النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن قدامة (ج٢ ص٥٩٣): هذا صريح في محل النزاع، وقول النبي وَِّّ في
الحديث الآخر: ((في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة))، يدل على أن الاعتبار
بهذين العددين؛ ولأن البقر أحد بهيمة الأنعام، ولا يجوز في زكاتها كسر كسائر
الأنواع، ولا ينقل من فرض فيها إلى فرض بغير وقص كسائر الفروض؛ ولأن هذه
زيادة لا يتم بها أحد العددين، فلا يجب فيها شيء، كما بين الثلاثين والأربعين،
وما بين الستين والسبعين، ومخالفة قول أبي حنيفة المشهور للأصول أشد من
الوجوه التي ذكرناها على أن أوقاص الإبل والغنم مختلفة؛ فجاز الاختلاف هاهنا.
انتهى .
قلت: حديث معاذ المذكور أخرجه أبو أحمد بن زنجويه في كتاب ((الأموال»،
من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن
الحكم. وأخرجه أيضًا أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٣٨٣) من هذا الطريق، إلا أنه
قال: عن سلمة بن أسامة، إن معاذ بن جبل، قال: بعثني ... إلخ. ولم يذكر يحيى
ابن الحكم. ونقل الزيلعي عن صاحب ((التنقيح)) أنه قال هذا - أي: حديث معاذ
المذكور - حديث فيه إرسال، وسلمة بن أسامة ويحيى بن الحكم غير المشهورين
ولم يذكرهما ابن أبي حاتم في كتابه. انتهى. واعترض بعض العلماء على هذا
الحديث بأن معاذًا لم يلق النبي وَّر بعد رجوعه من اليمن، بل توفي الَّلا قبل قدوم
معاذ من اليمن.
قلتُ: اختلفت الروايات في قدوم معاذ على النبي وَّل من اليمن بعد أن أرسله،
ففي رواية مالك من طريق طاوس، عن معاذ، فتوفي النبي وَّ قبل أن يقدم معاذ،
وهذا منقطع طاوس لم يدرك معاذًا. وفي حديث ابن مسعود عند الحاكم (ج٣
ص٢٧٢) وقد صححه كان معاذ شابًّا سمحًا، فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله ...
الحديث في تأمير النبي ◌ّ له على اليمن، وفيه فلم يزل فيها حتى توفي النبي وَلّ،
ثم رجعَ معاذ، فوافى عمر بمكة أميرًا على الموسم وعن كعب بن مالك نحوه (ج٣
ص٢٧٣) وصححه أيضًا، وعن جابر بمعناه (ج ٣ ص٢٧٤) وسكت عنه.
وروى ابن سعد من طريق أبي وائل: استعمل النبي ◌َّ معاذًا على اليمن، فتوفي
النبي وَل، واستخلف أبو بكر ومعاذ باقٍ باليمن، ويعارض هذه الأحاديث ما روى
الدار قطني (ص٢٠٢) والبيهقي (ج٤ ص٩٩) والبزار وابن حزم (ج٦ ص٦) من
حديث بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس عن ابن عباس قال: بعث

٣٦١
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
رسول اللَّه ◌ِ له معاذًا إلى اليمن ... الحديث، وفيه: فلما رجع سأل رسول اللَّه ◌ِالّ
عنه - يعني: الوقص - فقال: (لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ))، تفرد به بقية عن المسعودي
والمسعودي قد اختلط، وتابعه الحسن بن عمارة عن الحكم، والحسن بن عمارة
متروك. وما روى أبو يعلى وغيره بإسناد فيه ضعف، من طريق صهيب أن معاذًا لما
قدم إلى النبي ◌ََّ من اليمن؛ سجد لَهُ فقال: ((مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟)) قال: إني وجدت
اليهود والنصارى يسجدون لعظمائهم، وقالوا: هذه تحية أنبيائنا. قال وَله: «كَذَبَوا
عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ... )) الحديث. وأخرج أحمد من وجه آخر (ج٥ : ص٢٢٧) نحوه، ذكر
هذه الأحاديث المتعارضة الزيلعي في ((نصب الراية))، والحافظ في ((الدراية)):
وسكتا عن الترجيح أو الجمع. وقال القاري: بعد ذكر هذه الروايات، ولعل الجمع
بتعدد الواقعة. وقال الحافظ في ((الفتح)): اتفقوا على أن معاذًا لم يزل على اليمن
إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها. وقال في ((الإصابة)) في
ترجمته: قدم من اليمن في خلافة أبي بكر وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة
سبع عشرة أو التي بعدها، وهو قول الأكثر. انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٥: ص٢٣٠) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج ١: ص٣٩٨) والدار قطني
(ص٢٠٣) والبيهقي (ج ٤: ص٩٨) كلهم من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن
مسروق، عن معاذ، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي وحسنه الترمذي.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) و((الاستذكار)): إسناده متصل صحيح ثابت، وكذا
قال ابن بطال كما في ((الفتح))، وأعله عبد الحق في ((أحكامه))، فقال: مسروق لم
يلق معاذًا.
وقال الحافظ في ((الفتح)): في الحكم بصحته نظر؛ لأن مسروقًا لم يلق معاذًا،
وإنما حسنه الترمذي لشواهده وبالغ ابن حزم في ((المحلى)) (ج٦: ص١١) أولًا في
تقرير أن هذا الحديث منقطع، ثم استدركه في آخر المسألة، ورجع عن رأيه هذا
حيث قال: (ج٦: ص١٦) وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في
زكاة البقر، وهو بلا شك قد أدرك معاذًا وشهد حكمه وعمله المشهور المنتشر،
فصار نقله لذلك؛ ولأنه عن عهد رسول اللّه وَله نقلًا عن الكافة عن معاذ بلا شك؛
فوجب القول به. انتهى.

٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن القطان: لا أقول: إن مسروقًّا سمع من معاذ؛ إنما أقول: إنه يجب
على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين الذين لم يعلم
انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن له بالاتصال عند الجمهور. وشرط البخاري
وابن المديني أن يعلم اجتماعهما ولو مرة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما
للآخر لا يقولون في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، إنما يقولان: لم يثبت
سماع فلان من فلان؛ فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما: أنه
محمول على الاتصال. والآخر: أن يقال: لم يعلم اتصال ما بينهما. فأما الثالث
وهو أنه منقطع فلا. انتهى.
وقال الأمير اليماني: وأجيب عن دعوى الانقطاع، بأن مسروقًا همداني النسب
من وداعة، يماني الدار، وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما، فهو
محكوم باتصاله على رأي الجمهور. انتهى.
قلت: فالاحتجاج بحديث مسروق عن معاذ هذا تام صحیح على رأي الجمهور،
وعلى ما وجه ابن حزم، هذا، وقد أشار الترمذي وأبو داود إلى اختلاف في وصله.
قال الترمذي بعد تحسينه: وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن أبي وائل
عن مسروق أن النبي وَلّر. وهذا أي: المرسل أصح أي: من رواية مسروق عن
معاذ عن النبي ◌ّير، وكذا رجح الدارقطني في ((العلل)) الرواية المرسلة، وهذه
الرواية المرسلة أخرجها ابن أبي شيبة (ج٣: ص١٢) وأبو عبيد (ص٣٧٨)
بسندیهما .
قلت: والحديث له طرق أخرى وشواهد قد اعتضد بعضها ببعض: فمنها: عن
أبي وائل عن معاذ وهي عند أحمد (ج٥: ص٢٣٣ - ٢٤٧) وأبي داود والنسائي.
ومنها: عن إبراهيم النخعي عن معاذ، وهي عند النسائي والدارمي والبيهقي.
ومنها: عن إبراهيم النخعي عن مسروق عن معاذ، وهي عند أبي داود والنسائي
والدار قطني والبيهقي.
ومنها: عن طاوس عن معاذ، وهي في ((موطأ مالك)). قال في ((الإمام)): ورواية
إبراهيم عن معاذ منقطعة بلا شك، ورواية طاوس عن معاذ كذلك. قال الشافعي :

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٦٣
وطاوس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا وهذا مما
لا أعلم من أحد فيه خلافًا. انتهى. وقال البيهقي: طاوس وإن لم يلق معاذًا إلا أنه
يماني، وسيرة معاذ بينهم مشهورة، انتهى.
ومنها: عن يحيى بن الحكم عن معاذ، وهي عند أحمد وقد تقدم.
وأما الشواهد. فمنها: حديث ابن مسعود عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي
وهو منقطع، ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) موصولًا.
ومنها: حديث طاوس عن ابن عباس عند الدار قطني والبيهقي والبزار وابن حزم
وهو ضعيف. وتقدم الإشارة إليه، ولابن عباس حديث آخر عند الطبراني
والدار قطني، من طريق ليث عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس. وقد تقدم الإشارة
إليه أيضًا.
ومنها: حديث أنس عند البيهقي (ج٤: ص٩٩) واختلف في وصله ورجح
الدار قطني الإرسال.
ومنها: حديث عمرو بن حزم الطويل عند الحاكم والبيهقي والطبراني.
ومنها: حديث علي الذي قبل هذا الذي نحن في شرحه.
١٨١٦ - [٨] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ اَلِ: «الْمُعْتَدِي فِي
الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والثِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الْشِّرُْ
١٨١٦ - قوله: (الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا) الاعتداء: مجاوزة الحد،
فيحتمل أن يكون المراد به المالك الذي يعتدي بإعطاء الزكاة غير مستحقيها أي:
يعطيها في غير المصرف، أو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقي لعياله
شيئًا، أو الذي يعتدي بكتم بعضها، أو وصفها على الساعي حتى أخذ منه مالًا
(١٨١٦) أَبُو دَاوُد (١٥٨٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٦٤٦)، وَابن مَاجَهْ (١٨٠٨) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَنَسٍ.

٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يجزئه، أو ترك عنه بعض ما هو عليه كمانعها من أصلها في الإثم. أو المراد
الساعي الذي يأخذ أكثر وأجود من الواجب؛ لأنه إذا فعل ذلك سَنَّة، فصاحب
المال يمنعه في السنة الأخرى، فيكون سببًا للمنع فشارك المانع في إثم المنع.
قال المظهر: يعني: العامل الذي يأخذ في الزكاة أكثر من القدر الواجب،
ويظلم أرباب الأموال هو في الوزر كالذي لا يعطي الزكاة، ويظلم الفقراء بمنع
الزكاة عنهم، وكذلك العامل يظلم أرباب الأموال بأخذ الزيادة منهم، انتهى.
وقال البغوي في ((شرح السنة)): معنى الحديث: إن على المعتدي في الصدقة
من الإثم ما على المانع، فلا يحل لرب المال كتمان المال، وإن اعتدى عليه
الساعي، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): الظاهر أن المراد بالمعتدي في الصدقة العامل
المعتدي في أخذ الصدقة، ويؤيده حديث بشير بن الخصاصية. قال: قلنا: إن أهل
الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: ((لَا)). رواه أبو
داود.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه وأبو عبيد (ص ٤٠١) والبيهقي
(ج ٤: ص ٩٧) وابن خزيمة في (صحيحه)) كلهم من رواية سعد بن سنان، عن
أنس. وقال الترمذي: حدیث غریب، وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان،
انتھی .
قلت: سعد بن سنان هذا كندي مصري، واختلف في اسمه، فقيل هكذا.
وقيل: سنان بن سعد، وصوب هذا الثاني البخاري و ابن يونس، وقد تكلم فيه غیر
واحد من الأئمة. قال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال النسائي وابن سعد: منكر
الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أحمد: لم أكتب أحاديثه؛ لأنهم
اضطربوا فيه وفي حديثه، وقال ابن معين: ثقة. ونقل ابنُ القطان: أن أحمد يوثقه.
وقال المنذري في آخر ((الترغيب)): بعد ذكر الجروح المذكورة: وروى عن أحمد
توثيقه، وحسن الترمذي حديثه، واحتج به ابن خزيمة في ((صحيحه)) في غير ما
موضع، انتهى. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق له أفراد، انتهى. فالظاهر:
أنه من رجال الحسن، وإن حديثه هذا حسن. والله تعالى أعلم.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٦٥
١٨١٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ نَ قَالَ: (لَيْسَ فِي
حَبِّ وَلَا تَمْرِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ]
G O
الْشِّرْحُ
١٨١٧- قوله: (لَيْسَ فِي حَبِّ وَلَا تَمْرٍ) أي: ولا زبيب (صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ
خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) تقدم بيانه، وقد استدل بعضهم بمفهوم الحديث على أنه لا زكاة فيما
ليس بحب كالزعفران والعصفر والقطن وغيرها من الأزهار، وكالجزر والبطاطة
والخيار والقثاء وغيرها من الخضر والبقول، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن المتبادر
أن هذا بيان للنصاب في الحب والتمر لا لحصر الزكاة فيهما.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) بل رواه مسلم أيضًا، فكان ينبغي إيراده في الفصل الأول.
وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج ٤: ص١٢٨).
١٨١٨ - [١٠] وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيَّرِّ
وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ.
[مُرْسَلٌ رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الْشِّرْحُ
١٨١٨ - قوله: (وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) أي: ابن عبيد اللَّه القرشي التيمي،
يكنى أبا عيسى وأبا محمد المدني، نزيل الكوفة، ثقة جليل، من كبار التابعين.
وقال ابنُ عساكر: يقال: أنه ولد في عهد النبي ◌َّر وسماه. وقال ابن الهمام: لم
يثبت هذا. وذكره الحافظ في ((الإصابة)) في القسم الثاني من حرف الميم، أي:
(١٨١٧) النَّسَائِى (٤٠/٥) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا .
(١٨١٨) البَيْهَقِي (١٢٨/٤، ١٢٩)، وَالْبَغَوِيُّ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) مُرْسَلٌ. وَأَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ
أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ.

٣٦٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي وَّ لبعض الصحابة
ممن مات وَّ وهو في دون سن التميز. قال الحافظ: لكن أحاديث هؤلاء عنه من
قبيل المراسيل عند المحققين، انتهى. روى عن أبيه طلحة بن عبيد الله أحد العشرة
المبشرة، وعن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابة، وعنه
ابنه عمران وحفيده سليمان وابنا أخيه إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وعمرو
ابن عثمان وغيرهم مات سنة ثلاث ومائة على الصحيح.
(عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ) قال القاري: قال بعضهم أخذًّا من كلام
الطيبي: إن تعلق عن النبي وَلَه بقوله: عن موسى بن طلحة، كان الحديث مرسلًا؛
لأنه تابعي، ويكون قوله: ((عندنا كتاب معاذ)) معترضًا ولا معنى له. قلتُ - قائله
القاري -: بل معناه إن كتابه بهذا المضمون أو موافق للرواية لفظًا ومعنى. ويؤيده
قوله: (قَالَ)) ويقويه قول المؤلف: مرسل. قال: وإن تعلق بقوله: ((عندنا كتاب
معاذ)) كان حالًا من ضمير كتاب في الخبر، أي: صادرًا عن النبي وَّل فلا يكون
الحدیث مرسلا بل يكون هذا وجادة، انتهى.
قال القاري: لكن يتوقف كونه وجادة على ثبوت كون الكتاب بخط معاذ، قال :
ثم رأيت الطيبي قال: هذا من باب الوجادة؛ لأنه من باب نقل من كتاب الغير من
غير إجازة ولا سماع ولا قراءة، انتهى.
قلت: الحق والصواب إن قوله: ((عن النبي وَّل) متعلق بقوله: ((عندنا كتاب
معاذ))، وهو من باب الوجادة بشرط أن يكون الكتاب المذكور بخط معاذ.
والوجادة المصطحلة هي أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو
المعاصر ولم يلقه أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه، ولكن لا يروي تلك الأحاديث
الخاصة عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت، أو: قرأت بخط فلان عن
فلان، وهو من باب المنقطع، لكن فيه شوب إتصال لقوله: ((وجدت بخط فلان)).
وإذا وجد حديثًا في تأليف شخص وليس بخطه، قال: ذكر فلان، أو قال فلان.
وهذا منقطع لا شوب من الاتصال فيه. وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا
فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت عنه ... إلى آخر ما قال السيوطي في
((التدریب)).

كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
٣٦٧
وروى هذا الحديث أبو يوسف في ((الخراج)) (ص٦٤) قال: حدثنا عمرو بن
عثمان عن موسى بن طلحة، أنه كان لا يرى صدقة إلا في الحنطة والشعير والنخل
والكرم والزبيب. قال: وعندنا كتاب كتبه النبي وحل لمعاذ، أو قال: نسخه أو
وجدت نسخة هكذا، انتهى.
وهذا يدل على أن المراد بكتاب معاذ في رواية الباب كتاب كتبه النبي وقلّ لمعاذ
في الصدقة، لا كتاب كتبه معاذ في الصدقة، وكيف ما كان الأمر الحديث مرسل
كما قال المؤلف. (أَنَّهُ) أي: معاذًّا. (قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ) أي: النبيِ وَ لَ معاذًّا. (أَنْ
يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ) أي: الزكاة، وهي العشر أو نصفه، ورواه أحمد (ج٥: ص٥٢٨)
والحاكم (ج١: ص ٤٠١) والدار قطني (ص٢٠١) والبيهقي (ج ٤: ص٢٢٨) بلفظ :
عن موسى بن طلحة. قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبي ◌َّلل أنه إنما أخذ
الصدقة ... إلخ.
قال البيهقي: ورواه عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان، وزاد فيه: بعث
الحجاج موسى بن المغيرة على الخضر والسواد، فأراد أن يأخذ من الخضر
الرطاب والبقول. فقال موسى بن طلحة: عندنا كتاب معاذ عن رسول اللَّه ◌َلّ أنه
أمره أن يأخذ ... إلخ.
(مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ) فيه دليل على أنه لا زكاة إلا في هذه
الأربعة، واحتج به من قال بحصر العشر أو نصفه في الحنطة والشعير من الحبوب
والتمر الزبيب من الثمار، وأجاب من لم يقل بذلك: بأن الحديث منقطع، كما
تقدم وسيأتي أيضًا، وبأنه ليس معناه: أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة فقط،
بل الزكاة واجبة فيما ينبته الآدميون إذا كان قوتًا في حال الاختيار، كما قال
الشافعي، أو إذا كان مكيلا مدخرًا، كما ذهب إليه أحمد، أو في جميع ما يقصد
بزراعته نماء الأرض، كما ذهب إليه أبو حنيفة وداود الظاهري، وإنما أمره أن يأخذ
الزكاة من هذه الأربعة؛ لأنه لم يكن ثَمَّ غير هذه الأربعة.
قال الطيبي: هذا إن صح بالنقل فلا كلام وإن فرض أن ثمة شيئًا غير هذه الأربعة
مما تجب الزكاة فيه، فمعناه أنه إنما أمره أن يأخذ الصدقة من المعشرات من هذه

٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأجناس، وغلب الحنطة والشعير على غيرهما من الحبوب؛ لكثرتهما في
الوجود، وإصالتهما في القوت.
واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس وتغرسه، فعند أبي حنيفة تجب
الزكاة في الكل سواء كان قوتًا أو غير قوت، فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب
أيضًا. وقيل: الحصر فيه ليس حصرًا حقيقيًّا، بل هو إضافي بالنسبة إلى
الخضروات ونحوها. لما روى الدار قطني وغيره عن موسى بن طلحة عن معاذ
مرفوعًا: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْبَعْلُ وَالسَّيْلُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ
الْعُشْرِ)). وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ
والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول اللَّه وَله، وفيه إسحاق بن طلحة وهو ضعيف
متروك. وقد تقدم بسط الكلام على هذه المسألة في شرح حديث الأوساق.
(مُرْسَلٌ) أي: منقطع، قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٥: ص٢٢٢): هذا منقطع؛
لأن موسى بن طلحة لم يدرك معاذًا بعقله. وقال الحاكم: موسى بن طلحة تابعي
كبير لم ينكر له أن يدرك أيام معاذ، أي: لا ينكر له لقي معاذ. قال الحافظ: قد منع
ذلك أبو زرعة. وقال ابن عبد البر: لم يلق معاذًا ولا أدركه، انتهى. وقال ابن دقيق
العيد: في الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة
ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة، انتهى. وقال مَيْرَك: فيه شائبة الاتصال
بواسطة الوجادة إن صح أن الكتاب بخط معاذ.
(رَوَاهُ فِي شَرْح السُّنَّةِ) وأخرجه أيضًا أحمد والدار قطني والحاكم والبيهقي، وفي
معناه أحاديث أخرى ذكرناها في شرح حديث الأوساق.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٦٩
١٨١٩ - [١١] وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ فِي زَكَاةٍ
الكُرُومِ: ((إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
زَكَاةُ الَنَّخْلِ تَمْرًا».
الْشَّرْجُ
١٨١٩- قوله: (وَعَنْ عَتَّابٍ) بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره
موحدة. (بْنِ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، ابن أبي العيص بن أمية بن
عبد شمس الأموي المكي صحابي، وكان أمير مكة في عهد النبي وَّل، ومات في
يوم مات أبو بكر الصديق فيما ذكر الواقدي، لكن ذكر الطبراني أنه كان عاملًا على
مكة لعمر سنة إحدى وعشرين كذا في ((التقريب)). وقال ابن عبد البر: استعمله
النبي وقليل﴾ على مكة عام الفتح في خروجه إلى حنین، فحجَّ بالناس سنة ثمان، وحج
المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكة حتى قبض رسول اللَّه وَله، وأقره
أبو بكر، فلم يزل عليها واليًا إلى أن مات، فكانت وفاته فيما ذكر الواقدي يوم مات
أبو بكر الصديق، وكان رجلاً صالحًا فاضلاً، وكان عمره حين استعمل نيفًا
وعشرين سنة له عند أصحاب السنن حديث الخرص، رووه من رواية سعيد بن
المسيب عنه. قال أبو داود وأبو حاتم: لم يسمع سعيد من عتاب. وقال ابن قانع:
لم يدركه. وقال المنذري: إنقطاعه ظاهر؛ لأن مولد سعيد في خلافة عمر لسنتين
مضتا من خلافة عمر، ومات عتاب يوم مات أبو بكر. قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): في ترجمة سعيد بن المسيب، بعد ذكر اختلاف أحمد ومالك وأبي
حاتم في سماع سعيد من عمر ما لفظه: وقال ابن سعد عن الواقدي: لم أر أهل
العلم یصححون سماعه من عمر، وإن كانوا قد رووه.
قلتُ: قد وقع لي حديث بإسناد صحيح لا مطعن فيه وهو تصريح بسماعه من
عمر، فذكره ثم قال: وأما حديثه عن بلال وعتاب بن أسيد، فظاهر الانقطاع
بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده، والله أعلمُ. وقال في ترجمة عتاب: روى الطيالسي
(١٨١٩) أَبُو دَاوُد (١٦٠٢)، والترمذي (٦٤٤)، والنَّسَائِي (١٠٩/٥)، وابن ماجه (١٨١٩) عَنْهُ فِيهَا.

٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والبخاري في ((تاريخه)) (ج ٤: ص٥٤) من طريق أيوب عن عبد الله بن يسار عن
عمرو بن يعقوب، سمعت عتابًا ... فذكر حديثًا وإسناده حسن، ومقتضاه: أن عتابًا
تأخرت وفاته عما قال الواقدي؛ لأن عمرو بن عقرب ذكره البخاري في التابعين
وقال: سمع عتابًا، ويؤيد ذلك أن الطبري ذکر عتابًا فيمن لا يعرف تاريخ وفاته،
وقال في ((تاريخه)): إنه كان والي عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك في سني عمر،
ثم ذكره في سنة (٢٢) ثم قال في مقتل عمر سنة (٢٣): قتل وعامله على مكة نافع
ابن عبد الحارث، انتهى. فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (٢٢) أو
أوائل سنة (٢٣) فعلى هذا فيصح سماع سعيد بن المسيب منه، انتهى.
(قَالَ فِي زَكَاةِ الْكُرُوم) أي: في كيفية زكاتها وهي بضمتين، جمع الكَرْم بفتح
الكاف وسكون الراء وهَو شجر العنب. قال ابنُ حجر: ولا ينافي تسمية العنب
كرمًا خبر الشيخين: ((لَا تُسَمُّوا العِنَبَ كَرْمًا، فَإِنَّ الكَرْمَ هُوَ المُسْلِمُ)). وفي رواية :
(فَإِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنُ)) لأنه نَهْيُ تنزيه على أن تلك التسمية من لفظ الراوي لم
يبلغه النهي أو خاطب به من لا يعرفه إلا به، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام عليه في
باب الأسامي في شرح حديث النهي المذكور. (إِنَّهَا تُخْرَصُ) على بناء المجهول
من باب ضرب ونصر أي: تحزر، بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة، من
خرص الكرمة والنخلة يخرصها خرصًا بفتح المعجمة وسكون الراء إذا قدر ما
عليها من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيًا.
قال السندي: الخرص هو تقدير ما على النخل من الرطب تمرًا، وما على
الكروم من العنب زبيبًا؛ ليعرف مقدار عشره ثم يخلي بينه وبين مالكه، ويؤخذ
ذلك المقدار وقت قطع الثمار، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم: إن تفسيره:
إن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما فيه الزكاة بعث السلطان خارصًا ينظر،
فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، أو كذا وكذا تمرًا، فيحصيه وينظر مبلغ
العشر من ذلك، فيثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ
منهم العشر، انتهى.
وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها،
وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأن في منعهم تضييقًا لا يخفى.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٧١
قال الأمير اليماني: فائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب
عليه البينة في دعوى النقص بعد الخرص وضبط حق الفقراء على المالك، ومطالبة
المصدق بقدر ما خرصه وانتفاع المالك بالأكل ونحوه. وقال الخطابي: فائدة
الخرص ومعناه: أن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر، فلو منع أرباب
الأموال من حقوقهم ومن الانتفاع بها إلى أن تبلغ الثمرة غاية جفافها لأ ضرَّر ذلك
بهم، ولو انبسطت أيديهم فيها لأخَلَّ ذلك بحصة الفقراء منها؛ إذ ليس مع كل أحد
من التقية ما تقع به الوثيقة في أداء الأمانة، فوضعت الشريعة هذا العيار ليتوصل به
أرباب الأموال إلى الانتفاع ويحفظ على المساكين حقوقهم، وإنما يفعل ذلك عند
أول وقت بُدُوِّ صلاحها، قبل أن يؤكل ويستهلك ليعلم حصة الصدقة منها فيخرج
بعد الجفاف بقدرها تمرًا وزبيبًا، انتهى.
(كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّی زَکَاتُهُ)، أي: المخروص. (زَبِيبًا) هو اليابس من
العنب، يعني: إذا ظهر في العنب وثمر النخل حلاوة يخرص على المالك ويقدر
الخارص إن هذا العنب إذا صار زبيبًا كم يكون. وكذلك الرطب إذا صار تمرًا كم
يكون، ثم ينظر، فإن كان نصابًا يجب عليه زكاته وإن لم يكن نصابًا لم يجب عليه .
(كَمَا تُؤَدَّی زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) قال الخطابي: إنما يخرص من الثمر ما يحيط به البصر
بارزًا لا يحول دونه حائل، ولا يخفى موضعه في خلال ورق الشجر والعنب في هذا
المعنى كثمر النخل. فأما سائر الثمار فإنها لا تجري فيها الخرص لأن هذا المعنى
فیها معدوم، انتھی.
وقيل: إن حكمة جعل النخل فيه أصلًا مقيسًا عليه، إن خيبر فتحت أول سنة سبع
وبها نخل، وقد بعث إليهم النبي ◌َّل عبد الله بن رواحة، فخرصها فلما فتح
الطائف وبها العنب الكثير أمر بخرصه كخرص النخل المعروف عندهم، ذكره
صاحب ((البيان)) وهو الأحسن. أو إن النخل كانت عندهم أكثر وأشهر كذا في
((المرقاة)) .
والحديث: دليل على مشروعية الخرص في العنب والنخل، وإليه ذهب أكثر
أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة، ومروان والقاسم بن
محمد وعطاء والزهري، وعمرو بن دينار ومالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد

٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأبو ثور. ثم اختلفوا هل هو واجب أو مستحب أو جائز؟ فقال الشافعي في أحد
قوليه بوجوبه مستدلا بما في حديث عتاب بن أسيد عند أبي داود والنسائي
وغيرهما، من أن النبي وَلّ أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل ... إلخ.
قال الأمير اليماني: قول الراوي: أَمَرَ؛ يفهم منه أنه أتى ◌َّ بصيغة تفيد الأمر
والأصل فيه الوجوب. وقال الجمهور: هو مستحب. وهي رواية عن الشافعي، إلا
أن تعلق به حق لمحجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال
الغير، وروي عن الشافعي أيضًا أنه جائز فقط. قال العيني: وقال الشعبي والثوري
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبي: الخرص بدعة.
وقال الثوري: خرص الثمار لا يجوز. وقال ابن رشد: قال أبو حنيفة وصاحباه:
الخرص باطل وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده زاد على الخرص أو
نقص منه. وقال في ((المسوى)): قالت الحنفية: الخرص ليس بشيء، وأوَّلوا ما
روي من ذلك بأنه كان تخويفًا للأکرة لئلا يخونوا، فأما أن یکون به حکم فلا،
انتھی.
قال صاحب ((العرف الشذي)): اعتبر الخرص الحنفية أيضًا، إلا أنهم لم يجعلوه
حجة ملزمة وأمرًا فاصلاًا، فإن وقع الاختلاف بين الخارص والمالك لا يقضى عليه
بقول الخارص فقط، ومن سوء بعض عبارات أصحابنا نسب إلينا عدم اعتباره مطلقًا
وليس بصواب؛ فإن الأحاديث قد وردت به صراحة، انتهى.
وقال صاحب ((الكوكب الدري)): الخرص بالمعنى الذي بينه الترمذي جوزه
الإمام أبو حنيفة في العشر والخراج، انتهى، وهذا كما ترى مخالف لما نسبه شراح
الحديث وغيرهم إلى الحنفية من أنهم أنكروا الخرص مطلقًا. وقالوا ببطلانه
وكراهته، ووجه بعضهم هذا الاختلاف بأن محمل قول من حكى عن الحنفية بأن
الخرص باطل، أو ليس بشيء هو إلزام مقدار معين من العشر بذلك الخرص؛ فإنه
باطل؛ لأنه تخمين وليس بحجة ملزمة، ومن حكى الكراهة أراد كراهة أخذ التمر
بدل الرطب بالخرص، فإنه من البيوع المنهية في الأحاديث. ومن حكى الجواز
والاعتبار أراد جواز الخرص لمجرد التخمين والطمأنينة بغلبة الظن لتخويف
الأكرة، ولئلا يتجاسروا على إضاعة العشر والخراج، انتهى.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٧٣
قلت: اعتلال الحنفية عن أحاديث الخرص بما روي من النهي عن الخرص،
وبأنه من المزابنة المنهي عنها وبأن جوازه منسوخ بنسخ الربا، وبأنه كان قبل
تحريم القمار، وبأنه تخمين وغرور - صريح في أن مذهب الحنفية هو عدم جواز
الخرص وعدم اعتباره مطلقًا، وهذا مستلزم للقول ببطلانه وإنه ليس بشيء. وأما ما
نسب إليهم صاحب ((العرف الشذي)) وغيره من القول بجوازه فلا أثر له في شيء من
كتب فروعهم، والظاهر أن هؤلاء لما رأو قول الكراهة والبطلان مخالفًا للسنة
الثابتة الصريحة، ذهبوا إلى جوازه واعتباره ثم نسبوه إلى الحنفية وجعلوه مذهبًا
لهم، فرارًا من إلزام مخالفة السنة ومنابذته.
قلتُ: واستدل الجهور لمشروعية الخرص بأحاديث منها: حديث عتاب، وهو
حديث حسن كما ستعرف، ومنها: حديث أبي حميد الساعدي الطويل عند
الشيخين في خرصه ◌َّل على امرأة بوادي القرى حديقة لها. ومنها: حديث عائشة
الآتي، قال الماوردي: الدليل على جواز الخرص ورود السنة قولاً وفعلا وامتثالًا،
أما القول فحديث عتاب، وأما الفعل فحديث البخاري - يعني: حديث أبي حميد
الساعدي الذي أشرنا إليه - وأما الامتثال فما روي أن رسول اللَّه ◌َلَةٍ كان له
خَرَّاصُونَ، يعني: حديث عائشة وما في معناه.
ومنها: حديث ابن عمر في ((صحيح ابن حبان))، أن رسول اللَّه ◌َل غلب أهل
خيبر على الأرض والزرع والنخل فصالحوه، وفيه: فكان ابن رواحة يأتيهم
فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، ذكره العيني. قلتُ: ولا بن عمر حديث آخر
عند أحمد أن النبي ◌َّر بعث ابن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم، ثم خيرهم أن
يأخذوا أو يردوا إلخ. وفيه العمري وفيه كلام.
ومنها: حديث جابر في المصنفٍ. قال العيني: بسند صحيح، قال: خرصها
عليهم ابن رواحة يعني: خيبر أربعين ألف وسق، وله حديث آخر بمعناه عند
الدار قطني (ص٢١٧) والبيهقي (ج ٤: ص١٢٣).
ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة أن النبي ◌ُّ حين افتتح خيبر
... الحديث. وفيه: فلما كان حين يصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحزر
النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة: الخرص.

٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: حديث الصلت بن زبيد عن أبيه عن جده عند البيهقي (ج٤: ص١٢٣ ،
١٢٤) وأبي نعيم وابن منده في الصحابة وفيه محمد بن مغيث. قال العلائي: لا
أعرفه. وقال البيهقي: هذا إسناد مجهول. ومنها: حديث جابر عند ابن عبد البر
مرفوعًا: ((خففوا في الخرص ... )) الحديث. وفيه ابن لهيعة. ومنها: حديث
سهل بن أبي حثمة الآتي، وهو حديث صحيح وله حديث آخر عند الدار قطني
(ص٢١٧، ٢١٨) والطبراني، وفيه: محمد بن صدقة وهو ضعيف.
ومنها: حديث عمر عند البيهقي وغيره في أمره بالخرص، وأجاب الحنفية عن
هذه الأحاديث بوجوه. الأول: الكلام في أسانيدها. قال ابنُ العربي: ليس في
الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعدي عند الشيخين، ويليه ما
روي في خرص ابن رواحة على أهل خيبر، وتعقب: بأن حديث عتاب حسن
وحديث سهل صحيح كما ستعرف، قالوا: والجواب عن حديث أبي حميد أنه وَالهند
أراد بذلك الخرص معرفة مقدار ما في نخل تلك المرأة خاصة، ثم يأخذ منها
الزكاة وقت الصرام على حسب ما تجب فيها، وأيضًا فقد خرص حديقتها وأمرها
أن تحصي، وليس فيه أنه جعل زكاتها في ذمتها وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف
شاءت. وفيه: أن الظاهر أنه وَلّ خرص عليها حديقتها، وأمرها أن تحصى كيلها؛
ليأخذ منها الزكاة حسب خرصه؛ ولتنتفع هي بالتناول كيف شاءت، فتكون الزكاة
في ذمتها .
قالوا: والجواب عن الخرص على أهل خيبر: إنه لم يكن للزكاة؛ إذ كانوا
ليسوا بأهل زكاة، فكان تخمينًا؛ ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار، فيؤخذ مثله
بقدره في وقت الصرام لا أنهم يملكون منه شيئًا مما یجب لله فیه ببدل لا يزول ذلك
البدل. ويرده ما في حديث ابن عمر عند ابن حبان أن ابن رواحة كان يضمن أهل
خيبر الشطر، وما في عامة الروايات من تخيير إياهم، فإنه يدل على أنهم لو دفعوها
إلى المسلمين، كان يجب عليهم أن يضمنوا الشطر ويتصرفوا فيها كيف شاؤوا. ثم
يعطوا اليهود حقهم بحسب خرص ابن رواحة، ويؤدوا ما يجب عليهم من الزكاة
إلى بيت المال بحسب ذلك الخرص، فكان هذا الخرص في الظاهر لأخذ الحق
على اليهود، وفي الحقيقة عليهم وعلى المسلمين جميعًا.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزّكاةُ
٣٧٥
الثاني: الكلام في معناها وهو أن الخرص لم يكن على وجه تضمين رب المال
بقدر الصدقة، لأنه غير جائز؛ لكونه من باب بيع الرطب بالتمر، وإنما وجهه أنهم
فعلوا ذلك؛ تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم؛ لأنه تخمين
وغرور.
الثالث: إنه منسوخ بنسخ الربا. قال الخطابي: قال بعض أصحاب الرأي: إنما
كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه في ((المعالم)) (ج٢: ص ٤٤) بأن
تحريم الربا والقمار والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي وَل حتى
مات، ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا عن التابعين
خلاف فيه إلا عن الشعبي، انتهى.
وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): المثال التاسع والعشرون، رد السنة
الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بَدَا
صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى:
﴿إِنََّا الْخَفُرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] قالوا:
والخرص من باب القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار، وهذا من
أبطل الباطل؛ فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع
والربا والميتة والمذكى، وقد نزه اللَّه رسوله وأصحابة عن تعاطي القمار وعن
شرعه وإدخاله في الدين، ويا لله العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر
ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين؟ ثم انقضى عصر الصحابة وعصر
التابعين على القمار، ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة؟!
هذا واللَّه الباطل حقًّا، واللّه الموفق انتهى كلام ابن القيم. قال العيني: قول
الخطابي: تحريم الربا والميسر متقدم، يحتاج إلى معرفة التاريخ، وعندنا ما يدل
على صحة النسخ، وهو ما رواه الطحاوي من حديث جابر، أن رسول اللّه وَلل نهى
عن الخرص، وقال: ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ هَلَكَ الثَّمْرُ، أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ
بِالْبَاطِلِ؟)) والحظر بعد الإباحة علامة النسخ انتهى كلام العيني.
قلتُ: تقدم تحريم الربا والميسر واضح جدًّا ظاهر معلوم لكل من له فهم وعقل
صحيح؛ فإن الخرص قد عمل به رسول اللَّه ◌َ ليل طول عمره، وعمل به أبو بكر

٣٧٦
er ***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعمر في زمانهما، ولو كان الخرص قمارًا أو ربًا أو كان ذلك قبل تحريم القمار
والربا لما خفي عليهم ذلك ولم يعملوا به قط، وعملهم بالخرص طول أعمارهم
دليل على أن الخرص ليس بقمار ولا ربًا، وأما حديث جابر فالمراد بالخرص فيه
الخرص في المزارعة والمساقاة والبيع لا في الصدقة والعرايا. قال الخطابي: وأما
قول أصحاب الرأي: إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة
مقدار الثمار وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير كما يعلم ذلك
بالمكاييل والموازين، وإن كان بعضها أحصر من بعض؛ وإنما هذا كإباحته الحكم
بالاجتهاد عند عدم النص مع كونه معرضًا للخطأ، وفي معناه تقويم المتلفات من
طريق الاجتهاد، وباب الحكم بالظاهر باب واسع لا ينكره عالم، انتهى.
الرابع: إنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل
بالتمر كيلًا، وهو أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من
التفاضل، ومن النسيئة وكلاهما من أصول الربا. وأجيب عن هذا: بأن الخرص
مستثنى من تلك الأصول كالعرايا بل هو أصل مستقل بنفسه يدل على ذلك ورود
السنة به قولًا وعملًا، وتعامل المسلمين من عهد النبي وَ لّل إلى زمن الخلفاء
الراشدين ومن بعدهم.
الخامس: إنه كيف يجوز ذلك وقد يجوز أن يحصل للثمرة آفة تتلفها، فيكون ما
يؤخذ من صاحبها مأخوذًا، بدلًا مما لا يسلم له، اعتل به الطحاوي. وأجيب: بأن
القائلين بالخرص لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن
المنذر: أجمع مَن يُحْفَظ عنه العلمُ: إن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ
فلا ضمان بخلاف ما إذا أتلفه المالك، فإنه يضمن نصيب الفقراء، أي: تؤخذ منه
الزكاة بحساب ما خرص، والفرق بين الإتلاف والتلف مما لا ينكره عالم.
السادس: إن الخرص كان خاصًّا بالنبي وَّ؛ لأنه كان يوفق من الصواب ما لا
يوافق له غيره، ذكره أبو عبيد (ص ٤٩٢) ثم تعقبه (ص ٤٩٣) بأنه لا يلزم من كون
غيره لا يسدد لما كان يسدد له سواء أن يثبت بذلك الخصوصية، وإن كان المرء لا
يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه كتسديد الأنبياء، لَسَقَطَ الاتِّبَاعُ، قال
الحافظ: وترد هذه الحجة أيضًا بإرسال النبي وَّ الخراص في زمانه، والله أعلم،
انتھی .

كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يجبْ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٧٧
<<<**<<<<<<**<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<**<<<<<< <<<**
قال الماوردي: واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا: ((نهى عن الخرص)).
وبما رواه جابر بن سمرة: أن رسول اللّه نهى عن بيع كل ثمرة بخرص، وبأنه
تخمين، وقد يخطئ وبأنه تضمين رب المال بقدر الصدقة، وذلك غير جائز؛ لأنه
بيع رطب بتمر وأنه بيع حاضر بغائب.
وأجيب عن الحديثين: بأن المراد من الخرص فيهما الخرص في المزارعة
والمساقاة لا في الصدقة كما تقدم. وأما القول بأنه تخمين وقد يخطئ، وبأنه بيع
رطب بتمر ... إلخ، فقد تقدم جوابه أيضًا فتذكر.
واعلم أنه اختلف القائلون بالخرص: هل يختص أو يلحق به العنب أو يعم كل
ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟ وبالأول: قال شريح القاضي وبعض الظاهرية. قال ابن
رشد: لأنه لم يصح عندهم حديث عتاب. والثاني: قول الجمهور. وإلى الثالث:
نحا البخاري.
وهل يمضي قول الخارص أو يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول: قول
مالك وطائفة. والثاني: قول الشافعي، ومن تبعه.
وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أو لابد من اثنين؟ وهما قولان الشافعي
والجمهور على الأول. واختلف أيضًا، هل هو اعتبار أو تضمين؟ وهما قولان
للشافعي: أظهرهما الثاني. وفائدته: جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو اتلف
المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص، كذا في ((الفتح)).
واختلفوا أيضًا، هل يحاسب أصحاب النخيل والثمار بما أكلوا قبل الجذاذ أم
لا؟ وكذلك اختلفوا هل يؤخذ قدر العرايا والضيف وما في معناه أم لا؟ وسيأتي
بيانه في شرح حديث سهل، واختلفوا أيضًا إذا غلط الخارص، قال ابن قدامة (ج٢
ص٧٠٦ - ٧١٠): وينبغي أن يبعث الإمام ساعِيهِ إذا بدا صلاح الثمار؛ ليخرصهما
ويقدر الزكاة، ويعرف المالك ذلك، قال: ويجزئ خارص واحد؛ لأن النبي وَّ
كان يبعث ابن رواحة فيخرص ولم يذكر معه غيره؛ ولأن الخارص يفعل ما يؤديه
اجتهاده إليه فهو كالحاكم، ويعتبر في الخارص أن يكون أمينًا غير متهم؛ لأن
الفاسق لا يقبل خبره، وصفة الخرص، أن يطيف بكل نخلة أو شجرة وينظر كم في
الجميع رطبًا أو عنبًا، ثم يقدر ما يجيء منها تمرًا، فإذا خرص على المالك وعرفه

٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قدر الزكاة خيره بين أن يضمن قدر الزكاة ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره،
وبين حفظها إلى وقت الجذاذ والجفاف، فإن اختار حفظها ثم أتلفها أو تلفت
بتفريطه فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص، وإن تلفت بجائحة من السماء سقط
عنهم الخرص، وإن ادعى تلفها بغير تفريطه؛ فالقول قوله بغير يمين.
وقال الأمير اليماني: إذا ادعي المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة البينة
عليه وجب إقامتها وإلا صدق بيمينه، وإن حفظها إلى وقت الإخراج، فعليه زكاة
الموجود لا غير، سواء اختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة، وسواء كانت
أكثر مما خرصه الخارص أو أقل، وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يلزمه ما قال
الخارص زاد أو نقص إذا كانت الزكاة متقاربة؛ لأن الحكم انتقل إلى ما قال
الساعي بدليل وجوب ما قال عند تلف المال، ولنا أن الزكاة أمانة، فلا تصير
مضمونة بالشرط كالوديعة، ولا نسلم أن الحكم انتقل إلى ما قاله الساعي، وإنما
يعمل بقوله إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها؛ لأن الظاهر إصابته، وإن أدعى
رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملًا قُبِلَ قوله بغير يمين، وإن لم يكن
محتملًا، مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه لم يقبل قوله؛ لأنه لا يحتمل فيعلم
كذبه، وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا قُبِلَ منه بغير يمين؛ لأنه قد يتلف
بعضها بآفة لا نعلمها. وفيه ما قيل: إن هذا ما يليق بحال المؤمنين الصادقين، وقد
قل عددهم في أكثر الأمصار، فلو قبل السلطان قولهم لكذب أكثرهم، ويخرص
النخل والکرم لما روینا من الأثر فیھما ولم يسمع بالخرص في غيرهما فلا يخرص
الزرع في سنبله، وبهذا قال عطاء والزهري ومالك؛ لأن الشرع لم يرد بالخرص
فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل رطبًا
فيخرص على أهله للتوسعة عليهم؛ ليخلي بينهم وبين أكل الثمرة والتصرف فيها،
ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص؛ ولأن ثمرة النخل والكرم ظاهرة مجتمعه،
فخرصها أسهل من خرص غيرهما، وما عداهما فلا يخرص. وإنما على أهله فيه
الأمانة إذا صار مصفى يابسًا، ولا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله، ولا
يحتسب عليهم، انتهى كلام ابن قدامة مختصرًا ملتقطًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا الدار قطني
(ص٢١٧) ولفظ أبي داود: أمر رسول اللَّه وَل أن يخرص العنب كما يخرص

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٧٩
النخل وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا. وأخرجه بهذا اللفظ
النسائي والدار قطني وابن حبان أيضًا، وفي رواية للترمذي وابن ماجه والدار قطني
والبيهقي: أن النبي ◌َّ- كان يبعث على الناس من يخرص كرومهم وثمارهم،
ومدار الحديث على سعيد بن المسيب عن عتاب، وقد تقدم قول أبي داود وأبي
حاتم: إن سعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب، وابن قانع: أنه لم يدركه،
والمنذري: إن انقطاعه ظاهر، وقال الحافظ في بلوغ المرام: فيه انقطاع. وقال ابن
السكن: لم يُرْوَ عن رسول اللّه ◌َ ل من وجه غير هذا. وقد رواه الدار قطني بسند فيه
الواقدي. فقال: عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب.
وقال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب، أن النبي وَ لّ أمر عتابًا
... مرسل. وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، انتهى.
قلت: اختلف أصحاب الزهري علیه، فرواه الواقدي عن محمد بن عبد الله بن
مسلم وعبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد، عن المسور بن
مخرمة، عن عتاب، وهذا عند الدار قطني. ورواه محمد بن صالح التمار عن
الزهري عن سعيد عن عتاب، وهو عند الترمذي وابن ماجه والدار قطني والبيهقي .
وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند أبي داود والدار قطني والبيهقي،
وروى عبد الرحمن بن إسحاق أيضًا عن الزهري عن سعيد، أن رسول اللّه وَ ل أمر
عتابًا ... مرسل، وهذا عند النسائي والبيهقي، ولم يظهر لي وجه كون المرسل
صحيحًا والموصول خطأ، والحديث قد حسنه الترمذي. وسماع سعيد بن المسيب
من عتاب ممكن على ما حققه الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) و((الإصابة))، وقد
سبق كلامه، فالظاهر أن هذا الحديث موصول حسن، والله تعالى أعلم.
وقال النووي: وهو وإن كان مرسلًا فهو يعتضد بقول الأئمة، ثم رأيت الزرقاني
قال في ((شرح الموطأ)): ودعوى الإرسال بمعنى الانقطاع مبني على قول الواقدي:
أن عتابًا مات يوم مات أبو بكر الصديق، لكن ذكر ابن جرير الطبري أنه كان عاملًا
لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر
على الأصحِّ، فسماعه من عتاب ممكن فلا انقطاع، وأما عبد الرحمن بن إسحاق
فصدوق احتج به مسلم وأصحاب السنن، انتهى.