النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨٠ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ *6 يُفَارِقَنَّكُمْ إِلَّا عِنْ رِضًّا)). وفي روايةِ ابن ماجه: ((لَا يَرْجِعُ الْمُصَدِّقُ إِلَّا عَنْ رِضًا»، قال الطيبي: ذكر المسبب وأراد السبب؛ لأنه أمر للعامل، وفي الحقيقة أمر للمزكي. والمعنى: تلقوه بالترحيب وأداء زكاة أموالكم تامة؛ ليرجع عنكم راضيًا، وإنما عدل إلى هذه الصفة؛ مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم، كما سیجيء، انتھی. وقال البيهقي في ((سُننه)) (ج ٤: ص ١٣٧): قال الشافعي: يعني - والله أعلم - أن يوفوه طائعين، ولا يلووه لا أن يعطوه من أموالهم ما ليس عليهم، فبهذا يأمرهم ويأمر المصدق. قال البيهقي: وهذا الذي قاله الشافعيُّ محتمل، لولا ما في رواية أبي داود من الزيادة، وهي: قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه، وَإِنْ ظَلَمُونَا؟ قال: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ))، ففي هذا كالدلالة على أنه رأى الصبر على تعديهم، انتھی . قال عياض: فيه الحض على طاعة الأمراء وترك مخالفتهم، وكل ذلك حض على الألفة واجتماع الكلمة التي جعلها الله وم أصلًا لصلاح الكافة وعمارة ونظام أمر الدنيا والآخرة. وقال النووي: مقصود الحديث الوصاة بالسعاة وطاعة ولاة الأمور وملاطفتهم وجمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات البين، وهذا كله ما لم يطلب جورًا، فإذا طلب جورًا فلا موافقة له ولا طاعة؛ لقوله وَ لّر في حديث أنس في ((صحيح البخاري)): ((فمن سُئِلَهَا على وجهها فليعطها، ومن سُئِلَ فوقها فلا يعط))، انتهى. وقال السندي: أي: لا يرجع عامل الصدقة إلا عن رضًا بأن تلقوه بالترحيب وتؤدوا إليه الزكاة طائعين، ولم يرد أن تعطوه الزائد على الواجب الحديث: ((من سُئِل فوقها فلا يُعْطِ)) أي: فوق الواجب. وقيل: لا يعطي أصلًا؛ لأنه الغزل بالجور، انتهى. وسيأتي رواية أبي داود التي أشار إليها البيهقي من حديث جرير في الفصل الثاني من هذا الباب، ورواية البخاري من حديث أنس الذي ذكره النووي والسندي في الفصل الأول من باب ما يجبُ فيه الزكاة. ويأتي هناك وجه الجمع بين الروايتين. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في آخر الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٦٠ - ٣٦٤) والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٤: ص١٣٦). ١٨١ كِتَابُ الرَّكَاةِ ١٧٩٢ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىَ آَلِ فُلَانٍ)). فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى)). - وفي رِوَايَةٍ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ◌َ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ))( ** ). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] G O الْشَّرْجُ ١٧٩٢ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء مقصورًا، قد تقدم ترجمة عبد الله، وأما والده أبو أو فى فهو علقمة بن خالد ابن الحرث الأسلمي، مشهور بكُنيته، شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة، وَعَمَّرَ عبد اللَّه إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وذلك سنة سبع وثمانين. (إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ) أي: بزكاة أموالهم. (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلٍ فُلانٍ) أي: اغفر له وارحمه. قال العيني: كذا في رواية الأكثرين. وفي رواية أبي ذرٍّ: ((صَلِّ عَلَى فُلَانٍ))، انتهى. والمعنى واحد؛ لأنَّ الآل يطلق على ذات الشيء. وقيل: لفظ الآل مقحم يدلُّ عليه الرواية الآتية. (فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أو فى. (عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى) يريد أبا أوفى نفسه؛ لأنَّ الآل يطلق على ذات الشيء؛ كقوله في قصَّةٍ أبي موسى: (لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ))، يريد داود نفسه. وقيل: لا يقال ذلك إلا في حقِّ الرجلِ الجليلِ القدر. وقال القاري: الظاهر أن الآل مقحم يدل عليه الرواية الآتية: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ))، أو المراد: هو وأهل بيته، فيعم الدعاء؛ لأنه إذا دعى لآله لأجله، فهو يستحق الدعاء بطريق الأولى، انتهى. وهذا الدعاء منه ◌َِّ امتثالِ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَّهِمَّ إِنَّ صَلَوَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾﴾ [التوبة: ١٠٣] فإنه أمره اللهُ بالصلاة (١٧٩٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٩٧)، ومُسْلِم (١٠٧٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (١٥٩٠)، والنَّسَائِي (٣١/٥)، وابن مَاجَهْ (١٧٩٦). ( ** ) البُخَارِي (٦٣٥٩) عَنْهُ فِي الدَّعَوَاتِ. ١٨٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عليهم ففعلها بلفظها حيث قال: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)). ولفظ الصلاة: بحتم، بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، مثل أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، أو يقول: اللهم اغفر له وتقبل منه ونحو ذلك. والدليل عليه ما رواه النسائي والبيهقي من حديث وائل بن حجر، أنه وَ لّ قال في رجل بَعث بناقةٍ حسنة في الزكاة: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِهِ وَفِي إِبِلِهِ)). وفي الحديث: دليل على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الصدقة لمعطيها. وقال بعض أهل الظاهر بوجوب ذلك على الإمام، وحكاه أبو عبد الله الحناطي - بالحاء المهملة - وجهًا لبعض الشافعية، وكأنهم أخذوه من الأمر في الآية. وأجيب: بأنه لو كان واجبًا لَعَلَّمَهُ النبيُّ وَ له السعاة، ولم ينقل. وفيه: أن وجوبَ الدعاء كان معلومًا لهم من الآية الكريمة، فلم يكن حاجة إلى تعليم الدعاء والأمر به، وأجاب الجمهور أيضًا: بأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرهما لا يجبُ عليه فيها الدعاء، فكذلك الزكاة، وبأن ذلك لا يجب على الفقير المدفوع إليه، فالنائب أولى، وأما الآية فيحتملُ أن يكون الوجوب خاصًّا به؛ لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف غيره. واستدلَّ بالحديثِ على جواز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا، وأنه يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء، وهو قول أحمد، قالوا: والصلاةُ هاهنا بمعنى الدعاء والتبريك لا بمعنى التعظيم والتكريم، وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة، قالوا: لا يصلي على غير الأنبياء استقلالًا، ولكن يصلي عليهم تبعًا، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن هذا حقه عليه الصلاة والسلام له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك. وقال في ((اللمعات)): هذه الصلاةُ غير ما يصلى به على النبي وَّرَ، وإنما هو بمعنى الترحم والتعطف والترحيب، لا على وجه التعظيم والتكريم؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقيل: لا يجوز الدعاء بلفظ الصلاة على أحد إلا النبي ◌َّ، ولمن سواه من الأئمة أن يدعو عند أخذ الصدقة بمضمونه وبمعناه لا بلفظ الصلاة، انتهى. قلتُ: ومال البخاري إلى الجواز مطلقًا، حيث بوب في ((جامعه)) الصحيح: بَاب: هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِّ نَّهِ؟ وصدَّر بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ ١٨٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ عَلَيَّهِمَّ﴾ ثم أورد الحديث الدال على الجواز مطلقًا، وهو حديث عبد الله بن أبي أوفى، وعقبه بالحديث الدال على الجواز تبعًا. قال الحافظُ: قوله: هل يُصَلَّى على غير النبي ◌َّ؟ أي: استقلالًا أو تبعًا، ويدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون. فأما مسألة الأنبياء فورد فيها أحاديث: أحدها: حديث علي في الدعاء بحفظٍ القرآن، ففيه: ((وَصَلِّ عَلِيَّ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ))، أخرجه الترمذي والحاكم. وحديث بريدة رفعه: (لَا تَتْرُكَنَّ فِي التَّشَهُّدِ الصَّلَاةَ عَلِيَّ وَعَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ .. )) الحديث أخرجه البيهقي بسندٍ واهٍ، وحديث أبي هريرة رفْعَهُ: ((صَلَّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ... ))، الحديث أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف، وحديث ابن عباس رفعه: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَصَلَّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَّهُمْ كَمَا بَعَثَنِي)) أخرجه الطبراني، وسنده ضعيف أيضًا. وقد ثبت عن ابنِ عباس اختصاص ذلك بالنبي وَّر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه، قال: ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي ◌َّر، وهذا سند صحيح، وحكي القول به عن مالك، وقال: ما تعبدنا به، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك: يكره. وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز، وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على نبي. ووجدت بخطّ بعض شيوخي: مذهب مالك لا يجوز أن يصلى إلا على محمدٍ، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدی ما أمرنا به، وخالفه یحیی بن یحیی، فقال: لا بأس به، واحتجَّ بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا يمنع إلا بالنص أو إجماع. قال عياض: والذي أميلُ إليه قول مالك وسفيان وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء، قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاة على غير الأنبياء - يعني: استقلالًا - لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم، وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثًا نصًّا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبتَ؛ لأن الله تعالى سماهم رسلاً. وأما المؤمنون فاختلف فيه، فقيل: لا تجوزُ إلا على النبي ◌َّ خاصة، وحكي عن مالِكٍ كما تقدم. وقالت طائفة: لا تجوزُ مطلقًا استقلالًا، وتجوز تبعًا فيما ورد ١٨٤ ** مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * seeer به النص. أو أُلحق به؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ولأنه لما علمهم السلام. قال: ((السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين))، ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته، وهذا القول اختاره القرطبي في المفهم وأبو المعالى من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية من المتأخرين . وقالت طائفة: تجوزُ تبعًا مطلقًا، ولا تجوزُ استقلالًا، وهذا قولُ أبي حنيفة وجماعة . وقالت طائفة: تكره استقلالاً لا تبعًا، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو خلاف الأولى. وقالت طائفة: تجوزُ مطلقًا، وهو مقتضى صنيع للبخاري كما تقدم تقریره ووقعَ مثل حديث ابن أبي أوفى عن قيس بن سعد بن عبادة: أن النبي ◌ُّل رفع يديه وهو يقول: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ))، أخرجه أبو داود والنسائي، وسنده جيد. وفي حديث جابرٍ: أنَّ امرأته قالت للنبي وَّ: صَلِّ عَلِيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَفَعَلَ، أخرجه أحمد مطولًا ومختصرًا، وصححه ابن حبان. وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، ونص عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبري، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَئِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وفي ((صحيح مسلمٍ)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لِرُوحِ الْمُؤْمِنِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدَِّ)). وأجاب المانعون عن ذلك كله: بأن ذلك صدر من الله ورسوله، ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما. قال الحافظُ: والحُجة فيه أنه صار شعارًا للنبي وَّ، فلا يشاركه غيره فيه فلا يقال: قال أبو بكر وَلّه، وإن كان معناه صحيحًا، ويقال: صلى اللَّه على النبي ◌ِّل وعلى خليفته. ونحو ذلك، وقريب من هذا، أنه لا يقال: محمد رَّ، وإن كان معناه صحيحًا؛ لأن هذا الثناء صار شعارًا لله سبحانه، فلا يشاركه غيره فيه. ولا [التوبة: ١٠٣] وبقوله : حجة لمن أجازَ ذلك منفردًا محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ وَّةِ ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى)) وبقولِ امرأةٍ جابرٍ: صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي. ١٨٥ كِتَابُ الرَّكاةِ ** ** <<<<<< 9 **** فقال: ((صل عليهما))، فإن ذلك كله صدر من النبي ◌ّثه، ولصاحب الحق أن يتفضل من حقِّه بما شاء لمن شاء، وليس لغيره أن يتصرف إلا بإذنه، ولم يثبت عنه إذن في ذلك. ويقوي المنع بأن الصلاة على غير النبي وَ لَه صار شعارًا لأهل الأهواءِ، يصلون على من يعظمونه من أهل البيت وغيرهم، وهل المنع في ذلك حرام أو مكروه أو خلاف الأولى؟ حكى الأوجه الثلاثة النووي في ((الأذكار))، وصحح الثاني. وقد روى إسماعيل بن إسحاق في ((أحكام القرآن)) بإسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أما بعد، وإن ناسًا من القصاص أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي، فإذا جاءك كتابي هذا، فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين، وَيَدعُوا ما سوى ذلك، ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال: لا تصلح الصلاة على أحدٍ إلا على النبي وَّ، ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار، انتهى. وقال البيهقي: يحمل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم، لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة، وقال ابنُ القيم: المختارُ أن يصلى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي وَلّر وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارًا، ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردًا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارًا لم يكن به بأس، انتهى. تنبيه: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقًا. وقيل: بل تبعًا ولا يفرد لواحد؛ لكونه صار شعارًا للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني، كذا في ((الفتح)). (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والمغازي والدعوات، ومسلم في الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥) وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٤: ص ١٥٧). (وَفِي رِوَايَةٍ) هذه الرواية من أفراد البخاري أوردها في باب: هل يصلى على غير النبي وَّ؟ من كتاب الدعوات. (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) تمامه: وأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)). ١٨٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ١٧٩٣ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّهِ: ((مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلََّّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ قَدَّ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)). ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُمَرُ أَمَا شَعَّرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] أَبِیهِ؟». الْشَّرْجُ ١٧٩٣ - قوله: (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِنَِّ عُمَرَ) أي: أرسله ساعيًّا وعاملًا. (عَلَى الصَّدَقَةِ) أي: الواجبة، يعني: الزكاة المفروضة؛ لأنها المعهودة بانصراف الألف واللام إليها، ولأن البعث إنما يكون على الصدقات المفروضة. وقال ابن القصار المالكي: الأليقُ أنها صدقة التطوع؛ لأنه لا يُظَنُّ بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وعلى هذا فعُذر خالد واضح؛ لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ابن جميل شحَّ بصدقة التطوع، فعُتِب عليه. وقال في العبَّاسِ: ((هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) أي: أنه لا يمتنع إذا طلبت منه. وتعقب: بأنهم ما منعوه كلهم جحدًا ولا عنادًا. أما ابنُ جميل: فقد قيل: إنه كان منافقًّا ثم تابَ بعد ذلك، كما حكاه المهلبُ. قيل: وفيه نزلتْ: ﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمَّ﴾ [التوبة: ٧٤) الآية فقال: استتاب نبي الله فتابَ وصلح حاله، والمشهور نزولها في غيره. وأما خالد، فكان متأولًا بأجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العباس لاعتقاده ما سيأتي التصريح به؛ ولهذا عذر النبي وَّ خالدًا والعباس، ولم يعذر ابن جميل. قال القسطلاني، أخذًا عن ابن دقيق العيد: فالظاهر أنها الصدقة الواجبة لتعريف الصدقة باللام العهدية. وقال النووي: إنه الصحيح المشهور. ويؤيده قوله: ((بَعَثَ (١٧٩٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٦٨)، ومُسْلِم (١١٤ / ٩٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ فِيهَا . ١٨٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ)) فهو مشعر بأنها صدقة الفرض؛ لأن صدقة التطوع لا تبعث عليها السعاة، انتهى. (فَقِيلَ) القائل هو عمر رَزَ ◌ّة؛ لأنه هو المرسل. ويؤيده رواية الدار قطني من حديث ابن عباس: أن النبي ◌ُّل بعث عمر ساعيًّا، فأتى العباس فأغلظ له، فأخبر النبي وَّ، فقال: ((إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله ... )) الحديث. (مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) بفتح الجيم وكسر الميم، قال ابنُ منده: لم يعرف اسمه، ومنهم من سمَّاه حميدًا. وقيل: اسمه عبد الله، وذكره الذهبي في ((تجريده)) (ج٢ ص٢٢٥) فيمن عرف بأبيه ولم يسم. وقال الحافظُ في ((الفتح)): لم أقف على اسمه في كتب الحديث. (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بالرفع عطف على ابن جميل، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي، أبو سليمان - سيف الله - وأمه لبابة الصغرى، أخت ميمونة زوج النبي ◌َّ، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه أَعِنَّهُ الخيل في الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية والفتح، وشهد مؤته، ويومئذٍ سماه رسول اللَّه وَل سيف الله، وشهد الفتح وحُنينًا، واختلف في شهوده خيبر، روى عن النبي ◌َّ، وعنه ابن خالته ابن عباس وجابر بن عبد الله والمقدام بن معديكرب وغيرهم. استعمله أبو بكر على قتال أهل الردة ومسيلمة، ثم وجهه إلى العراق ثم إلى الشام، وهو أحد أمراء الأجناد الذين ولوا فتح دمشق. قال الزبير بن بكار: كان ميمون النقيبة، ولما هاجر لم يزلْ رسولُ اللَّه ◌َ ل﴿ يوليه الخيل، ويكون في مقدمته. وقال ابن سعد: كان يشبه عمر في خلقته وصفته. ولما نزل الحيرة قيل له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم، فقال: ائتوني به فأخذه بيده. وقال: بسم الله وشربه، فلم يضره شيئًا. قال ابن سعد وابن نمير: مات بحمص سنة (٢١)، وقال دحيم وغيره: مات بالمدينة. وقيل: مات سنة (٢٢) ويروى أنه لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقيتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فِراشي، فلا نامت أعين الجبناء. ١٨٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * * (وَالْعَبَّاسُ) بالرفع عطفًّا على ((وخالد)). ووقع في رواية أبي عبيد (ص٥٩٢): (منع ابن جميل وخالد والعباس أن يتصدَّقوا))، وهو مقدر هاهنا؛ لأن ((منع)) يستدعى مفعولًا أي: منع هؤلاء التصدق، يعني: إعطاء الزكاة. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ) بيان لوجه امتناع هؤلاء من الإعطاءِ، فلذلك ذكره بالفاء. (مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) بكسر القاف من باب ضرب، أي: ما ينكر الزكاة. (إِلَّا أَنَّهُ) أي: لأجل أنه. (كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) فجعل نعمة الله، وهو كونه أغناه اللَّه بعد فقره سببًا لكفرها، مع أنه لا يصلح أن يكون علة لكفران النعمة، بل هو موجب للشكر، فعكس وجعلها موجبة للكفران، فاستحقَّ كل الذمِّ، وفي هذا قول الشاعر: أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِذَا غَضِبُوا مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا أو ((ما ينقم)) أي: ما يكره شَيئًّا إلا إغناء الله، وهذا مما لا يكره، أو ما ينكر شيئًا إلا كون اللَّه أغناه بعد فقره، وهذا ليس بمنكر، فكأنه لم ينكر منكرًا أصلاً، يقال: نَقَمتُ منه كذا أَنْقِم بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا عِبْته وأنكرته عليه وكرهته، وكذلك نَقمت بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل. وقيل: ينقم بکسر قاف أفصح من فتحها . قال في ((النهاية)): ويقال: نقم من فلان الإحسان إذا جعل إحسانه مما يؤيديه إلى كفر النعمة، أي: أواه غناه إلى أن كفر نعمة الله، فما ينقم شيئًا في منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة. قال التوربشتي: وهذا الذي قاله صحيح؛ لأنه قول القائل لمن أساء إليه بعد أن أحسن هو إليه: ما عِبتَ عليَّ إلا الإحسان إليك، تعريض بكفران النعمة، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان؛ وإنما ذكر رسول اللّه وَل نفسه عند المنة عليه؛ لأنه كان سببًا لدخوله في الإسلام، فأصبحَ غنيًّا بعد فقرهٍ بما أفاءه اللهُ على رسوله، وبما أباحَ لأمته من الغنائم ببر کته، انتهى. وقال الكرماني: الاستثناء مفرغ، ومحل ((أن)) وصلتها نصب على المفعول به، أو على أنه مفعول لأجله، والمفعول به حينئذٍ محذوف أي: ليس ثمة شيء ينقم له ابن جميل يوجب منع الزكاة إلا أغناه الله، وليس بموجب للمنع، فلا موجب له أصلًا، وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء، ١٨٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وذلك الشيء لا يقتضي إثباته، فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين : تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأول قول الشاعر: بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ لأنه إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا، وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم. ومن الثاني هذا الحديث وشبهه، أي: ما ينقم ابن جميل شيئًا إلا كون اللَّه أغناه بعد فقره، وهذا مما لا ينقم فليس ثمة شيء ينقم، أو فلم ينكر منكرًا أصلًا، فينبغي له أن يعطي مما أعطاه الله ولا يكفر بالنعمة. (وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) عَبَّر بالظاهر دون أن يقول: تظلمونه، بالضمير ﴾ [الحاقة: ٣] على الأصل؛ تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لأمره، نحو ﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا الْحَاقَّةُ والمعنى: تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده، فإنه (قَدِ احْتَبَسَ) أي: وقف. (أَدْرَاعَهُ) بمهملات، جمع دِرع بكسر الدال، وهي الزردية. (وَأَعْتُدَهُ) بضم المثناة جمع عَتَد بفتحتين. وفي ((مسلم)): ((أعتاده)) بزيادة الألف بعد التاء، وهو أيضًا جمعه. وقال النووي: واحده عَتَاد بفتح العين. وقال الجزري: الأعتد والأعتاد جمع عتاد وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب. ويجمع على أعتده بكسر التاء أيضًا. وقيل: هو الخيل خاصة، يقال: فرس عتيد، أي : صلب أو مُعَدٌّ للركوب، أو سريع الوثوب. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قصة خالد تُؤَوَّلُ على وجوهٍ : أحدها: أنهم طالبوا خالدًا بالزكاة عن أثمان الأعتاد والأدراع بظنِّ أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة فيها عليَّ، فقالوا للنبي ◌َّ: إن خالدًا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل اللّه قبل الحول، فلا زكاة فيها: فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة ولمن أوجبها في عروض التجارة، ولمن جوز احتباس آلات الحروب من الدروع والسيوف والجحف، وقد يدخل فيها الخيل والإبل؛ لأنها كلها عتاد للجهاد، وعلى قياس ذلك الثياب والبسط والفرش ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها، ولمن جوز صحة الوقف والحبس من غير إخراج من يد الواقف، وذلك أن الشيء لو لم يكن في يده لم يكن لمطالبته بالزكاة عنه معنى. Best ١٩٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وثانيها: أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه، وأراد أنه لا يمنع الزكاة إن وجبت عليه؛ لأنه قد جعل أدراعه وأعتاده في سبيل اللَّه؛ تبررًا وتبرعًا وتقربًا إليه تعالى، وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة، فإذا أخبر بعدم الوجوب أو منعَ فيصدق في قوله ويعتمدُ على فعله. وقيل: المعنى: أنه وُّ لم يقبل قول من أخبره بمنع خالد؛ حملًا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه بناء على ما فهموه، ويكون قوله: ((تظلمونه)) أي: بنسبتكم إياه إلى المنع، وهو لم يَمْنَعْ، وكيف يمنع الفرض، وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟! وثالثها: أنه أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه في سبيل الله فيما يجب عليه من الزكاة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد الأصناف الثمانية سبيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها في الحال كصرفها في المآل، فيكون فيه حجة لمن جوز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، وهو قول كافة العلماء، خلافًا للشافعي، ولمن قال بجواز إخراج القيم في الزكاة كالحنفية، وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب: أخذ العروض في الزكاة، فيدلَّ على أنه ذهب إلى هذا التأويل . وتعقب ابنُ دقيق العيد جميع ما يتفرع على التأويل الأول والثالث، بأن القصة واقعة عين محتملة لما ذكر ولغيره، فلا ينهضُ الاستدلال بها على شيء مما ذكر، قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده في سبيل اللّه؛ إرصاده إياها لذلك وعدم تصرفه بها في غير ذلك، وهذا النوع حبس وإن لم يكن تحبيسًا أي: وقفًا. ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكر، فإنه استدلال بأمر محتمل غير متعين لما ادعى. (فَهِيَ) أي: صدقة العباس. (عَلَيَّ) أي: أنا ضامن متكفِّل عنه، وإلا فالصدقة عليه حرام. (وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: مثل تلك الصدقة في كونها فريضة عام آخر؛ لا في الأسنان والمقادير، فإن ذلك يتغير بزيادة المال ونقصانه، ولا يعرف ذلك إلا بعد دخول عام آخر. قيل: معناه أنه أخَّر عنه زكاة عامين؛ لحاجة بالعباس، وتكفَّل بها عنه. قال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥: ص ٤٧٠): معناه: أنه أوجبها عليه ١٩١ كِتَابُ الزَّكَاةِ وضمنه إياها ولم يقبضها، وكانت دينًا على العباسٍ؛ لأنه رأى به حاجة إلى ذلك. وقال أبو عبيدٍ: أرى - والله أعلم - أنه كان أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها بعد كالذي فعله عمر في عام الرمادة، فلما أُحْيِيَ الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامین . قال التوربشتي: ويخرج معنى قوله: ((فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) على هذا التأويل أن النبي وَله قال هذا القول على صيغة التكفل بما يتوجه عليه من صدقةٍ عامين، وهو تأويل حسن، انتهى. وقال في ((اللمعات)): استمهل العباس رسول اللَّه ◌َ له بذلك عامين لحاجة كانت له فأمهله، ويجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان لوجه النظر ثم يأخذها، وقيل: معناه أنه وَّ التزم بإخراج ذلك عنه، ويرجحه قوله: ((أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ)) أي: مثله، ففي هذا اللفظه إشعار بذلك، فإن كونه صنوًا لأب يناسب أن يحمل عنه، أي: هي عليَّ إحسانًا إليه وبرًّا به وتفضيلًا له وتشريفًا. قال الخطابي: وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون قد تحمل بالصدقة وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال: ((أن عم الرجل صنو أبيه)) يريد أنه حقه في الوجوب كحق أبيه عليه؛ إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد، فأنا أنزهه عن منع الصدقة والمطل بها وأؤديها عنه. وقيل: معنى ((علَيَّ)) عندي أي: هي عندي قرض؛ لأنه وّل﴾ استقرض منه زكاة عامين لاحتياجه لصر فها في مصارفها، أو في المصارف الأخرى التي على بيت مال المسلمين، وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه الترمذي وغيره من حديث علي. وفي إسناده مقال . وفي الدار قطني من طريق موسى بن طلحة: أن النبي ◌َّ قال: ((إِنَّا كُنَّ احْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ سَنَتَيْنٍ))، وهذا مرسل، وروى الدار قطني أيضًا موصولًا بذكر طلحة، وإسناد المرسل أصح. وقيل: إن العباس عجل إليه ◌َ ليل صدقة عامين هذا العام الذي طلب العامل منه، والعام الذي بعده، وهو المراد بقوله: ((وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) ومعنى ((عَلَيَّ)): عِندِي، أي: قد وصل إليَّ زكاة العباس لعامين، فهي عندي. قال أبو عبيدة بعد ذكر ما يدل على ١٩٢ * مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أنه أخر زكاته عنه وما يدلَّ على أنه تعجلها منه: ولعل الأمرين جميعًا قد كانا، أي: في وقتين. قال: وكلا الوجهين جائز إذا كان على وجه الاجتهاد، وحسن النظر من الإمام. وقيل: يحتملُ أن النبي وَ لّل استسلف منه مالًا ينفقه في سبيل الله، ثم يحتسب له من الصدقة عند حلولها. قال الحافظ: وقيل: المعنى: استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يقاص به من ذلك، واستبعد ذلك بأنه لو كان وقع لكان ◌َّ أعلم عمر بأنه لا يطالب العباس، وليس ببعيدٍ، انتهى. واعلم أنه وقع اختلاف في هذا اللفظ، ففي رواية وقع كما في الكتاب، وهو لفظ مسلمٍ، وفي رواية: ((فهي علي صدقة ومثلها معها»، وهو لفظ البخاري، وفي رواية: ((هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) أي: من غير ذكر الصدقة، ذكر هذا اللفظ البخاري، ووصله الدار قطني من طريق محمد بن إسحاق. وفي رواية: «فَهِيَ لَهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) وهو لفظ ابن خزيمة، أخرجه من طريق موسى بن عقبة. أما معنى اللفظ الذي في ((المشكاة)) فقد تقدم الكلام عليه آنفًا. وأما معنى «فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) فقيل: إنه رَّهِ ألزم العباس بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، فضمير ((عليه)) للعباس. والمعنى: هي، أي: الصدقة المطلوبة من العباس، عليه صدقة أي: واجبة ثابتة عليه لازمة له، سيتصدق بها و((مثلها معها)) أي: ويضيف إليها مثلها كرمًا منه، وليس معناه أنه يقبضها؛ لأن الصدقة عليه حرامٌ؛ لكونه من بني هاشم، أي: وظاهر هذا الحديث أنها صدقة عليه ومثلها معها، فكأنه أخذها منه وأعطاها له. وقيل: هو محمول على ظاهره، وكان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم. وقيل: المعنى: أن أمواله كالصدقة عليه؛ لأنه استدان في مفاداة نفسه وعقيل، فصار من جملة الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار. وقيل: يحتمل أن ضمير ((عليه)) لرسول اللَّه وَله وهو الموافق لما قيل: إنه وَال استسلف منه صدقة عامين، أي: فصدقة العباس على الرسول اللَّه وَ له، فيكون موافقًّا لقوله في رواية مسلم: ((فَهِيَ عَلَيَّ)). وأما معنى: ((فَهِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا))، فهو أنه أخرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين، وقد تقدم هذا في كلام أبي عبيدة واضحًا . ١٩٣ كِتَابُ الرَّكاةِ وقيل: المراد بقوله: (فَهِيَ عَلَيْهِ)) أي: على النبي ◌ِّه، ليكون موافقًا لروايةٍ مسلمٍ بلفظ: ((فَهِيَ عَلَيَّ)) قال البيهقي: ورواية الحديث بلفظ: ((فهي علي)) أولى بالصحة، لموافقتها للروايات الصريحة بالاستسلاف والتعجيل، انتهى. وقال الحافظ بعد ذكر حديث ابن مسعود: إن النبي ◌ّ تعجّل من العباس صدقة سنتين: في إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعًا للإشكال، ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات. وأما معنى ((فَهِيَ لَهُ وَمِثْلُهَا مَعَهَا)) أي: فهي عليه. قال البيهقي: ((له)) بمعنى ((عليه))، وهذه الرواية محمولة على سائر الروايات، أي: اللام هنا بمعنى على؛ لتتفق الروايات. قال الحافظُ: وهذا أولى؛ لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبان. (أَمَا شَعَرْتَ) بفتح العين، و((الْهَمْزَةِ)) استفهامية، و((مَا)) نافية أي: ما علمت. (أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) بكسر الصاد وسكون النون، أي: مثله ونظيره؛ إذ يقال النخلتين نبتا من أصل واحد: صنوان، ولأحدهما صنو، والمعنى أما تنبهت أنه عمي وأبي، فكيف تتهمه بما ينافي حاله، لعل له عذر، أو أنت تلومه، قاله القاري. وقال المظهر: يعني: عم الرجل وأبوه كلاهما من أصل واحد، يعني: إذا علمت أنه وإني من أصل واحد، فلا تقل له ما يتأذى منه؛ محافظة لجانبي. وقال التوربشتي: أراد بأن أباه والعباس من أرومة واحدة، وأنه منه بمثابة الأب، ويقال للمثل: الصنو، أي: مثل أبيه، فمن الأدب بل من الواجب أن لا يسمعه فيه ما يعود منه نقيصة عليه. وقال الجزري: المراد بهذا القول، إن حقَّ العباس في الوجوب كحق أبيه ◌َّلإر، فأنا أنزهه عن منع الصداقة والمطل بها. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عبيد وابن خزيمة والبيهقي. ١٩٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ١٧٩٤ - [٨] عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ◌َ رَجُلًّا مِنَ الْأَزْدِ - يقَالَ لَهُ: ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّ أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَّى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْنِي أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَّهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرًا لَهُ خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ)) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] قال الخطابي: وَفِي قَوْلِهِ: ((هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُّهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟)) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُتَذَرَّعُ بِهِ إِلَى مَحْظُورٍ فَهُو مَحْظُورٌ، وَكُلُّ دَخَلِ فِي الْعُقُودِ يَنْظُرُ هَلْ يَكُونُ حُّكُمُهُ عِنْدَ الْإِنْفِرَادِ كَحُكْمِهِ عِنْدَ الْاِقْتِرَانِ أَمْ لَا؟َ هَكَذَا فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). الْشَرْحُ ١٧٩٤ - بقوله: (اسْتَعْمَلَ النَِّيُّ نَّهِ رَجُلًا) أي: جعله عاملًا وساعيًّا. (مِنَ الْأَزْدِ) بفتح الهمزة وسكون الزاي، آخره دال مهملة، أبو حي باليمن. وفي روايةٍ: ((من الأسدِ)) بالسين المهملة بدل الزاي. وفي رواية: مِن بني الأسدِ. قال النووي: الأسْدُ بإسكان السينٍ، ويقالُ له - أي: للرجل المذكور: الأزدي من أزد شنوة، ويقال لهم: الأزد والأسد. وقال التيمي: الأسد والأزد يتعاقبان. وقال الرشاطي: هو الأزد بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، ثم قال: يقال له: الأزد بالزاي والأسد بالسين. (يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ) بضم اللام وسكون المثناة الفوقية، وكسر الموحدة ثم ياء النسب. وفي بعض الأصول: بفتح المثناة. وقيل: بفتح اللام والمثناة، والمشهور (١٧٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤١٧٤)، ومُسْلِم (٢٦/ ١٨٣٢) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٢٩٢٦). ١٩٥ كِتَابُ الرَّكَاةِ الأول. قيل: وهو الصواب، نسبةٌ إلى بني لتب، حي من الأزد، واسم ابن اللتبية : عبد الله فيما ذكر ابنُ سعدٍ وغيره. قال في ((الإصابة)): عبد الله بن اللتبية بن ثعلبة الأزدي مذكور في حديث أبي حميد الساعدي في ((الصحيحين)): أنَّ النبيَّ وَلّ بعث رجلاً على الصدقات يدعى ابن اللتبية ... الحديث. وإنما يأتي في أكثر الروايات غير مسمى، وسماه ابن سعد والبغوي وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والباوردي وغير واحد - عبد الله، انتهى. قيل: واللتبية كانت أمه فعرف بها. قال الحافظ: ولم أقف على اسمها، ووقع في روايةٍ: ابنِ الأتبية بضم الهمزة بعدها و مثناة فوقية ساكنة وتفتح فموحدة مكسورة فتحتية مشددة. (عَلَى الصَّدَقَةِ) وفي رواية: على صدقات بني سليم بضم السين وفتح اللام. قال الحافظُ: أفاد العسكري بأنه بعث على صدقات بني ذبيان، فلعلّهُ كان على القبيلتين. وفي روايةٍ: بعث مصدقًّا إلى اليمن. (فَلَمَّا قَدِمَ) أي: المدينة بعد رجوعه من عمله وأمر ظلّلا من يحاسبه ويقبض منه. (قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي) بصيغة الماضي المجهول من الإهداء، أي: قال لبعض ما معه من المال: هذا مال الزكاة، وقال لبعضه الآخر: هذا أعطانيه القوم هدية. وفي رواية أبي نعيمٍ: ((فجعلَ يقولُ: هذا لكم وهذا لي حتى ميَّزَهُ، قال: يقولونَ: مِن أينَ هذا لك؟ قالَ: أُهدي لي، فجاؤوا إلى النبي ◌َّ بما أعطاهم)). (فَخَطَبَ النَّبِيُّ ◌َّ﴾ أي: الناس ليعلمهم وليحذرهم من فعله، زاد في رواية قبل ذلك: ((أَلَا جَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَبِيَكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا)) ثم قام فخطب. وفي رواية: فصعد المنبر وهو مغضب. (أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا) أي: اجعلهم عمَّالًا. (مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ) أي: جعلني حاكمًا فيه. (فَيَأْتِي أَحَدُهُمْ) أي: من العمال، وروعي فيه الإجمال ولم يبين عينه؛ سترًا وتكرمًا عليه. (وَهَذِهِ) أنث التأنيث الخبر، وهي (هَدِيَّةٌ أَهْدِيَتْ لِي) أعطيت لي أو أرسلت إليَّ هدية. (فَهَلَّا) وفي رواية ((أَلَّا)) بفتح الهمزة وتشديد اللام وهما بمعنَّى. (جلَسَ) أي: لِمَ لَمْ يجلس. (فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أَمِّهِ) قال القاري: ((أو)) للتنويع، أو للشك، وهذا تحقير لشأنه في حد ذاته، يعني: إنما عرض له التعظيم من حيث عمله، انتهى. وفي رواية للشيخين: ((في بيت أبيه وأمه)). وفي رواية للبخاري: ((فِي بَيْتِ أَبِيهِ ١٩٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * * وَبَيْتِ أُمِّهِ)) أي: بالواو بدل ((أو)). (فَيَنْظُرَ) بالنصب جواب قوله: ((فَهَلَّا جَلَسَ)) أي: فيرى أو فينتظر، قاله القاري. وقال القسطلاني: الظاهرُ أن النظر هاهنا من طريق العلم، وتوقف فيه ابن هشام في ((مغنيه))، وقال به أخرى، حكاه في ((المصابيح)). (أَيُهْدَى لَهُ) أي: شيء في بيته الأصلي. (أَمْ لَا) وفي رواية للبخاري: ((حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًّا)). والمعنى: لولا الإمارة والحكومة لم يهد له شيء، فهذا الذي أهدي له إنما هو لإمارته وعمله، وهو الرشوة، فلا يحل له. قال النووي: في الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديثِ في عُقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بَيَّن ◌َّ في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة، وحكم ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية أنه يرده إلى مهديه، فإن تعذر فإلى بيت المال. وقال الخطابي: في الحديثِ بيان أن هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائرَ الهدايا المباحة، وإنما يُهْدَى إليه للمحاباة وليخفف عن المُهْدِي ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه وبخس للحق الواجب عليه استيفاءه لأهله. (لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ) أي: مال الصدقة. (شَيْئًا) وفي رواية: ((لا ينال أحدٌ منكم منهما - أَيْ: من الصدقة التي يقبضها - شيئًا)). وفي أخرى: لا يأخذ أحد منكم منها شيئًا بغير حقه. وعند أبي عوانة: لا يغل منه شيئا. (يَحْمِلُهُ) حال أو استئناف بيان. (عَلَى رَقَبَتِهِ) أي: تشهيرًا وافتضاحًا. وفي روايةٍ: على عنقه. (إِنْ كَانَ) أي: المأخوذ. (بَعِيرًا) أي: يحمله على رقبته بحذف جواب الشرط لدلالة المذكور عليه. (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وبالغين المعجمة ممدودًا، يقال: رغا البعير إذا صوت أي: إن كان المأخوذ بقرًا يحمله على رقبته حال كونه له رغاء. وقال الطيبي: أي: فله رغاء، فحذف الفاء من الجملة الاسمية. وهو سائغ، لكنه غير شائع، انتهى. وعند أبي داود: ((إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا فَلَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرًا فَلَهَا خِوَارٌ)). (أَوْ) كان المأخوذ (بَقَرًّا) بحمله على رقبته حال كونه (له خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، وهو صوت البقر. (أَوْ) كان المأخوذ. (شَاةً) يحملها على رقبته حال كونها. (تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون كِتّابُ الزَّكَاةِ ١٩٧ التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، ويجوز كسر العين أي: تصيح وتصوت، واليعار: صوت الشاة الشديد. قال في ((المفاتيح)): يعني: مَن سرق شيئًا في الدنيا من مال الزكاة أو غيرها يجيء يوم القيامة، وهو حامل لما سرق إن كان حيوانًّا له صوت رفيع ليعلم أهل العرصات حاله، فيكون فضيحته أشهر، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ج اٌلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وقال التوربشتي: لما كان الرغاء والخوار من الأصوات التي يسمعها البعيد كما يسمعها القريب، قال: ((له رغاء))، و(له خوار))، فلما انتهى إلى الشاة جعل الصياح صفة لازمة لها ليدل على أنها لا تزال تيعر بين أهل الموقف؛ ليكون ذلك أنكل في العقوبة وأبلغ في الفضيحة، انتهى. (ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: وبالغ في رفعهما. (حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ) بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء آخره هاء تأنيث أي: بياضهما المشرب بالسمرة والعفرة بياض ليس بخالص. (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) بالتشديد أي: قد بلغت، أو استفهام تقريري، والمراد: بلغت حكم الله إليكم؛ امتثالًا لقوله تعالى له: [المائدة: ٦٧] وإشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأمم هل بلغهم أنبياءهم ما أرسلوا به إليهم. (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) وفي رواية لمسلم: ((قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) مرتين. ومثله لأبي داود ولم يقل: مرتين. وفي رواية للبخاري: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) ثلاثًا. وفي أخرى له: ((أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ)) ثلاثًا. أي: أعادها ثلاث مرات وكرر هذا لتقرير وعظه على الناس؛ ليكون أكثر وقعًا وتعظيمًا وحفظًا في خواطرهم يعني الله تعالى شاهدي على تبليغ حال السرقة حتى لا ينكروا تبليغي يوم القيامة . وفي الحديث من الفوائد: محاسبة العامل والمؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته، وهو أصل فعل عمر في محاسبة العمال. وفيه: أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا أن يطيبها له الإمام كما في قصة معاذ، أنه ظلَّ طيب له الهدية، فأنفذها له أبو بكر بعد رسول اللَّه ◌َ ليل. قال الحافظ في ((الفتح)): في الحديث منع العمال من قبول الهدية ١٩٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ممن له عليه حكم، ومحل ذلك إذا لم يأذن له الإمام في ذلك، لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول اللَّه وَ ل إلى اليمن، فقال: ((لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ)). وقال المهلب: فيه أنها إذا أُخِذَتْ تُجْعَل في بيت المال، ولا يختصُّ العامل منها إلا بما أذن له فيه الإمام، وهو مبني على أن ابن اللتبية أخذ منه ما ذكر أنه أهدي له وهو ظاهر السياق، ولكن لم أر صريحًا. ونحوه قول ابن قدامة في ((المغني)) (ج٩ ص٧٨) لما ذكر الرشوة والهدية التي ليس للحاكم قبولها: فعليه ردها إلى أربابها؛ لأنه أخذها بغيرِ حقٍّ، فأشبه المأخوذ بعقد فاسدٍ، ويحتمل أن يجعلها في بيت المال؛ لأن النبي ◌َّ لم يأمر ابن اللتبية بردِّ الهدية التي أهديت له على من أهداها. وقال ابن بطال: يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه، وفيه: إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ. وقال ابن المنير: يؤخذ من قوله: ((هَلََّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمَّهِ» جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة. وفيه: أن من رأى متأولًا أخطأ في تأويل يضر من أخذ به أن يشهر القول للناس، ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به. وفيه: جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الإمارة وللإمامة والأمانة مع وجود من هو أفضل منه انتهى كلام الحافظ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والهبة والأيمان والنذور والحيل والأحكام، ومسلم في المغازي، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٥٢٣) وأبو داود في الخراج، وأبو عوانة والبيهقي وغيرهم. وفي الباب عن عائشة عند البزار، وعن ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)) ذكرهما الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٣ ص ٨٥ - ٨٦) مع الكلام فيهما. (قَالَ الْخَطَّابِيُّ) صاحب «معالم السنن)). (وَفِي قَوْلِهِ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ) كذا في رواية أبي داود بتقديم الأم. قيل: هي رواية بالمعنى، والأصل ما وقع عند الآخرين بتقديم الأب وهو أيضًا مقتضى المقام، فإنه مشعر بزيادة الإكرام، فقوله في الحديث: ((أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ)) محمول على التنزل. (فَيَنْظُرْ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا) ١٩٩ كِتَابُ الرَّكَاةِ كذا في بعض نسخ أبي داود بلفظ: ((إليه)) مكان: له، وهكذا وقع في بعض روايات البخاري. (دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرِ يُتَذَرَّعُ) بالذال المعجمة على بناء المفعول من التذرع أي: يتوسل. (بِهِ إِلَى مَحْظُوَرٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ) أي: ممنوع ومحرم، ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة، والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا أجرة وكراء، والدابة المرهونة يركبها أو يرتفق بها من غير عوض، قاله القاري. وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((فتاواه)): معنى قول الخطابي: أن المباح إذا جعله وسيلة إلى أمر محرم صار حرامًا، كقبول الهدية في قصة ابن اللتبية، فإنه في الأصل مباح، لكن لما جُعِلَ وسيلة إلى أخذ الزكاة بالمحاباة والمسامحة، وهو حرام صار حرامًا؛ لأن للوسائل حكم المقاصد في الحرمة، انتهى. (وَكُلَّ دَخَلٍ) بفتحتين. هكذا وقع في بعضٍ النسخ. وفي أكثرها: ((دخيل))، على وزن كريم، وهكذا في ((معالم السنن)) ((وَكُلَّ)) بالرفع. وقيل: بالنصب، أي: كل عقد يدخل. (فِي العُقُودِ) ويضم إلى بعضها كعقد البيع والهبة والإِجارة والقرض والنكاح والرهن. (يَنْظُرُ) أي: فيه. (هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ الإِنْفِرَادِ) أي: قبل دخوله في ذلك العقد وانضمامه إليه. (كَحُكْمِهِ عِنْدَ الْأقْتِرَانِ) والاجتماع والدخول. (أَمْ لَا) فعلى الأول يصح، وعلى الثاني لا يصح، كما إذا باعَ من أحدٍ متاعًا يساوي عشرة بمائة ليقرضه ألفًا مثلا يدفع ربحه إلی ذلك الثمن، ومن رهن دارًا بمبلغ كثير وآجره بشيء قليل، فقد ارتكب محظورًا. قال الطيبي: ولما علم رسول اللَّه ◌َ ل أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور بالغ حيث قال: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) مرتين، كذا في ((المرقاة)). وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي: معنى قول الخطابي: أن من أدخل عقد في عقد آخر، كمن أدخل إعارة في رهن أو إجارة في رهن أو قرضًا في بيع، ينظر هل يكون حكم ذلك العقد الداخل عند الانفراد عن العقد الذي أدخل فيه كحكمه في تعليق رضاء المتعاقدين به عند اقترانه به أم لا؟ فعلى الأول يصح، وعلى الثاني لا يصح، كما إذا باع متاعًا بثمن يسير ليقرضه ألفًا، فلو لم يتوقع البائع منفعة القرض لما باع بهذا القدر ولم يرض به، وكذا لو لم يكن رهن الدار بمبلغ كثير لم يرض الراهن بإجارتها بشيء يسير، ولم يرض بإعارتها فلا تصح هذه العقود؛ لأنها لم يتعلق بها الرضاء عند الانفراد بل عند الاقتران فقط، ولو كان بين الراهن والمرتهن صداقة