النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن الأثير الجزري في ((النهاية)): الركاز عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية
المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق: المعادن والقولان تحتملها اللغة؛ لأن
كلَّا منهما مركوز في الأرض أي: ثابت، يقال: ركزه یر کزه ركزًا؛ إذا دفنه، وأركز
الرجل؛ إذا وجد الركاز. والحديث: إنما جاء في التفسير الأول، وهو الكنز
الجاهلي، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه.
وقال في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٤٨١): الركاز عند أهل الحجاز كنز الجاهلية
ودفنها؛ لأن صاحبه ركزه في الأرض، أي: أثبته وهو عند أهل العراق المعدن؛
لأن اللَّه ركزه في الأرض ركزًا. والحديث إنما جاء في التفسير الأول منهما وهو
الكنز الجاهلي على ما فسره الحسن، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة
أخذه، والأصل فيه أن ما خفت كلفته؛ كثر الواجب فيه، وما ثقلت كلفته؛ قل
الواجب فیه. انتھی.
وقيل: إنما جعل الركاز الخمس؛ لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم
فكان له أربعة أخماسه. وقال الزين بن المنير: كأن الركاز مأخوذ من أركزته في
الأرض؛ إذا غرزته فيها، وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع هذه
حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما، فكذلك في حكمهما. كذا في ((الفتح)).
واحتج الحنفية بما روى ابن عبد البر في ((التمهيد)) والحاكم (ج٢ ص٦٥)
والبيهقي (ج٤ ص١٥٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي وَّ، قال
في كنز وجده في خربة جاهلية: ((إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، أَوْ سَبِيلِ مَيْتَاءٍ فَعَرِّنْهُ،
وَإِنْ وَجَدَتْهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلَيَّةٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاَزِ الْخُمُسُ))،
وروى أبو عبيد عنه بلفظ: إن المزني قال: يا رسول الله فما يوجد في الخرب
العادي؟ قال: ((فِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)).
قال التوربشتي: أخبر النبي ◌َّل﴿ هذا عن المال المدفون، ثم عطف عليه الركاز
والمعطوف غير المعطوف عليه، وقال أبو عبيد: تبين لنا أن الركاز سوى المال
المدفون؛ لقوله: ((فِيهِ وَفِي الرِّكَازِ))، فجعل الركاز غير المال المدفون، فعلم بهذا
أنه المعدن، وقال الكاساني: عطف النبي ◌َّ الركاز على الكنز، والشيء لا يعطف
على نفسه هو الأصل، فدلّ على أن المراد منه المعدن، وأجيب عن هذا بأنه ورد

كِتَابَ الزّكاةِ
<- > *
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٤١
فيما وجد من أموال الجاهلية ظاهرًا فوق الأرض في الطريق غير الميتاء وفي القرية
الغير المسكونة، فيكون فيه وفي الركاز الخمس، وليس ذلك من المعدن بسبيل.
وتعقّبه ابن التركماني: بأن الرواية المذكورة أولًا تدفع هذا الجواب؛ لأن الكنز
على ما ذكره أهل اللغة الجوهري وغيره، هو المال المدفون، وعطف الركاز على
الكنز دليل على أن الركاز غير الكنز وأنه المعدن، كما يقوله أهل العراق. ورد ذلك
بأن الكنز هو المال المجموع بعضه على بعض، سواء كان على ظهر الأرض أو
بطنها. قال الراغب: الكنز: هو جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من
كنزت التمر في الوعاء. وقال ابنُ جريرٍ: هو كل شيء جمع بعضه على بعض في
بطن الأرض أو ظهرها. انتهى.
وعلى هذا يصح حمل الحديث المذكور على ما وجد من مال الجاهلية ظاهرًا
فوق الأرض، واحتجَّ الحنفية أيضًا بما روى البيهقي وغيره عن أبي هريرة قال: قال
رسول اللَّهُ وَّر ((فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ)). قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال:
((الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ)).
وأجيب عنه: بأنه تفرد به عبد الله بن سعيد ضَعِيف جِدًّا، بل رماه بعضهم
بالكذب، واحتجوا أيضًا بتسمية المعدن بالركاز. قال الهروي في كتابه ((الغريب)):
الركاز: القطع العظام من الذهب والفضة كالجلاميد، واحده ركزة وقد أركز
المعدن أنال. انتهى.
وقال في ((القاموس)): أركز الرَّجُلِ، وجد الركاز والمعدن؛ صار فيه ركاز. وقال
الإمام محمد بن الحسن في كتاب ((الحجج)): إنما الركاز ما وجد في المعادن،
وإنما قال: المدفون جعل نظيرًا لمال يستخرج من المعدن، هذا أمر لم يكن أرى
أن أهل المدينة يخالفونه من كلام العرب، إنما يقال: أركز المعدن، يعنون: أنه
استخرج منه مال كثير. انتهى.
وقال التوربشتي في ((شرح المصابيح)): قد نقل عن محمد بن الحسن الشيباني
وهو مع رسوخه في الفقه يعد من علماء العربية، أنه قال: إن العرب تقول: أركز
المعدن؛ إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة. انتهى. وأجيب عنه: بأنه لا يلزم من
الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحكم والمعنى؛ وإلا لوجب على من ربح ربحًا

٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كثيرًا الخمس في ربحه؛ لأنه يقال له: أركز، ولم يقل به أحد. قال الإمام البخاري
في (صحيحه)): وقال بعض الناس: المعدن ركاز، مثل دفن الجاهلية؛ لأنه يقال:
أركز المعدن إذا أخرج منه شيء، قيل له: فقد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح
ربحًا كثيرًا أو كثرة ثمره: أركزت. انتهى.
قال ابن بطال: ما ألزم به البخاري القائل المذكور حجة بالغة؛ لأنه لا يلزم من
الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى، إلا إن أوجب ذلك من يجب التسليم
له، وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا یجب فیه الخمس، وإن کان یقال له:
أركز فكذلك المعدن. انتهى، وارجع للتفصيل إلى ((رفع الالتباس عن بعض
الناس)).
والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن الركاز إنما هو كنز
الجاهلية الموضوع في الأرض، وإنه لا يعم المعدن بل هو غيره والله تعالى أعلم.
(الْخُمُسُ) فيه دليل على وجوب الخمس في الركاز، وهو إجماع العلماء إلا ما
حكى عن الحسن البصري. قال ابن قدامة (ج٢ ص ١٧ - ١٨): الأصل في صدقة
الركاز ما روى أبو هريرة مرفوعًا: ((الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)) متفق
عليه. وهو أيضًا مجمع عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف هذا الحديث إلا
الحسن، فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب، فقال: فيما يوجد
في أرض الحرب الخمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة. انتهى.
ثم هاهنا مسائل لا بد للطالب من الوقوف عليها، فلنذكرها مختصرًا والبسط في
((المنتقى)) للباجي، وغيره من كتب الفروع وشروح الحديث.
الأولى: وأنه لا فرق بين قليل الركاز وكثيره عند الجمهور، خلافًا للشافعي في
قوله الجديد: إنه لا يجب الخمس حتى يبلغ النصاب. قال البخاري في
((صحيحه)): قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره
الخمس. قال الحافظ: قوله: ((في قليله وكثيره الخمس))، نقله ابن المنذر عن
مالك كذلك، وفيه عند أصحابه عنه اختلاف وهو قول الشافعي في القديم، كما
نقله ابن المنذر واختاره. وأما في الجديد فقال: لا يجب الخمس حتى يبلغ نصاب

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكَاةُ
٣٤٣
الزكاة، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر أيضًا، وهو مقتضى ظاهر
الحدیث. انتھی.
وقال ابنُ قدامة (ج٣ ص٢١): الخمس يجب في قليله وكثيره في قول إمامنا
ومالك وإسحاق أصحاب الرأي والشافعي في القديم. وقال في الجديد: يعتبر
النصاب فيه؛ لأنه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب
کالمعدن والزرع، ولنا عموم الحدیث؛ ولأنه مال مخموس، فلا یعتبر له نصاب
كالغنيمة؛ ولأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فأشبه الغنيمة والمعدن والزرع
يحتاجان إلى عمل ونوائب، فاعتبر فيه النصاب؛ تخفيفًا بخلاف الركاز؛ ولأن
الواجب فيهما مواساة فاعتبر النصاب ليبلغ حدًّا يحتمل المواساة منه بخلاف
مسألتنا. انتهى.
الثانية: قال الحافظ: اتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج
الخمس في الحال، وأغرب ابن العربي في ((شرح الترمذي)) فحكى عن الشافعي
الاشتراط ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه.
الثالثة: قال ابن قدامة (ج٣ ص ٢٠): الركاز الذي فيه الخمس، هو كل ما كان
مالًا على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر
والنحاس وغير ذلك، وهو قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي
وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر لا تجب إلا في
الأثمان. ولنا عموم قوله غليَّ: ((وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)) ولأنه مال مظهور عليه من
مال الكفار، فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه کالغنيمة. انتهى.
قلت: المشهور عند المالكية هو العموم، والمذهب عند الشافعية خصوصه
بالنقدين، وظاهر الحديث العموم، فالراجح هو قول الجمهور.
الرابعة: قال الحافظ: اختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور:
مصرفه مصرف خمس الفيء وهو اختيار المزني. وقال الشافعي في أصح قوليه:
مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان. وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي، فعند
الجمهور يخرج منه الخمس، وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء. انتهى. وقال ابن
قدامة (ج٣ ص١٢١): اختلفت الرواية عن أحمد في مصر فه مع ما فيه من اختلاف

٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أهل العلم. فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات ونص عليه أحمد في رواية حنبل
فقال: يعطي الخمس من الركاز على مكانه، وإن تصدق على المساكين؛ أجزأه،
وهذا هو قول الشافعي؛ لأن علي بن أبي طالب أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على
المساكين، حكاه الإمام أحمد. والرواية الثانية مصرفه مصرف الفيء نقله محمد
ابن الحكم عن أحمد. وهذه الرواية أصح وأقيس على مذهبه، وبه قال أبو حنيفة
والمزني؛ لما روى أبو عبيد (ص٣٤٢) عن هشيم عن مجالد عن الشعبي، أن رجلًا
وجد ألف دينار، مدفونة خارجًا من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منه
الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجلٍ بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من
حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال عمر: أين صاحب الدنانير؟
فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك، ولو كانت زكاة لخص بها أهلها
ولم يرده على واجده؛ ولأنه يجب على الذمي والزكاة لا تجب عليه؛ ولأنه مال
مخموس زالت عنه يد الكافر أشبه خمس الغنيمة. انتهى.
الخامسة: اختلفوا فيمن يجب عليه الخمس، وفي الأربعة الأخماس باعتبار
اختلاف الواجد من كونه حرًّا أو عبدًا أو مكاتبًا، قال ابن قدامة (ج٣ ص٢٢):
يجب الخمس على كل من وجده من مسلم وذمي وحر وعبد ومكاتب وكبير
وصغير وعاقل ومجنون، إلا أن الواجد له إذا كان عبدًا، فهو لسيده؛ لأنه كسب
مال، وإن كان مكاتبًا ملكه وعليه خمسه؛ لأنه بمنزلة كسبه، وإن كان صبيًّا أو
مجنونًا فهو لهما، ويخرج عنهما وليهما، وهذا قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على الذميِّ في
الركاز يجده الخمس، قاله مالك وأهل المدينة والثوري والأوزاعي وأهل العراق
وأصحاب الرأي وغيرهم. وقال الشافعي: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه
الزكاة؛ لأنه زكاة، وقال الثوري والأوزاعي وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا
يرضخ له منه ولا يعطاه كله، ولنا عموم قوله عليه السلام: ((وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ))،
فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد. ومفهومه: أن باقية
لواجده من كان؛ ولأنه مال كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده
وباقيه لواجده کالغنيمة، ولأنه اكتساب مال، فكان لمکتسبه إن کان حرًّا أو لسيده
إن كان عبدًا كالاحتشاش والاصطياد. انتهى.

كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ مَا يجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٤٥
*****<<<<<<< > <<< <<<<<<<<<<<<*<<<<<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<< <<<<<<< > <<<<*
السادسة: يعرف كون الركاز من دفن الجاهلية بأن ترى عليه علامتهم كأسماء
ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم، ونحو ذلك، واستشكله الرافعي
وغيره بأنه لا يلزم من رؤية علامتهم عليه كونه من دفنهم؛ لاحتمال أنه وجد مسلم
كنزًا جاهليًّا فكنزه ثانيًا، والحكم مدار على كونه من دفن الجاهلية لا على رؤية
علا متهم علیه .
وأجيب عنه: بأن هذا الاحتمال مدفوع بالأصل، ولا يخفى ما فيه، قالوا: فإن
كان عليه علامة الإسلام، أو اسم النبي وقّ، أو أحد من خلفاء المسلمين، أو والٍ
لهم، أو آية من قرآن، أو نحو ذلك؛ فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله
عنه، فيعرفه الواجد سنة، ثم له تملكه إن لم يظهر مالكه. وقيل: هو مال ضائع
يمسكه الآخذ للمالك أبدًا، فلو لم يعرف إن الموجود من ضرب الجاهلية أو
الإسلام ففيه للشافعي قولان: أظهرهما: أنه ليس بركاز، بل هو لقطة على الأصحّ.
والقول الثاني: أنه ركاز فيخمس وهو الأصح عند الحنفية. قال صاحب ((الهداية)):
ولو اشتبه الضرب يجعل جاهليًّا في ظاهر المذهب؛ لأنه الأصل. وقيل: إسلاميًّا
في زماننا؛ لتقادم العهد. انتهى.
السابعة: ليس في الحديث تعرض لمن يتعاطى إخراج الخمس من الركاز، أهو
الواجد؟ أو يتعين الفاعل لذلك الإمام أو نائبه؟ وينبغي أن يقال: إن قلنا: مصرفه
مصرف الزكاة، وأنه يجوز أن يتولى الرجل إخراج زكاته بنفسه، فلو أخرجه
الواجد له وقع الموقع. وإن قلنا: إنه لا يتولى الرجل إخراج زكاته بنفسه، أو إن
مصرف الزكاة مصرف الفيء، فذلك من وظيفة الإمام أو نائبه الذي أقامه لذلك،
وقد حكى ابن المنذر عن أبي ثور: أنه لا يسعه أن يتصدق بخمسه، فإن فعل؛ ضمنه
الإمام وعن أصحاب الرأي أنه يسعه ذلك. قال ابن المنذر: وهذا أصح.
وقال ابن قدامة في ((المغنى)) (ج٣ ص٢٣): ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة
الخمس بنفسه، وبه قال أصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأن عليًّا أمر واجد الكنز
بتفرقتة على المساكين، قاله الإمام أحمد. ثم قال: ويتخرج أن لا يجوز ذلك؛ لأن
الصحيح أنه فيء فلم يملك تفرقته بنفسه كخمس الغنيمة. قال القاضي من
الحنابلة: وليس للإمام رد خمس الركاز على واجده؛ لأنه حق مال، فلم يجز رده

٣٤٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على مَن وجب عليه كالزكاة وخمس الغنيمة. وقال ابن عقيل: يجوز؛ لأنه روى
عن عمر أنه رد بعضه على واجده، ولأنه فيء فجاز رده أو بعضه على واجده كخراج
الأرض، وهذا قول أبي حنيفة.
الثامنة: استدل به الحنفية على وجوب الخمس في المستخرج من المعادن،
سواءً كان ذهبًا أو فضة أو غيرهما من معادن الأرض كالحديد والنحاس والرصاص
وغيرها؛ بناء على دخول ذلك في اسم الركاز، ولم يعتبروا في ذلك نصابًا ولا حولًا
وجعلوا مصرفه مصرف الفيء، وذهب الأئمة الثلاثة والأكثرون إلى أن المعدن لا
يدخل تحت اسم الركاز ولا له حكمه. واتفقوا على الإخراج منه في الجملة، وإن
مصرف المخرج منه مصرف الزكاة، والمشهور من مذاهبهم: اعتبار النصاب فيه
دون الحول، ثم اختلفت تفاصيل مذاهبهم في ذلك.
فقال الشافعية: إن كان المستخرج من المعدن غير الذهب والفضة، فلا زكاة فيه
إلا في وجه شاذ، وإن كان أحد النقدين ففيه الزكاة. وفي قدر الواجب ثلاثة أقوال
للشافعي: أصحها: ربع العشر كزكاة النقدين. والثاني: الخمس. والثالث: إن
ناله بلا تعب ومؤنة فالخمس، وإلا فربع العشر. ولم يخص الحنابلة ذلك بالذهب
والفضة، بل قالوا بوجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من
غيرهما مما له قيمة، إذا بلغ قيمة عشرين مثقالًا من الذهب أو مائتي درهم من
الفضة، كالحديد والصفر والنحاس والزئبق والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق
والسبج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة، بل وسعوا ذلك حتى قالوه في المعادن
الجارية، كالقار والنفط والكبريت، والحنفية خصوا ذلك بما ينطبع كالحديد
والنحاس.
قال الحنابلة: والواجب فيه ربع العشر، وخص المالكية ذلك بالنقدين وقالوا:
إن الواجب ربع العشر إلا ما لا يتكلف فيه إلى عمل ففيه الخمس، واعتبر إسحاق
ابن راهويه وابن المنذر في زكاة المعدن الحول، وحكى قولًا عن الشافعي وسيأتي
مزيد الكلام في ذلك.
التاسعة: اختلفوا في حكم الركاز باعتبار اختلاف موضعه، وقد بسطه ابن
قدامة في ((المغني)) (ج ٣: ص١٨، ٢٠) والباجي في ((المنتقي)) (ج٢: ص ١٠٥،
١٠٦) والكاساني في (البدائع)).

٣٤٧
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الديات ومسلم في الحدود وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٢٨ - ٢٣٩) ومالك في الزكاة مختصرًا وفي الديات
مطولًا، والترمذي في الزكاة، وفي الأحكام وأبو داود مختصرًا في آخر الخراج،
والنسائي في الزكاة، وابن ماجه مختصرًا في اللقطة، والبيهقي، وأبو عبيد
وغيرهم، وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكرهم العيني في ((شرح البخاري))
(ج٩: ص ١٠٢، ١٠١) والمقصود من ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو قوله:
((في الركاز الخمس)).

SSCHE
٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثانى
١٨١٤ - [٦] عَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَدْ عَفَوْتُ عَنِ
الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ؛ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًّا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ فِي
تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((هَاتُوا رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَإِذَا كَانَتْ مِاتَيْ دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَةُ
دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَعَلَى حِسَابٍ ذَلِكَ، وَفِي الْغَنَم فِي كُلِّ أَرْبَعِينُ شَاةً شَاةٌ إِلَى
عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانٍ إِلَى مَائَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ، فَثَلَاثُ شِيَاهٍ
إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا
تِسْعٌ وَثَلاثُونَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ، وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي
الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ».
{ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٨١٤ - قوله: (قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ) أي: إذا لم يكونا للتجارة،
وفي الخيل السائمة للنسل خلاف تقدم، قال السندي: أي: تركت لكم أخذ
زكاتهما وتجاوزت عنه، وهذا لا يقتضى سبق وجوبه ثم نسخه، وقال الطيبي:
((عفوت)) مشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق أي: تركت وجاوزت عن
أخذ زكاتهما، مشيرًا إلى أن الأصل في كل مال أن تؤخذ منه الزكاة. انتهى. وفيه:
دليل على أنه لا زكاة في الخيل؛ خلافًا للحنفية؛ فقالوا: المراد بالخيل فيه: الخيل
المعدة للركوب والغزو؛ بدليل أنه قرن بين الخيل والرقيق والمراد منها: عبيد
(١٨١٤) أبُو دَاوُد (١٥٧٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٦٢٠)، وَابن مَاجَهْ (١٧٩٠) عَنْهُ فِيهَا.

كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٤٩
الخدمة، أو المراد: عفوت عن إتيانكم بها إلي؛ لأني ما كلفتكم بإحضارها عندي
لقلة محالها بالغاية، وإن كانت واجبة فيها، فلا تنسوا حق الله في رقابها، بل أدوه
فيما بينكم وبين الله تعالى. انتهى.
ورد الأول: بأن هذه القرينة يبطل دلالتها مع كون دلالة الاقتران ضعيفة أحاديث
نفي وجوب الزكاة في الخيل مطلقًا. منها: حديث عمر: ((ما فعله صاحباي قبلي
فأفعله)) .
ورد الثاني: بأن هذا التأويل خلاف الظاهر، وبأن مقتضاه مع قوله: ((فَهَاتُوا
صَدَقَةَ الرِّقَةِ)) بعد ذلك، أن يجب إحضار صدقة الرقة عند الإمام ودفعها إليه، مع
أن زكاة الأموال الباطنة عند الجمهور يجوز لأصحابها أن يصرفوها بأنفسهم في
مصارفها .
(فَهَاتُوا) أي: أعطوا، من هاتاه مهاتاة، أي: أعطاه يقال: هات يا رجل: أي:
أعط وهاتي يا امرأة وما أهاتيك أي: ما أنا بمعطيك (صَدَقَّةَ الرِّقَةِ) بكسر الراء
وتخفيف القاف أي: زكاة الفضة. (مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمٌ) أي: إذا بلغت
الدراهم النصاب. وقال الخطابي: هذا تفصيل لجملة قد تقدم بيانها في حديث أبي
سعيد الخدري وهو قوله: ((ليس فيما دون خمس أواق شيء)) وتفصيل الجملة لا
يناقض الجملة. (وَلَيْسَ) يجب. (فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ) من الزكاة. (فَإِذَا بَلَغَتْ)
أي: الرقة. وقيل: أي: الدراهم. (مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) أي: الواجب فيها
خمسة دراهم بعد حولان الحول.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) من طريق أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن
ضمرة، عن علي، وأخرجه أيضًا من هذا الطريق أحمد (ج١: ص ٩٢ - ١٤٥)
والبيهقي (ج٤: ص١١٨) وأخرجه النسائي من طريق الأعمش وسفيان الثوري
وأحمد (ج ١: ص١١٣ - ١١٤ - ١٤٨) والدار قطني (ص٢١٤) من طريق الأعمش
عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة مختصرًا، وأخرجه ابن ماجه من طريق
الثوري، وأحمد من طريق حجاج بن أرطأة (ج١: ص١٢١) والثوري
(ج١: ص١٣٢) وشريك (ج ١: ص ١٤٦) والبيهقي من طريق ابن عيينة والثوري
(ج٤: ص١١٨) عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي مختصرًا أيضًا.

٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الترمذي: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق
عن عاصم بن ضمرة عن علي، وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي
إسحاق عن الحارث عن علي قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث
فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون عنهما جميعًا،
انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر حديث علي هذا: أخرجه أبو داود وغيره
وإسناده حسن .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ) هذه الرواية: أخرجها أبو
داود من طريق عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن عاصم بن
ضمرة وعن الحارث الأعور، عن علي، وأخرجها أيضًا البيهقي (ج ٤: ص٩٣ - ٩٤
- ٩٩). والحارث هذا هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الحوتي الكوفي
أبو زهير، وهو ممن اشتهر بصحبة علي بن أبي طالب، وروى عن ابن مسعود وزيد
ابن ثابت، وعنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. قال
شعبة: لم يسمعْ أبو إسحاق منه إلا أربعة أحاديث. وكذلك قال العجلي، وزاد:
وسائر ذلك كتاب أخذه، وقد تكلم فيه الأئمة. فقال الشعبي وأبو إسحاق وابن
المديني: هو كذاب. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه
غير محفوظ. وقال ابن حبان: كان الحارث غاليًا في التشيع واهيًا في الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وكذا قال ابن
معين في رواية الدوري عنه، وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى: يحتج بالحارث؟
فقال: ما زال المحدثون يقبلون حديثه. وقال ابن عبد البر: لم يبين من الحارث
كذبة، وإنما نقم عليه إفراطه في حبِّ علي. وقال أحمد بن صالح المصري:
الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه، قيل له:
فقد قال الشعبي: كان يكذب. قال: لم يكن يكذب في الحديثِ، إنما كان كذبه
في رأيه. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس وأحسب الناس وأفرض
الناس، تعلم الفرائض من عليٍّ. وقال الذهبي، والنسائي مع تعنته في الرجال: قد
احتج به وقوي أمره.
والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبوابٍ، هذا الشعبي
يكذبه، ثم يروي عنه. والظاهر: أنه كان يكذب في لهجته وحكاياته لا في الحديث

كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٥١
النبوي. قال الحافظ: لم يحتج به النسائي. وإنما أخرج له في ((السنن)) حديثًا
واحدًا مقرونًا بابن ميسرة وآخر في ((اليوم والليلة)) متابعة، هذا جميع ما له عنده.
وقال في ((التقريب)»: رمي بالرفض وفي حديثه ضعف، مات في خلافة ابن الزبير
سنة (٦٥).
(قَالَ زُهَيْرٌ) بالتصغير وهو زهير بن معاوية بن حُديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي
نزيل الجزيرة ثقة ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة. قال أحمد: زهير فيما
روى عن المشائخ ثبت، بَخِ بَخِ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بأخرة.
وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سَّمعَ من أبي إسحاق بعد الاختلاط، مات في رجب سنة
(١٧٢) أو (١٧٣) أو (١٧٤) وكان مولده سنة مائة، (أَحْسِبُهُ) أي: أظن هذا
الحديث مرويًّا. (عَنِ النَّبِيِّوَ ◌ّ أَنَّهُ) أي: النبي ◌ََّ. (قَالَ) يعني: قال زهيرٍ: أظنُّ أبا
إسحاق قال في حديثه بعد قوله: عن علي رََّهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَجَهَ. وهذا يدلُّ على أن
زهيرًا شك في رفعه. قال الزيلعي: (ج٢ ص ٣٥٣، ٣٦٠، ٣٦٥، ٣٦٦): ورواه
الدار قطني في ((سننه)) مجزومًا به ليس فيه. وقال زهير: وأحسبه عن النبي وَثّل.
وقال ابن القطان: إسناده صحيح، وكل من فيه ثقة معروف، ولا أعنى رواية
الحارث وإنما أعنى رواية عاصم انتهى كلامه. قال الزيلعي: وهذا منه توثيق
لعاصم. انتھی.
قلت: لم أجد حديث زهير هذا بهذا السياق الطويل الآتي في الدارقطني في
مظانه إلا ما في باب ليس في العوامل صدقة (ص٢٠٤) فإنه هناك مجزوم برفعه
ولكن متنه مختصر جدًّا، فإنه اقتصر على الجملة بلفظ: ((لَيْسَ فِى الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ
شيء)).
(هَاتُوا) أي: في كلٍ حول. (رُبُعُ الْعُشْرِ) وفي أبي داود ((ربع العشور)) أي: من
الفضة وبيانه. (مِنْ كُلَّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) نصب على التمييز. (دِرْهَمْ) بالرفع على
الابتداء وفي بعض نسخ أبي داود درهمًا، أي: بالنصب على المفعولية. (وَلَيْسَ)
يجب. (عَلَيْكُمْ شَيْءٌ) أي: من الزكاة. (حَتَّى تَتِمَّ) بالتأنيث، أي: تبلغ الرقة.
(مِائَتَيْ دِرْهَم) قال الطيبي: نصبه على الحالية، أي: بالغة مائتين، كقوله تعالى:
﴿فَتَمَّ مِيقَتُّ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. (فَإِذَا كَانَتْ) أي: الرقة .

٣٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِاتَتَيْ دِرْهَم) أي: وزنها. (فَفِيهَا) أي: حينئذٍ. (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ) أي:
على مائتي درهَّم. (فَعَلَى حِسَابٍ ذَلِكَ) أي: تجب الزكاة في الزائد على النصاب
بقدره؛ قل أو كثر، حتى إذا كانت الزيادة درهمًا يجب فيها جزء من أربعين جزءًا من
درهم، وفيه دليل على أنه لا وقص في نصاب الفضة، فيخرج عما زاد على المائتي
درهم بحسابه ربع العشر قَلَّت الزيادة أو كثرت، وكذا فيما زاد على العشرين دينارًا
في الذهبِ، وهو قول أكثر أهل العلم، روي هذا عن علي وابن عمر، وبه قال عمر
ابن عبد العزيز والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن
وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
وروي عن الحسن البصري والشعبي ومكحول وسعيد بن المسيب، والأوزاعي
وعطاء والزهري وعمرو بن دينار أنهم قالوا: لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ
أربعين، ولا في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير، وبه قال أبو حنيفة: واحتجَّ
أهل هذا القول بما روى الدار قطني (ص ٢٠٠) والبيهقي (ج٤ ص ١٣٥) من طريق
ابن إسحاق، عن المنهال بن الجراح، عن حبيب بن نجيح، عن عبادة بن نُسي، عن
معاذ: أن رسول اللّه وَّه أمره حين وَجَّهَهُ إلى اليمن: ((أَنْ لَا تَأْخُذْ مِنَ الكُسُورِ شَيْئًا،
إِذَا كَانَتِ الْوَرقِ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَخُذْ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَلَا تَأْخُذْ مِمَّا زَادَ شَيْئًا حَتَّى
تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًّا، فَإِذَا بَلَغَّتْ أَرْبَعِينَ فَخُذْ مِنْهَا دِرْهَمًا)). قال الدار قطني: المنهال
ابن الجراح متروك الحديث، واسمه: الجراح بن المنهال، وكان ابن إسحاق
يقلب اسمه إذا روى عنه وعبادة لم يسمع من معاذ، انتهى. وقال ابن حبان: المنهال
ابن الجراح كان يكذب. وقال عبد الحق: كذاب. وقال أبو حاتم: متروك
الحديث واهيه، لا يكتب حديثه. وقال البيهقي: إسناد هذا الحديث ضَعِيف جِدًّا.
واحتجوا أيضًا بما روي من طريق الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن
عاصم بن ضمرة، عن علي عن النبي وَّ أنه قال: ((هَاتُوا رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ
دِرْهَمْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ ، وَلَيْسَ فِي مِائَي دِرْهَمْ شِيْءٌ
حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَأَدَ فَفِي
كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمٌ)) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٦ ص٦١) والحسن بن
عمارة متروك فالحديث ضَعِيف جِدًّا.

كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٥٣
واحتجوا أيضًا بما روى الحاكم (ج١ ص٣٩٥) والبيهقي (ج٤ ص٨٩)
والطبراني وغيرهم من حديث عمرو بن حزم الطويل وفيه ((فِي كُلِّ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ
الْوَرِقِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَّا دِرْهَمٌ)) وهذا حديث سنده جيد،
وإن تكلم عليه ابن التركماني في ((الجوهر النقي))، وأجيب عنه: بأن غاية ما فيه:
إن في أربعين درهمًا زائدًا درهم، ولا ينكره أهل القول الأول، وليس فيه إسقاط
الزكاة عن أقل من أربعين زائدة على المائتين، أي: ليس فيه أن لا زكاة فيما بين
المأئتين وبين الأربعين فلا يترك به منطوق حديث الباب.
واحتجوا أيضًا بما روى ابن أبي شيبة عن الحسن البصري. قال: كتب عمر إلى
أبي موسى الأشعري: فيما زاد على المائتين، ففي كل أربعين درهمًا درهم. وروى
أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٢٢) من طريق يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس،
قال: ولاني عمر بن الخطاب الصدقات، فأمرني أن آخذ من كل عشرين دينارًا
نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم وأن آخذ من مائتي درهم خمسة
دراهم، فما زاد فبلغ أربعين درهمًا ففيه درهم. وأجيب عن الأول: بأنه منقطع، فإنَّ
الحسن لم يولد إلا لسنتين باقيتين من خلافة عمر. وعن الثاني: بما قال أبو عبيد
(ص٤٢٣): قد يحتمل قول عمر: أن يكون إنما أراد أن يفهم الناس الحساب، وأن
يعلمهم أن في كل أوقية درهمًا، وهو مع هذا يرى أن ما زاد على المائتين وعلى
عشرين دينارًا ففيه الزكاة بالحساب. انتهى.
واحتجوا أيضًا بأن له عفوًا في الابتداء، فكان له عفو بعد النصاب كالماشية
وأجيب عنه بأن الماشية يشق تشقيصها بخلاف الأثمان.
واستدل أهل القول الأول بحديث الباب وهو حديث صحيح أو حسن وله طرق
ذكرها الزيلعي، وأجابَ عنه أهل القول الثاني بأنه محمول على أن يكون الزائد
على المائتين هو الأربعين؛ جمعًا بين الأحاديث ولا يخفى ما فيه.
واستدلوا أيضًا بما تقدم من قوله بََّ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)) قال
أبو عبيدٍ (ص٤٢٤): القول الأول هو المعمول به عندنا، والذي عليه الجمهور
الأعظم من المسلمين، ومع اجتماعهم عليه أنه موافق لتأويل الحديث المرفوع.
قال: ألا ترى أنه ◌َله حين أخبر: ((أن ليس في أقل من خمس أواق شيء))، قد جعل

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخمس حدًّا فاصلاً فيما بين ما تجب فيه الصدقة وبين ما لا تجب. فتبين لنا بقوله
هذا إن الزائد على الخمس سواء قليله أو كثيره، وأن الزكاة واجبة فيه؛ إذ لم يذكر
بعد الخمس وقتًا آخر كتوقيته في الماشية حين قال: ((في كل خمس شاة وفي كل
عشر شاتان))، فجعل صدقة الماشية خاصة مراتب بعضها فوق بعض، وألغى ما
بينهما، وجعل الصامت وما تخرج الأرض كله بمنزلة واحدة، إذا بلغت الخمس
فصاعدًا، ثم شرحه علي وابن عمر وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز بقولهم: ((وما زاد
فبالحساب)).
وقال الخطابي في (المعالم)) (ج٢ ص١٤): في قوله: «لیس فیما دون خمس
أواق صدقة)) دليل على أن ما زاد على المائتين، فإن الزكاة تجب فيه بحسابه؛ لأن
في دلالته إيجابًا في الخمس الأواقي، وفيما زاد عليه، وقليل الزيادة وكثيرها سواء
في مقتضى الاسم، ولا خلاف في أن فيما زاد على الخمسة الأوسق من التمر
صدقة، قلت الزيادة أو كثرت، وقد أسقط النبي وَلّ الزكاة عن الخمسة الأوسق،
كما أسقطها عما نقص عن الخمس الأواق، فوجب أن يكون حكم ما زاد على
الخمس الأواقي من الورق حكم الزيادة على الخمسة الأوسق؛ لأن مخرجهما في
اللفظ مخرج واحد. انتهى.
واستدل ابن حزم لذلك بما تقدم من قوله الثّل في كتاب أبي بكر الصديق: ((وفي
الرقة ربع العشر ... )) إلخ. قال ابن حزم: أوجب رسول اللّه وَّر الصدقة في الرقة
ربع العشر عمومًا، لم يخص عن ذلك شيئًا إلا ما كان أقل من خمس أواقٍ فبقي ما
زاد على ذلك على وجوب الزكاة فيه، فلا يجوز تخصيص شيء منه أصلاً. انتهى.
واستدلَّ لذلك أيضًا، بما روى أبو عبيد (ص٤٢٠) وعبد الرزاق عن علي
وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (ج ٣ ص٧) وأبو عبيد (ص٤٢١) عن ابن عمر قالا: في
كل مائتي درهم خمسة دراهم، وما زاد فبالحساب، وهذا القول هو الراجح
المعمول عليه المعول به عندنا، والله تعالى أعلم.
(فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ) بدل من ((في الغنم)) بإعادة الجار. (شَاةً) قال القاري: تمييز
للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءًا﴾ [الحاقة: ٣٢] قال الطيبي: وليس شاة
هاهنا تمييزًا مثله في قوله: ((في كل أربعين درهمًا درهم))؛ لأن ((درهمًا)) بيان مقدار

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٥٥
الواحد من أربعين ولا يعلم هذا من الرقة، فيكون شاة هنا لمزيد التوضيح. وانظر
فيه ابن حجر. (شَاةٌ) مبتدأ مؤخر ((وَفِي الْغَنَم)) خبره. قال القاري: ثم الظاهر أن
لفظ ((كُل)) زائدة، أو المراد بها استغراق أفرادَ الأربعين؛ ليفيد تعلق الزكاة بكل من
أربعين أو الواجب شاة مبهمة. والحاصل: أنها ليست مثلها في كل أربعين درهمًا
درهم، وإلا لفسد المعنى؛ إذ لا تتكرر الزكاة هنا بتكرر الأربعين إجماعًا، ثم لا
شيء فيما زاد على الأربعين.
(إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ) أي: واحدة
أو الغنم على مائتين. (فَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ)) أي: الشياه. (عَلَى
ثَلَاثِمِائَةٍ) مائة أخرى لا ما دونها. (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) بالتأنيث، وفي
أبي داود: ((فإن لم يكن)) بالتذكير. (إِلَّ تِسْعٌ وَثَلَانُونَ) من الغنم. (فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا
شَيْءٌ) لأنها لم تبلغ النصابِ، وليس في هذا الحديث عند أبي داود ما ذكر المصنف
من سياق صدقة الغنم، فإنَّ أبا داود لم يذكر سياقه، بل أحاله على حديث الزهري
ولفظه: ((وَفِي الْغَنَمْ فِي كُلُّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ، فَلَيْسَ
عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ)) وساق صدقة الغنم مثل الزهري، انتهى. أي: وساق أبو إسحاق
صدقة الغنم كما تقدم في حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه.
(وَفِي الْبَقَرِ) اسم جنس للمذكر والمؤنث، اشتقت من بقرت الشيء إذا شققته؛
لأنها تبقر الأرض بالحراثة. وفيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، قال ابن قدامة
(ج ٢ ص ٥٩١): صدقة البقر واجبة بالسنة والإجماع. أما السنة، فما روى أبو ذر،
عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ وَلَا بَقَرِ وَلَا غَنَم، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّ
جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَ، فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَاً) الحديث.
وقد تقدم في أوائل الزكاة، ثم ذكر ابن قدامة حديث معاذ الآتي، وحديثًا آخر
له عن مسند الإمام أحمد، ثم قال: وأما الإجماع فلا أعلم اختلافًا في وجوب
الزكاة في البقر، وقال أبو عبيد (ص٣٧٩): لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم.
(فِي كُلِّ ثَلَائِينَ) أي: بقرًا. (تَبِيعُ) هو ما تم له الحول من ولد البقر وطعن في
السنة الثانية سمي به؛ لأنه فطم عن أمه فهو يتبعها وتجزئ عنه تبيعة بل أولى
للأنوثة. (وَفِي الْأَرْبَعِينَ) من البقر. (مُسِنَّةٌ) هي التي استكملت سنتين وطعنت في

٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثالثة وهي الثنية، وسميت بذلك؛ لأنها طلعت سنها والاقتصار على المسنة يدل
على أنه لا يجزئ المسن، ولكن أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: ((في كل
ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة)). قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم
وهو ثقة لكنه مدلس. انتھی.
وهذا يدل على أنها لا تتعين الأنوثة في البقر بخلاف الإبل، وسيأتي مزيد من
الكلام عليه في شرح الحديث الذي يليه. والحديث: دليل على أن نصاب الزكاة
في البقر ما ذكر فيه. قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): لا خلاف بين العلماء أن
السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ الآتي، وإنه النصاب المجمع عليه فيها.
انتهى. وفيه: دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء، وفيه خلاف الزهري.
فقال: يجب في كل خَمْسٍ شاة، قياسًا على الإبل. وأجاب الجمهور بأن النصاب
لا يثبت بالقياس وبأنه قد روى النَّسَائِيُّ: ((ليس فيما دون ثلاثین من البقر شيء)» وهو
وإن كان مجهول الإسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده، كذا في ((سبل السلام)). وقال
ابن قدامة: لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر في قول جمهور العلماء، وحكي عن
سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: في كل خمس شاة؛ لأنها عدلت الإبل في
الهدي والأضحية، فكذلك في الزكاة، ولنا ما تقدم من الخبر، ولأن نُصُبَ الزكاة
إنما ثبتت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف، فلا يثبت وقياسهم
فاسد، فإن خمسًا وثلاثين من الغنم تعدل خمسًا من الإبل في الهدي ولا زكاة فيها .
انتھی .
ثم قال ابن حجر: ولا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ سنتين ففيها تبيعان
ثم يتغير الفرض بزيادة عشر فعشر، ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع،
انتھی .
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص ٣٠): في الحديث دليل على أن البقر إذا
زادت على الأربعين لم يكن فيها شيء حتى تكمل سنتين، ويدل على صحة ذلك ما
روي عن معاذ، أنه أتي بوقص البقر فلم يأخذه، ومذهب أبي حنيفة أن ما زاد على
الأربعین فبحسابه. انتهى.

كِتَابَ الزّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٥٧
وسيأتي تفصيل الكلام عليه في شرح الحديث الذي يليه. (وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ
شَيْءٌ) ((عَلَى)) بمعنى ((في)) أو التقدير على صاحب العوامل، وعند الدار قطني في
حديث عاصم: ((ليس في البقر العوامل شيء))، وفي حديث الحارث: ((لَيْسَ عَلَى
الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ شَيْءٌ)) وهي جمع عاملة وهي التي يُسْتَقَى عليها ويحرث، وتستعمل
في الاشتغال، وفيه دليل على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء ولو بلغت نصابًا،
وظاهره سواء كانت سائمة أو معلوفة، وقد ثبتت شرطية السوم في الغنم في حديث
أبي بكر المتقدم، وفي الإبل في حديث بهز عند أبي داود والنسائي.
قال الدميري: وألحقت البقر بهما. قال ابن قدامة: لا زكاة في غير السائمة من
البقر في قول الجمهور، وحكي عن مالك: إن في العوامل والمعلوفة صدقة كقوله
في الإبل، وقد تقدم الكلام معه، ثم ذكر حديث علي هذا وما روى في نفي الصدقة
عن البقر العوامل من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، ومن آثار
الصحابة كعلي ومعاذ وجابر. قال: ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة ولا يوجد
إلا في السائمة. انتهى، وحديث علي هذا أخرجه ابن عدي في ((الكامل))، عن زيد
ابن حبان الكوفي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، أن النبي وَل
قال: ((هَاتُوا رُبُعَ الْعُشُورِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَّا دِرْهَمٌ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ)).
انتهى. وليَّنَ زيدَ بنَ حبان، وقال: لا أرى برواياته بأسًا، انتهى.
١٨١٥ - [٧] وَعَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ أَنْ
يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرَةِ مِنَ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ]
الْشَّرْحُ
١٨١٥ - قوله: (وَعَنْ مُعَاذٍ) بضم الميم. (وَجَّهَهُ) أي: بعثه. (إِلَى الْيَمَنِ)
عاملًا على الزكاةِ وغيرها. (مِنَ الْبَقَرِةِ) وفي بعض النسخ: ((مِنَ الْبَقَرِ)) كما في أبي
داود والنسائي والدارمي والتاء في بقرة للوحدة لا للتأنيث، فيقع على الذكر
(١٨١٥) أَبُو دَاوُد (١٥٧٨)، والتِّرْ مِذِي (٦٢٣)، والنَّسَائِي (٢٦/٥)، وابن مَاجَهْ (١٨٠٣) عَنْهُ فِيهَا .

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والأنثى والمراد الجنس. (تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً) فيه أنه مخير بين الأمرين. (وَمِنْ كُلِّ
أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) يعني: أو مسنًّا، كما تقدم في حديث ابن عباس عند الطبراني.
واختلف العلماء فيه، فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا
يجزيء فيها المسن، أي: الذكر، وقال أبو حنيفة: ذكورها وإناثها في الصدقة
سواء. قال في ((المبسوطِ)): لا فرقَ بين الذكر والإناث في زكاةٍ البقر بخلاف
الإبل، فإنه لا يؤخذ منها إلا الإناث، وذلك لتقارب ما بين الذكور والإناث في
الغنم والبقر، وتباين ما بينهما في الإبل. انتهى.
وقال ابنُ قدامة (ج٢ ص٥٩٣): لا يخرج الذكر في الزكاة أصلًا إلا في البقر،
فإنَّ ابن اللبون ليس بأصلٍ، إنما هو بدل عن ابنة مخاض؛ ولهذا لا يجزئ مع
وجودها؛ وإنما يجزئ الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين
والسبعين، وما تركب من الثلاثين وغيرها كالسبعين فيها تبيع ومسنة، والمائة فيها
مسنة وتبيعان، وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثًا؛ لأن النص ورد بهما جميعًا، فأما
الأربعون وما تكرر منها كالثمانين فلا يجزئ في فرضها إلا الإناث إلا أن يخرج عن
المسنة تبيعين، فيجوز، وإذا بلغت البقر مائة وعشرين اتفق الفرضان جميعًا، فيخير
رب المال بين إخراج ثلاث مسنات، أو أربع أتبعة، والواجب أحدهما أيهما شاء،
والخيرة في الإخراج إلى رب المال.
وهذا التفصيل فيما إذا كان فيها إناث، فإن كانت كلها ذكورًا؛ أجزأ الذكر فيها
بكل حال، ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث في الأربعينات؛ لأن النبي وَلّ نص على
المسنات في حديث معاذ عند أحمد، فيجب اتباع مورده فيكلف شراءها، والأول
أولى؛ لأننا أجزنا المذكر في الغنم مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود
الإناث، فالبقر التي للذكر فيها مدخل أولى. انتهى.
قلتُ: والراجحُ - عندي - أنه يجزئ المسن عن الأربعين؛ لحديث ابن عباس
المتقدم، والله تعالى أعلم.
هذا، وقد اختلفوا فيما زاد على الأربعين، فذهب أكثر أهل العلم، ومنهم
الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد والثوري والنخعي
والشعبي والحسن وإسحاق وأبو عبيد وطاوس، وعمر بن عبد العزيز والليث

٣٥٩
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
وأبو ثور، لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان إلى تسع
وستين، فإذا بلغت سبعين، ففيها مسنة وتبيع، ثم هكذا أبدًا لا شيء فيها حتى تبلغ
عشرًا زائدة، فإذا بلغتها، ففي كل ثلاثين من العدد تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
وقال أبو حنيفة في الرواية المشهورة عنه: فيما زاد على الأربعين بحسابه في كل
بقرة ربع عشر مسنة، وهكذا إلى ستين؛ فرارًا من جعل الوقص تسعة عشر وهو
مخالف لجميع أوقاصها، فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة، فإذا بلغت الستين ففيها
تبيعان، ثم لا شيء فيها إلا في كل عشرة زائدة.
قال في ((الهداية)): إذا زادت على أربعين؛ وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين
عند أبي حنيفة، ففي الواحدة ربع عشر مسنة وهكذا، وهو رواية الأصل؛ لأن
العفو ثبت نصًّا بخلاف القياس، ولا نص هاهنا. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا
يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين، ثم فيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع؛
لأن مبنى هذا النصاب على أن يكون بين عقدين وقص وفي كل عقد واجب.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، وهو رواية عن أبي
حنيفة. قال العيني: وبه قال مالك والشافعي وأحمد: وفي ((المحيط)) هو أوفق
الروايات عن أبي حنيفة وفي ((جوامع الفقه)) هو المختار. انتهى.
قلت: وهو القول الراجح المعول عليه عندنا؛ لما روى أحمد (ج٥ ص ٢٤٠)
والطبراني من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم: أن معاذًا قال: بعثني رسول اللَّه وَل أصدق
أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مُسنَّة.
قال: فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وبين الستين والسبعين، وما
بين الثمانين والتسعين فأبيت ذاك. وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللَّه وَ لهعن ذلك
فقدمت، فأخبرت النبي ◌ُّر، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا ومن كل أربعين
مسنة، ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين ومن
التسعين ثلاث أتبعة، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعًا،
ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات، أو أربعة أتبعة. قال: وأمرني أن لا أخذ فيما
بين ذلك شيئًا إلا أن تبلغ مسنة أو جذعًا، وزعم إن الأوقاص لا فريضة فيها. انتهى.