النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٢٠ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَله
كَانَ يَقُولُ: ((إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثَّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا
الرُّبُعَ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ]
الْشَّرْجُ
١٨٢٠ - قوله: (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون
المثلثة. (إِذَا خَرَصْتُمْ) أي: قدرتم وحزرتم أيها السعاة والمصدقون. (فَخُذُوا)
أي: زكاة المخروص إن سلم من الآفة وهو بضم الخاء والذال المعجمتين أمر من
الأخذ، وفي بعض نسخ أبي داود ((فجذوا)) بالجيم والدال من الجَذٍّ، أي:
فقطعوا، وفي بعضها ((فجدوا)) بالدال المهملة وهو القطع أيضًا، وعلى هاتين
النسختين جزاء الشرط محذوف، أي: إذا خرصتم. ثم قطع أرباب النخل ثمرها
فخذوا زكاة المخروص، وقيل: جذوا بضم الجيم صيغة أمر وهو جزاء الشرط،
أي: رخصوا لهم في الجذاذ، وذلك لأن الجذ ليس إلى المصدقين. (وَدَعَوْا) أي:
اتركوا. (الثُّلُثَ) بضم اللام. قال الطيبي: ((فَخُذُوا)) جواب الشرط ((وَدَعَوْ)) عطف
عليه أي: إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار واتركوا
الثلث لصاحب المال، حتى يتصدق به أي: على جيرانه ومن يطلب منه.
قال القاضي: الخطاب مع المصدقين أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا
عليه أو ربعة؛ توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه، ومن يمر به ويطلب منه
فلا یحتاج إلی أن یغرم ذلك من ماله، انتهى.
قال الأمير اليماني: قد اختلف في معنى الحديث على قولين: أحدهما: أن
يترك الثلث أو الربع من العشر. وثانيهما: أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن
يعشر .
وقال الشافعي: معناه أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو على أقاربه
وجيرانه. وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ولا يخرص. قال في ((الشرح)):
(١٨٢٠) أَبُو دَاوُد (١٦٠٥)، والتِّرْ مِذِي (٦٤٣)، والنَّسَائِي (٤٢/٥) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٨١
والأولى الرجوع إلى ما صرحت به رواية جابر وهو التخفيف في الخرص ويترك
من العشر قدر الثلث أو الربع، فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد فلا تجب
فيها الزكاة، انتهى.
قلت: حديث جابر رواه ابن عبد البر من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير عن
جابر مرفوعًا. قال: ((خَفِّقُوا فِي الخَرْصِ، فَإِنَّ فِي المَالِ العَرِيَّةَ وَالوَاطِئَةِ وَالأَكِلَةَ
... )) الحديث. كذا في ((التلخيص))، ويؤيده ما روى الدارقطني (ص٢١٨)
والطبراني عن سهل بن أبي حثمة أن رسول اللَّه وَ له بعث أباه أبا حثمة خارصًا،
فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن أبا حثمة زاد عليَّ، فدعا أباحثمة، فقال
رسول اللَّهُ وَّه: ((إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ زِدْتَ عَلَيْهِ)) فقال: يا رسول الله، قد
تركت عرية أهله وما تطعمه المساكين وما يصيب الريح، فقال: ((قَدْ زَادََ ابْنُ
عَمَّكَ وَأَنْصَفَ))، انتهى.
وفيه: محمد بن صدقة وهو ضعيف. واختلف العلماء في العمل بحديث الباب،
فذهب مالك وسفيان وأبو حنيفة إلى أنه لا يترك لرب المال شيء، بل يحسب عليه
ما أكل من ثمره قبل الجذاذ في النصاب.
قال الحافظ: وهو المشهور عن الشافعي. وقال ابنُ الملك وابن حجر: هو قول
الشافعي في الجدید. قيل: والجواب عن هذا الحدیث إنه کان في حقِّ يهود خيبر،
وكانت قصتهم مخصوصة؛ لأن الأرض أرضه والعبيد عبيده، فأمر وّل أن يترك لهم
منها قدر نفقاتهم. وأجاب بعضهم: بأن معنى الحديث أن يترك لهم ذلك من العشر
الواجب؛ ليتصدقوا منه بأنفسهم على الفقراء من أقاربهم وجيرانهم، كما سبق عن
الشافعي، وليس المعنى: أنه لا زكاة عليهم في ذلك، أو لا يحسب لهم ما أكلوه
في النصاب، وأجيب أيضًا بأن المراد به مؤنة الزرع أو مؤنة الأرض، فيوضع ذلك
ولا يحسب في النصاب.
قال ابن العربي: والمتحصل من صحيح النظر، أن يعمل بالحديث وهو قدر
المؤنة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطبًا. وذهبَ أحمد
والليث وإسحاق والشافعي أيضًا على ما قال ابن رشد (ج١ ص ٢٤١) وابن حزم إلى
ظاهر الحديث، فقالوا: يترك لهم في الخرص من عرض المال الثلث أو الربع ولا
يحسب ذلك في النصاب.
٣٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#
قال الخطابي: ذهب بعض العلماء في تأويل الحديث إلى أنه متروك لهم من
عرض المال؛ توسعة عليهم، فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لأضر ذلك بهم، وقد
يكون منها السقاطة وينتابها الطير، ويخترفها الناس للأكل، فترك لهم الربع؛
توسعة عليهم. وكان عمر بن الخطاب يأمر الخراص بذلك، وبقول عمر قال أحمد
وإسحاق. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئًا شائعًا في جملة النخل بل يفرد
لهم نخلات معدودة، قد علم مقدار ثمرها بالخرص، انتهى.
قال الحافظ: قال بظاهر الحديث: الليثُ وأحمدُ وإسحاقُ وغيرهم، وفهم منه
أبو عبيدٍ في كتاب ((الأموال)) أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال:
يترك قدر احتیاجهم، انتهى.
وقال ابنُ قدامة (ج٢ ص٧٠٦): وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو
الربع؛ توسعة على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم
ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقائهم وسؤَّالهم، ويكون في الثمرة السقاطة
وينتابها الطير، وتأكل منه المارة، فلو استوفى الكل منهم أضر بهم، وبهذا قال
إسحاق ونحوه.
قال الليثُ وأبو عبيد: والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده؛ فإن
رأى الأكلة كثيرًا ترك الثلث وإن كانوا قليلا ترك الربع، لحديث سهل بن أبي
حثمة. وروى أبو عبيد (ص ٤٨٧) بإسناده، عن مكحول قال: كان رسول اللَّه ◌َل
إذا بعث الخراص قال: ((خَفِّقُوا فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةِ والْوَاطِئَة)) وروي عن عمر، أنه
قال: ((خففوا على الناس في الخرص، فإن في المال العرية والواطئة والآكلة)).
قال أبو عبيد: الواطئة: السابلة، سموا بذلك؛ لوطئهم بلاد الثمار مجتازين،
والآكلة: أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق بهم، ومنه حديث سهل بن أبي حثمة
في مال سعد بن أبي سعد حين قال: لولا إني وجدت فيه أربعين عريشًا لخرصتة
تسعمائة وسق، وكانت تلك العرش لهؤلاء الآكلة والعرية: النخلة أو النخلات
يهب إنسانا ثمرتها، فجاء عن النبي وَله أنه قال: (لَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ))، وروى
ابن المنذر، وأبو عبيد والحاكم والبيهقي عن عمر، أنه قال لسهل بن أبي حثمة: إذا
أتيت على نخلٍ قد حضرها قوم فدع لهم ما يأكلون، والحكم في العنب كالحكم
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابَ مَا يجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٨٣
في النخيل سواء، فإن لم يترك لهم الخارص شيئًا فلهم الأكل قدر ذلك، ولا
يحتسب عليهم به؛ لأنه حق عليهم، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٢، ٣) و(ج٣
ص٤٤٨) والنسائي وابن حبان والحاكم (ج١ ص ٤٠٢) والبيهقي (ج ٤ ص١٢٣)
وأبو عبيد (ص٤٨٥) وابن حزم (ج٥ ص٢٥٥) وقد سكت عنه أبو داود والمنذري،
وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي، قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على
صحته أن عمر بن الخطاب أمر به، انتھی.
وقد تقدَّم لفظه، ولم يحكم الترمذي على حديث سهل بشيء، نعم، قال بعد
روايته: والعمل على حديث سهل عند أكثر أهل العلم، وبحديث سهل يقول
إسحاق وأحمد، انتهى، وفي سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن
سهل. وقد قال البزار: إنه تفرد وهو معروف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله،
قلت: عبد الرحمن هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال الحافظ في ((التقريب)):
إنه مقبول .
١٨٢١ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
G O
الْشَّرْجُ
١٨٢١- قوله: (يَبْعَثُ) أي: يرسل. (إِلَى يَهُودَ) أي: في خيبر. (فَيَخْرُصُ
النَّخْلَ) بضم الراء يحزرها. (حِينَ يَطِيبُ) بالتذكير والتأنيث أي: يظهر في الثمار
الحلاوة، قاله القاري. (قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ) هذه رواية أبي داود في الزكاةِ من طريق
حجاج عن ابن جريج، أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وفيه واسطة
بين ابن جريج والزهري ولم يعرف، ومن هذا الطريق أخرجه في آخر كتاب
البيوع، وزاد: ((ثم يخير اليهود، يأخذونه بذلك الخرص، أم يدفعونه إليهم بذلك
(١٨٢١) أَبُو دَاوُد (١٦٠٥) عَنْهَا فِيهَا .
٣٨٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرقًّ، ومن طريق أبي داود،
أخرجه البيهقي (ج٤٥ ص١٢٣).
قال الطيبي: وهذه زكاة أموال المسلمين الذين تركوها في أيدي اليهود
ويعملون فيها، انتهى. قال القاري: وفيه: إشارة إلى دفع ما يرد عليه من أن الكافر
لا زكاة عليه، فبينه بأن ابن رواحة لم يخرص عليهم إلا حصة الغانمين دفعوا إليهم
نخلها؛ ليعملوا فيه بحصته من التمر، انتهى كلام القاري.
وقال في ((عون المعبود)) (ج٣ ص٢٧٤): مراد عائشة: أن بعث ابن رواحة
للخرص إنما كان لإحصاء الزكاة؛ لأن المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك
اليهود وَأَكَلَها رُطبًا والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين.
قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)): قال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل ابن
رواحة يجوز للمتساقيين أو للشريكين؟ فقال: لا، ولا يصلح قسمه إلا كيلاً إلا أن
تختلف حاجتهما إليه، فيقتسمانه بالخرص، فتأول خرص ابن رواحة للقسمة
خاصة. وقال الباجي: يحتمل أنه خرصها؛ لتمييز حق الزكاة؛ لأن مصرفها غير
مصرف أرض العنوة؛ لأنه يعطيها الإمام للمستحق من غني وفقير، فيسلم مما خافه
عيسى وأنكره، وقوله في رواية مالك: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي. حمله عيسى
على أنه أسلم إليهم جميع الثمرة بعد الخرص؛ ليضمنوا حصة المسلمين، ولو كان
هذا معناه لم يجز؛ لأنه بيع الثمر بالثمر بالخرص في غير العرية، وإنما معناه:
خرص الزكاة فكأنه قال: إن شئتم أن تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاتها على ما
خرصته، وإلا فأنا أشتريها من الفيء بما يشترى به، فيخرج بهذا الخرص، وذلك
معروف لمعرفتهم بسعر الثمر. وإن حمل على خرص القسمة لاختلاف الحاجة؛
فمعناه: إن شئتم هذا النصيب فلكم، وإن شئتم فلي. يبين ذلك: أن الثمرة ما دامت
في رؤوس النخل ليس بوقت قسمة ثمر المساقاة؛ لأن على العامل جذها والقيام
عليها حتى يجري فيها الكيل أو الوزن، فثبت بهذا أن الخرص قبل ذلك لم يكن
للقسمة إلا بمعنى اختلاف الأغراض.
وقال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء؛ لأن
المساقيين شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع الثمار بعضها ببعض، وإلا دختله
كِتَّابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٨٥
المزابنة. قالوا: وإنما بعث وخل*هل من يخرص على اليهود لإحصاء الزكاة؛ لأن
المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطبًا والتصرف فيها أضر
ذلك سهم المسلمين. قالت عائشة: إنما أمر مخ لة بالخرص؛ لكي تحصى الزكاة
قبل أن تؤكل الثمار - انتهى كلام ابن عبد البر.
وهذا الحديث المطول قد رواه عبد الرزاق ومن طريقه الدار قطني (ص ٢١٧)
وابن حزم (ج ٥ ص ٢٥٥) عن ابن جريج عن الزهري ولم يذكر واسطة، وابن جريج
مدلس فلعله تركها تدليسًا، وذكر الدار قطني الاختلاف فيه. قال: فرواه صالح بن
أبي الأخضر، عن الزهري، عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وأرسله معمر ومالك
وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة. وقال صاحب ((الاستذكار)): قوله في رواية
عبد الرزاق: إنما كان أمر رسول اللّه وَ له بالخرص لكي تحصى الزكاة ... إلخ،
من قول عائشة. وقال الترمذي بعد رواية حديث عتاب بن أسيد المتقدم: قد روى
ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وسألت محمدًا عن
هذا فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد عن عتاب أصح، انتهى.
لكن أخرج أبو داود في كتاب البيوع من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،
أنه سمع جابرًا يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لما
خيرهم ابن رواحة، أخذوا الثمر وعليهم عشرون ألف وسق، انتهى.
وهذا يؤيد حديث ابن جريج عن الزهري المتقدم، وكذا يؤيده ما رواه أبو داود
أيضًا من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: لما أفاء اللهُ على
رسولِه خيبر، فأقرهم رسول اللَّه وَ ل كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث
عبد الله بن رواحة فخرصها.
قال الزرقاني: أي: لتميز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين أو للقسمة
لاختلاف الحاجة كما مرَّ، وفيه جواز التخريص لذلك.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: في كتاب الزكاة، وفي إسناده رجل مجهول، لكن أخرج
هو أيضًا في آخر البيوع شاهدًا له، من حديثٍ جابرٍ برجال ثقات، وقد ذكرنا لفظَهُ.
٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٢٢ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّه فِي الْعَسَل:
(فِي كُلِّ عَشَرَةٍ أَزُقُّ زِقٌّ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، ولا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ عَِّ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ]
الْشِّرْحُ
١٨٢٢ - قوله: (فِي الْعَسَلِ) بفتح العين والسين المهملتين: لعاب النحل.
وقال في ((مختار الصحاح)): العسل يذكر ويؤنثٍ. (فِي كُلُّ عَشَرَةٍ أَزُقَّ) بفتح الهمزة
وضم الزاي وتشديد القاف أفعل جمع قلة. (زِقٌّ) بكسر الزاي مفرده، وهو ظرف
من جلد يجعل فيه السمن والعسل وغيرهما. وفيه دليل على وجوب العشر في
العسل. واختلف العلماء فيه؛ فذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن
صالح وابن المنذر والثوري وأبو ثور وداود وابن حزم إلى أنه لا زكاة في العسل،
وبه قال من الصحابة: علي رَؤُتَهُ أخرجه يحيى بن آدمٍ في ((الخراج)) (ص٣١)
والبيهقي (ج ٤ ص١٢٧) من طريقه، وفيه انقطاع، وعبد الله بن عمر رَتْ قَهُ، أخرجَهُ
أبو عبيد (ص٤٩٩) بإسنادٍ فيه ضعف، ومعاذ كما سيأتي، ومن التابعين: المغيرة
ابن حكيم وعمر بن عبد العزيز، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح.
قال ابن المنذر: ليس في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة. وهو قول
الجمهور. وقال أحمد وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد وإسحاق ومكحول
والزهري وسليمان بن موسى وربيعة ويحيى بن سعيد وابن وهب بوجوب كل
العشر فيه. ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق، ولکنه بإسناد
ضعيف كما بينه الحافظ في ((الفتح))، وابن حزم في ((المحلى)) (ج٥ ص٢٣٢)
وأخرج أبو عبيد (ص٤٩٨) عن خصيف: أن عمر بن عبد العزيز رأى في العسل
العشر. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وأشار العراقي في ((شرح الترمذي))
إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أقوى من نقل الترمذي. واحتجَّ هؤلاء
بحديث الباب وهو كما ستعرف، وبما روى عبد الرزاق والبيهقي من طريقه
(١٨٢٢) التِّرْ مِذِي (٦٢٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا.
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٨٧
(ص١٢٦) من حديث أبي هريرة: أن النبي ◌َّثّ كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من
أهل العسل العشور، وفيه عبد الله بن محرر وهو متروك، وبما روى الشافعي في
((الأم)) (ج٢ ص٣٣) وأبو عبيد (ص٤٩٦) والبيهقي (ج ٤ ص ١٢٧) وابن أبي شيبة
(ج ٣ ص ٢٠) والطبراني في ((الكبير)) والبزار عن سعد بن أبي ذباب: أتيت النبي وَائيّة.
فأسلمت ... فذكر الحديث.
وفيه أنه أخذ من قومه زكاة العسل العشر، فأتى به عمر فأخذه. قال الهيثمي:
فيه منير بن عبد الله وهو ضعيف. وقال الحافظ في التلخيص: ضعفه البخاري
والأزدي وغيرهما، وقال البخاري: وعبد اللَّه الذي رواه عنه ابنه منير عن سعد بن
أبي ذباب لم يصح حديثه. وقال ابن عبد البر: لا يقوم بهذا حجة.
قلت: وفي سنده عند الشافعي عبد الرحمن بن أبي ذباب ولم أقف على ترجمته .
وقال الشافعي: وسعد بن ذباب يحكي ما يدل على أن رسول اللَّه ◌َ لآل لم يأمره بأخذ
الصدقة من العسل، وإنه شيء رآه هو فتطوع له به أهله، وبما روى أحمد (ج٤
ص٣٣٦) وابن ماجه والطيالسي (ص١٦٩) والبيهقي (ج٤ ص١٢٦) وأبو يعلى
وعبد الرزاق وأبو عبيد (ص٤٩٧) والطبراني من طريق سليمان بن يسار عن أبي
سيارة المتعي، قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلًا. قال: ((أَدِّ العُشْرَ))، قلت:
احم لي جبلها، فحماه لي.
قال البيهقي: هذا أصح ما روي في وجوب العشر في العسل وهو منقطع. قال
الترمذي في ((علله)): سألت محمدًا عن هذا الحديث. فقال: مرسل؛ لأن سليمان
لم يدرك أحدًا من الصحابة، وليس في زكاةِ العسل شيء يصحُّ. وبما روى أبو داود
والنسائي من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني
متعان إلى رسول اللّه وَ ليل بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له واديًا يقال له:
سلبة، فحماه له، فلما ولي عمر کتب إلی عامله سفیان بن وهب، إن أدی إليك ما
کان یؤدي إلى رسول الله چل من عشور نحله فاحم له سلبه، وإلا فلا.
ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: إن النبي ◌ّ أخذ من العسل العشر.
وروى الطبراني من هذا الوجه إن بني شبابة - بطن من فهم - كانوا يؤدون عن نحل
لهم العشر من كل عشر قرب قربة ... الحديث، ولأبي عبيد في (الأموال))
٣٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ص٤٩٧) والبيهقي (ج٤ ص١٢٧) من هذا الوجه: إنَّ النبي ◌َّ كان يؤخذ في
زمانه من العسل في كل عشر قرب قربة من أوسطها، وفي إسناده ابن لهيعة.
قال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر رواية أبي داود والنسائي: إسناده صحيح إلى
عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض. وقد ورد ما يدل
على أن هلالًا أعطى ذلك تطوعًا، فعند عبد الرزاق عن صالح بن دينار إن عمر بن
عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة، إلا إن كان
النبي وَّ أخذها، فجمع عثمان أهل العسل، فشهدوا أن هلال بن سعد قدم
النبي ◌َّ بعسل. فقال: ((مَا هَذَا؟)) قال: صدقة، فأمر برفعها ولم يذكر عشورًا،
لكن الإسناد الأول أقوى، إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحِمى، كما يدل عليه
كتاب عمر بن الخطاب، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٤٣): في هذا الحديث دليل على أن
الصدقة غير واجبة في العسل، وأن النبي ◌ُّ إنما أخذ العشر من هلال المتعي؛ إذ
کان قد جاء بها متطوعًا وحمى له الوادي؛ إرفاقًا ومعونة له بدل ما أخذ منه، وعقل
عمر بن الخطاب المعنى في ذلك، فكتب إلى عامله يأمره بأن يحمي له الواديان إن
أدى إليه العشر، وإلا فلا، ولو كان سبيله سبيل الصدقات الواجبة في الأموال لم
يخيره في ذلك، انتهى.
وقال الشوكاني: واعلم أن حديث أبي سيارة، وحديث هلال إن كان غير أبي
سيارة لا يدلّان على وجوب الزكاة في العسل؛ لأنهما تطوعا بها وحمى لهما بدل ما
أخذ وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في
ذلك، وبقية أحاديث الباب لا تنتهض للاحتجاج بها، انتهى. ويؤيده ما رواه
الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل، أنه أتي بوقص البقر والعسل، فقال معاذ:
كلاهما لم يأمرني فيه آل﴾ بشيء، انتهى.
قلتُ: حديث معاذ هذا أخرجه أيضًا أبو داود في ((المراسيل))، وعبد الرزاق
وابن أبي شيبة والبيهقي (ج٤ ص ١٢٧) وابن حزم (ج٥ ص ٢٣٣) من طريق طاوس
عنه. وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ. لكن قال البيهقي: هو قوي؛ لأن طاوسًا كان
عارفًا بقضايا معاذ. وقال الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابٌ مَا يجِبْ فِيهِ الرَّکاةُ
٣٨٩
*****<<<<<< > <******<<<<<<<<<***<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<< > ***<<<< > <<<<<**
أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز، واختياري أن لا يؤخذ
منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة، فكأنه عفو، انتهى.
وتقدم قول ابن المنذر أنه ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع،
فلا زكاة فيه، وقول البخاري أنه لا يصح فيه شيء، انتهى.
قلت: واستدل الجصاص على وجوب الزكاة في العسل بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] إذ قال: ظاهر قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ يوجب
الصدقة في العسل؛ إذ هو من ماله، انتهى.
قال ابن حزم: إن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقر: ١٨٨]
وقال رسول اللّه ◌َله: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»، فلا يجوز إیجاب فرض
زكاة في مال لم يصح عن رسول اللَّه ◌َ له فيه إيجابها، فإن احتجوا بعموم قول الله
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَفَّةً﴾ قيل لهم: فأوجبوها فيما خرج من معادن الذهب
والفضة، وفي القصب وفي ذكور الخيل، فكل ذلك أموال المسلمين بل أوجبوها
حيث لم يوجبها اللَّه تعالى، وأسقطوها مما خرج من النخل والبر والشعير في أرض
الخراج، وفي الأرض المستأجرة، ولكنهم قوم يجهلون، انتهى.
وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يثبت في زكاة العسل شيء، إلا حديث عمرو بن
شعيب عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، وهو محمول على أنه كان في مقابلة
الحمى، كما قال الخطابي والحافظ والشوكاني؛ فالقول الراجح المعول عليه: هو
ما ذهب إليه مالك والشافعي من عدم وجوب الزكاة في العسل والله تعالى أعلم.
واعلم: أن أبا حنيفة فرق بين أن يكون العسل في أرض العشر ففيه الزكاة، وبين
أن يكون في أرض الخراج فلا زكاة فيه؛ لأن مذهبه أن العشر والخراج لا يجتمعان
في أرض، وسوَّى الإمام أحمد بين الأرضين، وأوجبه بما أخذه من ملكه أو
موات.
ثم اختلف الموجبون له، هل له نصاب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب
في قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة. قال ابنُ الهمام بعد ذكر حديث عمرو بن
شعيب المتقدم من رواية الطبراني وأبي عبيد: غاية ما في حديث القرب أنه كان
أداؤهم من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ وهو فرع بلوغ عسلهم هذا المبلغ، أما النفي عما هو
٣٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أقل من عشر قرب فلا دليل فيه عليه. وأما حديث الترمذي فضعيف، انتهى.
والثاني: إن له نصابًا معينًا، ثم اختلف في قدره. فقال أبو يوسف: يجب إذا
بلغت قيمته خمسة أوساق، وعنه أنه قَدَّرَهُ بعشرة أرطال، قال في ((المبسوط)): وهي
رواية ((الأمالي)) وهي خمسة أمناء، وعنه أنه اعتبر فيه عشر قرب. وعن محمد ثلاث
روايات. إحداها: خمس قرب، والقربة خمسون مَنَّ ذكره في ((الينابيع)). وفي
((المغني)): القربة مائة رطل. والثانية: خمسة أمناء. والثالثة: خمسة أواق.
قال السرخسي: وهي تسعون منَّ. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق؛ لما روى
الجوزجاني أن عمر قال: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقًا حميناها لكم.
قال الزهري: والفرق ستة عشر رطلًا، فيكون نصابه مائة وستون رطلًا. وقال ابن
حامد: الفرق ستون رطلًا، فيكون النصاب ستمائة رطل. وقيل: الفرق ستة
وثلاثون رطلًا فيكون النصاب ثلاث مائة رطل وستون رطلًا، والأول: هو ظاهر
كلام الإمام أحمد وهو الذي رجحه ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص٧١٥).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادُهُ مَقَالٌ) لأنه قد تفرد به صدقة بن عبد الله السمين
وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا ابن عدي في ((الكامل)) في ترجمة صدقة بن عبد الله،
وأعله به وضعفه عن أحمد والنسائي وابن معين. ورواه البيهقي (ج٤ ص١٢٦)
وقال: تفرد به صدقة وهو ضعيف؛ ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. ورواه ابن
حبان في ((الضعفاء)). وقال في صدقة: يروي الموضوعات عن الثقات. ورواه
الطبراني في ((الأوسط)) من هذا الوجه. وقال: إنه تفرد به. ولفظه: وَقَالَ: ((فِي
العَسَلِ العُشْرُ فِي كُلِّ قِرَبٍ قِرْبَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ شَيْءٌ)) كذا في ((نصب الراية)).
وقال الحافظ في ((التلخيص)): في سنده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وقد
خولف. وقال النسائي: هذا حديث منكر، وقال البيهقي: تفرد به صدقة وهو
ضعيف. وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار ذكره المروزي. ونقل عن
أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه، فقال: هو عن نافع عن
النبيِ وَّ مرسل. (وَلَا يَصِحُ عَنِ النَّبِّ وَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ) أي: باب زكاة العسل.
(كَثِيرُ شَيْءٍ) قال الطيبي: أي: ما يعول عليه. وقال البخاري: ليس في زكاة العسل
شيء یصحّ.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابَ مَا يَجبُ فِيهِ الزّكاةُ
٣٩١
١٨٢٣ - [١٥] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ
وَه فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ خُلِيَّكُنَّ؛ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الْشَّرْجُ
١٨٢٣- قوله: (وَعَنْ زَيْنَبَ) بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية
ابن عتاب الثقفية وتسمى أيضًا بـ(رائطة)). (امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ) ابن مسعود. (تَصَدَّقْنَ)
أي: أخرجن زكاة أموالكن. (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضم الحاء وكسرها فكسر اللام
وتشديد التحتية، جمع الحَلْي بفتح فسكون. قال في ((القاموس)): الحَلْيُ بالفتح:
ما يُزَين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه: حُلِيٌ بالضم والكسر كدلي،
أو هو جمع والواحد حلية كظبية، والحلية بالكسر الحَلْيُ جمع حِلىَّ وحُلىٍّ،
انتهى. وقال في ((النهاية)): الحلي اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة،
والجمع حُلِيٌّ بالضم والكسر، وجمع الحِلية حِلىَّ مثل لحية ولحىٍّ، وربما تضم
وتطلق الحلية على الصفة أيضًا، وانتهى.
(فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: لمحبة الدنيا الباعثة على ترك الزكاة
والصدقة للعقبى. والحديث بظاهرة يدل على وجوب الزكاة في الحلي، وهو
الذي فهمه الترمذي، حيث أورده في باب ما جاء في زكاة الحلي. قال أبو الطيب
السندي في ((شرح الترمذي)): مناسبته بالترجمة باعتبار أن الأمر فيه للوجوب؛ لأن
الأصل فيه ذلك أي: تصدقن وجوبًا، ولو كانت الصدقة من حليكن وهو الذي
فهمه المصنف، وأما القول بأنه أمر ندب بالصدقة النافلة؛ لأنه خطاب
بالحاضرات ولم تكن كلهم ممن فرضت عليهن الزكاة. والظاهر إن معنى قوله :
((وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) أي: ولو تيسر من حليكن وهذا لا يدل على أنه يجب في الحلي؛
إذ يجوز أن يكون واجبًا على الإنسان في أمواله الأخر ويؤديه من الحلي، فذكر
(١٨٢٣) التِّرْ مِذِي (٦٣٥) عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مسْعُودٍ. قُلْتُ: وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الكُسُوفِ
الطَّوِيلِ.
٣٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المصنف - أي: الترمذي - الحديث في هذا الباب لا يخلو عن خفاء فعدول عن
الأصل الذي هو الوجوب وتغيير للمعنى الذي هو الظاهر؛ لأن معناه تصدقن من
جميع الأموال التي تجب فيها الزكاة عليكن، ولو كانت الصدقة الواجبة من
حليكن. وإنما ذكر لدفع توهم من يتوهم أن الحلي من الحوائج الأصلية، ولا
تجب فيها الزكاة، ويؤيد هذا المعنى قوله وَله: ((فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ)) أي: لترك
الواجبات .
وأما كون الخطاب للحاضرات خصوصًا، فممنوع، بل الخطاب لكل من يصلح
للخطاب، نعم، فيه تلميح إلى حسن الصدقة في حق غير الغنيات، فلا يرد أن كون
الأمر للوجوب لا يستقيم، ويؤيده ما في آخر هذا الحديث في البخاري: قالت
زينب لعبد الله: قد أمرنا بصدقة فأته فَسَله، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها
إلى غيركم ... الحديث؛ لأن الصدقات من النوافل لا كلام في جوازها لو صرفت
إلى الزوج، انتهى كلام أبي الطيب.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج٢ ص١٠): قلت: في الاستدلال بهذا
الحديث على وجوب الزكاة في الحلي نظر؛ فإنه ليس بنص صريح فيه؛ لاحتمال
أن يكون معنى قوله: ((وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ)) أي: ولو تيسر من حليكن كما قيل، وهذا لا
يدل على وجوب الزكاة في الحلي؛ إذ يجوز أن يكون واجبًا على الإنسان في أمواله
الأخر، ويؤديه من الحلي، وقد ذكر أبو الطيب هذا الاحتمال، ولم يجب عن هذا
جوابًا شافيًا فتفكر انتهى كلام الشيخ.
قلت: حمل الحنفية القائلون بوجوب الزكاة في الحلي، وعدم جواز دفع المرأة
زكاتها إلى زوجها الفقير - هذا الحديثَ على صدقة التطوع، وبه جزم النووي من
الشافعية، واستدل الطحاوي (ج١ ص٣٠٨) لذلك بما روى من طريق رائطة امرأة
ابن مسعود، أنها كانت امرأة صنعاء اليدين تصنع بيديها فتبيع من ذلك، فكانت
تنفق على عبد الله وعلى ولده، قال: فهذا يدل على أنها صدقة التطوع.
واستدل أيضًا بقولها في حديث أبي هريرة عنده: فأخذت حليِّي، أتقرب به
إلى اللَّه رَّت؛ رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة
بكل المال، وإنما توجب الصدقة بجزء منه، واستدل لذلك أيضًا بما وقع في
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٩٣
<**<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<<<<<< ><> <<<<<<<<**<<<<< > <<<<< > *<<<<<<<<<<<<<<***
حديث أبي سعيد عند البخاري: ((زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ)) لأن
الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، والأم
يلزمها نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيرًا عاجزًا عن التكسب جدًّا عند الحنفية. ويمتنع
إعطاء الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، وسيأتي الكلام على إعطاء الزكاة
للزوج والولد. وأما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء.
فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وعبد الله بن المبارك: تجب فيها الزكاة،
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو،
وعبد اللَّه عباس وابن عمر، وعائشة، وبه قال عبد الله بن شداد، وسعيد بن
المسيب، وسعيد بن جبير وعطاء، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد والزهري
وطاوس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود، وعمر بن عبد العزيز
وإبراهيم النخعي، وذر الهمداني والأوزاعي وابن شبرمة، والحسن بن حي وابن
المنذر وابن حزم، وهي رواية عن أحمد كما في ((المغني))، وهو أحد أقوال
الشافعي، وذهب مالك وأحمد وإسحاق والشافعي في أظهر قوليه إلى أنها لا تجب
الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء طيه، وبه قال
القاسم بن محمد والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة وأبو عبيد وأبو ثور.
قال ابن المنذر: وقد كان الشافعي قال بهذا، إذا هو بالعراق، ثم وقف عنه
بمصر وقال: هذا مما أستخير الله تعالى فيه، ذكره المنذري في ((الترغيب)). وقال
الليث: ما كان من حُلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز من الزكاة ففيه
الزكاة. وقال أنس بن مالك: يزكي عامًا واحدًا لا غير. قال الأمير اليماني: في
المسألة أربعة أقوال: الأول: وجوب الزكاة وهو مذهب الهادوية وجماعة من
السلف، وأحد أقوال الشافعي؛ عملًا بما روي في ذلك من الأحاديث.
والثاني: لا تجب الزكاة في الحلية وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد
أقواله، لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية، ولكن بعد صحة
الحديث لا أثر للآثار.
والثالث: إن زكاة الحلية عاريتها .
٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والرابع: إنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقي عن أنس وأظهر
الأقوال دليلًا: وجوبها لصحة الحدیث وقوته، انتهى.
قلت: القول بوجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة هو الظاهر الراجح المعول
عليه عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة:
٣٤] ولعموم قوله بََّ: ((فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ)). قال ابن قتيبة: الرقة: الفضة سواء
كانت الدراهم أو غيرها، نقله ابن الجوزي في ((التحقيق))؛ ولقوله ◌َلّ: «لَيْسَ فِيمَا
دُونَ خَمْسَةٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ))، والورق يطلق على الفضة مضروبة كانت أو
غير مضروبة؛ يدل على ذلك ما جاء في الحديث: إِنَّ عُرْفجة اتخذَّ أنفًّا من وَرِقٍ .
وفي حديث عائشة عند أبي داود وغيره: فرأى في يدي فتخات من وَرِقٍ .
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٣: ص١٧): الظاهر من الكتاب يشهد لقول من
أوجبها والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر
والاحتياط أداؤها، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلي)) (ج٦: ص ٨٠): لما صحَّ
عن رسول اللَّه وَله: ((فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ
صَدَقَةٌ. فَإِذَا بَلَغَ مِائَيْ دِرْهَمْ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)) وكان الحلي ورقًا وجب فيه حق
الزكاة؛ لعموم هذين الأثرَّين الصحيحين.
وأما الذهب، فقد صحَّ عن رسول اللَّهِ وَ الَ: «مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ لَا يُؤَدِّي مَا فِيهَا
إِلَّا جُعِلَ لَهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا))، فوجبت الزكاة في كل ذهب بهذا
النص، ولم يأت إجماع قط بأنه ظلَّل لم يُرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم
يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص ولا إجماع. وقال: قد صحَّ عن النبي وَل
إيجاب الزكاة في الذهب عمومًا، ولم يخص الحلي منه بسقوط الزكاة فيه، لا
بنص ولا بإجماع، فوجبت الزكاة بالنص في كل ذهبٍ وفضةٍ، ولم يجز تخصيص
شيء منهما؛ إذ قد عمهما النص، فوجب أن لا يفرق بين أحوال الذهب بغير نص
ولا إجماع والحلي فضة أو ذهب، فلا يجوز أن يقال: ((إلا الحلي)) بغير نص في
ذلك ولا إجماع، انتهى مختصرًا.
وقال الرازي في ((تفسيره)): الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل
عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة ٣٤] وأيضًا
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
٣٩٥
العمومات الواردة في إيجاب الزكاة في الحلي المباح، قال ◌َالَّلهُ: ((فِي الرِّقَةِ رُبْعُ
الْعُشْرِ)) وغير ذلك من الأخبار، فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في
الحلي المباح، ثم نقول: ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب وهو ظاهر؛
لأنه ليس في القرآن ما يدل أنه لا زكاة في الحلي المباح، ولم يوجد في الأخبار
أيضًا معارض، إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبرًا، وهو قولهمالتّها: ((لَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ
المُبَاحِ))، إلا إن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول اللّه ◌ُّ في الحلي خبر
صحيح. وأيضًا بتقدير أن يصح هذا الخبر، فنحمله على اللآلي؛ لأن الحلي في
الحديث مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق
وجب إنصرافه إليه، والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلي، قال تعالى:
﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى
اللآلي فسقطت دلالته، وأيضًا الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، وأيضًا لا يمكن
معارضة هذا النص بالقياس؛ لأن النص خير من القياس، فثبت أن الحق ما ذكرنا،
انتھی .
قلت: حديث: ((لَا زَكَاةَ فِي الحُلِّ)) رواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) بسنده عن
عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ◌َّ قال: ((لَيْسَ
فِي الحُلِيِّ زَكَاةٌ)). وعافية هذا قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: تكلم فيه ما هو
بحجة وفيه جهالة، انتهى. وقال ابن عبد الهادي: الصواب وقفه. وقال الزيلعي
(ج٢: ص٣٧٤): قال البيهقي في ((المعرفة)): هو حديث باطل، لا أصل له إنما
يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعًا كان
مغررًا بدينه داخلًا فيما يعيب المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين، انتهى.
وقال الشيخ في ((الإمام)): رأيت بخط شيخنا المنذري: وعافية بن أيوب لم
يبلغني فيه ما یوجب تضعيفه، قال الشيخ: ويحتاج من يحتج به إلی ذکر ما يوجب
تعديله، انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٨٣): وعافية، قيل: ضعيف.
وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحًا. وقال البيهقي: مجهول. ونقل ابن أبي
حاتم توثيقه عن أبي زرعة، انتهى.
قلت: وفي وجوب الزكاة في الحلي أحاديث خاصة أيضًا. فمنها: حديث
عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي وقّ ومعها ابنة لها، وفي يدِ
٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابنتها مسكتان غليظتان من ذهبٍ، فقال لها: ((أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟)) قالت: لَا، قال:
((أَيَسُرُِّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارًا مِنْ نَارٍ))، قال: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا
إِلَى النَّبِّوَِّ. وقالَتْ: ((هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِه)). أخرجه أبو داود والنسائي وأبو عبيد
(ص٤٣٩) والدار قطني (٢٠٧) والبيهقي (ج٤: ص ١٤٠) كلهم من طريق حسين بن
ذکوان المعلم عن عمرو بن شعيب وسكت عنه أبو داود.
وقال الزيلعي (ج٢: ص ٣٧٠): قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال المنذري
في ((مختصره)): إسناده لا مقال فيه، ثم بينه رجلًا رجلًا، وقال في آخر كلامه: وهذا
إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله، انتهى. وقال ابن الملقن: رواه أبو داود بإسناد
صحيح، ذكره مَيْرَك. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): إسناده قوي، انتهى. ورواه
الترمذي بسند فيه مقال كما سيأتي.
ومنها: حديث أم سلمة الآتي وهو حديث صحيح أو حسن كما ستعرف. ومنها:
حديث أسماء بنت يزيد، قالت: دخلتُ أنا وخَالَتِي على النبيِّ وَّهِ، وعَلَيْنَا أَسْوِرَةٌ
مِنْ ذَهَبٍ، فقال لنا: ((أَتُعْطِيَانِ زَكَاتَهُ؟)) فقلنا: لا، قال: ((أَمَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ
أَسْوِرَةً مِنْ نَاِرِ؟ أَدِّيَا زَكَاتَهُ)) أخرجه أحمد (ج٦: ص٤٦١). قال المنذري في
((الترغيب)): بإسناد حسن. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٣: ص٦٧):
إسناده حسن، وذكره الحافظ في ((التلخيص)) وسكت عنه، وقال في الدراية: في
إسناده مقال، انتهى. قلتُ: في سنده علي بن عاصم وهو متكلم فيه، قال
البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال مرة: يتكلَّمون فيه، وقال الحافظ في
((التقريب)): صدوق يخطئ ويصر. وفيه أيضًا شهر بن حوشب وهو صدوق كثير
الإرسال والأوهام. والحق أن حديث أسماء هذا إن قصر عن درجة الحسن، فلا
یقصر عن أن یکون صالحًا للاستشهاد.
ومنها: حديث عائشة قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فَرَأَى فِي يَدَيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ
وَرِقٍ فقالَ: ((مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟)) فقلتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ بِهِنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
((أَتُؤَدِّيْنَ زَكَاتَهُنَّ؟)) قُلْتُ: لَا، قال: ((هُنَّ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ)) أخرجه أبو داود
والدار قطني (ص ٢٠٥) والحاكم (ج١: ص٣٨٩ - ٣٩٠) والبيهقي (ج٤:
ص١٣٩).
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٩٧
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص١٧): والغالب أن الفتخات لا تبلغ نصابًا
تجب فيها بمفردها الزكاة، وإنما معناه: أن تضم إلى سائر ما عندها من الحلي
فتؤدى زكاتها منه، انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال
الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال ابن دقيق العيد: هو
على شرط مسلم .
ومنها: حديث فاطمة بنت قيس، قالت: أتيتُ النبيَّ وَلَه بطوق فيه سبعون مثقالًا
من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالًا وثلاثة أرباع
مثقال. أخرجه الدار قطني (ص٢٠٥) وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف،
ونصر بن مزاحم وهو أضعف منه، وتابعه عباد بن كثير، أخرجه أبو نعيم في ترجمة
شيبان بن زكريا من ((تاريخه))، كذا في ((الدراية))، وبسط الكلام فيه الزيلعي
(ج٢ : ص ٣٧٣).
ومنها: حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي وَله: إنَّ لامرأتي حليًّا من
ذهب عشرين مثقالًا. قال: ((فَأَدِّ زَكَاتَهُ نِصْفَ مِثْقَالٍ)) أخرجه الدار قطني (ص٢٠٥)،
قال الحافظ: في ((الدراية)): إسناده ضَعِيف جِدًّا. وأجابَ القائلون بعدم وجوب
الزكاة في الحلي عن هذه الأحاديث بأجوبة كلها مردودة.
فمنها: أن الزكاة في هذه الأحاديث محمولة على أنه كان حين كان التحلي
بالذهب حرامًا على النساء، فلما أبيح لهن سقطت منه الزكاة بالاستعمال كما تسقط
زكاة الماشية بالاستعمال، وهذا الجواب باطل.
قال البيهقي في ((المعرفة)): كيف يصحُّ هذا القول من حديث أم سلمة، وحديث
فاطمة بنت قيس، وحديث أسماء بنت يزيد، وفيها التصريح بلبسه مع الأمر بالزكاة
ذكره الزيلعي (ج ٢: ص ٣٧٤). ومنها أن الزكاة المذكورة في هذه الأحاديث. إنما
كانت للزيادة على قدر الحاجة، وهذا ادعاء محض لا دليل عليه، بل في بعض
الروايات ما يرده. قال الزيلعي (ج٢ ص٣٧٤) بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده، من رواية أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه بلفظ: ((فَأَدِّيَا زَكَاةَ
هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيَكُمَا))، ما نصه: وهذا اللفظ يرفع تأويل من يحمله على أن الزكاة
المذكورة فيه شرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة، انتهى.
٣٩٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: أن المراد بالزكاة في هذه الأحاديث التطوع لا الفريضة أو المراد بالزكاة
العارية. قال القاري: وهما في غاية البعد؛ إذ لا وعيد في ترك التطوع والإعارة مع
أنه لا يصح إطلاق الزكاة على العارية لا حقيقة ولا مجازًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قال مَيْرَك: ورجاله موثقون، قلتُ: أصل الحديث في
الصحيحين، كما سيأتي في باب أفضل الصدقة.
١٨٢٤ - [١٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ
أَتَنَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، وَفِى أَيْدِيهِمَا سُوَارَانٍّ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: ((تُؤَدِّيَانِ
زَكَاتَهُ؟)) قَالَتَا: لَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بَ: «أَنَّحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ
بِسُؤَارَيْنٍ مِنْ نَارٍ؟)) قَالَتَا: لَا. قَالَ: ((فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ نَحْوَ هَذَا،
وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّحِ وَابْنُ لِهِيعَةَ يُضَغَّفَانِ فِى الْحَدِيثِ، وَلَ يَصِحُّ فِى هَذَا الْبَابِ عَنِّ النَّبِىِّ عَ لَه
شَيءٌ] {حسن}
الْشَّرْجُ
١٨٢٤ - قوله: (وَفِي أَيْدِيهِمَا سُوَارَانٍ) تثنية سوار، ككتاب وغراب القلب
كالأسوار بالضم، وجمعه أسورة وأساور وأساورة كذا في ((القاموس)). ويقال له
بالفارسية، دست برنجن، وفي الهندية كنكن. قال الطيبي: الظاهر أسورة لجمع
اليد، والمعنى: إن في يدي كل واحدة منهما سوارين.
قلتُ: وقع في رواية لأحمد والدار قطني: وعليهما أسورة. وفي أخرى لأحمد:
وفي أيديهما أساور.
(تُؤَدِّيَانٍ) أي: أتؤديان. (زَكَاتَهُ) أي: الذهب أو ما ذكر من السوارين. قال
الطيبي: الضمير فيه بمعنى اسم الإشارة كما في قوله تعالى: ﴿لَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرُّ
عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨].
(أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ) وعند أحمد في رواية: ((أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ يَوْمَ
(١٨٢٤) التِّرْ مِذِي (٦٣٧) عَنْهُ فِيهَا، وَقَالَ: ضَعِيفٌ.
كِتَّابُ الرَّكاةِ
١ ->>**
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٩٩
الْقِيَامَةِ أَسَاوِرَ مِنْ نَارٍ )). وفي أخرى: ((أَنْ سَوَّرَكُمَا اللَّهُ سِوَارَيْنٍ مِنْ نَارٍ))، يقال:
سورت المرأة بالتشديد أي: ألبستها سوارًا. (فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ) وفي رواية لأحمد: ((فَأَدِّيَا
حَقَ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا))، وفي أخرى له : ((فَأَدِّيَا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكُمَا فِي هَذَا)). وفي
هذا الحديث أيضًا: دليل على وجوب الزكاة في الحلي. قال شيخنا: وهو الحق.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
وأخرجه أحمد (ج٢ ص١٧٨ - ٢٠٤ - ٢٠٨) والدار قطني (ص٢٠٦) وابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) (ج ٣ ص ٢٧) الثلاثة من طريق الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن
شعيب نحوه. (وَقَالَ) أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّحِ عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ نَحْوَ هَذَا) قد تقدم أنه رواه عنه الحجاج بن أرطأة أيضًا عند أحمد
والدار قطني وابن أبي شيبة وحسين بن ذكوان المعلم عند أبي داود والنسائي وأبي
عبيد والدارقطني والبيهقي، ولم أقف على مَن أخرجه من طريق المثنى بن
الصباح، وأما قول الزيلعي: وبسند التر مذي رواه أحمد وابن أبي شيبة واسحاق بن
راهويه في ((مسانيدهم)). وقوله: طريق آخر أخرجه أحمد رَّتْهُ في ((مسنده)) عن
المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب به وهي الطريق التي أشار إليها الترمذي -
ففيه نظر؛ قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)) (ج١٠ ص٢٠٠) بعد ذكر
قولي الزيلعي المذكورين: لست أدري كيف كان هذان النقلان؟ أما ((مسند ابن
راهويه)) فإني لم أره، ولكن ((مصنف ابن أبي شيبةُ أمامي، وليس فيه إلا روايته من
طريق الحجاج بن أرطاة، وكذلك ((مسند الإمام أحمد)) بين يدي وأستطيع أن أجزم
بالاستقراء التام إنه لم يروه إلا من طريق الحجاج، فمن أين جاء بنسبة روايتي ابن
لهيعة والمثنى بن الصباح لـ((مسند أحمد))؟ وهو - أعني: الزيلعي - لا يريد بإشارته
إليهما رواية الحجاج بن أرطاة يقينًا؛ لأن كلامه صريح في الرواية من طريق ابن
لهيعة والمثنى، ثم هو قد ذكر بعد ذلك رواية الحجاج بن أرطاة (ج٣ ص٣٧١)
ونسبها لأحمد والدار قطني، فإن كان هذان النقلان سهوًا منه يكن سهوًا عجيبًا،
وإلا فإني عاجز أن أجد لشيء منه توجيهًا أو تأويلاً، انتهى.
(وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَغَّفَانٍ) بصيغةِ المجهول. (فِي الْحَدِيثِ)
اعلم: أنه روى الترمذي في جامعه هذا الحديث أولًا عن قتيبة، نا ابن لهيعة عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ثم قال: هذا حديث قد روى المثنى بن الصباح