النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠
* * cess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ومصداقه، فقيل: المراد به رب الماشية لا الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف
الصاد وفتح الدال المشددة، وهذا اختيار أبي عبيد أي: الذي أخذت صدقة ماله،
أو بتشديد الصاد والدال معا وكسر الدال، وأصله المتصدق فأدغمت التاء بعد قلبها
في الصاد. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُضَّلِّقَتِ﴾ [الحديد: ١٨] أو بتخفيف الصاد وكسر
[القيامة: ٣١] قال
الدال المشددة اسم فاعل من قوله تعالى: ﴿فَلاَ صَلَّقَ وَلَا صَلَى
الراغب: يقال: صدق وتصدق وتقدير الحديث ((لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب
أصلًا ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك؛ لكونه يحتاج إليه ففي أخذه بغير اختياره
إضرار به وعلى هذا، فالاستثناء مختص بالثالث وهو التيس. وقيل: المراد به
الساعي وعلى هذا هو بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة لا غير، وهذا هو
المشهور في ضبطها، وهو قول جمهور المحدثين وعامة الرواة، كما قال
الخطابي: أي: العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في ((القاموس)):
المصدق كمحدث آخذ الصدقات. انتهى .
والاستثناء متعلق بالأقسام الثلاث، ففيه إشارة إلى التفويض إلى اجتهاد العامل
لكونه كالوكيل للفقراء، فيفعل ما يرى فيه المصلحة، والمعنى: لا تخرج كبيرة
السن ولا المعيبة ولا التيس، إلا أن يرى العامل إن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه
نظرًا لهم. قال الحافظ: وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر
قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة أو تيوسًا أجزأه أن يخرج منها، وعن المالكية،
يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكًا بظاهر هذه الحديث، وفي رواية أخرى
عندهم کالأول. انتهى.
وقيل: الاستثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة أو تيوسًا. قال ابن
قدامة (ج٢: ص٥٩٨): وعلى هذا أي: ضبط المصدق بكسر الدال بمعنى العامل
لا يأخذ المصدق وهو الساعي أحد هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع
النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة من الهرمات،
وذات عوار من أمثالها وتيسًا من التيوس. انتهى. وهذا كله إذا كان الاستثناء
متصلًا. قال الطيبي: ويحتمل أن يكون منقطعًا، والمعنى: لا يخرج المزكي
الناقص والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل.
٣٢١
كِتّابُ الزّكاةِ
<<<<-**<<<<<<< > <<<<*<< > <<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<<
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّڪاةُ
(لَا يُجْمَعُ) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: لا يجمع المالك والمصدق. (بَيْنَ
مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التاء على الفاء من التفرق وفي رواية: ((مُفْتَرِقٍ)) بتقديم الفاء على التاء
من الافتراق. (وَلَا يُفَرَّقُ) بضم أوله وفتح ثالثه مشدد، أو يخفف أي: لا يفرق
المالك والمصدق. (بَيْنَ مُجْتَمِع) بكسر الميم الثانية. (خَشْيَةَ) منصوب على أنه
مفعول لأجله متعلق بالفعلين على التنازع. ويحتمل أن يتعلق بفعل مقدر يعم
الفعلين أي: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة، فيحصل المراد من غير تنازع.
(الصَّدَقَةِ) أي: خشية وجوب الصدقة أو كثرتها هذا إن رجع إلى المالك وخشية
سقوط الصدقة، أو قلتها إن رجع إلى المصدق، فالنهي للمالك والساعي كليهما.
والخشية خشيتان: خشية المالك أن يجب الصدقة أو تكثر، وخشية الساعي أن
تسقط الصدقة أو تقل، وهذا إنما يقع في زكاة الخلطاء.
قال الخطابي: قال الشافعي: الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال معًا، وقال
ابن رشد في ((مقدماته)): ذهب الشافعي إلى أن النهى فيه إنما هو للسعاة، وذهب
مالك إلى أن النهى إنما هو لأرباب المواشي، والصواب على عمومه لهما جميعًا لا
يجوز للساعي أن يجمع غنم رجلين أن لم يكونا خليطين على الخلطة؛ ليأخذ أكثر
من الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين، فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من
الواجب له. وكذلك أرباب الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا:
نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم إذا
كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على
الخلطة. وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة له، أي: بخلطة الجوار، فيقولُ:
المعنى في ذلك أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين، فيزكيهما على ملك
واحد مثل أن يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن يفرق بملك الرجل
الواحد فيزكيه على أملاك مُتفرقة مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن
يجعلها ثلاثة أجزاء. انتهى.
قلت: ومثال جمع المالك بين المتفرق خشية كثرة الصدقة أي: لتقليلها رجل
ملك أربعين شاة فجمعها وخلطها بأربعين لغيره عند حضور المصدق فرارًا عن
لزوم الشاة إلى نصفها؛ إذ عند الجمع والخلط يؤخذ من كل المال شاة واحدة فنهي
عن ذلك، ومثال تفريق المالك خشية وجوب الصدقة، أي: لإسقاطها رجل كان له
٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره، ففرقها لئلا يكون نصابًا، فلا يجب شيء،
و مثال تفریقه أيضًا خشیة کثرتها رجل يكون له مائة شاة وشاة مخلوطة بمثلها لغيره،
فيكون عليهما عند الاجتماع والخلط ثلاثة شياه، ففرقا ما لهما لتقل الصدقة ويكون
على كل واحد شاة فقط.
ومثال جمع المصدق خشية سقوط الصدقة أي: لإيجابها أو خشية قلتها أي:
لتكثيرها: رجلان كان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها وخلطها المصدق ليجب
فيها الزكاة ويأخذ شاة، أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما
ليصير الواجب ثلاثة شیاه.
ومثال تفريق المصدق خشية قلة الصدقة، أي: لتكثيرها ثلاثة خلطاء في مائة
وعشرين شاة وواجبها عليهم شاة، ففرقها الساعي أربعين أربعين ليكون فيها، ثلاث
شياه. والحاصل: أن الخلط في الجوار عند الجمهور مؤثر في زيادة الصدقة
ونقصانها كخلطة الشيوع، لكن لا ينبغي لأرباب الأموال أن يفعلوا ذلك فرارًا عن
زيادة الصدقة ولا للسعاة أن يفعلوا ذلك لوجوب الصدقة أو زيادتها، وأما عند أبي
حنيفة لا أثر للخلطة، فمعنى الحديث عنده على ظاهر النفي على أن النفي راجع إلى
القيد .
وحاصله: نفي الخلط لنفي الأثر أي: لا أثر للخلطة والتفريق في تقليل الزكاة
وتكثيرها، أي: لا يفعل شيء من ذلك خشية الصدقة؛ إذ لا أثر له في الصدقة،
فيكون ذلك لغوًّا عبثًا لا فائدة فيه، كذا قرَّره السندي.
ولا يخفى ما فيه من التكلف بل من إهمال الحديث، وحمله عامة الحنفية
كالكاساني في ((البدائع)) وابن الهمام في ((فتح القدير)) وغيرهما على خلطة الشيوع
كما حملوا عليها قوله: ((وما كان من خلطين)) ... إلخ. قالوا: والمراد الجمع
والتفريق في الملك لا في المكان، والخشية خشيتان: خشية الساعي، وخشية
المالك، وكذا النهي نهيان: النهي للساعي عن جمع المتفرق وعن تفريق
المجتمع، والنهي للمالك عن جمع المتفرق وعن تفريق المجتمع.
مثال الأول: كخمس من الإبل بين اثنين أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم
حال عليها الحول، وأراد الساعي أن يأخذ منها الصدقة ويجمع بين الملكين،
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٢٣
ويجعلهما كملك واحد خشية فوت الصدقة، أي: يعدهما كملك رجل واحد لأخذ
الصدقة فليس له ذلك.
ومثال الثاني: كرجل له ثمانون من الغنم في مرعتين مختلفتين أنه يجب عليه
شاة واحدة، ولو أراد الساعي أن يفرق المجتمع خشية قلة الصدقة كأنها لرجلين،
فيأخذ منها شاتين ليس له ذلك؛ لأن الملك مجتمع فلا يملك الساعي تفريقة لتكثير
الصدقة .
ومثال الثالث: كثمانين من الغنم بين اثنين حال عليها الحول، أنه يجب فيها
شاتان على كل واحد منهما شاة، ولو أراد أن يجمعا بين الملكين، فيجعلاهما ملكًا
واحدًا خشية كثرة الصدقة، أي: لتقليلها، فيعطي الساعي شاة واحدة ليس لهما
ذلك لتفرق ملكيهما، فلا يملكان الجمع في الملك؛ لأجل تقليل الزكاة. ومثال
الرابع: كرجل، له أربعون من الغنم في مرعتين مختلفتين تجب عليه الزكاة؛ لأن
الملك مجتمع، فلا يجعلها كالمتفرقين في الملك، أي: كأنها في ملك رجلين
خشية وجوب الصدقة أي: لإسقاطها .
قلتُ: حمله على خلطة الشيوع وعلى الجمع والتفريق في الملك بعيدٌ جدًّا، فإن
المتبادر من لفظ الجمع والتفريق هو ما كان في المكان أي: بالمخالطة لا في
الملك، فإنه لا يعبر عن جعل الملكين كملك واحد أو جعل الملك الواحد كملكين
بالجمع بين المتفرق أو بالتفريق بين المجتمع.
وقد اعترف بذلك صاحب ((فيض الباري)) حيث قال: وقع في الحنفية بحمله
على خلطة الشيوع في بعد من ألفاظ الحديث، فإن الجمع والتفريق لا يتبادر منه إلا
ما كان بحسب المكان ولا يأتي هذا التعبير في الجمع والتفريق ملكًا، ثم حمله على
خلطة الجواز. كما فعل السندي.
(وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْتَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) ((ما)) هنا تامة نكرة
متضمنة معنى حرف الاستفهام، ومعناها أي: شيء كان من خليطين فإنهما يترادان
الفصل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما كما سيأتي توضيحه.
واعلم: أن الخلطة بضم الخاء على نوعين: خلطة اشتراك، وخلطة جوار، وقد
يعبر عن الأول بخلطة الأعيان وخلطة الشيوع، وعن الثاني بخلطة الأوصاف.
EecX:
٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمراد بالأول: أن لا يتميز نصيب أحد الرجلين أو الرجال عن نصيب غيره، كما
شية ورثها قوم أو ابتاعوها معًا. وبالثاني: أن يكون مال كل واحد معينًا متميزًا.
واختلف في المراد بالخليط في هذا الحديث: فذهب أبو حنيفة إلى أنه
الشريك؛ لأن الخليطين في اللغة العربية هما الشريكان اللذان اختلط مالهما ولم
يتميز كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا تميز مال
كل واحد منهما من مال الآخر فلا خلطة، وذهب الجمهور: إلى أن المراد بالخليط
المخالط وهو أعمّ من الشريك، وحكم الخليطين عندهم إن تصدق ماشيتهما
كأنهما على رجل واحد، والخلطة عندهم: أن يجتمعا في المسرح والمبيت
والحوض والفحل. واعترض على أبي حنيفة بأن الشريك لا يعرف عين ماله وقد
قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ومما يدلّ على أن الخليط لا يستلزم أن يكون
شريكًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، وقد بينه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ
هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَنَسْعُونَ نَجْجَةً وَلِىَ نَجَةٌ وَحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣].
واختلف أيضًا في أن الخلطة مؤثرة في الزكاة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى كونها
مؤثرة. وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة سواء كانت خلطة شيوع واشتراك في
الأعيان أو خلطة أوصاف وجوار في المكان، فلا يجب على أحد الشريكين أو
الشركاء إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خلط. وتعقبه ابن جرير: بأنه لو
كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهي عن أمر لو
فعله كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال؛ لما كان لتراجع الخليطين بينهما
بالسوية معنى. واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الأصل قوله وَله: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ
خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ)) وحكم الخلطة يغير هذا الأصل، فلم يقولوا به، ورد بأن ذلك مع
الانفراد وعدم الخلطة، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به
الجميع نصابًا، فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث، وما ورد في معناه ولا بد
من الجمع بهذا.
قال ابن قدامة (ج٢ ص٦٠٧) إن الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال
الرجل الواحد في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون المشتركة بينهما
لكل واحد منهما، منها نصيب أن يرثا نصابًا أو يشترياه أو يوهب لهما، فيبقياه بحاله
٣٢٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
أو خلطة أوصاف وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزًا، فخلطاه واشتركا في
الأوصاف التي نذكرها - يعني: المسرح والمبيت والمحلب والمشرب والفحل -
وسواء تساويا في الشركة أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسعة وثلاثون،
أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاة لكل واحد منهم شاة نص عليهما أحمد، وهذا
قول عطاء كما في البيهقي، والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق.
وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب، وحكي
ذلك عن الثوري وأبي الثور واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال
لأن ملك كل واحد دون النصاب فلم يجب عليه زكاة كما لو لم يختلط بغيره،
ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين، إن كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم
فوجبت عليه لقوله ظلَّلها: ((في أربعين شاة شاة)).
ولنا ما روي البخاري في حديث أنس: ((لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين
مجتمع وما كان من خليطين ... )) إلخ. ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة
الأوصاف وقوله: ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ)» إنما يكون هذا إذا كان لجماعة؛ فإن
الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض وإن كان في أماكن، وهذا لا يفرق بين مجتمع ؛
ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم والسقي
وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع، انتهى.
وقال ابن رشد في ((البداية)) (ج١ ص٢٣٧): أكثر الفقهاء أن للخلطة تأثيرًا في
قدر الواجب من الزكاة، واختلف القائلون بذلك هل لها تأثير في قدر النصاب أم
لا؟ وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيرًا، لا في قدر الواجب ولا في
قدر النصاب. وتفسير ذلك: أن مالكًا والشافعي وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على
أنَّ الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد. واختلفوا من ذلك في موضعين:
أحدهما: في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد سواء لكل واحد منهم
نصاب أو لم يكن، أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهم
نصاب. والثاني: في صفة الخلطة التي لها تأثير في ذلك وأما اختلافهم أولا في
((هل للخلطة تأثير في النصاب وفي الواجب، أو ليس لها تأثير؟ فسبب اختلافهم
اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا
٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا
يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ)) فإن كل واحد مَّن الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على
اعتقاده، وذلك أن الذين رأوا للخلطة تأثيرًا، إما في النصاب والقدر الواجب، أو
في القدر الواجب فقط. قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((وَمَا كَانَ مِنْ
خَلِيطَيْنِ ... )) إلخ. وقوله: (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ... )) إلخ. يدل دلالة واضحة أن
ملك الخليطين كملك رجل واحد، فإن هذا الأثر مخصص لقوله عليه الصلاة
والسلام: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ)). إما في الزكاة عند مالك
وأصحابه أعنى: في قدر الواجب، وإما في الزكاة والنصاب معًا عند الشافعي
وأصحابه، وأما الذين لم يقولوا بالخلطة، فقالوا: إن الشريكين قد يقال لهما:
خليطان، ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ... )»
إلخ. إنما هو نهي للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحدة قسمة توجب عليه كثرة
الصدقة أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجبٍ الجمع كثرة
الصدقة. قالوا: وإذا كان هذا الاحتمال في هذا الحديث وجب ألَّ تخصص به
الأصول الثابتة المجمع عليها، أعني: أن النصاب والحق الواجب في الزكاة يعتبر
بملك الرجل الواحد، وأما الذين قالوا بالخلطة فقالوا: إن لفظ الخلطة هو أظهر
في الخلطة نفسها منه في الشركة. وإذا كان ذلك كذلك، فقوله عليه الصلاة
والسلام فيهما: ((إِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ))، مما يدلُّ على أن الحقَّ الواجبَ
عليهما حكمه حكم رجل واحد. وعلى أن الخليطين ليسا بشريكين؛ لأن الشريكين
ليس يتصور بينهما تراجع؛ إذ المأخوذ هو من مال الشركة، فمن اقتصر على هذا
المفهوم ولم يقس عليه النصاب، قال: الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد
إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم النصاب تابعًا لحكم الحق
الواجب، قال: نصابهما نصاب الرجل الواحد كما أن زكاتهما زكاة الرجل
الواحد. وأما القائلون بالخلطة، فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة في
الزكاة، فذكره ابن رشد مختصرًا ثم قال: وسبب اختلافهم اشتراك اسم الخلطة؛
ولذلك لم يَرَ قوم تأثير الخلطة في الزكاة، وهو مذهب أبي محمد بن حزم
الأندلسي. انتهى كلام ابن رشد مختصرًا.
قلت: الأصل في اعتبار أوصاف الخلطة هو ما رواه الدار قطني (ص٢٠٤)
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزّكاةُ
٣٢٧
وأبو عبيد (ص ٣٩٥) وابن حزم (ج ٦ ص ٥٥ - ٥٦) من طريق أبي عبيد عن سعد بن
أبي وقاص. قال: سمعتُ رسولَ اللَّهُ وَّ يقول: ((وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي
الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي))، وروي ((المرعى))، وهو حديث ضعيف تفرد به ابن
لهيعة وأخطأ فيه. وانظر الكلام عليه في ((التلخيص)) (ص ١٧٥). إذا تحققت هذا،
فاعلم أن معنى قوله ((مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ ... )) إلخ - على مذهب الجمهور - أن ما
كان متميزًا لأحد الخليطين من المال فأخذ الساعي من ذلك المتميز يرجع إلى
صاحبه بحصته، بأن كان لكل عشرون شاة وأخذ الساعي من مال أحدهما يرجع
بقيمة نصف شاة وإن كان لأحدهما عشرون وللآخر أربعون مثلًا، فأخذ من صاحب
عشرين يرجع إلى صاحب الأربعين بالثلثين، وإن أخذ منه يرجع على صاحب
عشرين بالثلاث، وهذا عند الشافعي.
وأما عند مالك، فهو كخليطين بينهما مائة شاة لأحدهما ستون وللآخر أربعون،
ففيها عليهما شاة واحدة يكون على صاحب الأربعين خمساها وعلى رب الستين
ثلاثة أخماسها، فإن أخذ الساعي الشاة الواجبة من الأربعين؛ رجع صاحبها على
صاحب الستين بقيمة ثلاثة أخماسها، وإن أخذها من الستين؛ رجع صاحبها على
صاحب الأربعين بخميسها .
وعند أبي حنيفة، الذي يحمل الخليط على الشريك ويقول بأن الخلطة غير
مؤثرة، إذا كان المال بينهما على الشركة بلا تميز وأخذ الساعي الزكاة من المال
المشترك؛ لأنه ليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما يجب التراجع بالسوية، أي:
يرجع كل منهما على صاحبه بقدر ما يساوي ماله؛ مثلًا لأحدهما أربعون بقرة
وللآخر ثلاثون والمال مشترك غير متميز، فأخذ الساعي عن صاحب أربعين مسنة،
وعن صاحب ثلاثين تبيعًا، وأعطى كل منهما من المال المشترك، فيرجع صاحب
أربعين بأربعة أسباع التبيع على صاحب ثلاثين، وصاحب ثلاثين بثلاثة أسباع
المسنة على صاحب أربعين، وهكذا كلما كانت الشركة بينهما على التفاوت،
فأخذ من أحدهما زيادة لأجل صاحبه، فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر. وأما
إذا كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير؛ بأن كان المال بينهما على السوية،
فلا تراجع بينهما؛ لأن ذلك القدر كان واجبا على كل واحد منهما بالسوية هذا.
٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد بسط أبو عبيد (ص٣٩١، ٤٠٠) وابن حزم (ج٦ ص٥١و ٥٩) الكلام في
بيان معنى الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع وتراجع الخليطين، وذكر
مذاهب العلماء، ووافق أبو عبيد الشافعي وابن حزم الحنفية ورجح مذهبهم. قيل:
وإليه ميل البخاري كما يظهر من ذكر أثر طاوس وعطاء وأثر سفيان الثوري في
باب: ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية. وفيه نظر قوي؛ فإن قول
طاوس وعطاء يدل على الفرق بين خلطة الجوار وخلطة الشيوع، بأن الأولى غير
مؤثرة والثانية مؤثرة، وهذا قول مخالف للحنفية، فإنه لا تأثير للخلطة عندهم
مطلقًا، على أنه روى البيهقي (ج ٤ ص ١٠٦) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج.
قال: سألت عطاء عن النفر الخلطاء لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة، قلتُ: فإن
كانت لواحدة تسع وثلاثون، ولآخر شاة؟ قال: عليهما شاة، وهذا كما ترى عين
مذهب الشافعي. وأما قول سفيان فهو موافق للمالكية لا للحنفية كما لا يخفى،
وعلى هذا فما قيل: إن البخاري وافق الحنفية بعيد عن الصواب. والقول الراجح
عندنا: هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه. والله تعالى أعلم.
فائدة:
اختلف القائلون بتأثير الخلطة أنها هل تؤثر في غير السائمة من الزرع والثمار
والعروض والنقدين أم لا، فقال الشافعي على ما ذكره ابن حزم: تؤثر في غير
المواشي أيضًا. وقالت المالكية والحنابلة وأبو عبيد والأوزاعي: لا تأثير لها في
غير الماشية، وهذا هو الراجح عندي.
قال ابن قدامة (ص٦١٩): إذا اختلطوا في غير السائمة كالذهب والفضة
وعروض التجارة والزروع والثمار لم تؤثر خلطتهم شيئًا، وكان حكمهم حكم
المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد رواية أخرى إن شركة الأعيان
تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة، وهذا قول
إسحاق والأوزاعي في الحب والثمر، والمذهب الأول قال أبو عبد اللَّه الأوزاعي
يقول في الزرع إذا كانوا شركاء فخرج لهم خمسة أوسق، يقول: فيه الزكاة. قَاسَهُ
على الغنم، ولا يعجبني قول الأوزاعي. وأما خلطة الأوصاف فلا مدخل لها في
غير الماشية بحال؛ لأن الاختلاط لا يحصل، وخرج القاضي وجهًا آخر إنها تؤثر؛
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يجِبْ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٢٩
لأن المؤنة تخف إذا كان الملقح واحدًا والصعاد والناطور والجرين، وكذلك
أموال التجارة والدكان واحد والمخزن والميزان والبائع، فأشبه الماشية، ومذهب
الشافعي على نحو مما حكينا من مذهبنا، والصحيح أن الخلطة لا تؤثر في غير
الماشية؛ لقول النبي وَ لّ ((وَالْخَلِيطَانِ مَا اشتركا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي))،
فدلَّ على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، قول النبي وَ ئية (لَا يُجْمَعَ
بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)) إنما يكون في الماشية؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة
وتكثر أخرى، وسائر الأموال تجب فيها فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر
لجمعها؛ ولأن الخلطة في الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى، ولو
اعتبرنا في غير الماشية أثرت ضررًا محضًا برب المال، فلا يجوز اعتبارها؛ إذا ثبت
هذا؛ فإن كان لجماعة حائط مشترك بينهم فيه ثمرة أو زرع، فلا زكاة عليهم إلا أن
يحصل في يد بعضهم نصاب كامل، فيجب عليه وعلى الرواية الأخرى إذا كان
الخارج نصابًا ففيه الزكاة. انتهى.
(وَفِي الرَقَّةِ) بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضة سواء كانت مضروبة وغير
مضروبة، أصله وَرِق حذف منه الواو وعوض عنه التاء كما في عدة ودية. وقيل:
هي الدرهم المضروبة. (رُبْعُ الْعُشْرِ) بضم الأول وسكون الثاني وضمهما فيهما،
يعني: إذا كانت الفضة مائتي درهم فربع العشر خمسة دراهم، وَمَرَّ أَنَّ الاقتصار
عليها للغالب. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أي: الرقة التي عنده. (إِلَّا تِسْعِينَ) أي: درهمًا.
(وَمِائَةٍ) أي: دراهم، والمعنى إذا كانت الفضة ناقصة عن مائتي درهم. (فَلَيْسَ فِيهَا
شَيْءٌ) أي: لا يجب إجماعًا. في ((شرح السنة)): هذا يوهم إنها إذا زادت على
التسعين والمائة شيئًا قبل أن تتم مائتين كانت فيه الصدقة وليس الأمر كذلك؛ لأن
نصابها المائتان وإنما ذكر تسعين؛ لأنه آخر فصل - أي: عقد - من فصول المائة
والحساب، إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول والعشرات والمئات والألوف،
فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين بدليل قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ)).
قال الطيبي: أراد أن دلالة هذا الحديث على أقل ما نقص من النصاب، إنما يتم
بحديث: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَة)) ويسمى هذا في الأصول: النص
المقيد بمفارقة نص آخر، وينصره الحديث الآتي عن علي رضي الله تعالى عنه:
٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمَائَةٍ شَيْءٍ فَإِذَا بَلَغَتْ مَائَتَيْنٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)). (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
رَبُّهَا) أي: يريد مالكها أن يعطي على سبيل التبرع، فإنه لا مانع له فيها، وهذا كقوله
في حديث الأعرابي في الإيمان: ((إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)).
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١١ - ١٢) والشافعي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والدار قطني والحاكم والبيهقي وصححه الدار قطني وابن حبان
وغيرهما، واعلم أن هذا الحديث أخرجه البخاري مقطعًا في عشرة مواضع من
((صحيحه)) في الزكاة في ستة مواضع، وفي الشركة، وفي الخمس، وفي اللباس،
وفي ترك الحيل، مطولًا ومختصرًا بسند واحد. قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس: أن
أنسًا حدثه: أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب ... إلخ. وقد انتقد عليه الدار قطني في
((التتبع والاستدراك)) حيث قال: إن ثمامة لم يسمع من أنسٍ ولا سمعه عبد الله بن
المثنى من ثمامة. ثم روى عن علي بن المديني عن عبد الصمد حدثني عبد الله بن
المثنَّى. قال: دفع إلى ثمامة هذا الكتاب، قال: وثنا عفان ثنا حماد قال: أخذت
من ثمامة كتابًا عن أنسٍ نحو هذا، وكذا قال حماد بن زيد عن أيوب: أعطاني ثمامة
كتابًا فذكر هذا. انتهى. قال الحافظُ في مقدمة ((الفتح)): ليس فيما ذكر الدار قطني
ما يقتضي أن ثمامة لم يسمعه من أنس كما صدر به كلامه، فأما كون عبد الله بن
المثنى لم يسمعه من ثمامة فلا يدل على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على
صحة الرواية بالمناولة إن ثبت أنه يسمعه مع أن في سياق البخاري: عن عبد الله بن
المثنى، حدثني ثمامة إن أنسًا حدثه ... ، وليس عبد الصمد فوق محمد بن
عبد الله الأنصاري في الفقه، ولا أعرف بحديث أبيه منه، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٢٠ ص٦): هذا الحديث في نهاية الصحة،
وعمل به أبو بكر الصديق بحضرة جميع الصحابة لا يعرف له منهم مخالف أصلًا،
رواه عن أبي بكر أنس وهو صاحب، ورواه عن أنس ثمامة وهو ثقة سمعه من أنس،
ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة وعبد الله بن المثنى وكلاهما ثقة وإمام. ورواه عن
ابن المثنى ابنه القاضي محمد، وهو مشهور ثقة ولي قضاء البصرة، ورواه عن
حماد بن سلمة يونس بن محمد عند البيهقي وابن حزم. وشريح بن النعمان عند
٣٣١
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
****<<<<<<<<**<< > <<<<<<<< > <<<**<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<< <<
النسائي وابن حزم. وموسى بن إسماعيل التبوذكي عند أبي داود. وأبو كامل
المظفر بن مدرك عند النسائي وأحمد. وغيرهم كالنضر بن شميل عند الدار قطني
والحاكم . وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور ولا مغمز لأحد في أحدٍ من رواة هذا
الحديث. انتهى. وتكلم ابن معين أيضًا على حديث أنس هذا، ففي ((الأطراف))
للمقدسي. قيل لابن معين: حديث ثمامة عن أنس في الصدقات، قال: لا يصح
وليس بشيء ولا يصح في هذا حديث في الصدقات. انتهى.
قال ابن حزم: كلام ابن معين مردود؛ لأنه دعوى بلا برهان. وقال البيهقي في
((المعرفة)): لا نعلمُ من الحفاظ أحدًا استقصى في إنقاد الرواة ما استقصاه محمد
ابن إسماعيل البخاري، مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها. وهو قد
اعتمد فيه على حديث ابن المثنى فأخرجه في ((صحيحه)) وذلك لكثرة الشواهد له
بالصحة. انتهى. وقال في ((السنن الكبرى)) (ج٤: ص ٩٠): قد روينا الحديث من
حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس من أوجه صحيحة، ورويناه عن سالم
ونافع موصولًا ومرسلًا، ومن حديث عمرو بن حزم موصولًا، وجميع ذلك يشد
بعضه بعضًا، انتهى.
١٨١٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِّوَ قَالَ: ((فِيمَا سَقَتِ
السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
W O
الشَّرْحُ
١٨١٢ - قوله: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) أي: المطر أو الثلج أو البرد أو الطل من
باب ذكر المحل وإرادة الحال. (وَالْعُيُونُ) أي: الأنهار الجارية التي يستسقى منها
بإساحة الماء من دون اغتراف بآلة، والمراد ما لا يحتاج في سقيه إلى مؤنة. (أَوْ
(١٨١٢) البُخَارِي (١٤٨٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٥٩٦)، والترمذي (٦٤٠)، والنَّسَائِي (٤١/٥)، وابن ماجه
(١٨١٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا.
٣٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كَانَ عَثَرِيًّا) بفتح العين المهملة وفتح المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد التحتية.
قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقة من غير سقي؛ لأنه عثر على الماء، وذلك
حيث كان الماء قريبًا من وجه الأرض فيغرس عليه، فيصل إلى الماء عروق الشجر،
فيستغني عن السقي وهو المسمى بالبعل في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): العثري بفتح المهملة والمثلثة وحكي إسكان
ثانية. قال الأزهري وغيره: العثري مخصوص بما سقى من ماء السيل فيجعل
عاثورًا، وهو شبه ساقية تحفر ويجري فيها الماء إلى أصوله وسمي كذلك؛ لأنه
يتعثر به المار الذي لا يشعر به، والنضح السقي بالسانية. وقال ابن قدامة: قال
القاضي أبو يعلى: هو الماءُ المستنقع في بركةٍ أو نحوها يصب إليه ماء المطر في
سواقي تُشق له، فإذا اجتمع سقي منه، واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي
يجرى فيها الماء؛ لأنها يعثر بها من يمر بها إذا لم يعلمها .
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر تفسير الخطابي: وهذا أولى من إطلاق أبي عبيدٍ
(ص٤٧٨) أن العثري ما تسقيه السماء؛ لأنَّ سياق الحديث يدلُّ على المغايرة.
(الْعَشْرُ) مبتدأ خبره «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ)) أي: العشر واجب فيما سقت السماء أو
أنه فاعل محذوف أي: فيما ذكر يجب العشر. (وَمَا سُقِيَ) ببناءِ المجهول.
(بِالنَّضْح) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة، وهو السقى
بالرشا والغرب والدالية. وقال الحافظ: أي: بالسانية، وهي رواية مسلم، يعني:
حديث جابر، والمراد بها الإبل يستقي عليها، وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر
وغيرها كذلك في الحكم، والمراد ما يحتاج إلى مؤنة الآلة.
قلتُ: وفي رواية أبي داود والنسائي: ((وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي وَالنَّضْح))، وهذا
يدل على التغاير بين السانية والنضح وأن السواني المراد بها الدواب والنضح: ما
كان بغيرها كنضح الرجال بالآلة. (نِصْفُ الْعُشْرِ) فيه دليل على التفرقة بين ما سقي
بالسواني والنضح وبين ما سقي بماء السماء ونحوه، وقد أجمع العلماء عليه؛ قال
ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة خلافًا والفارق ثقل المؤنة هنا وخفتها في
الأول.
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الزّكاةُ
٣٣٣
قال الخطابي: إنما كان وجوب الصدقة مختلفة المقادير في النوعين؛ لأن ما
عمت منفعته وخفت مؤنتة كان أحمل للمواساة، فأوجب فيه العشر توسعة على
الفقراء، وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر؛ رفقًا بأرباب الأموال. انتهى.
وقد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث: على عدم اشتراط النصاب في زكاة الخارج
من الأرض؛ وعلى وجوب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض، وقد تقدم
الكلام على المسألتين مبسوطًا. قال السندي: استدل أبو حنيفة بعموم الحديث
على وجوب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من قليل وكثير، والجمهور جعلوا
هذا الحديث لبيان محل العشر ونصفه، وأما القدر الذي يؤخذ منه فأخذوا من
حديث: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسِقٍ صَدَقَةٌ))، وهذا أوجه؛ لما فيه من استعمال
كل من الحديثين فيما سيق له. انتهى.
G فائدة:
إن وجد ما يسقى بالنضح تارة وبغير النضح أخرى، فإن كان ذلك على جهة
الاستواء وجب فيه ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم؛ قال ابن قدامة (ج٢
ص٦٩٩): لا نعلم فيه مخالفًا، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما
فوجب مقتضاه وسقط حكم الآخر، أي: كان حكم الأقل تبعًا للأكثر، نص عليه
أحمد وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقال ابن حامد :
يؤخذ بالقسط وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنهما لو كانا نصفين؛ أخذ بالحصة،
فكذلك إذا كان أحدهما أكثر كما لو كانت الثمرة نوعين، ووجه الأول أن اعتبار
مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقيه يشق ويتعذر، فكان الحكم
للأغلب منهما كالسوم في الماشية. قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل
كل واحد منهما؛ أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك: العبرة بما تم به
الزرع وانتهى ولو كان أقل. انتهى. قال ابن قدامة: وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب
العشر احتياطًا، نص عليه أحمد.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان والدارقطني وابن الجارود وأبو عبيد والبيهقي، وأخرجه أحمد ومسلم
٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وأبو داود والنسائي من حديث جابر، والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة،
والنسائي وابن ماجه من حديث معاذ، وأبو داود من حديث علي، ويحيى بن آدم
من حديث أنس.
١٨١٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّلْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ :
((الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِثْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٨١٣- قوله: (الْعَجْمَاءُ) بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث
الأعجم وهي البهيمة، سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم وكل من لا يقدر على الكلام
أصلاً فهو أعجم ومستعجم. وعن أبي حاتمٍ: يقال لكلٍّ من لم يبين الكلام من
العرب والعجم والصغار: أعجم ومستعجم، وكذلك من الطير والبهائم كلها
والاسم: العجمة (جُرْحُهَا) بضم الجيم وفتحها والمفهوم من ((النهاية)) نقلًا عن
الأزهري أنه بالفتح لا غير، لأنه مصدر، وبالضم الجراحة والمراد إتلافها .
قال عياض: إنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب. وقيل: هو مثال نبه به على ما عداه
كذا في ((المرقاة)). وقال السندي: جرحها بفتح الجيم على المصدر لا غير وهو
بالضم اسم منه، وذلك لأن الكلام في فعلها، لا فيما حصل في جسدها من
الجرح، وإن حمل جرحها بالضم على جرح حصل في جسد مجروحها تكون
الإضافة بعيدة، وأيضًا الهدر حقيقة هو الفعل لا أثره في المجروح. فليتأمل.
انتهى. ووقع في رواية للبخاري: ((العَجْمَاءُ جُبَارٌ))، ولا بد فيه من تقدير مضاف؛
ليصح حمل المبتدأ على الخبر، أي: فعل العجماء هدر.
قال الولي العراقي: لا بد في هذه الرواية من تقدير؛ إذ لا معنى لكون العجماء
نفسها هدرًا، وقد دل غير هذه الرواية على أن ذلك المقدر هو الجرح، فوجب
(١٨١٣) البُخَارِي (١٤٩٩)، وَمُسْلِم (١٧١٠/٤٥)، وأَبُو دَاوُد (٣٠٨٥)، والترمذي (٦٤٢)، والنَّسَائِي
(٤٥/٥)، ورواه ابن مَاجَهْ (٢٥٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٣٣٥
كِتَابُ الزَّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّکاةُ
الرجوع إليه، ولكن الحكم غير مختص به، بل هو مثال منه يستدل به على ما عداه
كما تقدم، ولو لم تدل رواية أخرى على تعيين ذلك المقدر لم يكن لرواية البخاري
هذه عموم في جميع المقدرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحد منها، هذا هو
الصحيح المنصور في الأصول إن المقتضى لا عموم له. انتهى.
وفي رواية للبخاري أيضًا: ((الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ)). قال الزين العراقي في ((شرح
الترمذي)»: ليس ذكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأي وجه كان، سواء كان
بجرح أو غيره، والمراد بالعقل: الدية، أي: لا دية فيما تتلفه.
(جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف الباء الموحدة أي: هدر غير مضمون، أي: لا شيء
فيه، يقال: ذهب دمُهُ جبارًا أي: هدرًا، وعن مالك أي: هدر لا دية فيه، يعني :
الدابة المرسلة في رعيها أو المنفلتة من صاحبها ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب،
إذا جرحت أحدًا أو أتلفت شيئًا و کان نهارًا، فلا ضمان، وإن کان معها أحد، فهو
ضامن؛ لأن الإتلاف؛ حصل بتقصيره، وكذلك إذا كان ليلًا؛ لأن المالك قصر في
ربطها؛ إذ العادة أن تربط الدواب ليلًا وتسرح نهارًا، كذا ذكره الطيبي وابن
الملك. وفي إعراب هذه الجملة وجهان. أحدهما: أن يكون قوله: ((جَرْحُهَا جُبَارٌ))
جملة من المبتدأ وخبر وهي خبر عن المبتدأ الذي هو ((العجماء)). والثاني: أن
يكون قوله ((جُرْحُهَا)) بدلًا من ((الْعَجْمَاءُ)) وهو بدل اشتمال. والخبر قوله (جُبَارٌ))
والكلام جملة واحدة والمصدر في قوله: ((جُرْحُهَا)) مضاف للفاعل أي: كون
العجماء تجرح غيرها غير مضمون. وقد استدل بإطلاق الحديث من قال: لا ضمان
فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد، سواء كان راكبها أو سائقها أو
قائدها وهو قول الظاهرية، واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على
ذلك الفعل، إذا كأن راكبًا كان يلوي عنانها فتتلف شيئًا برجلها مثلًا، أو يطعنها أو
يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تُتْلِفَ ما مرت عليه، وأما ما لا ينسب إليه فلا
ضمان فيه. وقال الشافعية: إذا كان مع البهيمة إنسان، فإنه يضمن ما أتلفته من
نفس أو عضو أو مال، سواء كان راكبًا أو سائقًا أو قاعدًا، وسواء كان مالكًا أو أجيرًا
أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها أو
عضها، وسواء كان ذلك ليلاً أو نهارًا، والحجة في ذلك أن الإتلاف لا فرق فيه بين
العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب
٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إليه سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم لا، وعن مالك كذلك إلا أن رمحت
بغير أن يفعل بها أحد شيئًا ترمح بسببه، وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور.
وقال الحنفية: إن الراكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إلا
إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق.
فقال القدوري وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها؛ لأن النفحة
بمرأى عينه، فيمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا وإن كان
يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم
لإمكان كبحها بلجامها، صححه صاحب ((الهداية))، وكذلك قال الحنابلة: إن
الراكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها، وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة
عن شريح القاضي والحسن البصري وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين، وعطاء
ابن أبي رباح وعن الحكم والشعبي: يضمن، لا يبطل دم المسلم وتمسك من نفى
الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث مع الرواية التي فيها ((الرجل جبار)) لكنها
ضعيفة، ضعفها الدار قطني والشافعي وغيرهما، واستدل بالحديث على أنه لا فرق
في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها من الأموال في الليل والنهار، فيما إذا لم يكن
صاحبها معها وهو قول الحنفية والظاهرية.
وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان عن صاحب البهيمة إذا كان ذلك نهارًا.
وأما بالليل، فإن عليه حفظها فإذا انفلتت بتقصير منه؛ وجب عليه ضمان ما أتلفت،
ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن البراءِ
ابن عازب، قالَ: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى
رسول اللَّهِ وَلّ: ((أن حفظَ الحوائط بالنهارِ على أهلها، وإن حفظ الماشية بالليل
على أهلها، وإن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل))، وأشار الطحاوي
إلى أنه منسوخ بحديث الباب، وتعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل
بالتاريخ. وأقوى من ذلك قول الشافعي، أخذنا بحديث البراء؛ لثبوته ومعرفة
رجاله ولا يخالفه حديث ((العجماء جبار))؛ لأنه عام المراد به الخاص، فلما قال:
((العجماء جبار)) وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال؛ دون حال دل ذلك
على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار، وفي حال غير جبار. ثم
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٣٧
نقض على الحنفية إنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب
متمسكين بحديث ((الرجل جبار)) مع ضعف رواية، كذا في ((الفتح.))
(وَالْبِتْرُ) بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة،
وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبور، وآبار بالمد والتخفيف
وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة (جُبَارٌ). وفي رواية لمسلم: ((الْبِتْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ))
قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا: العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في
البادية فيقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئرًا
في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره، فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه
تسبب إلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر فانهارت عليه، فلا
ضمان. وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف
بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها
غير آدمي؛ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل
المذكور .
(وَالْمَعْدِنُ) بفتح الميم وكسر الدال أي: المكان من الأرض يخرج منه شيء من
الجواهر والأجساد، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك
مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به، يعدن بالكسر عدونًا، سمي بذلك لعدون ما
أنبته الله فيه قاله الأزهري. وقال في ((القاموس)): المعدن كمجلس منبت الجواهر
من ذهب ونحوه لإقامة أهله فيه دائمًا أو لإثبات الله رحمن إياه فيه. انتهى. وقيل:
أصل المعدن المكان بقيد الاستقرار فيه، ثم اشتهر في نفس الأجزاء المستقرة التي
ركبها اللَّه تعالى في الأرض يوم خلقَ الأرض حتى صار الانتقال من اللفظ إليه
ابتداء بلا قرينة (جُبَارٌ) أي: هدر، وليس المراد أنه لا زكاةً فيه، وإنما المعنى: إن
من حفر معدنًا في ملكه أو في موات لاستخراج ما فيه فوقع فيه إنسان أو أنهار على
حافره الأجیر فهو هدر ولا ضمان فيه.
قال الحافظ: وقع في رواية مسلم: ((والمعدن جرحها جبار)) والحكم فيه ما تقدَّم
في البئر، ولكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر، فكأنه ذكره بالتأنيث؛ للمواخاة أو
الملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنًا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص،
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فمات قدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيرًا يعمل له، فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر
والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها
فمات. انتهى.
(وَفِي الرِّكَازِ) بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي من الركز بفتح الراء. قال
ابن قدامة: الركاز المدفون في الأرض، واشتقاقه من رکز یرکز، مثل غرز يغرز،
إذا خفي، يقال: ركز الرمح، إذا غرز أسفله في الأرض، ومنه الركز وهو الصوت
الخفي قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] وفي ((القاموس)): الركاز: ما
ركزه اللَّه تعالى في المعادن، أي: أحدثه، ودفين أهل الجاهلية وقطع الذهب
والفضة من المعدن وأركز الرجل؛ وجد الركاز والمعدن؛ صار فیه ر کاز وارتكز؛
ثبت. انتهى.
واعلم أنهم اختلفوا في المراد من الركاز في الحديث، فقال مالك والشافعي
وأحمد والجمهور، إن الركاز كنز الجاهلية المدفون في الأرض، وليس المعدن
بركاز، ولا خمس في المعدن، بل فيه الزكاة وسيأتي بيانه في آخر الفصل الثاني
من هذا الباب. وقال الحنفية: المعدن ركاز أيضًا، فيجب الخمس فيهما. قال ابن
الهمام: الركاز يعم المعدن والكنز؛ لأنه من الركز مرادًا به المركوز أعم من كون
راكزه الخالق والمخلوق، فكان إيجابًا فيهما. وقال الكاساني: المستخرج من
الأرض نوعان: أحدهما: يسمى كنزًا وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض.
والثاني: يسمى معدنًا، وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق
الأرض.
والركاز: اسم يقع على كل واحد منهما، إلا أن حقيقته للمعدن، واستعماله
للكنز مجازًّا. قال في ((النهر)): لا يجوز أن يكون حقيقة في المعدن، مجازًا في
الكنز؛ لامتناع الجمع بينهما بلفظ واحد. وقال في ((الدُّرِّ المختار)): هو لغة: من
الركز، أي: الإثبات بمعنى المركوز. وشرعًا: مال مركوز تحت أرض أعم من
معدن خلقي ومن كنز مدفون دفنه الكفار، واحتج الجمهور بقوله ◌َّله: ((وَالْمَعْدِنُ
جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ))، ووجه الاستدلال أنه عطف الركاز على المعدن،
وفرق بينهما بواو فاصلة، فعلم أن المعدن ليس بركاز عنده ◌َّل، بل هما شيئان
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
٣٣٩
متغايران، ولو كان المعدن ركازًا عنده، لقال: المعدن جبار، وفيه الخمس، ولما
لم يقل ذلك؛ ظهر أنه غيره لأن العطف يدل على المغايرة.
قال الحافظ: والحجة للجمهور التفرقة من النبي ◌ُّ﴾ بين المعدن والركاز بواو
العطف، فصح أنه غيره، وأجيب عن هذا بأنه لا يرد على الحنفية؛ لأنهم قالوا: إنَّ
الركاز يعمُّ المعدن والكنز. والمغايرة. بين العام والخاص مما لا يخفي، فلو
قال: فيه الخمس، يعلم حكم المعدن دون الكنز، وأيضًا وضع المظهر محل
المضمر مما لا ينكر على أنه ورد في رواية للبخاري في الديات: ((الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا
جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِثْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ))، فلو قال: وفيه الخمس،
لحصل الالتباس باحتمال رجوع الضمير إلى البئر.
قال ابنُ التركماني: المعدن: هو الركاز، فلما أراد أن يذكر له حكمًا آخر؛ ذكره
بالاسم الآخر، وهو الركاز، ولفظ الصحيح في الحديث: ((وَالْبِتْرُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ
الْخُمُسُ)) فلو قال: وفيه الخمس لحصل الالتباس بعود الضمير إلى البئر. وقال في
((المواهبِ اللطيفة)) أخذًا من ابن الهمام: إن المغايرة بينهما إنما حصلت؛
لاختلاف كل منهما في أمر يمتاز به عن الآخر، وذلك أن قوله: ((الْمَعْدِنُ جُبَارٌ)»
معناه أن إهلاكه أو الهلاك به للأجير الحافر له غير مضمون، لا أنه لا شيء فيه
بنفسه، وإلا لم يجب شيء أصلًا، وهو خلاف المتفق عليه، إذ الخلاف إنما هو في
كميته لا في أصله، وغاية ما هناك: أنه أثبت للمعدن بخصوصه حكمًا فنص على
خصوص اسمه ثم أثبت له حكمًا آخر مع غيره، فعبر بالاسم الذي يعمهما ليثبت
فيهما، فإنه نَّال علق الحكم أعني وجوب الخمس بما يسمى ركازًّا - فما كان من
أفراده؛ وجب فيه. انتهى.
وقال بعضهم: احتجاج الجمهور غير صحيح، فإن المراد بالمعدن حفرته، فإنه
إذا وقع فيها إنسان، فلا ضمان فيه، والمراد بالركاز المال الذي في المعدن بأن
المال المستخرج منها فيه الخمس، فعلى هذا دلالة العطف صحيحة؛ لأن مدلول
أحدهما غير مدلول الآخر، فلا حجة فيه للجمهور.
واحتج الجمهور أيضًا بأن الركاز في لغة أهل الحجاز هو دفين الجاهلية، ولا
شك في أن النبي الحجازي وَلو تكلم بلغة أهل الحجاز، وأراد به ما يريدون منه.