمر والشعير. وبذلك قال ابن حزم
ومن وافقه: لكن ورد في روايات أخرى ذكر أجناس أخرى وسيأتي بيانها إن شاء
الله تعالى. قال العيني: يستفاد من الحديث أن صدقة الفطر من التمر والشعير
صاع، ومذهب داود ومن تبعه أنه لا يجوز إلا من التمر والشعير، ولا يجزئ عنده
قمح ولا دقيقه ولا دقيق شعير ولا سويق ولا خبز ولا زبيب ولا غير ذلك. واحتج في
ذلك بهذا الحديث، قال: لأنه ذكر فيه ابن عمر التمر والشعير ولم يذكر غيرهما،
انتھی .
وقال القسطلاني: يجب من غالب قوت بلده، فـ(أو)) ليست للتخيير بل لبيان
الأنواع التي يخرج منها، وذكرا لأنهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت
أحاديث أخرى بأجناس أخرى، وسيأتي مزيد الكلام في هذه المسألة. واستدل
بإطلاق الحديث على وجوب صدقة الفطر على أهل البادية والعمود والقرى،
وعلى أن النصاب ليس بشرط، ويدل عليه أيضًا رواية مالك بلفظ: فرض زكاة
الفطر من رمضان على الناس. واختلف العلماء في ذلك.

٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن رشد (ج١ ص ٢٥٠): أجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانًا
كانوا أو إناثًّا، صغارًا أو كبارًا، عبيدًا أو أحرارًا، لحديث ابن عمر إلا ما شذ فيه
الليث. فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى ولا
حجة له. قال: وليس من شرط هذه الزكاة الغناء عند أكثرهم ولا نصاب بل أن
تكون فضلاً عن قوته وقوت عياله، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجب على من
تجوز له الصدقة؛ لأنه لا يجتمع أن تجوز له، وأن تجب عليه، وذلك بيَّنَ، انتهى.
وقال ابن قدامة: (ج٣ ص ٦٠): أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل
البادية، روي ذلك عن ابن الزبير، وبه قال ابن النسيب والحسن ومالك والشافعي
وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقال عطاء والزهري وربيعة: لا صدقة عليهم، ولنا
عموم الحديث، ولأنها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون،
فيجب عليهم صدقة الفطر كغيرهم. وقال (ج٣ ص٧٣) تحت قول الخرقي: ((إذا
كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته)): صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا
يعتبر في وجوبها نصاب، وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي وعطاء وابن
سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي:
لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه؛ لقول
رسول اللّه ◌َلِّ: ((لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنَّى)) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة
مرفوعًا، والفقير لا غنى له، فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها، ولنا ما روى ثعلبة
ابن أبي صعير، عن أبيه، إن رسول اللَّهُ وَّرِ قال: ((أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ)) الحديث.
وفيه: ((غني أو فقير)) ((أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا
أَعْطَى)) . والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه، وحديثهم محمول على
زكاة المال، انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): قد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه
الفطرة، فقال أبو حنيفة وأصحابه: أنه يعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنّى شرعيًّا،
واستدلَّ لهم بقوله وَّه: ((إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى)) أخرجه أحمد من
حديث أبي هريرة مرفوعًا. وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا
يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) كما أخرجه أبو
داود، انتهى.

كِتَابَ الزَّكاةِ
<<<<< > *<<<<<<<<**
بَابٌ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٣١
قلتُ: وأخرجه البخاري أيضًا بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد
للكمال، لا للحقيقة. فالمعنى لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى. قال الشوكاني :
وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة
متعلق بالأبدان. والزكاة بالأموال. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: إنه
يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم،
ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك. ويؤيد ذلك ما روي من تفسيره ◌ّ من لا يحل
له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه وهذا هو الحق؛ لأن النصوص أطلقت ولم
يخص غنيًّا ولا فقيرًا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون
مخرج الفطرة مالكًا له، ولا سيما والعلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني
والفقير وهي التَطْهِرَة من اللغو والرفث واعتبار كونه واجدًا لقوت يوم وليلة أمر لا
بد منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه
البيهقي والدار قطني عن ابن عمر مرفوعًا، وفيه: ((أغنوهم في هذا اليوم)) وفي رواية
للبيهقي: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم))، وأخرجه أيضًا ابن سعد في ((الطبقات))
من حديث عائشة وأبي سعيد، فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا
بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره. وبهذا يندفع
ما اعترض به صاحب ((البحر)) عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة
على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به، انتهى كلام الشوكاني.
(عَلَى الْعَبْدِ) ظاهره: إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به إلا داود. فقال: يجب
على السيد إن يمكن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة،
وخالفه أصحابه والناس. واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم
فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ)) أخرجه مسلم، ومقتضاه أنها ليست عليه بل على
سيده. ثم افترقوا فرقتين؛ فقالت طائفة: تجب على السيد ابتداء، وكلمة ((عَلَى))
بمعنى ((عن)) وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض. وقال آخرون: تجب على العبد
ثم يحملها سيده عنه، فكلمة الاستعلاء جارية على ظاهرها، وقال القاضي
البيضاوي: جعل وجوب زكاة الفطر على السيد كالوجوب على العبد مجازًا؛ إذ
ليس هو أهلًا لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد ذلك عطف ((الصغير)) عليه.

٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولفظ ((الْعَبْد)) يعم عبد التجارة وغيره، فتجب على السيد عن عبيده سواء، كانوا
لتجارة أو لغير تجارة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة والنخعي
وعطاء .
قال ابن قدامة: فأما العبيد، فإن كانوا لغير التجارة، فعلى سيدهم فطرتهم لا
نعلم فيه خلافًا، وإن كانوا للتجارة فعليه أيضًا فطرتهم، وبهذا قال مالك والليث
والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وقال عطاء والنخعي والثوري
وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم؛ لأنها زكاة ولا تجب في مال واحد زكاتان وقد
وجبت فيهم زكاة التجارة، فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى. ولنا عموم الأحاديث.
ولأن نفقتهم واجبة، فوجبت فطرتهم كعبيد القنية، أو لقول مسلم: تجب مؤنته
فوجبت فطرته كالأصل، وزكاة الفطر تجب على البدن، ولهذا تجب على الأحرار
وزكاة التجارة عن القيمة وهي المال، انتهى.
(وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) ظاهر وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال
الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق:
تجب على زوجها إلحاقًا بالنفقة، وفيه نظر؛ لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة
أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا. واتفقوا على أن المسلم لا
يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه. وإنما احتج الشافعي بما رواه من
طريق محمد بن علي بن الباقر مرسلًا نحو حديث ابن عمر، وزاد فيه: ((ممن
تمونون)). وأخرجه البيهقي من هذا الوجه، فزاد في سنده ذكر علي وهو منقطع
أيضًا. وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف، كذا في ((الفتح)).
وقال ابن قدامة (ج٣ ص٦٩): في شرح قول الخرقي: ويلزمه أن يخرج عن
نفسه وعن عياله: عيال الإنسان من يعوله أي: يمونه فتلزمه فطرتهم، كما تلزمه
مؤنتهم، إذا وجد ما يؤدي عنهم؛ لحديث ابن عمر: أن رسول اللّه وَ ل فرض
صدقة الفطر عن كل صغير وكبير وحر وعبد ممن تمونون. والذين يلزم الإنسان
نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف. الزوجات، والعبيد، والأقارب. فأما الزوجات:
فعليه فطرتهن، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو حنيفة والثوري وابن
المنذر: لا تجب عليه فطرة امرأته وعلى المرأة فطرة نفسها؛ لقول النبي وَاللّه:

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ صَدَقةِ الْفِطْرِ
٤٣٣
((صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى))، ولأنها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها. ولنا:
الخبر ولأن النكاح سبب تجب به النفقة، فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة
بخلاف زكاة المال، فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة، قال: وإن نشزت المرأة في
وقت الوجوب ففطرتها على نفسها دون زوجها؛ لأن نفقتها لا تلزمه.
واختار أبو الخطاب: أن عليه فطرتها؛ لأن الزوجية ثابتة عليها؛ فلزمته فطرتها
والأول أصح؛ لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته كالأجنبية، وكذلك
كل امرأة لا يلزمه نفقتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه. والصغيرة التي لا
يمكن الاستمتاع بها؛ فإنه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها؛ لأنها ليست من يمون،
انتھی .
قال ابن رشد (ج١ ص٢٥١): اتفق الجمهور على أن هذه الزكاة ليست بلازمة
لمكلف مكلف في ذاته فقط، كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره
لإ يجابها على الصغير والعبيد، فمن فهم من هذا علة الحكم الولاية. قال: الولي
يلزمه إخراج الصدقة عن كل مَن يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال: المنفق يجب
أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع، وإنما عرض هذا الاختلاف؛ لأنه
اتفق في الصغير والعبد، وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات
المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها ووجوب النفقة، فذهب
مالك، ومن وافقه: إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة إلى أن
العلة في ذلك الولاية؛ ولذلك اختلفوا في الزوجة، انتهى.
(وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) ظاهره وجوبها على الصغير، لكن المخاطب عنه وليه،
فوجوبها على هذا في مال الصغير، فيخرج عنه وليه من ماله. وإن لم يكن له مال
فعلی من تلزمه نفقته من أب وغيره، وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن:
هي على الأب مطلقًا، ولو كان للصغير مال لم تخرج عنه. فإن لم يكن له أب فلا
شيء عليه، وقال ابن حزم: هي في مال الصغير إن كان له مال. وإلا سقطت عنه،
قال ابن قدامة: وعموم قوله: ((الصغير والكبير)) يقتضي وجوبها على اليتيم، ولأنه
مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب. وقال الحسن وابن المسيب والشعبي: لا
تجب إلا على من صام. لحديث ابن عباس الآتي: ((صدقة الفطر طهرة للصائم من

٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللغو والرفث)). وأجيب بأن ذكر التطهير خرج على الغالب كما أنها تجب على من
لم يذنب، كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة.
(مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة؛ لأنه لم يتفقٍ عليها
الرواة لهذا الحديث، إلا أنها زيادة من عدل ثقة حافظ فتقبل، وهي تدلّ على
اشتراط الإسلام في وجوب صدقة الفطر، وإنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهذا
متفق عليه، وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ فقال الجمهور: لا ، خلافًا
العطاء والنخعي وإسحاق ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والثوري
وأبي حنيفة وأصحابه. واستدلوا بعموم قوله: ((ليس على المسلم في عبده إلا
صدقة الفطر)). وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام، فعموم قوله: ((في
عبده)) مخصوص بقوله: ((مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) وفيه: ما قال الشوكاني إن قوله: ((من
المسلمين))، أعم من قوله: ((في عبده)) من وجه، وأخص من وجه، فتخصيص
أحدهما بالآخر تحكم ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم بلفظ: ((على كل
نفس من المسلمين حر أو عبد)) واحتج بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد
الكافر بما روى الدارقطني وغيره عن ابن عمر، أنه كان يخرج عن عبده الكافر،
وهو أعرف بمراد الحديث، وتعقب بأنه لو صَحَّ، حُمِلَ على أنه كان يخرج عنه
تطوعًا ولا مانع، واحتج بعضهم أيضًا بما روى الدار قطني عن ابن عباس مرفوعًا:
((أدوا صدقة الفطر عن كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى يهودي أو نصراني حُرٍّ أو
مملوك))، انتهى.
وأجيب عنه بأنه حديث ضَعِيف جِدًّا، فإن في سنده سلامًا الطويل وهو متروك،
وأجاب الطحاوي عن قوله: ((من المسلمين)) بأنه صفة للمخرِجين لا للمخرج
عنهم. ورُدّ بأنه: يأباه ظاهر الحديث؛ لأن فيه العبد وكذا الصغير، وهما ممن
يخرج عنه فدل على أن صفة الإسلام لا تختص بالمخرجين، ويؤيده رواية مسلم
بلفظ: ((عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ)) الحديث. وقال في ((المصابيح)) :
هو نص ظاهر في أن قوله: ((من المسلمين)) صفة لما قبله من المنكرات المتعاطفات
بـ(أو)) فيندفع قول الطحاوي بأنه خطاب متوجه معناه إلى السادة، يقصد بذلك
الاحتجاج لمن ذهب إلى إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر، انتهى.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَاب صدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٣٥
وأجاب بعض الحنفية بجواب آخر، وهو أن قوله: ((من المسلمين)) لا يعتبر
مفهومه المخالف عند الحنفية. قالوا: والنكتة في ذكر هذا القيد هي التنبيه على
الأهم والأشرف حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق. وفيه: إن مسألة
مفهوم المخالفة مبحث لغوي، واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة
وعلمهم به معلوم لكل من له علم بذلك. وأما النكتة المذكورة فلا تتمشى هاهنا
لما وقع في رواية لمسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من
المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير ... )) إلخ. فافهم.
(وَأَمَرَ) أي: رسول اللّهُ وَّه (بِهَا) أي: بصدقة الفطر. (أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوج
النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد. قال الطيبي: هذا أمر استحاب لجواز التأخيرَ
عن الخروج عند الجمهور إلى الغروب، وحكى الخطابي الإجماع على هذا
الاستحباب، وقال العيني: لم يحك الترمذي فيه خلافًا. وقال ابن حزم: الأمر فيه
للوجوب فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت، انتهى. وقال الحافظ: استدل به على
كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزم على التحريم، انتهى.
قلت: يدل الحديث على أن المبادرة بها هي المطلوب المأمور بها، فلو أخرها
عن الصلاة أثم وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات.
وقد ورد ذلك مصرحًا عند أبي داود من حديث ابن عباس، قال: ((فرض رسول الله
وَلفر زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل
الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))،
انتھی .
قال القاري: هذا الخبر يفيد الوجوب، إلا أن جماعة ادعوا أن إخراجه قبل
صلاة العيد أفضل إجماعًا، انتهى. قلتُ: ويؤكد كون الأمر للوجوب ما روى ابن
عدي والدار قطني وغيرهما من حديث ابن عمر: ((أغنوهم عن الطواف في هذا
اليوم))، انتهى. فإنه لا يحصل الغنى للفقراء في هذا اليوم والاستراحة عن
الطواف، إلا بإعطائهم صدقة الفطر أول اليوم.
فالحق عندي: هو أن الأمر في حديث الباب للوجوب لا للاستجاب، والله
تعالى أعلم.

٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه وغيرهم مطولًا ومختصرًا، من أحب الوقوف على اختلاف ألفاظه رجع إلى
((جامع الأصول)) (ج ٥ ص ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٤٩) و ((التقريب مع طرح التثريب)) (ج٤
ص ٤٣، ٤٨).
١٨٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ
صَاعًا مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.
الْشِّرْحُ
١٨٣١ - قوله: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ) وفي رواية للبخاري: كنا نعطيها في
زمان النبي ◌َّه. وفي أخرى له أيضًا: ((كُنا نخرج في عهد النبي ◌َّ)). وعند مسلم:
((كنا نخرج إذ كان فينا رسول اللَّه وَ له زكاة الفطر)). قال الحافظُ: هذا حكمه الرفع
لإضافته إلى زمنه وَله، ففيه إشعار باطلاعه وَّل على ذلك وتقريره له، ولاسيما في
هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفريقها،
انتهى. وفي هذا ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسندًا؛ لأنه
ليس فيه أن رسول الله علم بذلك وأقره، وهذا لأن ألفاظ الحديث تدل على أن ذلك
كان معلومًا معروفًا على عهد رسول اللّه وَله، ولا يخفى مثل ذلك على رسول الله
選
(صَاعًا مِنْ طَعَام) قال السندي في حاشية ابن ماجه: يحتمل أن ((صاعًا من طعام))
أريد به صاع من الَّحنطة، فإن الطعام وإن كان يعم الحنطة وغيرها لغة، لكن اشتهر
في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيده المقابلة بما بعده، ويحتمل أن يكون صاعًا
من طعام مجملًا ويكون ما بعده بيانًا له، كأنه بين أن الطعام الذي كانوا يعطون منه
الصاع، كان تمرًا وشعيرًا وأقطًا لا حنطة، ويؤيده ما روى البخاري عن أبي سعيد:
((كنا نخرج في عهد رسول اللّه وَ ل يوم الفطر صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ
(١٨٣١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٠٦)، ومُسْلِم (١٧ / ٩٨٥) عَنْهُ فِيهَا.

كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابَ صَدَقةِ الْفِطْرِ
٤٣٧
الشعير والزبيب والأقط والتمر)). وكذا ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: لم
تكن الصدقة على عهد رسول اللَّه ◌َله إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة،
فينبغي أن يتعين الحمل على هذا المعنى، بل يستبعد أن يكون المعلوم عندهم
المعلوم فيما بينهم صاعًا من الحنطة فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية، بل لا يبقى
لقول معاوية: ((إن النصف يَعْدِلُ الصاع)) حينئذ وجه إلا بتكلف. وبالجملة: فمعنى
هذا الحديث: أنه ما كان عندهم نَصٌّ منهِّ في البر بصاع أو بنصفه، وإلا فلو كان
عندهم حديث بالصاع، لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا
بذلك، ويدل على هذا حديث ابن عمر في هذا الباب المروي في الصحاح، انتهى
كلام السندي .
قلت: اختلفوا في تعيين المراد من الطعام في هذا الحديث، قال الخطابي في
((المعالم)) (ج٢ ص ٥٠ - ٥١): زعم بعض أهلٍ العلم أن المراد بالطعام هنا
الحنطة، وأنه عندهم اسم خاص للبر. قال: ويدلّ على صحة ذلك أنه ذكر في
الخبر الشعير والأقط والتمر والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في
الحضر والبدو، ولم يذكر الحنطة، وكانت أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها
بقوله: ((صَاعًا مِنْ طَعَام)) لكان يجري ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من
سائر الأقوات، ولاسيَّما حيث عطفت عليها بحرف أو الفاصلة .
وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص ٢٠٠): قد كانت لفظة الطعام تستعمل في البر عند
الإطلاق حتى إذا قيل: أذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق البر، وإذا غلب
العرف بذلك نزل اللفظ عليه؛ لأن ما غلب إطلاق اللفظ عليه فحطورة عند الإطلاق
أقرب فينزل اللفظ عليه.
قال الخطابي: وزعم الآخرون أن هذا جملة قد فصلت، والتفصيل لا يخالف
الجملة. وإنما قال في أول الحديث صاعًا من طعام، ثم فصله. فقال: صاعًا من
أقط أو صاعًا من شعير أو كذا أو كذا، واسم الطعام شامل لجميع ذلك، انتهى.
وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعم لا الحنطة
بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام،
واستدركه الكرماني، فقال: لكن هذا العطف إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف

٤٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Reser
وهذا بعكس ذلك، قال الحافظ: وقد رد ذلك - أي: حمل الطعام على البر - ابن
المنذر وقال: ظن أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: ((صاعًا من طعام)) حجة
لمن قال: ((صاعًا من حنطة))، وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم
فسَّرِه، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره، أن أبا سعيدٍ قال: كُنَّا
نخرج في عهد النبي ◌َّ يوم الفطر صاعًا من طعام. قال أبو سعيد: وكان طعامُنا
الشعير والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال، وأخرج الطحاوي نحوه من
طريق أخرى. وقال فيه: ولا يخرج غيره. وفيه قوله: فلما جاء معاوية وجاءت
السمراء. دليل على أنها لم تكن قونًا لهم قبل هذا، فدلَّ على أنها لم تكن كثيرة ولا
قوتًا، فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ انتهى كلامه.
وأخرج ابن خزيمة من طريقٍ فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال: لم
تكن الصدقة على عهد رسول اللّه وَليل إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة،
ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد: ((كنا نخرج من ثلاثة أصناف:
صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير))، وكأنه سكت عن الزبيب في
هذه الرواية؛ لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة.
وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة،
فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم،
وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد: ((صاعًا
من تمر، صاعًا من سلت أو ذرة)) انتهى كلام الحافظ .
وأجاب البرماوي عن رواية حفص بن ميسرة: بأن الطعام فيها محمول على
معناه اللغوي الشامل لكل مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق
بالبر؛ لأنه قد عطف عليه الشعير وغيره، فدل على التغاير، وهذا كالوعد فإنه عام
في الخير والشر، وإذا عطف عليه الوعيد خص بالخير، وليس هو من عطف
وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِتِيلَ﴾.
الخاص على العام، نحو ﴿فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُقَانٌ
فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهنا بالعكس.
وقال الكرماني: فإن قلتَ: قوله: قال أبو سعيد: وكان طعامنا .. إلخ مناف لما
تقدم من قولك: إن الطعام هو الحنطة، ثم أجاب بقوله: لا نزاع في أن الطعام

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
٤٣٩
بحسب اللغة عام لكل مطعوم إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير وسائر الأطعمة،
فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفي منه، وهو البر بخصوصه، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من التكلف، والظاهر عندي: هو قول من قال: إن الطعام في
قوله: «صاعًا من طعام)) مجمل، وما ذكره بعده بيان له، کما يدل عليه طريق حفص
ابن ميسرة وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يخرجون البر
في عهده وَ له، كما يدل عليه رواية النسائي والطحاوي: ((كنا نخرج في عهد
رسول اللَّه ◌َ لَه صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط لا نخرج
غيره)). وأن أبا سعيد ما أخرج البرفي صدقة الفطر قط، لا في زمانه ◌ِّر، ولا فيما
بعده، لا صاعًا ولا نصفه، كما يدلِّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لما جعل نصف
الصاع من الحنطة عَدْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد. وقال: لا أخرج فيها إلا
الذي كنت أخرج في عهد رسول اللَّه وَّةٍ صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا
من شعير أو صاعًا سن أقط، وفي رواية قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما
كنتُ أخرجه أبدًا ما عشت، وإن أبا سعيد لما تحقق عنده أن الصحابة أخرجوا في
زمنه وَ لّ صاعًا من جميع ما أخرجوا من الشعير والأقط والتمر والزبيب وغيرها
ذهب إلى أن المقدار الواجب من كل شيء صاع، أو لما رأى أن النبي وّلّ شرع لهم
صاعًا من غير البر، ولم يبين لهم حال البر، فقاس عليه أبو سعيد حال البر، ورأى
أن الواجب في البر أيضًا صاع.
وقد روى أبو داود عن عياض قال: سمعت أبا سعيد يقول: لا أخرج أبدًا إلا
صاعًا - أي: من كل شيء - إنا كنا نخرج على عهدٍ رسول اللّه ◌َ ل صاع تمر أو شعير
أو أقط أو زبيب. وأخرج الطحاوي (ج١ ص٣١٩) عن عياض قال: سمعت أبا
سعيدٍ وهو يُسْأَلُ عن صدقة الفطر. قال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد
رسول اللَّه ◌َله صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من
أقط، فقال له رجل: أو مُدَّيْنٍ من قمح. فقال: لا؛ تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا
أعمل بها .
وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص٢٢٢) والحاكم (ص ٤١١) وابن خزيمة والبيهقي
(ج ٤ ص١٦٦) وزاد فيه: أو صاعًا من حنطة، بعد قوله: صاعًا من تمر، وقد صرَّح